أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - تاجرُ موغادور: الفصل السادس 8















المزيد.....

تاجرُ موغادور: الفصل السادس 8


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 6160 - 2019 / 3 / 1 - 22:14
المحور: الادب والفن
    


تقدّمَ الزوجُ من مائدة الفطور، وكانت امرأته قد أبقتها في انتظاره، ليزيح كرسياً في نزق ويجلس عليه: " اللعنة على باشا المدينة، بل وعلى كل موظفي المخزن! ما يزيد عن العشرة أيام، والباخرة محتجزة لسبب لا يعلمه إلا الله. لو أنها كانت ترفع علماً فرنسياً، لضربوا المدافع تحيةً لها! "، قالها لضيفه بالتركية. وما لبثَ أن تناول فنجان قهوة بالحليب من يد زوجته، ثم شرع يتكلم بالانكليزية معها. وكانت " رومي " تستمع إليه مبتسمة طوال الوقت، وبدا من طبطبتها على يده أكثر من مرة، أنها تحاول تطييب خاطره: " يا عزيزي ". هذه الجملة، كانت معتادة على ترديدها، وصارَ الضيفُ يعرف معناها لهذا السبب.
" سأدعكما مؤقتاً، لأن ثمة أعمالاً منزلية يجب إنجازها بعد قضائي تلك الإجازة في المعسكر! "، خاطبت ضيفها ضاحكةً. ثم جرت هرولةً باتجاه الدرج، المفضي للأدوار العلوية. تابعها القبطانُ بنظراتٍ مغتبطة، ثم عاد ليتناول فطوره ببطء. على الأثر، تنهّد الضيفُ في شيء من الحزن. كانت مشاعره ما تنفكّ متناقضة، مع أن المفترض أن يحس بالارتياح لرجوع زوج المرأة. ولكنه كان متكدراً في أعماقه من ملاحظته مسلك المضيفة مع رجلها، والمعزز يقينه المسبق بأنهما على وفاق تام. وقال يخاطب نفسه: " ولمَ لن تحبه؟ لأنه في سنّ والدها؟ مع أنك تعلم أنّ هذا سنّة نبوية، لا ريبَ فيها ولا برهان. ولكن، ما شأنك أنتَ، في آخر الأمر؟ ".
كذلك كان يفكّرُ، لما بادره المضيفُ وهوَ يمسح فمه بالفوطة: " النساء، دائماً يتدبرن أمورهن مع الأعمال المنزلية. أما نحن الرجال، فإننا نشكو الآنَ من البطالة ويمضي الوقتُ علينا ثقيلاً تحت أنظار النحلات العاملات! ". قال ذلك ثم أطلق قهقهة مدوّية. شاركه " جانكو " الضحكَ، ولو من باب المجاملة. استعاد القبطانُ هيئته الجدية، وقد انتبه لحالة الضيف. فاقترحَ أن يمضيا إلى المقهى، كون الطقس دافئاً. هنا، تذكّرَ الآخرُ رغبته في إعادة قراءة ذلك الشاعر الفارسيّ. إذ عمد ليسأل مضيفه عن الموضوع، فإن هذا أجابه وقد استقام واقفاً: " هلم بنا إلى حجرة المكتب، لأن لديّ نسخة نادرة من تلك الرباعيات وأظنها تضمّ النص الأصل أيضاً ". ثم استدركَ، قبل أن تتصاعد إلى الأدوار العليا ضحكتُهُ المألوفة: " ولكنني أنبهك، يا صديقي الورع، إلى أنّ الكتاب مزيّنٌ برسوم نساء مسلمات؛ نساء عاريات، وفوق ذلك، يشربن من دنان الخمر! ".
حجرة المكتب، كانت يتسلل من نافذتها أريجُ الياسمين والغاردينيا، ليطغى على رائحة المجلدات وجلود الأثاث. في هكذا جو جميل، جلسَ " جانكو " يقرأ في كناب الرباعيات وكان المضيفُ قد عثر عليه ببعض الصعوبة وسط الكم الهائل من الكتب. الرباعيات، كانت كلّ من صفحاتها متضمنة ترجمة للإنكليزية مع ترجمة أخرى للعثمانية فضلاً عن النص الفارسيّ الأصل.
" الرسوم، المرقّشة كلّ رباعية، هيَ من وضع فناني العجم، العظام والمجهولين "
انتهز المضيفُ فرصةَ التنويه بالرسوم، وما فيها من حريّة التعبير، كي يهرع إلى خزانة تحتوي على عدة الشراب. سأل ضيفه بعدئذٍ: " أترغب في مشاركتي بقدح من الويسكي؟ إنه من أجود الأنواع، تنتجه بلادنا الاسكتلندية ". ثم عقّبَ، بعدما صبّ لضيفه: " هل تعلم، إن فيك شبهاً ببني ملّتنا؟ أتكلمُ عن الشكل؛ لون البشرة النقيّ، المشرّب بالحمرة، علاوة على حدّة القسمات بما فيها الأنف العظيم، المتشامخ ". قالها، ثم أضافَ مع تعالي ضحكته: " هذا، مع أن لونَ عينيك سوداوان؛ وإنهما، لعلمك أيضاً، مفضلتان عند النساء الأوروبيات! "
" نعم، أعلم ذلك.. أعني، موضوع الشكل وليسَ إعجاب مواطناتكم! لقد سمعتُ مرةً مثل ذلك التشبيه، وأظنه جرى نقلاً على لسان أحد الرحالة "، أجابَ التاجر الكرديّ الدمشقيّ وفي ذهنه صوره أميره المنفيّ. إذ سبقَ أن وردت هكذا معلومة في مجلس الأمير " بدرخان "، حينَ كان تاجرنا هنالك في أثناء زيارته لمدينة المنفى، " كنديا "، في الجزيرة الرومية.
وعلّقَ القبطانُ بالقول: " لقد قرأتُ بنفسي شيئاً من تذكرات أولئك الرحالة، وغالبيتهم من الفرنسيس. إلى الآن، ما زال الكثير من الأوروبيين على اعتقادٍ بأن جميع مسلمي المشرق هم سود الوجوه، يلتحفون الأسمال ويركبون البعير! "
" إنهم ساستكم، يا سيّدي، من يشجعون على نشر النظرة الدونية والمشوّهة عن أهل المشرق.. بالأخص عنا، نحن الكرد. ومع الأسف، إنّ الكنيسة الإنجيلية أسهمت حتى بإذكاء نار الفتنة الدينية بين المسلمين ومواطنيهم النصارى، وذلك حينَ بعثت الإرساليات التبشيرية إلى بلادنا بحجة نشر الثقافة والعلوم. نعم، نحن لم نكن نعيش في نعيم تحت ظل الباب العالي، وكثيراً ما ثرنا معاً، مسلمين ومسيحيين، كوننا لا نُحصِّل شيئاً مقابل ما ندفعه من ضرائب.. لا طرق تشق، ولا مدارس تبنى.. ناهيك عما يجب تسديده من رشوة لأي موظف، لقاء معاملة من المعاملات الرسمية. فلما أتت طلائع الإرساليات، كنا نظن أنها ستبني المدارس لجميع الأطفال، مسلمين ونصارى. فإذا بها، بدلاً عن ذلك، تستبعد أطفالنا. ثم ما لبثت أن بدأت تثير العداوة تجاهنا "، استرسل التاجرُ في خطابه إلى أن أوقفته ملاحظةٌ من مضيفه. هذا الأخير وبرغم طبعه المرح، شعر بشيء من الحرج قدّام سيل الاتهامات الموجهة لبلده، فقال متسائلاً: " أظن أن المسلمين هم الأغلبية، هناك في كردستان العثماني؟ ". ثم استطرد قبل أن يسمع الجواب: " على ذلك، كان من المفروض بإرسالياتنا مراعاة مشاعر أولئك المواطنين لا استفزازهم. وأريدك الانتباه لمسألة مهمة، يا صديقي، وهيَ أنني اسكتلنديّ ولستُ إنكليزياً! "
" آه طبعاً، مفهوم "، ردّ الضيفُ مبتسماً. وما عتمَ أن عاد إلى خطابه، مدفوعاً برأسٍ بدأ يلعبُ فيه الشراب: " إننا جميعاً كنا ملّة واحدة، نتكلم نفس اللغة، عاداتنا متشابهة وكذلك ملابسنا. فجاء هؤلاء الإنكليز مؤخراً، ليزعموا لمواطنينا النصارى أنهم أحفاد الآثوريين القدماء، وأن أسلافهم هؤلاء كانوا يُخضِعون أسلافنا ويجبون منهم الضرائب! هكذا بدأت الفتنة، وكانت موقوتة بشكل خبيث بحيث تصدّ أميرنا عن المضي في مشروع الاستقلال عن الباب العالي مدعوماً خفيةً من لدُن والي مصر القويّ. مع هزيمة أميرنا أمام الجيوش العثمانية الجرارة، بعيد انسحاب المصريين من الأناضول وبلاد الشام، لم يحرك أسقفُ كنيستكم ساكناً لحماية الرعايا النصارى والذين تعرضوا مع الآخرين للقتل والسلب والتهجير ".
حملق القبطانُ في ملامح " جانكو "، مدركاً ولا شك أن الحماسة غلبته بسبب الشراب لا لكونه قد بيّت في داخله هذه الخطبة، منتظراً اللحظة السانحة لإفراغها بوجه المواطن الحامل جنسية بريطانيا العظمى. قال لضيفه، محاولاً تغيير الموضوع عن مساره الحاد: " ولكن بحَسَب ما قرأته في الصحف الإنكليزية، أنّ سبب انتصارات العثمانيين الآنَ، في حرب القرم، إنما عائدة لاستبسال القبائل الكردية وأغلبها تطوعت للقتال ضد الروس؟ "
" بلى، وهذا ما أراده الإنكليز من تلك الفتنة، التي فصّلتُ الحديثَ عنها: منع توجه الكرد للاستقلال، لأن ذلك سيؤدي تلقائياً إلى تحالفهم مع القيصر الروسيّ ضد الباب العالي "، ردّ الضيف وقد هدأ انفعاله قليلاً. لعله انتبه أخيراً إلى نظرات مضيفه القلقة، وشاء هوَ الآخرُ أن يتوقف الحديث عند هذا الحد.
كانا قد آبا إلى الحديث عن الرباعيات، مع صبّ المزيد من الشراب، آنَ دخلت عليهما " رومي " لتنقل لهما خبراً داهماً بنبرة مفزوعة: " ذلك الربّان، بوعزة، يُقال أنه لقي مصرعه لما كان في طريقه إلى معسكر القبائل لمحاولة استرجاع زورقه ".













كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,564,627,062
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 7
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 6
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 5
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 4
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 3
- تاجرُ موغادور: مستهل الفصل السادس
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 9
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 8
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 7
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 6
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 5
- الرسالة
- تاجر موغادور: الفصل الخامس 4
- تاجر موغادور: الفصل الخامس 3
- تاجر موغادور: مستهل الفصل الخامس
- تاجر موغادور: بقية الفصل الرابع
- تاجر موغادور: تتمة الفصل الرابع
- تاجر موغادور: الفصل الرابع/ 4
- تاجر موغادور: الفصل الرابع/ 3
- الصراطُ متساقطاً: الفصل المفقود 5


المزيد.....




- بالصور.. نجمة مصرية في ضيافة -الهضبة- والشربيني
- موسيقى الصحراء في موسكو
- أخنوش: لا حل لمعضلة تشغيل الشباب إلا بالرقي بمستوى المقاولة ...
- أغنيتين جديدتين لعملاق الاغنية اليمنية عبدالباسط عبسي
- بعد وفاته بساعات... والد الفنان أحمد مكي يظهر لأول مرة
- استثمارها ماديا أو فكريا.. هكذا تحدث الفائزون بجائزة كتارا ل ...
- ظهير تعيين أعضاء الحكومة ومراسيم اختصاصات ست وزارات بالجريدة ...
- أحمل القدس كما ساعة يدي.. وفاة شاعر -الأمهات والقدس- التركي ...
- شاهد.. زفاف نجل هاني شاكر يجمع نجوم مصر
- الفنانة قمر خلف القضبان


المزيد.....

- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - تاجرُ موغادور: الفصل السادس 8