أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عمرو إمام عمر - تطور الحياة السياسية و الاجتماعية فى مصر (2)















المزيد.....


تطور الحياة السياسية و الاجتماعية فى مصر (2)


عمرو إمام عمر

الحوار المتمدن-العدد: 6172 - 2019 / 3 / 14 - 10:13
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


الحملة الفرنسية على مصر
الجزء الأول : حركة التنوير و الصراع الإجتماعى فى أوروبا


شهدت القارة الأوروبية خلال الثلاثة قرون التى سبقت قيام الثورة الفرنسية بدايات نمو طبقة جديدة هى ”البرجوازية“ حتى بات كبار أثرياء تلك الطبقة يمثلون ”أرستقراطية المال“ الجديدة التى تكونت فى مقابل ”أرستقراطية النبلاء“ التقليدية و كان لهم الأثر الأكبر فى وضع أسس و إرساء النظام الرأسمالى الأوروبى ...

لم تكن الحملة الفرنسية على مصر مغامرة لقائد متهور يطمع فى الشهرة بل هى انعكاس لمجموعة من التغيرات التى شهدتها القارة الأوروبية فى تلك الفترة ، و صراع سياسى أقتصادى نتيجة لتكون طبقة الجديدة استطاعت أن تؤكد وجودها على المشهد السياسى و الاقتصادى و الاجتماعى ليشهد العالم صعود ”الرأسمالية“ كفكر أقتصادى سياسى أستطاع السيطرة على العالم حتى اللحظة التى نعيش فيها اليوم …

الثورة الفرنسية
بدأت الثورة فى عام 1789 نتيجة لمجموعة من الأزمات المالية و الاقتصادية ، و انتشار الفقر و البطالة فى فترة ”لويس السادس عشر“ ، فى نفس الوقت كانت هناك حركة فكرية مخالفة لكافة الأفكار التقليدية التى سيطرت على العقل الجمعى للشعب الفرنسى ، فالإحساس بفشل المنظومة السياسية جعلهم يبحثون عن بدائل لكافة الأفكار التقليدية التى سادت فى تلك الفترة ، فبدأ التفكير فى صلاحيات الحاكم و المحكوم ، و بدأ المفكرون و الفلاسفة يطرحون تساؤلات جديدة لم تكن متداولة من قبل مثل ، كيف نشأ هذا النظام ؟ ، هل هو ضرورى للمجتمعات ؟ ، لماذا اتخذت الحكومات صورا مختلفة فهناك جمهوريات و ملكيات ، هل تستوى تلك الصور فى صلاحيتها للقيام بواجبات الحكم أم منها الصالح و منها الفاسد ، و هل للحكومة من واجبات حيال الأمة كما للأمة من واجبات حيال الحكومة و ما هى تلك الواجبات ؟.

أسئلة كثيرة طرحت ساعدت على نشوء حركة فكرية جديدة تسارعت بشكل متوازى مع شرارة الثورة داخل نفوس الشعب الفرنسى ، و مع فشل النخبة الحاكمة للوصول إلى حلول للأزمة الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية بدأت تظهر نخب جديدة تصارع النخب القديمة التقليدية.

لم يكن الحراك الفكرى و الأزمات الاقتصادية وحدهما من أسباب تفجير الثورة و لكن السبب الرئيسى هو التطورات التى طرأت فى أنماط الإنتاج و الملكية فمع أختراع الآلة البخارية بدأت الثورة الصناعية الأولى ،لتتحول المدن التقليدية إلى مدن صناعية رافقها هجرة عدد كبير من سكان الريف إلى تلك المدن طمعاً فى الحصول على فرص عمل ، لتشهد أوروبا من منتصف القرن الثامن عشر إلى القرن التاسع عشر فى أنحاء كثيرة منها حركة تغيير واسعة فى الخريطة الطبقية ، فمجتمع الأرستقراط الذى بنى على أساس امتلاك الثروة العقارية قد شاخ و بدا عليه الاهتراء بفعل التطور الأقتصادى الذى زاد من أهمية الثروات المنقولة و بالتالى من قوة البرجوازية التجارية ، ففرنسا كانت فى تلك الفترة قروية و مهنية فى جوهرها ، إلا أن الحال قد تبدل مع انطلاق التجارة و نموها و ظهور الصناعات الكبيرة ، و كانت مطالبات الرأسمالية الوليدة فى تلك الفترة بالحرية الاقتصادية أثارت مقاومة قوية من الفئة الحاكمة من الأرستقراط ، فى نفس الوقت الذى كان قد بدأ يظهر ضعف القوة الاقتصادية أمام البرجوازية الرأسمالية الصاعدة ، و بالتالى بدأ تراجع دورها الإجتماعى أمامها ، على الجانب الآخر كانت الطبقات الشعبية خصوصا فى الريف بدأت علامات ألتملل من النظام القديم و ملامح الرغبة فى التغيير ترسم خطوطها بعمق على أوضاعها الطبقية.

التغيرات الاقتصادية أثمرت عن تجذير الطبقة البرجوازية و التى اعتبرت فى تلك الفترة هى الطبقة المتوسطة بين طبقة النبلاء و طبقة الفلاحين و العمال ، إلا إن تلك الطبقة الجديدة لم تكن مسالمة راضية بما آلت إليها من ثروة بعد أكتشاف الآلة البخارية و بداية الثورة الصناعية و نمو حركة التجارة الداخلية و الخارجية و أكتنازها الأموال خاصة بعد أن لجأت إليها الحكومات للحصول على قروض فى ظل الأزمات الاقتصادية المتتالية التى مرت بالعديد من الدول فبدأت تلك الطبقة بالإحساس بوجودها السياسى و الإجتماعى ، و أخذت تطمع فى أقصاء الطبقة الأرستقراطية التقليدية و الحلول محلها ، و استغلت البورجوازية حالة الغضب التى انتابت طبقة الفلاحين و العمال و الفقر الذى حل بها و وجهت جهودها لأستقطبها بجانبها فى معركتها السياسية …

الملكية و النظام السياسى الفرنسى
تألفت فرنسا من عدة ولايات شبه مستقلة تختلف بقوانينها و طبائعها و عاداتها عن بعضها البعض ، و بالرغم من كل الجهود التى بذلت لتوحيد تلك الولايات تحت مظلة قانون موحد إلا إنها فشلت ، كما تشكلت الخريطة الطبقية للمجتمع الفرنسى من أربع طبقات هما طبقة النبلاء (الأرستقراطيين) و يمثلهم فى المجلس 285 نائباً ، طبقة الإكليروس و الخوارنة1 (رجال الدين) و عددهم 291 نائب ، و الطبقة المتوسطة (البرجوازية الصاعدة) و كان عددهم 578 نائب ، و أخيراً طبقة العمال و الفلاحين ، إلا أن النظام السياسى الطبقى أقصى العمال و الفلاحين من المنظومة السياسية ليتكون مجلس النواب من ممثلين للطبقات الثلاثة فقط ، كان الصراع على اشده بين الطبقتين التقليديتين و الطبقة البرجوازية الجديدة التى استطاعت أن تفرض نفسها على المنظومة السياسية ، و التى كانت تعانى من أضطهاد الطبقات الأعلى منها و يظهر هذا فى أجتماع عقده مجلس النواب قال أحد ممثلى الطبقة الثالثة «إن الطبقات الثلاثة أخوة »، فأجابه ممثل طبقة النبلاء قائلاً « لا أخاء بين طبقة النبلاء و الطبقة الثالثة ، فالنبلاء لا يريدون أن يدعوهم أبناء الإسكافى و الخراز أخوة لهم »، فى هذا الحوار يتضح كيف كان ينظر النبلاء و الإكليروس للطبقة الثالثة (البرجوازية الجديدة) مما تسبب فى زراعة الحقد داخل أبنائها على الطبقات الأخرى …

كان الصراع بين البرجوازية و النبلاء ، خاصة و أن نواب الطبقة الثالثة استطاعوا فى تلك الفترة أجتذاب العامة إليهم و اعتبروا أنفسهم الممثلين الحقيقيين للأمة و يذكر لنا المؤرخ ميشيل فوفيل2 فى كتابه تاريخ الثورة الفرنسية عن أفتتاح المجلس 4 مايو 1789 حيث أجتمع النواب و الملك و الملكة ورجال البلاط لأداء القداس فى كنيسة نوتردام ، ثم خرجوا فى موكب يمشى فى شوارع باريس ليصل إلى ضاحية فرساى حيث قصر الملك ، و اكتظت الشوارع بالعامة من الناس بقوله :«كان على رأس الموكب ظهرت أولا كتلة من الرجال كلهم فى ملابس سوداء ، و كان هؤلاء ممثلى الطبقة الثالثة و عددهم خمسمائة و خمسون نائباً ، كان بين هذا العـدد أكثر من ثلاثمائة من رجال القانون ، و كأنهم يمثلون تمثيلا صادقاً لمجىء حكم القانون. كان ملبسهم متواضعا ، و كانت خطاهم و نظراتهم ثابتة ، كانوا يسيرون معا سعداء بهذا اليوم العظيم الذى انتصروا فيه ، يسيرون بدون تفرقة بين أحزابهم ؛ أما المجموعة الصغيرة المتألقة من نواب النبلاء فجاءت بعدهم و على قبعاتهم الريش و فى ثيابهم الدانتيللا و محلاة بالذهب الموشى ؛ و فجأة أختفى التصفيق الذى أرتفع لتحية الطبقة الثالثة ، و مع ذلك كان هناك أربعين نبيلا لا يقلون حماسة للشعب عن نواب الطبقة الثالثة ؛ و رن الصمت عندما مرت طبقة رجال الدين و رأى الناس بالترتيب جماعة من النبلاء تليهم الطبقة الثالثة ، و بعدهم ثلاثين أسقفاً يرتدون قلنسواتهم و أرديتهم البنفسجية ، و بعـد هؤلاء بمسافة شغلتها جوقة من المرتلين ... ».

كانت طبقة النبلاء تعتمد على ملكياتها الإقطاعية و على تاريخها العسكرى المجيد إلا أنه فى تلك الفترة لم يكن بين هؤلاء قائد مشهور ، بل كان قوامها من المغمورين النكرة ماعدا القائد ”لافابيت“ الذى شارك فى حرب الاستقلال الأمريكية.

لم يمضى يومان على أفتتاح المجلس ، حتى أجتمع نواب الطبقة الثالثة و قرروا أن يكون اسمهم الجديد ”مجلس العموم“ ، أسوة بمجلس العموم البريطانى و ليكون بديلا لاسم الطبقة الثالثة ، إلا أنهم بعد ذلك اجتمعوا فى 17يونيه من نفس العام و أعلنوا رفضهم لمبدأ التقسيم الطبقى بين المجتمع و أعلنوا رفضهم لأسم البرلمان الجديد ”مجلس الطبقات“ ، و طالبوا بأن يكون اسمه”الجمعية الوطنية“ - National Assembly – أو ”مجلس الأمة“ ، رفض نواب طبقة النبلاء و عدد من نواب طبقة الإكليروس مبدأ إلغاء التقسيم الطبقى ، انحاز الملك لطبقة النبلاء ، و لكى يمنع طبقة الإكليروس من أن ينضموا إلى نواب الطبقة الثالثة أمر بإغلاق قاعة الاجتماع بحجة تحضير القاعة لحضوره الملكى ، و فى يوم السبت 20يونيه أجتمع النواب فى ”ملعب التنس“ ، و علم الشعب الفرنسى بأخبار هذا الاجتماع و شهدت منطقة فرساى تجمع جماهيريا كبيرا التف فيه الشعب حول النواب ، اللذين أطلقوا فى هذا اليوم عهد أن الجمعية لن تنفض إلا فى حالة وضع دستور جديد يحدد صلاحيات الحكم ، و أطلق على هذا العهد ”قسم ملعب التنس“ الذى أعده الكثير من المؤرخين ركناً أساسياً من أركان الثورة الفرنسية ليبدأ الصراع يتصاعد بين الطبقة الجديدة التى استطاعت جذب العوام إليها و الطبقة الأرستقراطية و الملك و بعض رجال الدين على الجانب الآخر.

الحركة الفكرية الجديدة و ظهور الليبرالية البرجوازية
منذ منتصف القرن السابع عشر بدأت حركة فكرية على يد كل من المفكرين أبرزهم فولتير و منتسيكو و من قبلهم روسو ، حيث أثار مونتسيكو فى كتابه ”روح التشريع“ قضية الفصل بين السلطات الثلاثة التنفيذية و القضائية و التشريعية لتكون ضمانا للعدالة و حامية للحرية المدنية ، إلا أن منتسيكو برغم أفكاره التى اعتبرها البعض قفزة كبيرة للأمام بمقاييس تلك الفترة ، لكنه فى المقابل لم ينتقد النظام الطبقى السائد بل حاول من خلال أفكار إصلاحية إنقاذ النظام الطبقى و الحفاظ عليه ، كما أنه أغفل عن رسم حدود واضحة لمسئوليات الملك أمام البرلمان مما دعا لفولتير أن ينتقد أفكار مونتسيكو بشدة ، خاصة من موقفه الموافق على شراء و بيع المناصب القضائية ، و فى كتابه ”آراء الجمهورية“ عرض فيه أفكار قوية و جريئة و عرف الحكومة المدنية بأنها «إرادة الكل يقوم على تنفيذها شخص واحد أو جملة أشخاص تبعاً للقوانين ، و يدين الجميع بالخضوع لها» ، كان فولتير متأثرا بالمنظومة السياسية الانجليزية التى قامت على مبادئ تنظم العلاقة ما بين الملك و الأشراف و الشعب ، و تكفل لكل فريق أمنه و سلامته ، لذا فوظيفة الحكومة فى رأيه هى أن تقوم على تنفيذ ما يصدر من رغبات تبديها العامة و بشريطة أن يكون هذا وفق القوانين التى اقرها الجميع.

أصحاب الموسوعة (الإنسيكلوبيديين)
ظهرت فى نفس الفترة مجموعة من المفكرين كانت لهم أفكاراً أكثر تقدمية و إن كانوا تأثروا بمونتسيكو و كتابه ”روح التشريع“ ، و أطلق على هؤلاء لقب ”الموسوعيين“3 ، أرادوا أن يحتل العقل مكان الضمير فى تفسير السلوك الإنسانى و فى السيطرة على مسلكه ، كما بحث هؤلاء موضوعات مثل الأرستقراطية ، السلطة ، الديمقراطية ، القانون ، الحكومة ، الرق ، الملكية ، السيادة العليا … الخ.

عمد هؤلاء الموسوعيين إلى نقد حق الملوك الإلهى و المبادئ - و إن كان نقدهم ضعيفاً - التى استندت عليها الملكيات المطلقة سواء فى فرنسا أو أوروبا قائلين «إنهم لا يريدون التشكيك فى أن سلطان الأمراء الشرعى مستمد من الله ، ولكنهم يريدون أن يميزوا بين السلطة الشرعية ، و بين تلك التى أغتصبها المغتصبون ، و صاروا يمارسونها قوة و اقتداراً ، و لا شك أن السلطة الأولى الشرعية حق إلهى ، أى مستمدة من الإله نفسه ، بدليل موافقة الشعب عليها ، و هذه الموافقة الشعبية حتمية و لا سبيل إلى نبذها ، و هى التى مكنت هيو كابيه Hughes Capet من الوصول إلى عرش فرنسا – عام 987م – و هى التى وضعت التاج على هامته ، و ضمنت أستمرار الحكم فى أسرته و ذريته»، من تلك الكلمات نجد إن الموسوعيين لم ينتقدوا مبدأ الحق الإلهى بغرض التخلص منه و لكن حاولوا التقريب ما بين هذا الحق و سلطة الأمة ، بجعل هذا الحق مشروط بموافقة الشعب …

جان جاك روسو
ولد ”روسو“ فى مدينة جنيف السويسرية عام 1712 ، عاش حياة صعبة و قاسية ، لذا كان دائما ما يشعر بالاستياء من النظام الإجتماعى القائم و الفوارق الكبيرة بين الأغنياء و الفقراء لذا ركز فى كتاباته على نقد هذا النظام ، وجد روسو إن الإنسان صنع لنفسه بيئة فاسدة تغلبت فيها الرغبات الفردية الذاتية و إشباع الأهواء مع رغبات و احتياجات المجتمع ككل ستؤدى إلى أنهيار هذا المجتمع ، لذا على المجتمع أن ينتقل من الطور الفردى الذاتى إلى نظام يتنازل فيه الفرد عن جميع ما لديه من رغبات و من حقوق لصالح المجتمع ككل ، و بما إن هذا التنازل سيكون للمجتمع و ليس إلى أفراد أو هيئة معينة فلن يكون مقيداً له بل سيكون متمتعا بكامل حريته لأنه سيكون جزء من ”عقد أجتماعى“ عام سيكفل للإنسان تحقيق الحالة الطبيعية الأولية للمجتمعات حيث لم يعرف هذا المجتمع أنظمة السادة و العبيد ، بل ستكون العبودية هى خروج عن هذا العقـد.

فرق ”روسو“ بين ”الإرادة العامة“ ، و بين ما أطلق عليه”إرادة الكل“ ، فالأخيرة هى تنازل جماعة من الجماعات عن رغباتهم و مصالحهم إلى هيئة محددة تقوم من بينهم لوضعها موضع التنفيذ ، و مع إن هذه الرغبة قد تحدث بطريق الإجماع إلا أنها تكون فى مصلحة فئة أو شريحة محددة من المجتمع ، و هى بذلك على خلاف مع ”الإرادة العامة“ التى تنشد دائما الصالح العام ،لذلك قد نرى تعارضاً بين الإرادتين ، فهذا يترتب عليه تنازل الأفراد عن رغباتهم الخاصة إلى المجتمع ليصبح هو وحده صاحب القوة و السلطة العامة.

تلك الآراء ساهمت و كانت لها اليد العليا فى هدم كل ما استندت إليه الملكية الأوروبية التى قامت على الحق الإلهى و الحكم المطلق استنادا عليه ، فقد صار الشعب شريكا أساسياً فى الحكم ليصبح من حقه أقصاء الحكومات ليكون الشعب هنا صاحب السيادة العليا.

البارون دولباخ
لم يكن ”روسو“ هو الوحيد الذى تناول نظرية العقـد الإجتماعى بل صاحبه فى ذلك ”البارون دولباخ“4 الذى نشر كتابا عام 1773 بعنوان النظام الإجتماعى - Social System – حيث تحدث عن نظرية العقـد الإجتماعى و حدد العلاقة بين الحكومة و المجتمع قائلاً «إن هناك عقداً بين الشعوب و قادتها أو رؤسائها على أساس أن يتعهد هؤلاء القادة أو الرؤساء بحكم الشعب حكماً طيباً ، فإذا لم يفعلوا تحرر الشعب من أرتباطه و مما تعهد به ، صار باطلا ً و ملغى و كأن لم يكن».

لم يكتفى ”دولباخ“ بمهاجمة النظام الملكى و لكنه شن حملة عنيفة على رجال الدين ، فقد رأى فى اتحادهم مع الملكية الطاغية هو خيانة للشعب الذى كان يضعهم موقع التبجيل و الاحترام لكنهم استغلوا ذلك فى سبيل الحصول على عطايا ملكية ، هذا فضلا عن تسخيرهم للمشاعر الدينية فى المجتمع لخدمة أغراضهم و مآربهم.

آبيه جليوم رينال
يعتبر ”رينال“5 -Guiallaume Raynal - صاحب أكبر إنتاج فى عالم الفكر بعصره ، و كان كتابه المشهور ”التاريخ الفلسفى و السياسى لمراكز التجارة التى أسسها الأوروبيون فى الهند الشرقية و الغربية“ له دور أساسى فى تأجيج نيران الثورة و أن على الشعوب أن تثور على نفسها قبل الثورة على الطغاة فقد اشعل غضبها عندما حملها مسئولية طغيان الملوك و الحكام و الطبقات المسيطرة على الحكم فمن أقواله :«لماذا يعانى الإنسان ما يُعانيه ، و لماذا لا يُندد بكل ما يملك من قوة و حماس هذا الطغيان ، لماذا لا يبذل كل ما فى وسعه من جهد و حيلة لاسترداد قدره و مكانته كإنسان ؟ هل يرى فى أرتفاع صيحاته مدوية ضد الرق و العبودية عصيانا و ثورة جامحة ؟ ، إن الرجال اللذين لا يكافحون فى سبيل استرداد حقوقهم الإنسانية و تقريرها ، لخليق بهم أن يهلكوا فى زوايا النسيان يغمرهم الخزى و العار و الفضيحة … ! ».

كما هاجم النظام الملكى و أنصاره قائلا : «أنهم أولئك اللذين ما كنت تسمع منهم إلا أمثال هذه العبارات : قام الملك ، أراد الملك ، شاهدت الملك ، قابلت الملك ، و تعشيت مع الملك » ، كما شن هجوما لاذعا على رجال الدين واصفا إياهم انهم لا يفعلون شيئا سوى عظات و أحاديث لا تساعد الناس بل أنها تخلعهم من صفاتهم البشرية الحرة ليصبحوا غير آدميين ؛ و برغم حملته القاسية على النظام الملكى و الطبقة الأرستقراطية إلا أنه لم يطرح بديل واضحا يعكس تلك الحملة بل أنها خلت تماما من أى إشارة إلى نظام سياسى جديد تشارك فيها الشعوب فى إقرار حياتها ، بل على العس كان مؤيدا مؤمناً بالنظام الملكى و كان يوصى بأتباع النظام الملكى الإنجليزى فقد كان يرى فى الحكومة الانجليزية التى تجتمع فى تكوينها عناصر الأضداد "الملكية الاستبدادية ، الأرستقراطية ، و الديمقراطية (حكم الشعب) التى قد تقود إلى الفوضى ، فصارت القوى الثلاثة المتصارعة تحد كل منها الآخر و بالتالى تكون قادرة من تلقاء نفسها على تحقيق صالح المواطن !

كما أختلف رينال مع مونتسيكو فى ما طرحه من فصل السلطات القضائية و التشريعية و التنفيذية لاعتقاده أن ذلك سوف يؤدى إلى فوضى و انحلال الحكومة ، كذلك كان صراعه مع رجال الدين المؤيدين للسلطة المطلقة للحاكم المستمدة من الحق الإلهى فى غاية القسوة خاصة بعد إعلانه إن زعم رجال الدين بأن الملوك استمدوا ملكهم من خلال حق إلهى يستمدون سلطتهم من خلاله ، فقد وصف هذا الحق بأنه مضاد للعقل و مسبة للدين ، مما أغضب علماء اللاهوت و رجال الكنيسة و اعتبروه زنديق.

إرهاصات شيوعية و أشتراكية غير مكتملة
لم تتوقف حركة التنوير عند روسو و منتسكيو أو الإنسيكلوبيديين أو دولباخ ، و لكن كان هناك من تجاوز ما طرحوه من أفكار و من أهم هؤلاء آبيه جبرائيل دى مابلى – Abbe Gabriel de Mably - ، كذلك مورللى – Morelly - ، اعتبر الإثنين أن الملكية الفردية و خصوصا ملكية الأرض هى أساس كل المساوئ الاجتماعية و السياسية التى يعانى منها المجتمع ، دعوا إلى أقتراح أنظمة اشتراكية و شيوعية ، خاصة مورللى فى كتابه ”قانون الطبيعة“ اللذى وصف عالما شيوعيا يتلخص فى أن المنفعة الذاتية هى الدافع و مصدر كل شر ، فلأن الطبيعة قصدت أن يشترك الأفراد فى الملكية أشتراكاً شيوعياً ، كى تصبح منافع الأفراد الذاتية متطابقة و متماثلة ، فإذا عمل الإنسان لتحقيق نفع ذاتى عاد هذا النفع على المجتمع بأسره ، و الملكية الفردية سيستتبع معها بالضرورة أنصراف الأفراد لمصالحهم الخاصة و التى تتناقض فى أغلبها ضد المجتمع ككل ، لذا فقد أهتم مورللى برسم صورة لنظام أجتماعى يتيح للإنسان فرصة العيش بقدر المستطاع تندمج فيه المصالح الفردية مع المصلحة العامة للمجتمع ، و لكن مورللى كان متشائماً بسبب صعوبة إنشاء هذا المجتمع فى عصره ...



___________________________________________
هوامش
1) الأكليروس هم رجال الدين اللذين ينحدرون من أصول أرستقراطية ، و الخوارنة ينحدرون من عائلات برجوازية و بعضهم ينحدر من الطبقات الشعبية
2) مشيل فوفيل مؤرخ فرنسى ولد فى 6 فبراير 1933 و توفى فى 6 أكتوبر 2018 أحد أكبر المتخصصين فى تأريخ و تحليل الثورة الفرنسية
3) مجموعة الموسوعيين أو الإنسيكلوبيديين هم مجموعة من المفكرين أهمهم ديدورو ، دالمبير ، هلفيتيوس ، و دولباخ ، اكتسبوا هذا اللقب بسبب أطلاقهم موسوعة فكرية انتقدت الأفكار السائدة و دعت إلى ضرورة إعادة بناء الوعى الفكرى السياسى التى تقوم عليه فرنسا و أوروبا كلها و نشروا ذلك فى موسوعة كبيرة من 17 عشرة مجلد فى الفترة ما بين 1751 إلى 1777
4) كاتب و فيلسوف و موسوعى فرنسى ألمانى ولد في سنة 1723 فى قرية إيدشايم بالقرب من بلدة لانداو فى إقليم بالاتينات ، إلا أنه عاش و عمل فى باريس و قد عرف عن كونه واحد من رواد عصر التنوير الفرنسى ، و قد عرف بتواجده فى الصالونات الأدبية ، توفى فى 21 يناير 1789 فى نفس السنة التى اندلعت فيها الثورة الفرنسية ، و قد كان كارل ماركس واحد من المتأثرين بأفكاره.
5) أسمه بالكامل Guillaume Thomas Raynal ولد فى 12 أبريل 1713 و توفى فى 6 مارس 1796 ، تلقى تعليمه فى المدرسة اليسوعية بـ Pézenas ، و تلقى أوامر الكاهن ، لكنه طرد لأسباب غير مبررة من أبرشية Saint-Sulpice بباريس ، ترك النظام الدينى و أنخرط فى الحياة المدنية و اصبح كاتبا صحفيا ، كما أنتخب زميلا للجميعة الملكية فى مايو 1754


المصـادر
1- الثورة الفرنسية – دكتور لويس عوض – الهيئة المصرية العامة للكتاب1992 – الطبعة الأولى
2- الحضارة المادية و الافتصاد و الرأسمالية (الجزء الأول) – فرنان برودال – ترجمة مصطفى ماهر – المركز القومى للترجمة 2013 – الطبعة الأولى
3- أصل التفاوت بين الناس – جان جاك روسو – ترجمة عادل زعيتر – مؤسسة هنداوى للتعليم و الثقافة 2012
4- تاريخ أوروبا و العالم فى العصر الحديث من ظهور البورجوازية إلى الحرب الباردة (المجلد الأول) – دكتور عبد العظيم رمضان – الهيئة المصرية العامة للكتاب 1998
5- تاريخ أوروبا من النهضة إلى الحرب الباردة - دكتور شوقى الجمل ، دكتور عبد الله الرزاق – المكتب المصرى لتوزيع المطبوعات 2000
6- روح الثورات و الثورة الفرنسية – جوستاف لوبون – ترجمة عادل زعيتر – كلمات عربية للترجمة و النشر 2012
7- ثورة الفكر فى عصر النهضة الأوروبية – دكتور لويس عوض – مركز الأهرام للطباعة و النشر 1987 – الطبعة الأولى
8- محاكم التفتيش فى فرنسا – ترجمة رمسيس عوض – المركز الأعلى للثقافة 2005 - الطبعة الأولى
9- العقـد الاجتماعى - جان جاك روسو – ترجمة عادل زعيتر - مؤسسة هنداوى للتعليم و الثقافة 2013
10- النظام القديم و الثورة الفرنسية – أليكسى دو توكفيل - ترجمة خليل كلفت – المركز القومى للترجمة 2010 – الطبعة الأولى
11- الصراع بين البورجوازية و الإقطاع 1789-1848 (المجلد الأول) - محمد فؤاد شكرى - مؤسسة هنداوى للتعليم و الثقافة 2014





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,282,614,519
- تطور الحياة السياسية و الاجتماعية فى مصر ( 1 )
- أزمة اليسار المصرى و البحث عن إستراتيجية
- ثورة تكنولوجية تؤسس عالم -ما بعد الرأسمالية-
- الماركسية هل مازالت تصلح ؟ ( 2 )
- الماركسية هل مازالت تصلح ؟ ( 1 )
- الماركسية هل مازالت تصلح ؟
- الرأسمالية و دقات نهاية الساعة
- الصراع في مصر هل هو طبقي أم صراع على الهوية ( 2 )
- الصراع في مصر هل هو طبقي أم صراع على الهوية ( 1 )


المزيد.....




- استأجر اليخت الذي صعدت على متنه مارلين مونرو وجاكلين كينيدي ...
- مرتفعات الجولان.. ما أهميتها وما تاريخ النزاع عليها بين سوري ...
- شاهد: احتجاج الدروز على دعم ترامب لسيادة إسرائيل على الجولان ...
- المكسيك: احتجاز أكثر من 100 مهاجر من أمريكا الوسطى حاولوا دخ ...
- هل انتهى -تنظيم الدولة- بالقضاء على -الخلافة- المزعومة؟
- شاهد: احتجاج الدروز على دعم ترامب لسيادة إسرائيل على الجولان ...
- المكسيك: احتجاز أكثر من 100 مهاجر من أمريكا الوسطى حاولوا دخ ...
- متاعب ترامب لا تنحصر بتقرير مولر.. 8 تحقيقات وقضايا تنتظره ب ...
- مسؤولو خارجية ومخابرات مصر والأردن والعراق يجتمعون بالقاهرة ...
- السكن الجماعي.. فرقتهم الحدود وجمعهم سقف واحد


المزيد.....

- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل / هشام حتاته
- اللسانيات التوليدية من النموذج ما قبل المعيار إلى البرنامج ا ... / مصطفى غلفان
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- كلمات في الدين والدولة / بير رستم
- خطاب السيرة الشعبية: صراع الأجناس والمناهج / محمد حسن عبد الحافظ
- النحو الحق - النحو على قواعد جديدة / محمد علي رستناوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عمرو إمام عمر - تطور الحياة السياسية و الاجتماعية فى مصر (2)