أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الفقي - عن اللوحة الاستهلالية لفيلم المومياء















المزيد.....



عن اللوحة الاستهلالية لفيلم المومياء


محمد الفقي

الحوار المتمدن-العدد: 6161 - 2019 / 3 / 2 - 18:41
المحور: الادب والفن
    


في إحدى المقابلات الصحفية لشادي عبد السلام، يقول: "إنني أعمل بشكل متواصل، وإن لم أنجح في إيصال عملي إلى الشاشة، فيمكن له أن يصبح كتاباً، أو محاضرات للتدريس. إن عملي حول التاريخ المفقود يظل عملاً يمكن إيصاله للناس، مهما كان الشكل المُستخدم".

وربما تقدم لنا عبارات شادي تلك، أحد المفاتيح المهمة في فهم أسباب تميزه عن باقي سينمائيينا. إن (المومياء) اليوم محل إجماع من النقاد العرب بوصفه أهم وأجمل أفلامنا. وهناك مديح دائم لجماليات الصورة في (المومياء): الكادرات، والتكوين، والتشكيل، وتصميم الملابس والإكسسوار. لكن في رأينا أن ما يجعل (المومياء) يستحق تلك المكانة هو شيء أكبر من جماليات الصورة، أكبر من الشكل؛ شيء مستقر أقوى كثيراً من العابر.

ونعتقد أن ما يميز شادي إنما هو الوعي الكثيف والعميق بتاريخنا الحضاري، وبعناصر القوة في حضارتنا، وهو وعي تم استخلاصه عبر قراءات وبحث جاد ومثابر لا ينقطع. فشادي هو فنان من أرومة المخرج الروسي الكبير أندريه تاكوفسكي، الذي كان يطالب نفسه في ممارسته للسينما بنفس شروط الممارسة الدينية؛ من إيمان بالقيم والمعاني التي يصنع أفلامه من أجلها، وصبر ومواظبة على العمل، وإخلاص وتضحية لنوع السينما التي يؤمن بها.

وسنحاول في السطور التالية أن نتأمل في ملمح من ملامح ذلك الوعي، والفهم العميق للتاريخ الاجتماعي، والحضاري، والجمالي لموضوع فيلمه، وذلك من خلال تبين بعض دلالات اللوحة الاستهلالية التي يفتتح بها شادي (المومياء)، حتى قبل نزول عناوين البداية.

فعلى صورة قناع تابوت فاقد لإحدى عينيه، ومنزوع عنه الذهب الذي يزينه، تظهر اللوحة الاستهلالية التالية من نصوص (متون التوابيت):

يَا مَنْ تَذْهَبْ سَتَعُودْ
يَا مَنْ تَنَامُ سَوْفَ تَنْهَضْ
يَا مَنْ تَمْضِي سَوْفَ تُبْعَثْ
فَالْمَجْدُ لَكْ
لِلسَّمَاءِ وَشُمُوخِها
لِلأَرضِ وَعَرْضِهَا
لِلْبِحَارِ وَعُمْقِهَا

تلخيص للحبكة
بعد اللوحة الاستهلالية، يبدأ الفيلم باجتماع لجاستون ماسبيرو(1846-1916م)، مدير الآثار المصرية، مع بعض علماء المصريات والآثار في المتحف المصري، ومعهم محمد أفندي كمال (1851-1923م)، أول عالم مصريات وآثار مصري. ويبحث المجتمعون موضوع ظهور بعض قطع الآثار المصرية المسروقة، والتي تعود إلى الأسرة الحادية والعشرين، في أسواق الآثار العالمية، وهو ما يؤكد أن لصوص الآثار قد عثروا على مقابر هذه الأسرة. ويتطوع أحمد كمال بالذهاب إلى طيبة (الأقصر) في موسم أجازة المتحف بالصيف، لمحاولة العثور على خيط قد يؤدي إلى كشف اللصوص.

ثم ينتقل الفيلم إلى طيبة، ونشهد جنازة "سليم" زعيم قبيلة الحربات؛ الذي كان يقوم ببيع الآثار المسروقة إلى "التاجر أيوب". ويقوم شقيق سليم بإخبار أبناء أخيه؛ "ونيس" وشقيقه الأكبر، عن سر الخبيئة (أي الآثار التي أخفاها الكهنة المصريون القدماء عن أعين اللصوص، بإعادة دفنها في أماكن سرية). يرفض الأخ الأكبر بيع الموتى ويقرر الرحيل، فيتم قتله بأمر من العم. ويظل ونيس متردداً، غير قادر على حسم أمره، معانياً من ثقل السر الذي عرفه، وفي هذه الأثناء يصل أحمد كمال إلى طيبة، ليتعاون مع الحرس المُكلف بحماية المنطقة، بقيادة الضابط "البدوي بك" (ويُسمُّون جميعاً: الأفندية)، في محاولة لكشف اللصوص وسر المقابر.

من ناحية أخرى، يرفض ونيس إغواء"زينة"؛ التي يجلبها "مراد" (المساعد السابق لأيوب التاجر) لإغواء شباب القبيلة مقابل قطع من الآثار المسروقة، كما يرفض اقتسام الخبيئة مع أبناء عمه، ثم يرفض بيع الخبيئة إلى أيوب التاجر. يكشف مراد لونيس عن سر مقتل أخيه، فيذهب ونيس إلى أفندية القاهرة، ويخبر أحمد كمال والضابط البدوي بمكان الخبيئة. وأخيراً، يستخرج أحمد كمال والبدوي بك الخبيئة بمساعدة الجنود وبعض من "أهل الوادي"( الفلاحين) الموثوق بهم. ويتم نقل الخبيئة إلى السفينة، التي ترحل إلى القاهرة وعلى متنها توابيت 40 من أشهر وأهم فراعين مصر في خمس أسرات؛ من الأسرة 17 إلى الأسرة 21.

إن شادي حين يستدعي قصة خبيئة المومياوات، وحكاية أسرة عبد الرسول وقبيلة الحربات، فإنه في الحقيقة لا يقدم لنا القصة الواقعية تسجيلياً كما حدثت بالفعل، بل يخوض نزالاً فنياً طويلاً مع الحكاية الواقعية، فيضيف ويحذف، ويبتدع خطوطاً درامية، وتخييلات جديدة، تضيف أبعاداً وجودية للقصة، وتحقق هدف الفيلم في نقل "الخبرة" (أي المعاني الكبرى) التي يريد شادي إيصالها إلينا. إن ما وصل إلينا من أوراق شادي، بالإضافة إلى شهادات زملائه وأصدقائه، تؤكد أنه عمل على السيناريو لفترة طويلة حتى وصل إلى شكله النهائي (من بدايات 1965 إلى مارس 1968 وقت تصوير الفيلم)، لدرجة قيامه بتعديل السيناريو ثلاث مرات كاملة، وعلى نحو يختلف اختلافاً بيناً في كل مرة. كان السيناريو الأول تسجيلياً تماماً يُسمى: (دُفنوا مرة ثانية)، ثم أعاد كتابته في دراما كلاسيكية تدور حول قصة حب بين ونيس وزينة، تحت اسم (ونيس)، ثم استقر أخيراً على الشكل النهائي الذي صوَّر به (المومياء.. يوم أن تحصى السنين). إنه نفس الأسلوب الذي كان ينتهجه تاركوفسكي في عمله، والذي كان يمتلك، كشادي، إرادة جبارة في العمل طويلاً على التعديلات والتنقيحات للمادة الخام (السيناريو)، وخصوصاً في فيلمه (المرآة، 1975) الذي أعاد كتابته ثلاث مرات، وفيلمه (الطواف، 1979)، الذي أعاد تصويره ثلاث مرات.

المعاني التي قصدها شادي
يتضح، وحتى من مجرد المشاهدة الأولى، أن (المومياء) يصارع فكرة البعث والإحياء لعناصر القوة في تاريخنا، واستلهام تلك العناصر التي صنعت حضارتنا القديمة، من أجل الصحوة الجديدة للوعي، والإنطلاق في مسيرة التقدم والحضارة في زمننا الراهن. وبتعبيرات شادي نفسه: "أردت أن أعبر عن شخصية الإنسان المصري الذي يستعيد أصوله التاريخية وينهض من جديد. وأتصور أن الأفلام التاريخية التي أصر على تقديمها، هي نوع من البحث التاريخي بلغة الكاميرا عن هموم وأشواق الحاضر. إنا أرى الحياة في استمراريتها، وإذا أردت أن أرى ما يجري اليوم جيداً، فلا يمكن أن أعزل اليوم عن الأمس، فما نحن فيه اليوم هو نتاج لتاريخنا."

إن اللوحة الاستهلالية في البداية هي دلالة ونبؤة عن ما سيحدث بعد ذلك في الفيلم. ومهمة "الأفندية" في المومياء (ونيس والبدوي الضابط) -أي الجانب المتنور في الشخصية المصرية-، هي نفس المهمة التي كان شادي يضعها على عاتقه هو شخصياً. إن إنقاذ مومياوات الأجداد، الفراعنة العظماء، ليس من أجل إعادة إحياء الأجداد، ولكنه وسيلة لإعادة بعث الأحياء الهائمين الضائعين. إن المعرفة، والوعي بعناصر القوة التي كانت للمصريين القدماء، هي شرط لتحقيق البعث والنهضة لأحفادهم.

فعلى نقيض الكتب الدينية والعلمية التي تبدأ بالتكوين وبداية الخلق، يبدأ (المومياء) بالموت. موت الإنسان (والذي يمكن أن نقرأه بوصفه المكافئ لفوضى الهيولي). الموت الروحي للإنسان الجاهل بتاريخ أسلافه، والذي ينتزع لقمة عيشه ببيع جثث موتاه، وماضيه، وتاريخه. إن الفيلم يبدأ بالنهاية وليس البداية. وينتهي إلى البداية؛ إلى البعث والولادة الجديدة. إن عملية البعث هي عملية خلق، تماماً مثل الانفجار الكبير الذي يؤسس النظام من رحم الفوضى. فقبل الانفجار الكبير لم تكن هناك لا قوانين علم ولا معرفة، لأنها جميعاً تنهار في حالة الهيولي. وببداية حالة الانتظام والاستواء بعد الانفجار الكبير، يبدأ الكون المنتظم كما نعرفه، والزمان كما نعرفه، والحياة الذكية؛ أي الحضارة.

أهمية اللوحة الاستهلالية
الفعل المضارع الذي يهيمن على نبرة اللوحة الاستهلالية يُطالب المُشاهد باعتبار أحداث الفيلم في الحاضر الدائم، وليس في الماضي، بالرغم من أن أصل القصة نفسها تاريخي، أي وقعت في زمن سابق بالمعنى الكرونولوجي. وبسبب الإرادة الواعية لشادي في جعل زمن الفيلم في زمن التكلم سيخلو الفيلم تماماً من أي لقطات للفلاش باك. وهذا الجو المسيطر بالحاضر الدائم يضع الفيلم والأحداث والشخصيات في الديمومة. أما في لوحة النهاية، فإن فعل الأمر (انهض) يسمح لنا بافتراض التمني أيضاً. إن الوعي بالاسم؛ أي بالتاريخ والماضي والأسلاف، هو شرط النهوض.

اللوحة الختامية:
إِنْهَضْ
فَلَنْ تَفْنَى
لَقَدْ نُودِيتَ بِإِسْمِكْ
لَقَدْ بُعِثْتْ

ويبدو من الحرص على تشكيل النص بدقة أن صانع الفيلم يُطالب المُشاهد بالانتباه الشديد والتركيز المكثف. فتشكيل كل حرف في لوحة المقدمة (والخاتمة) يترك لدينا الانطباع برغبة الفنان، وإرادته، في أن يحكم الأمور إحكاماً واعياً، وحرصه على تحقيق أثراً معيناً في النفس. إن الأمر مدروس جيداً، وحسابات صانع الفيلم محسوبة حساباً دقيقاً، والفكرة واضحة جلية في ذهنه. ولذلك فإن الفيلم يمسك بالمُشاهد مسكة قوية منذ البداية، ثم يتقدم إلى الأمام وقد سيطرت عليه روح الوحدة والتماسك.

ونحن نعرف بالخبرة أن من طبيعة فنان السينما أنه دائماً ما يسعى لأن يكون في أفضل حالات الوعي في الافتتاحيات، لأنه يكون تواقاً إلى التأثير، راغباً في لفت نظر المُشاهد. وشادي هنا يفتتح الفيلم بنص مكتوب، بالرغم من أنه قد يكون موضع انتقاد من حزب التعبير الدرامي بالصورة. لكنه، وهو العليم بالأهمية الروحية للنصوص في الحضارة الفرعونية (وكذا العربية)، يوفق بعظمة في استخدام وسيلة غير سينمائية للتعبير بأصالة عن فكرته، وفي فيلم هو الأكثر رقياً في تاريخ السينما العربية من حيث جماليات الصورة والتصميم الفني، والتعبير التشكيلي عن المعاني الوجودية للدراما.

إن النصوص المكتوبة في الحضارة الفرعونية لم تكن مجرد وسيلة للقراءة والكتابة، أو لتدوين النصوص الأدبية، والقصائد الرومانسية، أو حتى فقط لنقل "الخبرة" وتقديم الحكمة والرسائل الأخلاقية والتعليمية عبر نصوص الحكايات، والحكم والوصايا، ولكنها كانت، في الأساس والأهم، تعبر عن قوة روحية ودينية لم يعرفها أي نظام كتابة آخر. والنصوص المكتوبة التي وصلتنا من (كتاب الموتى) و(متون الأهرام) و(متون التوابيت) هي أدلة على قوة اعتقاد المصري القديم في قدرة النصوص الكتابية على تقديم العون والمساعدة للمتوفي، لدرجة أن محو الاسم المكتوب للشخص، لا يمثل فقط محواً لذكرى الميت، ولكنه محو لوجوده الأبدي. والنص الاستهلالي للفيلم يوحي لنا بأنه يعمل كما لو كانت له هذه القوة نفسها. وسرعان ما سيحتشد له باقي الفيلم بالصدى والتكرار، وعلى نحو يعزز قوة النص الاستهلالي في الافتتاحية، حتى أنه يستحيل حذف اللوحة الاستهلالية (والختامية) من دون أن يفقد الفيلم الكثير من معناه.

ومع ذلك فإن شادي يختار اللغة العربية الفصحى، عن قصد وتصميم، لكتابة النصين الاستهلالي والختامي، ولم يختر مثلاً اللغة الهيروغليفية، مع إرفاق ترجمة عربية مصاحبة لها. بالرغم من أنه لو فعل لأعطى تأثيراً أقوى من الناحية التسجيلية. لكننا نعلم أن اهتمام شادي في (المومياء) لم يكن التسجيل، وتشهد على ذلك الفروق السردية الضخمة بين المادة الخام للفيلم (السيناريو)، والمادة الخام للواقع (حادثة خبيئة الأقصر وأسرة عبد الرسول). إن اختيار شادي للغة العربية الفصحى ليعبر بها عن معاني الفيلم المتضمنة في النصين الاستهلالي والختامي، علاوة على اختياره لها، وليس اللهجة المصرية، لغة للحوار بين الشخصيات، يسمح لنا بالقول بأنه لم يكن من الشوفينيين الذين يؤمنون بالطلاق بين الحضارتين الفرعونية والعربية، وأن نهضة مصر لن تتحقق إلا بتبني الأولى ونبذ الثانية. وهو موقف ليس مستغرباً من فنان عاش مشغولاً ومسكوناً بالفنون البصرية والتشكيلية. فنحن نعرف من الخبرة أن معظم الفنانين التشكيليين المصريين يؤمنون فطرياً بتكامل الحضارتين الفرعونية والعربية، ويحملون إجلالاً للاثنتين. فمجال الفنون التشكيلية يُعرِّف الفنان على أقوى وأجمل عناصر الحضارتين، فيعز عليه الانحياز، ويتوق فطرياً إلى التكامل. فما بالك وإن كانت الفطرة السليمة للفنان مدعومة بثقافة عميقة للتاريخ الحضاري والفني لأمته. وفي السيرة الذاتية لشادي، وفي تصاميمه الفنية، ما يسمح لنا بالاعتقاد بأنه كان فخوراً بالحضارتين، تواقاً إلى تكاملهما، مؤمناً بأن البعث الحضاري لأسس قوة الحضارة الفرعونية، من شأنه أن يكون مصدراً للنهضة العربية الشاملة.

لماذا الخط الكوفي؟
اللوحتان الافتتاحية والختامية مكتوبتان بخط كلاسيكي يغلفه الوقار، ويحترم الموضوع والأجواء والقضية. والخط المستخدم مُصمَّم اعتماداً على السمات الجمالية لأقدم الخطوط العربية وأجملها: الخط الكوفي المصحفي على طراز المشق. ولكي نحاول تفسير اختيار الخط الكوفي في هذين الموضعين الهامين بالفيلم، ودلالة الإرادة الواعية في الاختيار، ونتأمل في ما تعكسه من وعي للفنان بالقيم الجمالية للحضارتين الفرعونية والعربية، نحتاج أولاً إلى إشارات سريعة إلى تاريخ الخط الكوفي وتطوره.

كانت الخطوط في الجزيرة العربية في البدء تُكتب بنوعين: مبسوط هندسي (وتطوره الأرقى هو الكوفي)، ويتميز هذا النوع بالهندسية، والتربيع، والزوايا المستقيمة، وقلمه المسطح هو أصل الأقلام العربية. والنوع الآخر هو المقور اللين (وتطوره الأرقى في خطوط النسخ، والثلث، ثم النستعليق.. إلخ)، وحروفه تميل إلى اللين، والميل، والاستدارة.

والكلام في أصول الخط الكوفي كثير ومتشعب، ولكن يمكن تلخيص تطوره، وفقاً للأقوال الموثوقة في كتابات المؤرخين العرب (ومنهم: أبو حيان التوحيدي في "علم الكتابة"، وابن خلدون في "المقدمة"، والألوسي في "بلوغ الأرب"، و"خطط" المقريزي، و"تحفة أولي الألباب" لابن الصائغ)، وكذا ما اطلعنا عليه من الكشوف الأجنبية الحديثة للنقوش القديمة في المنطقة العربية، إلى أن أصل الخط الكوفي كان الخط الحجازي (المكي اليثربي)، المأخوذ عن الخط الحيري، عن النبطي، عن الحميري، عن المسند، عن الفينيقي، المأخوذ عن خط طور سيناء؛ والذي بات معلوماً الآن أنه أصل الأبجدية العربية، والعبرانية، والبهلوية، واللاتينية، والكثير من الأبجديات الأخرى.

ولذا فإن الخط الكوفي أقدم من اسمه. فهو أقدم من مدينة الكوفة التي بُنيت في عهد عمر بن الخطاب عام (18هـ/ 639م) قرب الحيرة والأنبار. وقد سُمي بالكوفي أيام كانت الكوفة مركزاً إدراياً وسياسياً للدولة العربية، ومقراً لخلافة الإمام علي بن أبي طالب، والذي كان هو نفسه يكتب بالخط الكوفي، ويشجع على كتابته، وكذلك الإمامين الحسن والحسين. ففي الكوفة بدأ هذا الخط في الترقى تدريجياً، وأدخلت عليه التحسينات؛ ومنها التنقيط والتشكيل الذي بدأ بإدخاله أبو الأسود الدؤلي بطلب من الإمام علي بن أبي طالب، ثم تبعه تلميذيه النابهين؛ نصر بن عاصم الليثي، ويحي بن يعمر العدواني. وأصبح الخط الكوفي هو المعتمد في تدوين القرآن، والحديث، ونسخ الكتب، وتزيين المساجد، والقصور، وكتابات الدواوين، ورسائل الحكام وتوقيعاتهم. ومن الكوفة أيضاً انتشر واشتهر، لدرجة أنه حين حلت العربية محل القبطية في مصر مثلاً، واحتفظ بعض أهلها باللغة القبطية، كتبوها بالخط الكوفي.

وأكثر ما يعنينا في تاريخ تطور الخط الكوفي هو أنه بلغ أوجه في العصر الأموي (41-132هـ / 661-750م)، والعصر العباسي الأول (132-232هـ/750-847م)، وأصبح ينتشر مع انتشار الدولة إلى باقي الأمصار، فيحل في الكتابة محل خطوطها القومية، معبراً عن قوة الدولة العربية، وعن الشخصية العربية الجديدة.

واستمر الخط الكوفي هو الخط الأساس في الكتابة العربية، حتى في العصر الفاطمي (300-567هـ/913-1171م)، ولم تسعى الدولة الفاطمية (الشيعية) إلى فرض أنواع أخرى من الخطوط لتعبر عن شخصيتها الجديدة، ولا حتى في المكاتبات الرسمية في دواوينها. لكن الأمر اختلف مع خلفائهم الأيوبيين (567-657هـ/1171-1260م) -والذين أعادوا المذهب السني محل الشيعي-، حيث شهد عصر الدولة الأيوبية الاعتناء بخط النسخ على حساب الخط الكوفي، ومحاولة نشره في البلاد العربية التي وقعت تحت سيطرتهم. لكن الخطوط الكوفية ظلت مع ذلك تصارع رأساً برأس الخطوط الرسمية في الدواوين، وظلت هي المفضلة للخطاطين في الكتابة، وتزيين المساجد والقصور. ولم يحد من نموها وانتشارها إلا الاحتلال العثماني للبلدان العربية، حيث عملت الدولة العثمانية (698-1341هـ/1299-1922م) على فرض شخصيتها الجديدة (حتى في الخطوط) على المجتمعات العربية، ففرضت الخطوط التي هي من أصل عثماني (الديواني، والطغرا، والرقعة، والياقوتي، والقرمة..إلخ) على الكتابة العربية، كما شجعت أيضاً أنواع الخطوط اللينة الأخرى (ومعظمها من أصل فارسي) الصالحة للكتابة السريعة في الدواوين والمراسلات الرسمية التي تضخمت (الحاجة إلى سرعة الكتابة، والربط أكثر بين الحروف، على عكس الكوفي الذي يحتاج إلى التمهل والاعتناء والدقة والركوز). وكانت الضربة القاضية للخط الكوفي في عملية نقل كبار أساتذته وأمهرهم إلى الآستانة، -فيمن نقلوا من الحرفيين والفنانين والصناع العرب لبناء الآستانة-، فحُرمت الكتابة العربية من جهودهم، وتم استخدامهم هم أنفسهم ليسهموا في تطوير الخطوط العثمانية الجديدة، وباقي الخطوط اللينة.

إن شادي حين يختار الخط الكوفي، يختار أول وأقدم خطوط الكتابة العربية، وواجهة القوة في الحضارة العربية، وسفيرها إلى العالم، ولا يختار خطاً من الخطوط التي طورها أو ابتكرها الفنانون على هوامش المركز العربي؛ كخطوط التعليق والنستعليق والمكسر الإيرانية، أو خطوط الرقعة والديواني والطغرا التركية. إن الخط الكوفي يحمل الرسالة التي أرادها شادي، كما حمل من قبل صورة القوة في الحضارة العربية في أوجها.

ويجدر بنا أن نلاحظ أن شادي حين يختار الكتابة بالخط الكوفي، يختار النمط الأرقى منه (وهو أكثر من 70 نوعاً وشكلاً)، والصالح للكتابة العادية (وليس الكوفي المزهر، أو المورق، أو المشجر، أو المغربي، أو المعماري، أو المضفور، مثلاً، أو غيره من الأشكال الصالحة للزخرفة وتزيين واجهات المساجد والقصور). بل يختار الكوفي المصحفي بأسلوب المشق (والمشق هو أحد أنواع الأقلام التي يُكتب بها الخط. ويعني في اللغة: جذب الشيء ليمتد ويطول. ومَشَقَ الخط أي مدَّ حروفه). وهو نفس النمط الذي يُذكرنا بالمخطوطات في العصرين الأموي والعباسي الأول؛ بعد اختراع التنقيط والتشكيل. والمدهش، والذي يؤكد الإرادة الواعية، والقصدية في اختياراته، هو إحجامه عن الفصل ما بين الجمل في الفقرة المكتوبة: بالفصلة، أو الفصلة المنقوطة، أو النقطة، أو النقطتين، أو علامة التعجب، أو غيرها من علامات الترقيم. ونحن نعلم أن علامات الترقيم قد دخلت الكتابة العربية بعد فوز الخطاط المصري محمد أفندي محفوظ عام 1928م، في مسابقة بين الخطاطين، أقيمت بناءًا على رغبة ملك مصر السابق أحمد فؤاد الأول (1868-1936م)، بغية إرشاد القارئ العربي أثناء القراءة، على غرار ما هو معمول به في الكتابات اللاتينية، وهو ما عممته وزارة المعارف العمومية المصرية على مدارسها عام 1930م. إن شادي هنا يهمل هذا التطور "الجديد" في الكتابة، ويحافظ على الخط الكوفي كما كان يُكتب في عصر القوة العربية، تأكيداً للمعنى الذي أراده.

الانسجام مع القيم الجمالية الفرعونية
تأبى الغريزة الفنية لشادي إلا أن تقتدي بالفنان المصري القديم في أسلوبه الفني، حين كان يختار تصوير موضوعاته على نحو تكون معها في ريعان الصحة والقوة والجمال. فنحن نعلم أن أسس الفن المصري الفرعوني ظلت ثابتة لأكثر من ثلاثة آلاف عام، محتفظة بهوية أصيلة ومميزة. وقد كان النحات، مثلاً، يعتقد أن تمثال الشخص هو مسكن دائم لروحه، وعلى صورة ذلك التمثال إنما يُبعث بعد الموت. ولذلك حرص على نحت الإنسان على الصورة التي يرغب في تخليد نفسه فيها. أي وهو في ريعان الصحة والقوة والجمال، وبالنسب القياسية لجمال الشكل الإنساني؛ فيظهر الرجال بصدور عريضة وقوية، وتظهر السيدات نحيفات وذوات سيقان طويلة (وتمثال نفرتيتي هو نموذج للمثالية في نسب الجسد الإنساني). ومن النادر أن نعثر في الفن الفرعوني على رسم أو منحوت يُصوِّر التقدم في العمر، أو البدانة، أو الضعف الجسدي، أو الانحراف عن المثالية في الجمال، لدرجة أننا نعرف الفرق، مثلاً، بين زوجة صاحب المقبرة وأمه من التعليقات الهيروغليفية المصاحبة للرسم، لا من الرسم نفسه.

واقتداءً بهذا الأسلوب الفني، فإن شادي يكتب لوحة البداية (والنهاية) بأكثر الخطوط العربية تعبيراً عن الصحة والقوة والجمال: الخط الكوفي المصحفي بقلم المشق مع التشكيل. إنه نفس ما كان العربي يكتب به مخطوطاته ونصوصه في أوج قوة الدولة العربية؛ أي في العصرين الأموي والعباسي الأول. صحيح أن فكرة "العصر الذهبي" للحضارة العربية هي فكرة ذهنية أكثر منها حقيقة تاريخية، بمعنى أنها تجميع لعناصر القوة في الدولة العربية في عهود شتى؛ فيجمع "العصر الذهبي"، مثلاً، بين: العدالة في عصر عمر بن الخطاب، والازدهار الاقتصادي في عهد عمر بن عبد العزيز، واتساع الدولة في العصر الأموي، وازدهار الفنون والآداب في العصور العباسية، والتلاقح الحضاري في الأندلس، ونبوغ جابر بن حيان في الكيمياء، وابن الهيثم في الفيزياء، وابن سينا والرازي وابن النفيس في الطب، وابن خلدون في علم الاجتماع، والموصلي وزرياب في الموسيقى، وموسوعية الفارابي والبيروني..إلخ. ورغم ذلك، يتجه الذهن العربي، عند ذكر مفهوم "العصر الذهبي"، إلى كلا العصرين الأموي والعباسي الأول، حيث كانت الدولة العربية في أوج قوتها، واتساعها، وكانت الخلافات والتناحرات البينية مُحجَّمة، وتحت سيطرة مركز واحد قوي، قادر على حسم الأمور، وفرض توجهات وسياسات عامة واحدة.

أما القناع الذي نراه في خلفية النص الاستهلالي، الفاقد لإحدى عينيه، والمنزوع عنه ذهبه على نحو مؤسف (إشارة لما فعله الآباء بالأجداد، وينتظر الإنقاذ والبعث على أيدي الأحفاد)، فهو قناع لأحد التوابيت من العصر الوسيط؛ أزهى عصور الحضارة الفرعونية. ونحن نعلم أن الحضارة المصرية القديمة تُقسَّم لدى الباحثين إلى: العصر القديم المبكر، والوسيط، والمتأخر، فالديموطيقي، ثم القبطي. وعلى ذلك يكون وعي الفنان لدى شادي قد جمع ذروة الفنين الفرعوني والعربي في افتتاحية الفيلم: القناع من فن العصر الوسيط الفرعوني، والخط الكوفي في أوج قوة الدولة العربية.

إن هذا المزج الفني بين أقوى ما في الفرعوني والعربي، هو صدى للحظة القوية التي امتزجت فيها الحضارة المصرية القديمة بالحضارة العربية بعد الفتح العربي؛ تلك اللحظة التي كانت فيها الحضارة العربية تسعى للاستنارة، بعد أن زالت عنها مشاعر الرهبة والدهشة التي ترافق الاحتكاك الأول بين حضارة وأخرى، والتي أعقبها النهل بشغف من "خبرات" الحضارات الأخرى في الآداب، والفنون، والفلك، والرياضيات، والطب، والجغرافيا. يُقال أن هارون الرشيد (149-193هـ/ 766-809م) كان يدفع للمترجمين العرب الذين يترجمون النصوص الإغريقية إلى العربية وزن ما يترجمونه ذهباً خالصاً.

****

فيلموجرافيا
ولد شادي عبد السلام في الأسكندرية عام 1930، وتخرج من قسم العمارة بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1954. بدأ حياته السينمائية مساعداً لمصمم الديكور والملابس ولي الدين سامح، ومساعداً للإخراج مع صلاح أبو سيف وهنري بركات، ثم عمل في تصميم الديكور والملابس، بأسلوب خاص يميزه، في عدد من الأفلام المصرية مثل: (عنتر بن شداد، 1961)، (وا إسلاماه، 1962)، (ألمظ وعبده الحامولي، 1962)، (شفيقة القبطية، 1963)، (رابعة العدوية، 1963)، (الناصر صلاح الدين، 1963)، (أمير الدهاء، 1964)، (بين القصرين، 1964)، (السمان والخريف، 1967). عمل أيضاً في تصميم الديكور والملابس، والاستشارات الفنية في أفلام أجنبية مثل: (فرعون، 1966) للمخرج والسياسي البولندي جيرزي كافاليروفيتش، وسلسلة الحلقات التسجيلية (صراع الإنسان للبقاء، 1967) التي كتبها وأنتجها للتليفزيون الإيطالي المخرج روبرتو روسيليني. يعد (المومياء: يوم أن تحصى السنين) هو الفيلم الروائي الطويل الوحيد لشادي عبد السلام، ويصنفه النقاد دائماً كأفضل فيلم في تاريخ السينما المصرية والعربية. توفي شادي في القاهرة عام 1986، قبل أن يتحقق مشروعه الروائي الطويل الثاني (أخناتون.. مأساة البيت الكبير).

قام بصنع 7 أفلام روائية وتسجيلية، هي:
- الروائي الطويل (المومياء.. يوم أن تحصى السنين، إنتاج 1969، عُرض في 1975)،
- الروائي القصير (الفلاح الفصيح، 1970)، عن بردية "شكاوى الفلاح الفصيح"،
- التسجيلي (آفاق، 1972)، عن مظاهر النشاط الثقافي والفني في مصر المعاصرة،
- التسجيلي (جيوش الشمس، 1974)، عن عبور الجيش المصري في حرب أكتوبر 1973،
- التسجيلي (كرسي توت عنخ آمون الذهبي، 1982)،
- التسجيلي (الأهرام وما قبلها، 1984)،
- التسجيلي (عن رمسيس، 1986).





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,389,825,423
- البطل الهوليودي في عصر النيولبرالية
- تشارلي .. فسيولوجيا الإنسان الأول
- سينما جان بيير ملفيل.. أزهار الشر
- لماذا نعارض إصلاح السيسي؟ - (2)
- لماذا نعارض إصلاح السيسي؟ - (1)
- عن سينما أندريه تاركوفسكي
- كافكا والأمل
- دوستويفسكي والألم
- ذوق الجماهير.. الفن في عصر النيولبرالية
- حديقة الديناصورات، والإرهاب أيضاً
- مرحباً في صحراء الدراما المصرية
- القفزة الإيمانية لذوي السجلات الإجرامية
- تزييف التاريخ في سينما هوليود
- بداية ونهاية
- الطبقة الوسطى في سينما محمد خان
- نجيب الريحاني.. الكوميديا الذكية
- صورة الانفتاح في السينما المصرية


المزيد.....




- معرِّب هيغل ومؤلف -الطاغية-.. الموت يغيب إمام عبد الفتاح إما ...
- رئيس مجلس النواب يقوم بزيارة عمل إلى دبلن
- مئات الفنانين والعروض المميزة في مهرجان جرش بالأردن هذا العا ...
- مشروع -كلمة- يحتفي بمرور 10 أعوام على الشراكة مع ألمانيا
- المسدس الذي أنهى حياة فان غوخ في المزاد
- بيع مسدس فان غوخ في مزاد علني بسعر خرافي
- فى عيد ميلاده الـ 27.. كتاب محمد صلاح.. حكاية بطل
- صدر حديثًا كتاب «فلسفة التاريخ بين فلاسفة الغرب ومؤرخي الإسل ...
- -على الهاوية التقينا-... اللقاء مقدمة الفراق
- الشاعر الجزائري جان سيناك


المزيد.....

- مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان / فواد الكنجي
- الملاكم / معتز نادر
- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الفقي - عن اللوحة الاستهلالية لفيلم المومياء