أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - زهير سوكاح - نظرية أماكن الذاكرة لبيير نورا: التاريخ الجديد والذاكرة














المزيد.....

نظرية أماكن الذاكرة لبيير نورا: التاريخ الجديد والذاكرة


زهير سوكاح

الحوار المتمدن-العدد: 6176 - 2019 / 3 / 18 - 01:21
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


يُعتبر كتاب (أماكن الذاكرة) Les Lieux de mémoire، الصادر سنة 1994 للمؤرخ الفرنسي بيير نورا Nora Pierre، من بين أهم المراجع التنظيرية في حقل الدراسات التاريخية، التي ظهرت في فرنسا حول مفهوم الذاكرة الجمعية. في هذا الكتاب الضخم المُؤلف من سبعة أجزاء، يرى بيير نورا أنه لم يعد هنالك إمكانية لحضور الذاكرة الجمعية بمعناها الهالبفاكسي (نسبة إلى موريس هالبفاكس) في المجتمع الفرنسي ومعه مجتمعات أوروبا الغربية، قائلا في جملته الشهيرة: "كَثُر الحديث في عصرنا هذا حول الذاكرة الجمعية، وهذا مرده أصلا إلى غيابها المطلق، أي أنه لم يعد هنالك وجود لشيء يحمل هذا الاسم" (Erll:2005). من هذا المنطلق ركّز نورا في دراساته حول ماهية الذاكرة الجمعية على ما أعتبره بالمقابل الحسي لها، أي بما أسماه بـ: أماكن الذاكرة، وتشمل أماكن الذاكرة ـ حسب نورا ـ أمكنة جغرافية وبنايات وتماثل وأعمال فنية، وأيضا شخصيات تاريخية وأيام تذكرية ونصوصا فلسفية وعلمية وأنشطة رمزية، وغيرها، وهكذا تعد كل من باريس وقصر فرساي وبرج إيفل، على سبيل المثال لا الحصر، من أماكن الذاكرة في فرنسا. بل أيضا العلم الفرنسي، والرابع عشر من يوليوز وكتاب (مقال عن المنهج) Discours de la méthode للفيلسوف الفرنسي ديكارت، هي كلها تندرج تحت مسمى أماكن الذاكرة الفرنسية (سوكاح: 2007).
يعتقد نورا أن بدايات تشكل وتبلور أماكن الذاكرة الفرنسية ترجع إلى عصر الجمهورية الفرنسية الثالثة، أي في القرن التاسع عشر، ففي تلك الحقبة قامت الذاكرة الوطنية بتأسيس الهوية الجمعية الفرنسية، لكن سرعان ما أن تبددت معالم هذه الذاكرة ابتداء من النصف الثاني من القرن العشرين، وحسب نورا، فإن المجتمع العصري يشهد انتقالية ذات وثيرة متسارعة، بدأت فيها معظم، أو إن لم نقل جل، أشكال الارتباط بالماضي والمُؤسسة في آن واحد للهوية الجمعية في الاضمحلال تدريجيا، مما يجعل أماكن الذاكرة ذلك البديل الحسي و"الاصطناعي" لذاكرة جمعية فرنسية لم تعد موجودة الآن بحسب تصوره. في هذا الكتاب يتحدث بيير نورا عن ثلاثة شروط لإضفاء صبغة "الذاكرية" على مفهوم مجرد أو شيء حسي معين، وبناء عليه فيمكننا الحديث أيضا عن ثلاثة أبعاد لأماكن الذاكرة، وهي: البعد المادي والبعد الوظيفي والبعد الرمزي (سوكاح: 2007).
البعد المادي لأماكن الذاكرة لا يجب أن يحيلنا إلى أن هذه الأماكن تقتصر على أشياء ملموسة (قابلة للمس) ذات طبيعة مادية فقط، كاللوحات الفنية أو كتب وغير ذلك، فأحداث تاريخية حاسمة أو دقائق صمت لإحياء ذكرى شخص ميت تتوفر أيضا على بعد مادي جلي لأنها ـ كما يعتقد نورا ـ عبارة عن مقطع مادي محدد من فترات ووحدات الزمن. كل هذه التموضوعات تمتلك بعدا وظيفيا، بمعنى أنها تُحقق أو تمارس وظيفة محددة ومضبوطة ضمن المنظومة الاجتماعية، فكتب معروفة في فرنسا، مثل كتاب (تاريخ فرنسا) Histoire de France لمؤلفه Ernest Lavisse، وُضعت في بادئ الأمر ـ قبل أن ترتقي إلى درجة مكان ذاكري ـ لتحقيق هدف معين ومحدد، وهكذا فإن هذا الكتاب التعليمي يُعتمد كمرجع مدرسي أساسي ضمن حصص التاريخ في المدارس الفرنسية. وبالنسبة للمثال السابق، دقائق الصمت، فوظيفتها بالأساس حسب نورا، هي: الاستيعاد أو الاستحضار الزمني المؤقت لذكرى أو لذكريات محددة. وأخيرا وليس آخرا، يتحتم على هذه التموضوعات، لكي تصل إلى مرتبة أماكن الذاكرة، أن تكون أيضا ذات بعد رمزي، أي حاملة لمعنى رمزي معين، وهذا يظهر بشكل جلي، حينما تنتقل، على سبيل المثال، ممارسات أو أفعال معينة إلى طقوس محاطة بهالة رمزية، فقط بعد هذا الارتقاء الرمزي تصبح هذه التموضوعات حاملة لنفس الطبيعة الحضارية، التي تمتلكها أماكن الذاكرة في مجتمع ما (سوكاح: 2007).
هذا التعريف الواسع بل والفضفاض لمفهوم أماكن الذاكرة، جعل العديد من النقاد يطرحون تساؤلات مشروعة حول كيفية فصل أماكن الذاكرة عن غيرها من الأماكن غير الذاكرية، بل وهل يمكننا فعلا الحديث عن أماكن ذاكرية وأخرى غير ذلك. والحقيقة أن تعريف بيير نورا هذا يجعل على كل حال النظر إلى الظواهر الثقافية ـ الجمعية المرتبطة عن وعي أو عن غير وعي بالماضي المشترك وبالهوية القومية لمجتمع معين كأماكن للذاكرة أمرا مقبولا بل ممكنا. ومن هنا تتجلى أهمية نظرية أماكن الذاكرة لبيير نورا في كونها مثالا جيدا للبعد التنظيري للكتابة التاريخية الذاكراتية، والتي يتم فيها الربط بين التنظير التاريخي للذاكرة ووظائفها المجتمعية وبين التصورات الكلاسيكية للماضي المهيمنة على الكتابة التقليدية والنمطية للتاريخ (سوكاح: 2007).
ليس من الغرابة في شيء، أن يجد هذا المشروع التنظيري الجديد في حقل العلوم التاريخية المعاصرة أو ما يعرف بالتاريخ الجديد، مساندين له خارج حدود التنظير الفكري الفرنسي. وهكذا ظهرت مشروعات تنظيرية مماثلة في القارة الأوروبية وأيضا في خارجها استلهمت معظمها النهج التنظيري لأماكن الذاكرة الفرنسية، مثل المشروع الألماني: Erinnerungsorte (2001)، والذي لم يقتصر على النطاق الألماني فحسب، بل كان منفتحا في عمومه على الأفق الأوروبي، أيضا ظهر مشروع تنظيري آخر في الولايات المتحدة والمعروف بـ: Sites of Memory، وغيرها من المشاريع التنظيرية حول الأماكن الذاكرة في بلدان ومناطق أخرى كإيطاليا وأوروبا الشرقية ومنطقة الكيبيك، الجزء الناطق بالفرنسية في كندا (Erll: 2007).
*هذا المقال تحديث لمقالي السابق: "أماكن الذاكرة"، الحوار المتمدن، العدد 1867، بتاريخ 27/3/2007.

المصادر:
سوكاح، زهير: "أماكن الذاكرة"، الحوار المتمدن، العدد 1867، بتاريخ 27/3/2007.
Astrid Erll: Kollektives Gedaechtnis und Erinnerungskulturen, Metzler Verlag, 2005.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,513,752,031
- نظرية الذاكرة الجمعية لموريس هالبفاكس: التذكر بوصفه ظاهرة مج ...
- قصيدة -توم المسكين- لشاعر البروليتاريا الألمانية غيورغ فيرت
- أقوال هاينية خالدة
- جرائم منسية: ألمانيا وماضيها الاستعماري في إفريقيا
- بنات الرياض في الصحافة الألمانية
- يواخيم كامبه..نضال من أجل -ألمنة- الألمانية!
- قراءة في إصدار ألماني حول الذاكرة والتاريخ في الإسلام
- توم المسكين للشاعر الألماني غيورغ فيرت
- إلى ديوتيما فريدريش هولدرلين
- أماكن الذاكرة
- مفهوم الذاكرة الجمعية عند موريس هالبواكس
- حول أحادية كتابة التاريخ العربي والإسلامي


المزيد.....




- انتخابات الرئاسة التونسية: مؤشرات على الاتجاه نحو جولة إعادة ...
- من السالمونيلا إلى الليستيريا.. كم يستغرق ظهور أعراض التسمم ...
- السراج متفائل بالنصر في طرابلس والمعارك متواصلة
- من بينهم فيثاغورس وكريستوفر كولومبوس.. عباقرة خلدهم التاريخ ...
- اليمن.. مقتل جنديين وجرح ضابط في تفجير وهجوم بمحافظتي شبوة و ...
- خط غاز جديد من روسيا إلى الصين محفوف بعثرات
- ترامب يكذب بومبيو مشيرا إلى شروط للقائه بالإيرانيين
- مطار معيتيقة الليبي يتعرض لقصف جوي عنيف
- دراسة تكشف فوائد للشاي لم تسمع عنها من قبل
- السودان.. إحالة قيادات في الجيش إلى التقاعد


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - زهير سوكاح - نظرية أماكن الذاكرة لبيير نورا: التاريخ الجديد والذاكرة