أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - تاجرُ موغادور: الفصل السابع 8














المزيد.....

تاجرُ موغادور: الفصل السابع 8


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 6173 - 2019 / 3 / 15 - 14:51
المحور: الادب والفن
    


هنا في حاضرة السلطان البحرية، تمضي الحياةُ رتيبة، تدور على منوالٍ واحد لا يكاد يتغيّر. الصيف حلّ مذ فترة بعيدة، ولعله مضى أيضاً دون أن يؤثر ذلك على حالة الطقس. فإنه حارٌ، يغشاه الرطوبة نهاراً. فإذا مالت الشمسُ للغروب، تجد البرودة تنفذ إلى عظام المرء بسبب التيارات الهوائية القوية. وهيَ ذي الشمسُ، ساعة الأصيل، تدفع من يتسكّعون في المرسى إلى الإسراع بإنهاء مساوماتهم ومعاملاتهم: الزبائن، ينتهزون ملالة الباعة في سوق السمك كي ينالوا الثمار البحرية بسعر زهيد. التجارُ والسماسرة، يلقون آخر نظرة على بضائعهم وهيَ محزومة في القوارب الصغيرة، المتهيئة للإبحار في فتور باتجاه السفن الكبيرة. هذه الأخيرة، ستنقل بدَورها البضائعَ إلى مرافئ القارة العجوز ثم تعود محمّلة بالسلع للسوق المغربية.
" بضائعنا الأوروبية تُنافس عادةً مثيلتها المحلية، ما ينجم عنه المزيدُ من الخراب للصناعات اليدوية بشكل خاص "، على حدّ تعبير السيّدة الفرنسية. قالت ذلك لصديقها، التاجر الدمشقيّ، حينَ كان يرافقها إلى المرسى. استطردت " رومي "، وهوَ تومئ إلى جهة أبراج السقالة: " في الوسع الدفاع عن أسوار البلد بوساطة الجند وأسلحتهم، إلا أنه من الصعوبة حدّ الاستحالة الصمودُ أمام القوة الناعمة، التي تتملكها المنافسة الاقتصادية في عالم اليوم ". أرتفع بصرُ صديقها التاجر نحو تلك الأعالي، حيث أشعة الشمس تسقط على المدفعية، مخلّفة على البرونز اللمعانَ والسخونة معاً. على مشهد المرسى برمته، هيمن عسكرُ الباشا، المتسمرون وراء مدافعهم، المصوّبة أشداقها المريعة نحو الجهة الغربية من المحيط؛ هنالك، أين المجال المحتمل للظهور المباغت لبوارج الغزاة الحربية، الآتية من القارة العجوز.
في مساء اليوم السابق، كان مجتمع موغادور الراقي قد اجتمع برمته لوداع مَن تُعدّ نجمه الأكثر سطوعاً وتأثيراً. إلا أنّ حفل السواريه، المقام في منزل السيّدة الفرنسية بالمناسبة، فارقته مظاهر البهجة والمرح والطرب بسبب غياب رجلها. العديد من المحتفلين، استعادوا يومئذٍ ذكرى القبطان وهم متألمون بشدّة على افتقادهم لحضوره الممتع وشخصيته الظريفة وطبعه الطريف. هذا برغم مضي قرابة الثلاثة أشهر على رحيله المفجع، وذلك إثر معاناته من نزف في المعدة وهوَ على متن باخرته في عرض البحر. المساعدون المخلصون، كانوا قد أصروا آنذاك على الاحتفاظ بجدث القبطان الراحل، عن طريق وضع قوالب الثلج فوقه، لحين وصول المركب إلى مرفأ بلادهم. كان على الأحزان أن تتجدد، مسكونة أيضاً بالغضب، حينَ بيّنَ تشريحُ الجثة وجودَ آثار سمّ غامضٍ في المعدة المتفجّرة.
الحدث الحزين، استعيد بالطبع من لدُن أولئك المحتفلين، مرفقاً بانبعاث الشكوك والريبة في نفوسهم. أضواء الشموع، المتساقطة على الوجوه، اكتسبت شيئاً من الشحوب وكما لو كانت تكسيها بلون الحِداد. لعل " جانكو " كان الأكثر تأثراً بالحزن، ويمكن أن يكون الأحق كذلك بإحساس الحنق. ولكنه رأى نفسه، وسط هذه المجموعة من الناس، مجبراً على طمس مشاعره ـ كما كان الحال في مبتدأ حلوله في هذه البلاد، حينَ ألِفَ عادة كبت ما يفكّر فيه بحضور الآخرين وذلك حرصاً على المهمّة المقدسة، التي كانت سبب غربته.
اليوم، وفيما يصدى في رأسه أصوات أولئك المحتفلين، كانت سحنته ما تنفكّ محتفظة بملامح حزن غير مُعافى من حسّ الحنق. في المقابل، كانت " رومي " مشرقة الوجه، حركاتها تتسم بالمألوف من الرقة والعفوية وكأنها غير مدركة لحجم معاناة من يرافقها إلى رصيف السفن. بعد قليل من الوقت، تُبحر بها باخرةُ رجلها الراحل، لتعود أبداً إلى موطن أسلافها، بينما هيَ ما زالت تتفوه ببساطة بآراءٍ حول هذه المسألة السياسية وتلك. لما أعربَ لها عن الدهشة بهذا الشأن، لم تزِد على الابتسام. بيد أنها ردت أخيراً، بعدما لحظت تطلعه نحوها منتظراً الجواب: " أكنتَ تعتقدُ أن حياتنا تمضي على وتيرة واحدة، لا يدهمها التغيّر وحتى الاضمحلال؟ أجل، قضينا أوقات رائعة سواء مع بعضنا البعض أو مع آخرين نحبهم. وعندي أنّ من بين أجمل الذكريات، التي سأحتفظ بها، كانت ركوبنا الخيل آتيين من معسكر القبائل، تحيطنا كثبان الرمل اللانهائية المتلاشية على أقدام البحر. لقد خلعت عليك منذئذٍ نعتَ ‘ المنقذ ‘، وذلك كي أبرر ميلي الشديد نحوك وكنتُ أعلم علم اليقين بأنني لن أستطيع الفكاك منه قط "
" ومع ذلك، فها أنتِ تنفكين عنا نهائياً دونَ أن يكون ثمة سبب قاهر لرحيلك "، قالها بصوت مخنوق بالانفعال. آبت الابتسامة لتعلو سحنتها الجميلة، ملاحظةً ولا شك كيفَ أن صديقها ما يفتأ يستعمل ضمير الجمع في مخاطبتها. شدّت على يده، مخاطبة إياه في نعومة: " ليسَ نهائياً، يا صديقي. وبأي حال، فلِمَ اخترعوا خدمة التلغراف إن لم يكن لأجل أن نتراسل مع من نحب ونطمئن عليهم؟ ". وفكّر في نفسه متأوهاً: " آه، إنها تصرّح بحبها لي وذلك قبيل قليل من ميعاد سفرها ". وكان يلوح أنها تود الاستطراد، لما فاجأها قائلاً: " وأنا لم أحبب أحداً قبلك قط، ولا أظن بأنني سأعرف السعادة على أثر رحيلك ". لقد فاه باعترافه هكذا، على حين غرّة، وكان حرياً أن يفاجأ به هوَ نفسه لو حصل الأمر في زمن ومكان، مختلفين.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,687,676
- تاجرُ موغادور: الفصل السابع 7
- تاجرُ موغادور: الفصل السابع 6
- تاجرُ موغادور: الفصل السابع 5
- تاجرُ موغادور: الفصل السابع 4
- تاجرُ موغادور: الفصل السابع 3
- تاجرُ موغادور: الفصل السابع 2
- تاجرُ موغادور: مستهل الفصل السابع
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 10
- أسطورة آغري لياشار كمال؛ الملحمة ومصادرها
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 9
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 8
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 7
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 6
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 5
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 4
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 3
- تاجرُ موغادور: مستهل الفصل السادس
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 9
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 8
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 7


المزيد.....




- فنانون لبنانيون يخاطبون الجيش
- رئيس الحكومة يبحث مع وزير الفلاحة الروسي تطوير العلاقات بين ...
- تحفة معمارية فريدة لأمر ما لم تعجب القيصرة يكاتيرينا الثانية ...
- وفاة الفنان الشعبي محمد اللوز أحد مؤسسي فرقة -تاكادة-
- العثماني بمجلس النواب لمناقشة مناخ الاستثمار وولوحات السياسة ...
- لافروف: حلمت بتعلم اللغة العربية
- الموت يفجع الفنان ادريس الروخ
- مظاهرات لبنان تعيد الحياة للـ -التياترو الكبير- الذي غنت أم ...
- تحفظ عليها سقراط وأربكت كانت وهيغل.. هل خدر الفلاسفة الثورات ...
- الرسم على الملح.. فنان يحوّل شواطئ البحر الميت لمعرض تشكيلي ...


المزيد.....

- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - تاجرُ موغادور: الفصل السابع 8