أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي المسعود - فيلم- نيرودا -فيلم ينتصر للحرية والإبداع















المزيد.....


فيلم- نيرودا -فيلم ينتصر للحرية والإبداع


علي المسعود
(Ali Al- Masoud )


الحوار المتمدن-العدد: 6174 - 2019 / 3 / 16 - 15:09
المحور: الادب والفن
    


فيلم" نيرودا "فيلم ينتصر للحرية والإبداع

علي المسعود
من وسط البؤس والفقر والمرض انسل الشاعر التشيلي بابلو نيرودا 1904 1973، كقصيدة ثورية تحمل الأمل للبشرية بعالم جديد يسوده العدل والحب، أو هكذا كانت قصائده وأشعاره، خرج نيرودا من بيت عمالي وهو يحمل اسم" نفتالي ريكاردو رييز"، وذلك اسم الشاعر الحقيقي الذي حاز على جائزة نوبل للآداب عام 1971م، حاصره البؤس صغيراً وماتت أمه بالسل وهو بعد رضيع، وقد تقلب في الحياة في كبد شديد، لكنه مارس تعويضاً في شعره، لتأتي نصوصه وهي تحمل داخلها كل الآمال المفقودة، كتب الشعر صغيراً وهولم يبلغ الخامسة عشرة، وقد كان للحياة والمعاناة التي عاشها انعكاس كبير في أشعاره، ليحقق بعد قليل شهرة كبيرة على مستوى كل العالم ، وكان من أشهر تلك المجموعات الشعرية التي كتبها نيرودا «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة»، وهي المجموعة التي وجدت انتشاراً كبيراً على مستوى كل العالم، وترجمت إلى كثير من اللغات من بينها العربية، وقد جعل من شعره سلاحا ماضياً ضد الظلم والقهر والشمولية، في شخصيةٍ بابلو نيرودا يتقاطع فيها العاشق بالعقائدي، والشاعر بالسياسي الذي رشح نفسه في آخر سنواته إلى رئاسة الجمهورية قبل أن ينسحب لمصلحة رفيقه سلفادور ألليندي، فإنَّ الأمر لن يخلو من مساحة أكيدة تتجاور فيها تلك التناقضات، وقد يكون لافتاً أنه لم يكن حزبياً، في مطلع شبابه، فقد انتسب للحزب الشيوعي التشيلي عام 1945، بعدما كان قد تجاوز الأربعين من عمره، يومذاك كانت الحرب الباردة في ذروتها، والشيوعية لها المقام والمقال، في الساحات العربية ومنابرها الكثيرة، من هنا كرَّس صاحب «أغنية حبٍّ إلى ستالينغراد» تلك الصورة التي ظلت تستهوي الشعراء العرب في تلك الحقبة، واستمرت كذلك حتى بعد رحيله، صورة الشاعر الثوري المناضل المنفي العاشق، والتي استمدَّت منها مقولات: «السعادة الثورية» و «الفرح الشيوعي» و(العشق الأممي). وعلى الرغم من قسوة الحياة التي عاشها إلا أن نيرودا ظل يتمسك بالأمل والتفاؤل، وفي سيرته الذاتية قال: (أعترف قد عشت حياة رغم قساوتها لكنها ثرية باللذائذ والمتعة)، وهي السيرة التي حملت عنوان «أشهد أني قد عشت»، والتي صدرت عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ترجمة وشرح محمود صبح ، وهي آخر ما كتب في حياته، إذ صدرت طبعتها الإسبانية في برشلونة بعد بضعة أشهر من رحيله عام 1973. وقد نال نيرودا حب الجماهير في بلاده التي تغنت بقصائده ولازالت، وبعد فوزه بجائزة نوبل للآداب عام 1971م، كان في استقباله الآلاف من الجماهير التي احتفلت به في ستاد سانتياجو لكرة القدم، يتقدمهم الرئيس سلفادور الليندي، ليتوفى بعدها بعامين وهو يحمل مرارات الانقلاب العسكري الذي أطاح بالليندي وبالحلم الاشتراكي، لكن سيرة الشاعر "بابلو نيرودا" ظلت باقية في قلوب الشعب التشيلي، بل وفي قلوب كل فقراء العالم وشعوبه التي تحلم بالخلاص من فقرها ومن نير الظلم، ومازالت أشعار نيرودا تردد في كل العالم.
يأتي فيلم ( نيرودا) وهو شبه السيرة الذاتية للشاعر التشيلي المناضل بابلو نيرودا وللمخرج" بابلو لارين" بعد فترة وجيزة من إطلاق فيلمه ( جاكي )، والذي يشترك في مواضيع مشابهة لجاكي ، بالإضافة إلى كونها سيرة ذاتية غير تقليدية ،لكن كلاهما يدوران حول كيفية قدرة الناس على تشكيل إرثهم الخاص. تتخذ الشخصيات المركزية في الفيلمين تدابير صارمة لضمان الطريقة التي سيتم بها إدراكهم مع مرور الوقت. "نيرودا" هو فيلم درامي تم إنتاجه عام 2016 ، يمزج الفيلم بين التاريخ والخيال ويتناول الأحداث الدراماتيكية للقمع الوحشي للشيوعيين في تشيلي، تدور أحداث “نيرودا” في عام 1948 ، ويفتتح الفيلم في المشهد الأول تحديدا داخل دورة للمياه في مبنى البرلمان (مجلس الشيوخ) الذي كان الشاعر " بابلو نيرودا" عضواً فيه أواسط سنوات الأربعين ممثلاً للحزب الشيوعي، يواصل مناقشاته السياسية مع رفاقه وخصومه في المجلس، وهذه الافتتاحية لاتخلوا من الاستفزاز من المخرج للمشاهد ، وهواستفزاز من النوع الايجابي ( إبداعي)، بعد فوزه في انتخابات عام 1946 بدعم من الشيوعيين، انقلب الرئيس التشيلي(جابرئيل جونزاليس فيديلا) ضدهم، وحظر الحزب وأمر باعتقالات جماعية وشن حملة واسعة ضد الشيوعيين وذلك في الخطاب الذي ألقاه في مبنى الكونجرس التشيلي سنة 1948، رد بابلو نيرودا الفعل بشدة وانتقل من وضع المعارضة الى وضع الخارج عن القانون والمطارد من قبل السلطة، تركز قصة الفيلم على حياة الشاعر التشيلي الفذ والمناضل الشيوعي بابلو نيرودا الذي يتقمص دوره الممثل" لويس جنكو "كما يبرز الفيلم مدى الاضطهاد السياسي الذي استهدف الشاعر نيرودا منذ أن تجرأ على انتقاد الرئيس جابرئيل جونزاليس فيديلا، و بعدها أطلق الرئيس فيديلا عملية واسعة لتعقب بابلو نيرودا والقبض عليه وقد تولى تلك المهمة رئيس قسم التحقيقيات السياسية في أجهزة الأمن التشيلية أوسكار بيلوشونو، الممثل" جاييل جارسيا بيرنال" تقمص دوره، وعندما يكلفه الرئيس في مهمة القبض على الشاعر نيرودا يساله :
هل تعرف نيرودا ؟
يجيب الضابط: نعم سيدي
هل تقرأ الشعر؟ ويجيب الضابط: قليلا
فيرد الرئيس ( في حملتي كان " نيرودا" يخرج ورقة صغيرة ، وعشرات ألالاف من البروليتاريين صامتين ليستمعوا اليه!، ينظم الشعر ليثيرهم) ، وهنااراد المخرج ان يبرز دور الشاعر في التنوير و التثوير وقيمة الشاعر بابلو نيرودا في دفع الجماهير على الثورة والنضال من اجل حريتها. وعليه يصبح مطارداً من قبل 300 شرطي على رأسهم المحقق أوسكار (غايل غاريا برنال في دور استثنائي ليس بغريب عنه)، و الذي رهن شرفه المهني بقدرته على تعقب أشهر مطلوب للعدالة، مع حملة لتشويه الشعر " نيرودا" ونعته بالخائن وما إلى هنالك من النعوت و الاوصاف،وهذا ما تتبعه النظم السياسية مع معارضيها ، في النصف الأول نتابع حياة البذخ في منزل نيرودا الفسيح وعلاقته بزوجته الثانية الأرجنتينية “ديلي أديل كاريل” التي تزوجها أثناء وجوده كقنصل عام في المكسيك، وكانت تحبه كثيرا ويبادلها الحب غير أنه كان يميل أيضا إلى السهر و اللهو و الخروج في مغامرات عابثة بعد أن أصبح رمزا مرموقا في شيلي، ثم نشاهد ميله للتمرد على الحبيبة و الزوجة ، حين تحاول ان تشيرعلى حالة الغرور ألتي اصابته وتساله: ماقصة أن تكون عملاق؟، فيرد عليها بقسوة: (اذا لم يعجبك تصرفاتي أخرجي خارج المنزل! لااحد يطاردك ، أنت تخنقينني)، ونفس الشئ ، تمرد على الرفيق الحزبي المكلف بحمايته و بدفعه للانضباط الحزبي، حين يصرخ بوجهه ( من تعتقد نفسك أنت ؟ لااحد ينال مني ، اعلم ذالك، كل تشيلي تطاردني ولكن لااحد سينال مني ! )، ومنذ اللحظة الأولى سوف يجد المشاهد نفسه أمام عمل أقل ما يمكن أن نقول عليه «بديع». فبالرغم من أن الحبكة الدرامية الرئيسية فى الفيلم تدور حول «المطاردة» بين «بابلو نيرودا» وبين «رجل الأمن المكلف باعتقاله» إلا أن الفيلم يستخدم المطاردة «كتكنيك» سينمائى محبب للمشاهدين. ولكنها مطاردة تتجاوز فكرة القبض على الشاعر فى ذاتها، وتتيح للمشاهدين أن يتعرفوا على الواقع وتعقيداته، وعن المجتمع وبواطنه، وعن مواطنى القارة اللاتينية، وعن الأماكن وأسرارها،.. إلخ. وكيف أن كل ما سبق قد ألهم الشاعر شعره. فلقد كان يدون كل شىء، ويرصد كل موقع، ويجعل من المكان: بأحجاره وثرواته الطبيعية وأنهاره وأشجاره وزهوره وحوانيته بما تضم من حرف متنوعة، شهودا على الإنسان البسيط فى نضاله ضد الطغاة من أجل حياة كريمة آدمية. من الناحية البصرية يتميز الفيلم عموما بالتصوير البديع سواء في المشاهد الداخلية التي تدور داخل منزل نيرودا بمكتبته العامرة بالكتب والذي يشي بما يتمتع به من مكانة، أو داخل المنازل التي يلجأ إليها كما في المشاهد الخارجية في ربوع شيلي، وخاصة ذلك المشهد الذي يقرأ فيه شعره على جمع من البسطاء في ساحة عامة، وكيف يتم إرسال أشعاره إلى الآلاف من الأشخاص من خلال صناديق البريد مثل توزيع المنشورات، وقد كان لها بالفعل مفعول السحر. منها قصيدة (للواجب و الحب معأ )
من أجل الموتى شهداءنا نحن
أنا أتوسل العقاب
لهولاء الذين سالت دمائهم في ارجاء الوطن
أنا اطلب العقاب
للخائن المزهو بجريمته
أنا اتوسل القصاص
من يعطي الاوامر بالتعذيب
أتوسل العقاب
من يدافعون عن هذه الجرم
أنا أطلب العقاب
أنالااريد سفراء، هم في أماكنهم أمنين
أنا اريدهم هنا ، يناضلون هنا، في هذا المكان
أنا اريد القصاص،
في الفيلم الكثير من أشعار نيرودا بالطبع، إنه يأسر بشعره ممثلا مثليا في أحد الكباريهات التي يتردد عليها فيصر الرجل على أن يسمعه نيرودا قصيدة من قصائده الشهيرة. وعندما يتمرد نيرودا على عزلته ويصر على الخروج للشارع تقابله فتاة متسولة تطلب أن يمنحها شيئا فيقول لها إنه ليس لديه سوى الشعر ويمنحها نسخة من ديوانه ثم يحتضنها. المخرج" بابلو لارين " اراد ان يقدم لنا فيلما محوره المجابهة بين الرجلين الأول هو الشاعر/ السياسي والديبلوماسي، والثاني رئيس الشرطة (وهو شخصية اخترعها الفيلم، مع أنه كان ثمة بالفعل ضابط شرطة بالاسم نفسه في زمن اضطهاد الشيوعيين، ولكن يبدو أن لا علاقة له بذاك الذي في الفيلم)، والمجابهة هي في حقيقة الأمر مطاردة، تقترب من حدود اللعب في بعض اللحظات، وكي يفلت فيها الشاعر المطارد من براثن جلاده، نجده يتنكر بأشكال تبدو مثيرة للسخرية (ذات لحظة يتنكر في زي مومس عجوز!). ولكن على رغم المطاردة، لا يحرم الشاعر نفسه من اي شيء، لا من حنان زوجته ديليا، ولا من خناقاته مع رفاقه الشيوعيين، ولا من المآدب العامرة والنساء الحسناوات، والجمهور المحيط به يصغي الى إلقائه أشعاره بكل تبجيل.ومن الواضح أن هذا كله يجعل اللعبة في الفيلم تبدو مقلوبة تماماً، الشاعر الذي يفترض أنه المضطهد، يعيش كل حياته وصخبها، بل حتى يجد الوقت لكتابة الشعر – وبخاصة «النشيد الشامل» ذلك العمل الذي يصور ارتباطه العميق ببلده وتاريخه وبالطبقة العاملة في بلده، ويعتبره البعض الديوان الشعرى الأهم فى تاريخ الشعر الإنسانى فى القرن العشرين. حيث يتكون من 15 فصلا تتضمن 249 نشيدا.. ولم يكتبه نيرودا مرة واحدة أو فى مكان واحد. فلقد كتبه فى الفترة من 1938 إلى 1950، وعنه حصل الشاعر على نوبل للآداب فى عام 1971.. كتبه وهو ’’مطارد‘‘ من قبل الرئيس التشيلي(جابرئيل جونزاليس فيديلا )، لم يكتب «نيرودا» ديوانه فى مكتبه، بل انطلق يكتب أبياته الشعرية وهو مُلاحق ، كان ينتقل من مكان إلى مكان، هاربا، وفى كل انتقال ،كان الشاعر و المناضل «يلتقى بشرا وأماكن، ويتعرف على أحوال الناس، ويفهم الواقع من مصادره الأساسية الحية الطبيعية ويرى مدى الظلم الذى يقع على جموع الناس، والقهر الذى يتعرضون له، والحصار الذى يُمارس ضدهم بفعل التحالف السلطوى، وكان جموع العمال و الفلاحين وهي الطبقة التي يتلقف ابناؤها شعره وكأنهم يتلقفون المنّ والسلوى في سماء حرمانهم -، فيما مطارده الشرطي يعاني ويعيش خيباته وقلقه لحظة بعد لحظة. ويبتكر السيناريو البارع الذي كتبه" غليرمو كالديرون" هذه الشخصية الخيالية ألا هي شخصية ضابط الشرطة “أوسكار بيلوشونوه” (يقوم بالدور ببراعته المعهودة غايل غارثيا برنال بطل فيلم “لا” وفيلم " يوميات دراجة نارية)، ومن ناحية الملامح الشكلية الخارجية يبدو بيلوشونوه على النقيض من نيرودا، فبينما يتمتع الشاعر ببنيان ضخم مترهل، يبدو الضابط قصيرا نحيفا ذا شارب نحيل ، وفي الحديث عن الفيلم لابد أن نتناول مسألة البطل، أيهما بطل الفيلم ؟، وذلك كما ذكرنا، يعتمد على رؤية المُشاهد للحكاية وتصويرها. لكن، كي يصب حديثنا أكثر في «تبرير» أن البطل هو الشرطي المجهول، واسمه أوسكار بيلوشونو بالمناسبة، نقول إنه أولاً الراوي في الفيلم، يروي بصيغة المتكلم، ما يجعله، تقنياً، الشخصية الرئيسية في الفيلم، وإن كان يروي ملاحقته لشخصية أخرى، لكن ما يظهر من تلك الشخصية، وهي هنا نيرودا، يكون غالباً من نظرة ذاتية تخص الراوي، تخص الشرطي/المحقق، إذ نسمع صوته يروي ويشرح ما يحدث على الشاشة، تضيف إلى الفيلم البديع نَفساً أدبياً يجعل للكلمة فيها تأثير،ودوراً أساسياً في نقل ما يحدث للمُشاهد، ما يجعل الحديث عن الشخصية الأساسية للفيلم أكثر إلحاحاً هو تكرار المحقق لنفسه بأنه لن يكون «شخصية ثانوية» في الحديث عن هذه الملاحقة، وهو ما قالته له زوجة نيرودا، بأن " نيرودا " سيبقى دائماً الشخصية الأساسية في هذه الملاحقة وأنه، المحقق، سيبقى الثانوية. يكرر المحقق ذلك مراراً، مصرّاً، بحمق أحياناً، أن يكون الشخصية الأساسية، وهذا، برأينا، ما جعل المخرج التشيلي يقدّم الفيلم من وجهة نظر المحقق، ليس النظام السياسي الذي يمثّله، بل المحقّق ذاته، كشخصية، بسلوكها الأبله. فأسهل أن نتعاطف مع أحمق بائس يمثّل نظاماً ديكتاتورياً من أن نتعاطف مع بطل ساخر مشهور تحبّه النساء ويطغى على الجميع أينما حل، كنيرودا، وإن كان مناضلاً شيوعياً أصيلاً وشاعراً جميلاً. هذه مساحة في تصوير الشخصيات تبرع فيها السينما، وفيلمنا هذا مثال على ذلك . يمكن أن يكون فيلماً تراجيدياً، وهذه نظرتنا له، يكون البطل فيه الشرطي المجهول (جاييل غارسيا بيرنال)، المسكين والأحمق، الذي يموت أثناء تتبعه لنيرودا ، الذي عاش حياة بائسة ويموت ميتة بائسة مغمورا بالثلوج عند جبال الانديز والشاعر "نيرودا" الذي نجح في الهروب في نهاية المطاف عبر جبال الأنديز على ظهور الخيل إلى الأرجنتين وشق طريقه إلى أوروبا باستخدام جواز سفر زميله الكاتب الروائي الغواتيمالي " ميغيل أنخيل أستورياس "، ليس في الفيلم ما هو «مضحك»، ففي الوقت الذي لم يتوقف فيه نيرودا عن السخرية من الشرطي، يُظهره الفيلم الأخيرَ كشخصية حمقاء مثيرة للشفقة أكثر مما هي شريرة وخبيثة، ما لا يتناسب مع شخصية محقّق كلّفته الدولة بتعقّب أحد أهم شعراء عصره وشيوعييه. وللمزيد من التلاعب بالحبكة وعلى غيرالنهج المستقر لأفلام السيرة الشخصية، نرى"أوسكار بيلوشونوه" يروي الأحداث بصوته من خارج الصورة بطريقته الخاصة وبوحي من خياله الشخصي ويتلاعب بها كما يحلو له، وبالتالي فنحن لا يمكن أن نكون أمام فيلم “واقعي” يروي موضوعيا جانبا من حياة نيرودا، المخرج يحلق فوق الواقع ويخلق خياله الخاص عن الشخصية ويقول لنا بوضوح إنّ ما نراه محض خيال، فشخصية الضابط تبدو من خارج الواقع رغم عدم انسلاخها التام عنه، فلا بد أنه كان هناك من تم تكليفه بتعقب نيرودا واعتقاله، لكن بيلونوشوه يصبح في النصف الثاني من الفيلم شخصية من وحي خيال نيرودا نفسه أي من اختراعه، وكما يصارحه الرفيق المكلف بحمايته (هل تقصد انك تستخدم تلك المطاردة كعذر لتصبح قديس؟؟؟). وفي المطاردة الأخيرة في جبال الإنديز المغطاة بالثلوج يستخدم نيرودا ورفاقه الجياد، ويطارده الضابط على صهوة جواد أيضا (لا يتمكن من امتطائه إلا بصعوبة بالغة) كما لو كنا نشاهد فيلما من أفلام رعاة البقر. نقاد السينما أشادوا بأداء غارسيا برنال المتميز وعن دوره يقول الممثل غارسيا : “الشخصية رائعة، لا بل مذهلة. هناك الكثير للقيام به لتأدية هذا الدور فهو يتطلب الكثير من العمل. وفي ذات الوقت، هي شخصية طيَّعةٌ جداً ومن الممتع تأديتها حقاً". ثم يأتي البعد الآخر، وهو الشعر وكل ما يرتبط به من شخصية نيرودا والسياسة وكل شيء معني. فضلاً عن التعامل مع التفاصيل الأخرى والمكملات من ملابس وغيرها التي تحول هذا العمل إلى مثابة مغامرة عظيمة". يظهر بابلو نيرودا في الفيلم ليس باعتباره ذلك الشاعر الرومانسي الثوري العملاق الذي ينكر ذاته وينحاز لصفوف الفقراء- بل كرجل من لحم ودم يحب ويكره، يشعر بتضخم الذات ولا ينكرها، يكتب الشعر الذي يثير خيال البسطاء من الناس ويدعو لتحقيق العدل الإنساني، لكنه يرتاد أيضا أماكن اللهو والمتعة ، فهو يهرب من خشونة “الالتزام” إلى المواخير والحانات، لكنّه يفتن النساء ليس بفحولته بل بأشعاره البديعة الخلابة. وحتى الفنان العالمي بابلوا عند ظهوره في موتمر مناهض للفاشية و في كلمته قال :" هذه الرسالة ارسلت من صديقي الشاعر بابلو نيرودا، في هذه اللحظة هو مختبأ تحت الجسر او ربما على سكة الحديد مطاردا من قبل ديكتاتور ية في تشيلي، الشاعريؤسس لجبهة لمقارعة الفاشية و الديكتاتورية في شيلي"، يتزامن خطاب بابلو بيكاسوا على الجانب الاخر مع ظهور الشاعر في سهرة في احدى علب الليل، وهذه مفارقة من قبل مخرج الفيلم،وكأنه يقول إن نيرودا في هذه الأبعاد جميعها كان شيئاً مختلفاً تماماً عن الشاعر فيه. هو كان يعرف هذا. وجمهوره كان يعرفه. بل إن ثمة في الفيلم ما يعطينا انطباعاً في بعض اللحظات بأن نيرودا يتلقى شعره تماماً كما يتلقاه الآخرون. ويتأثر به كما يتأثر به هؤلاء الآخرون – ومن هنا حتى نقول إن الأمور تبدو وكأن لدينا شاعراً منفصلاً تماماً عن السياسي وعن رجل المجتمع محبّ الحياة وذواق النبيذ والمولع بالطعام الفخم و والرفاهية في العيش، خطوة قطعها الفيلم بقوة... ولكن ربما بشيء من «الوقاحة , ، والفيلم محمّل بالكثير من التساؤلات حول ماهية الشاعر في هذا العالم، ونيرودا تعشقه المناضلات والعاملات والعاهرات، وفي مشهد لامرأة عاملة وحزبية تسأل نيرودا أن تقبّله فتمضي تقبّله طويلاً، ولتقول له بما معناه أنت لا خوف عليك، نحن الذين نمضي من معتقل إلى آخر، ومهددون بالتصفية في أي وقت.
الفيلم ليس مجرد سيرة ذاتية وإنما عبارةٌ عن قصة شاعرية مثيرة وغير اعتيادية، تمزج حقائق تاريخية بالخيال، بطريقةٍ هزلية تتشح بلقطات مميزة وعاطفية. ويقول المخرج بابلو لارين: “لا نتعامل بالفكاهة التي تأتي من الهزل، كقول جملة ما توضح تفاصيل نكتة من شأنها إضحاك المشاهد. وإنما اعتمدنا على الظروف، على مفارقات قد تبدو تجريدية إلى حد ما ولكن من شأنها خلق شيء مضحك. فالفكاهة هي أرجح طريقة يمكن من خلالها قول أشياء قد تبدو في سياق مغاير على أنها أشبه بالوعظ". لم تكن حياة الشاعر هى الموضوع، وإنما الصراع المجتمعى هو الموضوع. وما الشاعر إلا مدخل إلى هذا المجتمع. وما الشعر إلا التجسيد الفنى المبدع لحقيقة المجتمع دون تجميل وتذويق. ويجتهد الفيلم فى أن يجعل الشعر وكأنه هو من إبداع المشاهد نظرا لتولد وعى حقيقى لديه يمكنه من اكتشاف الواقع بتعقيداته وملابساته. فى مقابل وعى زائف تسهم فى بلورته ثلاثية التعليم والثقافة والدين، يوميا، تحول دون فهم الواقع. لقد تمكن الشاعر أن يحوّل رجل الأمن إلى شخصية متابعة لقصائد الشاعر وإلى مأخوذ بالشعر يتتبع قصائد الشاعر أيضاً؟ بمقدور بابلو نيرودا وحده أن يفعل ذلك! هذا ما يقوله لنا على الأقل المخرج التشيلي بابلو لورين في فيلمه . كانت القصائد التي يوزعها بابلو نيرودا توزع سرا حتى بين العمال والمزارعين، الأمر الذي أحرج الطبقة السياسية الحاكمة التي أقرت العزم على تصفيته. حفلت قصائده الشهيرة بكثير من الوطنية وحب الطبيعة والانسانية. وكما وضعه الفيلم في الوصف ("نيرودا" .يمارس الحب وفي فمه وردة ). فيلم نيرودا الذي يبرز اشكالية المواجهة الأزلية ما بين الخيال الانساني والأدبي والفني والشعري من ناحية أولى ممثلا في الشاعر التشيلي الفذ بابلو نيرودا والسلطة الدكتاتورية الناشئة في ذلك البلد والذي كاد يكون نسخة طبق الأصل للأنظمة العسكرية التي حكمت دول أمريكا الوسطى واللاتينية مثل الأرجنتين والبرازيل والسلفادور، ان هذا الفيلم يحيلنا في نهاية المطاف الى جدلية الصراع الذي لا تخلو منه اي حضارة أو دولة أو حقبة تاريخية ما بين الخيال الانساني المبدع من ناحية والسلطة السياسية التي تضيق ذرعا بكل ما من شأنه الخروح عن زمام تحكمها. حظي فيلم نيرودا باشادة النقاد لأهميته ذلك أنه يسلط الضوء على فصل قاتم من فصول تاريخ دول أمريكا اللاتينية التي وجدت نفسها على غرار بقية دول العالم الأخرى في خضم التجاذبات التي كانت قائمة على أشدها في فترة الحرب الباردة ما بين المعسكر الغربي الرأسمالي والليبيرالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفييتي الذي تفكك واندثر من الخريطة بنهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين مع مطلع فترة التسعينيات من القرن العشرين الماضي. من الناحية البصرية يتميز الفيلم عموما بالتصوير البديع سواء في المشاهد الداخلية التي تدور داخل منزل نيرودا بمكتبته العامرة بالكتب والذي يشي بما يتمتع به من مكانة، أو داخل المنازل التي يلجأ إليها كما في المشاهد الخارجية في ربوع شيلي، وخاصة ذلك المشهد الذي يقرأ فيه شعره على جمع من البسطاء في ساحة عامة، وكيف يتم إرسال أشعاره إلى الآلاف من الأشخاص من خلال صناديق البريد مثل توزيع المنشورات، وقد كان لها بالفعل مفعول السحر. والفيلم في النهاية يحقق أساسا متعة السينما، وهي دون شك أهم من أيّ رسالة سياسية.

علي المسعود
المملكة المتحدة





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,389,143,435
- الفيلم الكندي -حرائق - فيلماً سينمائياً متمردأ على نيران الط ...
- فيلم “سافرجت”، نابض بالحياة ويؤرخ لحق المرأة في التصويت .
- السينما الشعرية في فيلم المخرج الايراني الراحل عباس كياروستم ...
- فيلم ( حياة الاخرين) : كشف عن تأثير الرقابة البوليسية على ال ...
- -بلاد فارس - (( بيرسيبوليس )) فيلم رسوم متحركة يحكي قصة طفول ...
- محمد حمام --صوتك زى ابتسامة الطفل ف القلب اليسارى
- أطفال صغار يحملون هموم واثقال الكبار في الفيلم الكردي ( زمن ...
- (الاحتجاج الهادئ)، في افلام المخرج الكردي - بهمن قبادي-
- فيلم ( حرب خاصة ) قصة الصحفية ( ماري كولفين ) الجريئة والباح ...
- فيلم (على بوابة الخلود) يعيد الرسام -فنسيت فان كوخ من جديد . ...
- فيلم ( الزوجة ) يناقش فكرة: هل مازال الرجال منحازون بشكل أو ...
- نائب- فيلم أمريكي يعكس السياسية الامريكية وجهل مراكز القرار. ...
- إضاءة جديدة لفيلم ( الفراشة ) ألذي جسد قيم الحرية والاصرار و ...
- الفيلم السويدي -رجل يدعى أوفا-.. فيلم حافل بشتى أنواع المشاع ...
- فيلم ( الكتاب الاخضر) هل يشفي قرونًا من التميز العنصري؟؟
- دراما البقاء على قيد الحياة في فيلم -اثنا عشر عاما..ظلام ،-
- عمو بابا ملحمة اخرى من ملاحم وادي الرافدين تضاف الى ملحمة كل ...
- عندما تتغلب قوة الحب على حب القوة سيشهد العالم السلام .
- معاناة الصحفيين في سعيهم نحو الحقيقية في فيلم (( قلب عظيم ))
- الثائر ألاممي - جيفارا - يعود من خلال فيلم - يوميات الدراجة ...


المزيد.....




- فاس.. مدينة الموسيقى والسلام
- وفاة مرسي -رئيس الإخوان- : مرثية لموت سابق !
- يتيم يتباحث مع عدد من الوزراء المشاركين في مؤتمر العمل الدول ...
- بيلا حديد تعتذر عن صورة أثارت جدلا في السعودية والإمارات
- فنان كويتي يهاجم وزير الصحة في بلاده
- مزاد في باريس يطرح للبيع المسدس الذي انتحر به فان غوخ
- ضمير المسرح المصرى
- فنانون ومثقفون ينعون مرسي من مصر وخارجها
- أفلام تكتسح شبابيك التذاكر في دور السينما
- عمر هلال يكشف زيف -دور المراقب- الذي تدعيه الجزائر في قضية ا ...


المزيد.....

- مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان / فواد الكنجي
- الملاكم / معتز نادر
- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي المسعود - فيلم- نيرودا -فيلم ينتصر للحرية والإبداع