أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ياسين المصري - الديكتاتور النرجسي















المزيد.....

الديكتاتور النرجسي


ياسين المصري

الحوار المتمدن-العدد: 6174 - 2019 / 3 / 16 - 05:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الدكتاتورية التي لا يعرفها غير البشر ويمارسونها على بعضهم البعض، هي ببساطة سلوك استبدادي يستهويهم رونقه، فينجذبون إليه بسهولة فيما بينهم من علاقات وتعاملات، خاصة إذا وُلِدوا ونموا وترعرعوا في مجتمع تسود فيه ثقافة ديكتاتورية نرجسية على كافة المستويات، وحيث يطغى الجهل والفساد الثقافي والسياسي والاجتماعي، كما هو الحال في مجتمعات العربان والمجتمعات المتأسلمة بوجه عام. وعادة ما يمتزج السلوك الاستبدادي بخليط من الفساد والقوة والقهر والقسوة وغرابة الأطوار والدَّهاء الميكافيلي المجرد من القواعد الأخلاقية والعواطف الإنسانية.
الدكتاتور يكون بالضرورة نرجسيًا جاهلًا، وعلى الأرجح أناني ومتبجّح ويتجاهل مشاعر الآخرين واحتياجاتهم، ولكنه على قدر كبير من الذكاء، حتى وإن ظهر بغير ذلك. إنه يفتقد إلى إرادة المعرفة والاستعداد للتعلُّم، ومع ذلك يتقمَّصُه وهم المعرفة والتفوُّق الإلهي، بأنه يمتلك من المواهب والقدرات والطاقات ما ليس لدى سواه من الناس. يذكر عبد الرحمن الكواكبي في كتابه الشهير (طبائع الاستبداد) أنه :« ما من مستبد إلا ويتخذ صفة قدسية يشارك بها الله»، فالطاغية يعتقد دائمًا أنه على تواصل مع قوى عُليا يستمد منها قدرات خارقة للتسلط على الآخرين، ولذلك يحاول جاهدًا التماهي مع الشؤون الدنيوية والأمور الدينية ليفرض طاعته وهيبته على الجميع، فإذا أخفق في ذلك، لا يتردد في استعمال العنف كوسيلة وحيدة لفرضهما عليهم، فهو على استعداد دائمًا للتضحية بكل شخص وكل شيء، بما في ذلك علاقاته الإنسانية، مما يدخله في اغتراب عن الواقع الإنساني من حوله. يقول فرويد في بحث قصير بعنوان: « مقدمة حول النرجسية » إن للشخصية النرجسية صفتان أساسيتان، هما: جنون العظمة وفقدان الصلة بالعالم الخارجي.
من الثابت إذن أن النرجسية هي الأساس للعقلية الديكتاتورية، وهي التي تكمن في أعماق ثقافة العربان البدوية الطاغية في مجتمعاتنا، وتنهل منها وتتماهى معها في اللاوعي. إنها حاضرة في أعماقنا كأفراد وأسر وجماعات ومؤسسات وأحزاب إلخ... إذ أنها تجد مكانها بسهولة في كل الثقافات العاجزة عن الحب والتسامح، لكونهما يتضمنان فعل الخروج من الذات والتحرر من الأنانية، ويؤسسان للقاء بعوالم الآخرين والتفاعل معهم، كتعبير عن الضعف الإنساني واحتياج البشر لبعضهم البعض. إن الديكتاتور النرجسي لا يعرف الحب ولا التسامح، لأنه يحب نفسه ويطلب السيطرة على غيره. يظهر هذا بوضوح - مثلاً - في علاقته كأب مع أطفاله. فهو يسرق حياتهم طلبًا للخلود، عندما يريد من خلالهم أن يحقق كل ما فشل في تحقيقه. صحيح أن الأب هو الشخص الوحيد الذي يعمل على أن يكون أبناؤه أفضل منه في حياتهم، ولكن الوضع التربوي السليم هو ألَّا يفرض إرادته عليهم، والَّا يجبرهم على أن يكونوا غير ما هم عليه.
هذه الارتكاسة العنيفة وغير المبررة إلى الذات والتراث والثقافة تجعل النرجسي المستبد يضحي بالأجيال ويختزلها في عملية محاكاة مرضية، بحيث تصبح مهمة الجيل الجديد إعادة إنتاج القديم والثبات عليه. فتكون حياته مجرد ذاكرة وتذكر للماضي، وتكون وظيفة الإبن تبعًا لهذا المنطق أن يكون ما لم يستطع الأب أن يكونه، بمعنى ألَّا يكون نفسه. أي أنه بحسب فرويد:« سوف يعيش ويكبُر، بشرط ألا يعرف نفسه».
إن الثقافة النرجسية لا ينتج عنها سوى الشخصية المستبدة التي قوامهما الجهل بالذات، وإدراك ما في الذات من جهل، والطامة الكبرى عندما يستحوذ الديكتاتور النرجسي على سلطة عامة، كان يكون رئيسا لدولة أو مديرًا لشركة أو صاحب عمل … إلخ، هنا قام المحلل النفسي الألماني ”هانس يورغن فيرت“ في افتتاحية كتابه: «النرجسية والسلطة: نحو تحليل نفسي للاضطربات المزاجية في السياسة» بتحليل لوحة شهيرة لنابليون من أعمال الفنان الفرنسي جان أوغست دومينيك أنغر (رسمها عام 1806)، ورأي فيرت أنها تلخص العلاقة بين النرجسية والسلطة، فهي ترسم نابليون في شكل كبير الآلهة الرومان جوبيتر. وقال إن الأمر ليس غريباً، فكثيرًاً ما طلب الحكام رسمهم في صورة آلهة. وكثيراً ما تم التركيز على آلهة مثل أبولون أو هرقل أو مارس. لكن جوبيتر يمثل السلطة المطلقة. وتوصل فيرت إلى أن نابليون لم تكن تعني فرنسا ولا الثورة الفرنسية بالنسبة له أكثر من فرصة للوصول إلى سدة الحكم. المرجع:
Hans-Jurgen Wirth
Narzissmus und Macht
Zur Psychoanalyse seelischer Störungen in der Politik,
Psychozial Verlag
ومن الطباع الأصيلة والراسخة للديكتاتور النرجسي أنه شخص ضعيف نفسيًّا وقليل الحيلة، ولكن تطلعاته كبيرة، لذلك فهو ” يتمسكن حتى يتمكن “، يمتطي دائمًا أكتاف الآخرين ويسعى جاهدًا للاستفادة منهم للمضي قدماً في الحصول على ما يريد، وبأي ثمن، دون أي ندم تجاه أولئك الذين تخطاهم أو داس على رقابهم بقدميه للوصول إلى ما يريد. فإذا تمكن ووصل لما يريد، ينقلب على جميع الذين ساعدوه ومكنوه، ويتخلص منهم، بواسطة أشخاص آخرين، حاشية من النرجسيين الصغار، أحاط نفسه به وهو في طريق تمَكِّنه من السلطة. هذه الحاشية ذات صفات خاصة، فهي تضم أشخاصًا مطيعين إلى حد الخنوع، لا يقولون له: «لا» أبدًا، ولا يعارضونه أو حتى يناقشونه في شيء. شخصيات هلامية من المنافقين والأغبياء والوصوليين الجُبناء والصفقاء، هؤلاء يتولون تفخيمه وتجميله، وعمل كل ما يمكن أن يظهره قويا في أعين أنصاره وشعبه، لتأكيد وتكثيف وتبرير نرجسيته بذاته، مع معرفتهم أن بداخله خرابة مظلمة وحزينة. وهم أول من يتخلى عنه ويضحِّي به عند الضرورة. ومن ناحيته فهو على يقين بأن أحدًا لا يجب عليه أن يسأله عن دوافعه وتصرفاته، ويجب أن يكون لدى الآخرين التزامًا لا يتزعزع بطاعته وتنفيذ طلباته.. فعلاقته بهم تظل دائمًا علاقة نفعية، لا تخضع لأية معايير أخلاقية، لذلك لا ينظر إليهم إلَّا باحتقار أو بتخوف.
إن النفاق يقوِّي من عزيمة الديكتاتور النرجسي الضعيف نفسيًّا، ويحُول دون قدرته على رؤية نفسه رؤية واقعية، ممَّا يدعم رؤيته الضيقة إلى العالم ويكسبها شرعية مزيفة، فتقوم سياستة على الصور النمطية ومنطق الأبيض والأسود وعلى الحقد على الآخرين، ومحاولة تحويل غضب الشعب منه إلى غضب على غيره، ومن ثم يحرّر نفسه من أي صراعات نفسية داخلية. إنه إذن يعيش في واقع تم تزييفه من حوله، فينتهي به الأمر غالبًا إلى فشل ذريع، حتى وإن تمكن أحياناً من تحقيق نجاحات كبيرة. ويرى فيرت أن أسوأ الأمراض النفسية التي يمكنها أن تصيب قائداً سياسياً، هي تلك التي تجمع بين البارانويا والنرجسية، نتيجة لخلل في شخصيته؛ نلحظه خصوصاً لدى الحكام التوتاليتاريين الذين يمثلون السلطة المطلقة للدولة، ويرون أنه ليس هناك قانون أو حق بين المواطنين بإستثناء حق الأقوى، ولذلك يعتقدون بأن العنف والسادية هما الكفيلان بالحفاظ على سلطتهم. إنها شخصيات مريضة تطلب حب الآخرين لها وإعجابهم بها، أو خضوعهم لها وخوفهم منها. إن مثل هذه الشخصيات لا يمكنها إلا أن تؤسس لنظام إرهابي، وأن تحيط نفسها بأتباع منبطحين بشكل مطلق.
إن مجرد نظرة سطحية إلى التاريخ المصري الحديث من شأنها تأكيد ذلك بما لا يدع مجالًا للشك، فالإنجازات المزعومة لعبد الناصر انتهت إلى الهزيمة وتهاوت مثل كل الأكاذيب الرخيصة، وتوالت منذ ذلك الوقت الهزائم السياسية والعسكرية المتكررة باستثناء نصر عسكري محدود جدًّا ومتفق عليه سلفًا في حرب أكتوبر 1973، ومع ذلك كاد أن يؤدي فيما بعد إلى كارثة لمصر، ممَّا بررت للسادات أمام شعبه انبطاحه المزمع والمرتب له من البداية.
إن مشكلة الرئيسية لدي الديكتاتور النرجسي التوتاليتاري هي أن الأكاذيب التي تحيط به والتي يساهم هو بنفسه في إنتاجها وتصديقها، تخفي عنه واقع أنه مجرد إنسان ضعيف، وليس إلهًا. وكلما زادت محاولاته الرامية إلى تقديم نفسه أو تقديمه من قبل حاشيته كنظير للإله، كلما ازدادت عزلته. فعقدة الإله هي شعور متضخِّم لديه حول قدراته الذاتية وتميُّزه عن غيره واعتقاده الراسخ في النجاح المؤكد والعصمة، ومن ثم يرفض الإعتراف بإحتمال أنه قد أخطأ أو فشل، حتى عند مواجهته بالدليل القاطع غير القابل للشك، أو العتراف بعجزه أمام مُعضلة عسيرة، أو مهمة مُستحيلة، إنه محق دائمًا وبلا جِدال، ولذلك كثيرًا ما يَستخِّف بالعلم والعلماء وبكافة القواعِد السياسية والضوابط الإجتماعية ويطلب اعتبارات أو امتيازات خاصة بِه. فهو كما أوضح فروم: يحاول في جنونه، أن ينكر وجود شيء اسمه الضعف الإنساني. إنه أشبه بذلك الطفل الذي تحدث عنه المحلل النفسي هورست ابرهارد ريشتر في بداية كتابه الشهير «عقدة الإله»، ذلك الطفل الذي لم يعد يثق بوالديه، مما سبَّب له خوفًا شديدًا. ولكي يتجاوز هذا الخوف، كان عليه أن يحاول السيطرة على كل شيء، وتطوير أوهام القوة حول شخصه، ومن هنا فصاعداً يحصل فراق بين سلوكياته وبين إمكاناته الحقيقية.
وفي تحليله للعلاقة بين النرجسية والسلطة، يقول فرويد: « إن جينالوجيا الديكتاتور متعددة الرؤوس، فالديكتاتور الذي نخافه ونرهبه ويقود المجتمع من كارثة إلى أخرى، يسكن في أعماق كل فرد مِنَّا». كما أن فيرت ومن ناحيته وعبر تحليله النفسي - الاجتماعي لنماذج من السُّياسيين في الغرب، يؤكد - على حق - بأن لكل بلد، السَّاسة الذين تستحقهم. فكل فرد يتحمل مسؤولية المصير السياسي لبلده، إذ أن هناك دائمًا علاقة وثيقة بين الأمراض النفسية للأفراد والشروط الاجتماعية للسلطة وصراعات الهوية لدى الجماعات المرتبطة بها، مما يعمل على اشتغال اللاعقلانية في السياسة. ووجد من دراسته لكتاب: فرويد «سيكولوجية الحشود وتحليل الأنا» وما تولد عنه من كتب أخري كان لها تأثير كبير في الفلسفة السياسية والعلوم الإنسانية، مثل كتاب «الحشد الموحش» لدافيد ريزمان و« سيكولوجية الجماهير» لغوستاف لوبون و«الحشد والسلطة» لإلياس كانيتي، أنه بالرغم من عدم التركيز في هذه الأبحاث على شخصية القائد إلَّا فيما ندر، فإن السلطة ورونقها بشكل عام تظل حاضرة دائمًا، وإن نفسية الجماهير تتجه باستمرار إلى التماهي مع قائدها وتربط بينه وبين أناها الأعلى. فالجماهير مستعده لاتباع قائدها حيثما يريد أن يقودها. خاصة وأن هذا التماهي يحررها لا اراديًا من القيم الأخلاقية والشعور بالذنب أو القلق، ويبرز وعيها البائس ونزعاتها العدوانية. فباسم القائد والزعيم الملهم تطلق الجماهير الحاشدة عنان مشاعرها البدائية المدمِّرة دون خوف، وتقدم على أي عمل إجرامي يخشى الإقدام عليه أي شخص بمفرده.
من المؤكد أن إسقاط آثار الحكم الديكتاتوري أصعب بكثير من إسقاط الديكتاتور نفسه، فخطورة النظم الديكتاتورية النرجسية لا تكمن فقط في أنها تمنع شعوبها من التمتع بحقوقهم الأساسية المستحقة والضرورية فحسب، بل تكمن أيضًا في العواقب التي تنجم عنها. فالديكتاتور النرجسي لا بد وأن يذهب في يوم ما، ولكن آثاره تظل باقية ويعاني منها المواطنون لأجيال عديدة من بعده، يقول فولتير « إن المجتمعات التي عاشت فترة طويلة في ظل الاستبداد والقهر غالبا ما تنتمي إلى منظومة من أنماط السلوك الغريزي الذي يعتمد أساساً على خصائص هي المعيار الأساسي للوصول إلى النجاح في هذه الأنظمة، مثل الإنتهازية والإنتقام والوصولية والتزلف والنفاق والتذلل وانسداد الأفق والانتماءات الضيقة وجلد الذات وتبخيسها والأنانية والفردية ».
وبالنسبة للحكام العربان على مرِّ التاريخ، فقد كان علينا أن نلقي بالثقافة التي أنتجتهم في سلة المهملات، ونبعث بهم إلى مستشفيات الأمراض العقلية، ونخضعهم للتحليل النفسي منذ زمن بعيد، ولكن من الطبيعي ألَّا يشعر المريض بمرض الآخرين، وربما لا يدرك حقيقة مرضه هو!
بالطبع يتحدث فيرت أيضاً عن نرجسية صحية، وهي تلك التي لا تغالي في تقدير الذات بالزيادة أو النقصان، وهي لا تتحقق إلا لدي الشخصية التي تمارس النقد الذاتي بواقعية، والمنفتحة أيضاً على نقد الآخرين لها، وقادرة على تقبُّل السخرية منها إذا استدعى الأمر ذلك.
إن أي ثقافة في العالم يمكن أن تنتج ديكتاتوريين نرجسيين، فقط عندما تعزل نفسها، وتستعصي على التفاعل مع الثقافات الأخرى، في محاولة للاكتفاء بذاتها، وتزعم بأن نصوصها المؤسسة عذراء تحمل جواباً لكل سؤال، وإنها فوق النقد وفوق حياة الإنسان وفوق التاريخ، وبذلك تخترقها النرجسية وتحول دون اتصالها بالواقع، بل ودون إدراكها لنفسها وموقعها في التاريخ. ثقافة كهذه من شأنها أن تعمل على اشتغال النرجسية في المجالات السياسية، وتجعل التربية التي يتلقاها الديكتاتور طفلاً، متجذرة في أعماق اللاوعي الجمعي. إن الثقافة المركزية الطاغية والمكتفية بذاتها والمؤمنة بتفوقها... لا بد وأن تنتج ديكتاتوريين نرجسيين عاجزين عن رؤية التغير الإجتماعي، وهم غالباً آخر من يفهم مثل هذا التغيير، وغالباً حين ينتفض الحشد الجماهيري ضدهم.
في مصر ومنذ استحوذ العسكر على حكم البلاد بزعامة ديكتاتور نرجسي توتاتاري بدرجة بكباشي، وخلال 67 عام مضت، تبلورت وتركزت وتكاثفت الديكتاتورية في أيدي فئة عسكرية فاشلة وشديدة النرجسية، وتوالى اختيارهم للديكتاتوريين النرجسيين من بينهم، حتى وقعوا في عام 2013 على شخص مغمور، وقفوا خلفه وألبسوه ثوبًا على غير مقاسه تمامًا، ودفعوا به إلى الأمام. شخصية دكتاتورية نرجسية سيكوباتية بامتياز، ويعاني من إضطرابات سلوكية، فعلاوة على جهله، وافتقاده إلى إرادة المعرفة والاستعداد للتعلُّم وتقمَّصُه وهم المعرفة والتفوُّق الإلهي، يدعي امتلاك المواهب والقدرات والطاقات التي ليس لدى سواه من الناس، وهو أيضًا وعلى الأرجح أناني ومتبجّح ويتجاهل مشاعر الآخرين واحتياجاتهم، ولكن لا أحد ينكر أنه على قدر كبير جدًّا من الذكاء، فهو ضعيف نفسيًّا إلَّا أنه يعرف كيف يتمسكن حتى يتمكن. ويعرف كيف يشتري ولاء العسكر الذين ساعدوه على التمكن من السلطة بالمزايا الاقتصادية والمناصب المدنية، ولكنه يحمل في أعماقه قدرًا كبيرًا من الخوف وعدم الثقة فيهم أو في غيرهم، لذلك يحيط نفسه بحراسة مشددة ترافقه كظلِّه.
شخصية رغم جهلها وتخلفها، تتسم بالنعومة وتجيد دغدغة مشاعر المواطنين البسطاء وكسبهم من حوله. فنبرة صوته هادئة خفيضة، وأفكاره غير مرتبكة وكلماته شاردة وغير مرتَّبة. ورغم تمتعه في بحكم تعاليم العسكرية بقدرات جيدة على ضبط انفعالاته وما يظهر منها، يبدو إحساسه بالعجز واضحًا في كلماته، ويقسم بالله كثيرًا لأنه يكذب، ويبطن في نفسه أكثر بكثير مما يظهِر، ويتغير خطابه حسب الجهة التي يخاطبها، مما يشير إلى معاناة حادة من أزمة نفسية عنيفة وخوف وإحباط وشعور بانعدام الوزن وخوف شديد من المستقبل. كما يبدو أنه شخصية انطوائية خجولة وقليلة الاصدقاء، وأنه لم يكن ذلك النموذج الناجح في دراسته أو المبهر رياضياً اثناء شبابه، وأن انحداره من عائلة بسيطة ومظهره المتواضع جعلاه يعاني من عقد نقص عنيفة. ربما كان هذا هو السبب في الدعاية العجيبة التي تحاول إقناع المواطنين بأنه وسيم. إنه يذكرني بالسفاح جيفري دامر في المسلسل الأمريكي الذي كان يبدو ظاهرياً كرجل مسالم ليِّن الطباع ولكنه في الحقيقة كان يعاني من شذوذ نفسي، فيحاول لفت الانتباه بشتَّى الطرق حتى لو كانت شاذة مثل قتل الحيوانات، وظل يعيش بين جيرانه الذين كانوا ينظرون إليه على أنه شخص هادئ ومسالم ولا يؤذي أحد، حتى ظهر لهم أنه قتل 17 شخصًا على الأقل، ومثَّـل بجثثهم بعد ان مارس معهم الشذوذ.
بالتأكيد وبعد كل الأغاني التي تؤلف له والدعاية الإعلامية المركزة عليه، والثناء المفرط والنفاق الذي يصل إلى حد أن يقول له أحد الصحفيين ( فأنت الواحد القهَّار )، وغير ذلك لا سبيل أمامه سوى الإحساس بالرفعة إلى ما فوق مرتبة البشر، ومن ثم يتحدد سلوكه من خلال جنون العظمة ووهم المعرفة والتفوُّق.
من الطبيعي لأي شخص يتعرض لكل هذا الكم من التفخيم والتعظيم بمناسبة وبدون مناسبة وتوضع صوره على علب الشوكولاتة والملابس الداخلية وتنشر أخبار عن القبض على سيدة تحمل لافتة عليها عبارات مسيئة له أو شخص يحمل ورقة يطالبه فيها بالرحيل، أن يتصرف تجاه خصومه السياسيين بعنف شديد باعتبارهم أعداء للوطن، وأنه هو الوطن نفسه وأن من يعارضه يعارض الوطن.
من الملفت عند لقاءاته برؤساء الدول الكبرى جلسته ونظرات المنبهرة وربط كفي يديه معًا في تمسكن واضح، ممَّا يبرز معاناته من الإحساس بالدونية أو بالعامية المصرية بعقدة الخواجة.
لعل الكثيرون شاهدوا مقطعًا من فيديو له يقول فيه بمرارة شديدة وهو يطرق برأسه بأسى أن احد رؤسائه كان يقول عنه أنه ( ضابط نِتِن ). لا بد لهذا الضابط النتن أن يكون موضوعًا للبحث من قبل العلماء والمتخصصين في المجالات النفسية والسلوكية والاجتماعية والسياسية، وأن يكون مثاراً للسخرية لدي العوام ومصدرًا للقلق والترقب لدي الذين دفعوا به إلى الصدارة ويقفون بجانبه حتى الأن، ومصدرًا أكيدًا للخوف لدي الذين يستفيدون من ورائه، أما الوطن فمصيره على كف مجنون خطير.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,565,668,835
- إيه اللي بيحصل في البلد دي؟ (2/2)
- إيه اللي حصل في البلد دي؟ (1/2)
- الإسلاموية وخصوبة العنف الخبيث
- لماذا لا تصلح الديموقراطية في المجتمعات الإسلاموية؟ محاولة ت ...
- لماذا لا تصلح الديموقراطية في المجتمعات الإسلاموية؟ محاولة ت ...
- لماذا لا تصلح الديموقراطية في المجتمعات الإسلاموية؟ محاولة ت ...
- لماذا لا تصلح الديموقراطية في المجتمعات الإسلاموية؟ محاولة ت ...
- لماذا لا تصلح الديموقراطية في المجتمعات الإسلاموية؟ محاولة ت ...
- هل (دحية الكلبي) هو (جبريل محمد)؟!
- مجرد رأي بخصوص الوثيقة الفرنسية
- معركة صفين
- الخلاصة
- الزنادقة أو الهراطقة
- الحجر الأسود كان سيِّد الموقف!
- الإسلام والتأسلم القهري!
- مقدمة (كتاب الإسلام جاء من بلاد الفرس)
- هل مكة الحجازية أم القرى؟
- الإسلاموية وتدمير النفس البشرية
- المؤمرة ونظرية المؤامرة
- المتأسلمون بين نظرية المؤامرة والشوفينية


المزيد.....




- مايوركا يهزم ريال مدريد
- تركيا تعلن انسحاب المقاتلين الأكراد من بلدة رأس العين السوري ...
- شاهد: المحتجون يتحدون السلطات بعد حظر المسيرات في هونغ كونغ ...
- شاهد: كنيسة ألمانية نوافذها قطعة فنية صممت من صور الأشعة الس ...
- بريكست: هل ما زال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون اتف ...
- تركيا تعلن انسحاب المقاتلين الأكراد من بلدة رأس العين السوري ...
- شاهد: المحتجون يتحدون السلطات بعد حظر المسيرات في هونغ كونغ ...
- -سبوتنيك- تنشر حصيلة قصف إيراني مستمر على العراق
- خبراء يعيدون قدرة المشي لفهد مشلول... فيديو
- مفوضية العدالة السودانية: جرائم القتل مستمرة في دارفور


المزيد.....

- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ياسين المصري - الديكتاتور النرجسي