أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أسامة عرابي - الشَّمندر.. رواية المتعدِّد الإنساني، والمساءلة النَّقدية لحيوات عالمنا















المزيد.....


الشَّمندر.. رواية المتعدِّد الإنساني، والمساءلة النَّقدية لحيوات عالمنا


أسامة عرابي
(Osama Shehata Orabi Mahmoud )


الحوار المتمدن-العدد: 6159 - 2019 / 2 / 28 - 15:53
المحور: الادب والفن
    



تسعى روايةُ "الشَّمندر" الصَّادرةُ عن دارِ الشُّروقِ المِصريةِ عام 2018، بعد "تاكسي .. حواديت المشاوير_2007"، ورواية "سفينة نوح- 2009"، للكاتب والمنتج والمخرج"خالد الخميسي"، تسعى إلى الكشف عن حياةِ فنانٍ تشكيليٍّ مصريٍّ يُدعى"شهاب الشمندر" (1958- 2018)، تخرَّجَ في كلية الفنون الجميلة، وعاشَ مُحافظًا على إرث جَدِّهِ النضاليِّ الذي أسَّسَ مجلةً قبل أنْ يُؤلِّفَ سعد زغلول باشا وزارتَه في عام 1923، تدعو إلى الاستقلالِ عن المحتلِّ الإنجليزي، مُستلهمًا دروسَهُ المستفادةَ بوصفِهِ "ثائرًا كبيرًا يبحثُ في الفجرِ عن عائلاتِ النَّوارسِ" على حدِّ تعبيرِهِ؛ فجاءت لوحتُه استعارةَ الحياةِ في مغامرتِها الوجوديةِ.. وخَصمًا عنيدًا للكلاسيكيةِ والتقليدِ والاتباعِ.. وظلَّ مسكونًا بدهشتِه وجموحِهِ.. نافرًا من الدِّراسة الإسكولائيةِ الجامدة التي رآها "أبشعَ اختراعٍ أنتجته البشريةُ بعدَ أدواتِ الحربِ والقتلِ والتَّعذيبِ.. نوعًا آخرَ من التَّعذيبِ عن طريقِ مرضى ساديين" كما قال يومًا لصديقتِهِ السُّوريةِ "زوفين آسيا".. مانحًا حركته فضاءً أكثرَ اتساعًا، وحريةً أشدّ شمولًا، مُحاوِرًا عالمًا ينوشُه القلقُ الرُّوحيّ والأرقُ النفسيّ، مواكبًا إيقاعه اللاهث والمضني في أزمنةٍ وأمكنةٍ شتى. لهذا أتى النصُّ الروائيُّ "الشَّمندر" مزيجًا مُركَّبًا من النَّثرِ والشَّعرِ والأسطورةِ والفلكلورِ والوعي الملحميِّ بالتَّاريخ. خالقًا من ذلك كلِّه جداريةً تُقدِّم الواقعَ المعيشَ بتجلياتِه السياسيةِ والاجتماعيةِ والفكريةِ.. مستقصيًا معنى العالم وهُوِيَّة الإنسان. فاتحًا الأفقَ على تلكم العلاقةِ الخاصِّةِ بين الذَّاكرةِ والمُخيِّلةِ، عبر عمليةِ توحيدٍ كاملةٍ بين اللُّغةِ والشَّعرِ؛ حيثُ "الشِّعرُ هو الذي يجعلُ اللَّغةَ ممكنةً في المقامِ الأولِ" كما يقولُ الفيلسوفُ الألمانيُّ "مارتن هيدجر". من هنا؛ جاءتْ روايةُ "الشَّمندر" لتطرحَ أسئلة.. لتفهمَ العالمَ بوصفه سؤالًا.. صانعةً منه مقامًا رمزيًّا قلقًا، يُمسي مِفتاحًا للحلمِ، عبر الانتقال بين عوالمَ متباينةٍ، وطبقاتٍ مُتعدِّدةٍ للواقع. لهذا راحَ "شهاب الشمندر" يؤكِّدُ لنفسِه: "أكره ذاكرتي، كما أكره تذكُّرَ ما عشتُه من أيام. ذكرياتي هي ألدُّ أعدائي. أجدني الآن أكره القادمَ كراهيتي للماضي". ذلك أنَّ الموقفَ الجماليَّ الذي يُمكنُ أنْ نتخذَه حيالَ ماضينا الخاصِّ في أثناءِ التَّذكُّرِ، لهوَ أمرٌ ذو طابَعٍ غيرِ شخصيٍّ بالضرورةِ. وهو ما يُؤكِّدُه الفيلسوفُ الألمانيُّ "أرتور شوبنهور" بقولِهِ : "في حالة الذَّاكرةِ، تسترجعُ المخيِّلةُ ما هو موضوعيٌّ فحسب، وليس ما هو ذاتيٌّ بشكلٍ فرديٍّ؛ فنتخيَّلُ أنَّ شيئًا موضوعيًّا يَمْثُلُ أمامنا عندها، وهو خالصٌ لا تشغلُه أيُّ علاقةٍ مع الإرادة، كما هي صورتُه الماثلةُ في مُخيِّلتِنا الآنَ". وبذلك شكَّلتْ سيرةُ شهاب الشَّمندر معرِضَ لوحاتِه، ووجهًا من وجوه تمثُّلِ الزَّمنِ، وأداةً لتعيينِ هُوِيَّةِ جذوره التي كانتْ، متوكئًا على طفولتِه التي تمنحُه عينَها وبراءتَها وعفويتَها وأحلامَها البكرَ. عندئذٍ "تتالتْ أمامَ عينيَّ المنمنماتُ والزَّخارفُ التي لازمتْ جميعَ لوحاتي.. عناصرُ شكَّلتْ فنِّي كما شكَّلتْ حياتي".. ثمَّ يُضيفُ قائلًا : "وجدتُني أدخلُ معرِضَ لوحاتي.. وراء كلِّ لوحةٍ رسمتُها حكايةٌ، وخلفَ كلِّ عنوانٍ لحظةٌ فارقةٌ في خريطةِ أيامي"..مُوكِّدًا : " سيرتي أعيدُها لأتأملَ كيف يُمكنني أن أتدبرَ أمري عندما تحينُ ساعتي، وأقفُ أمام بيتِ سيِّدِ الخلود". وعلى هذا النَّحو، أخذَ شهاب الشَّمندر يستعيدُ حياتَه بوصفِها لوحاتٍ تُضيءُ خلالَها ضرباتُ فُرشاتِه مَدَياتِ رؤيتِه، وصيحةَ الحياةِ على قماشِها. مُحاولًا تفكيكَها وإعادةَ تركيبِها؛ بما يُؤلِّفُ بقوَّةٍ بين أشكالِها المُتباعدةِ نسبيًّا في الزَّمانِ والمكان، مُحوِّلًا غيابَه القسريَّ إلى مشاهدَ ومعارجَ لحكايتِه الكبرى التي خرجتْ من رحمِها مُخاطرتُه المُتأرجحةُ بين النُّورِ والظِّلِّ، مُتمدِّدة في الطَّبيعةِ بوقفتِها اللامتناهيةِ بحثًا عن صيرورةٍ لامحدودةٍ. على نحو ما تبدَّى لنا، مثلًا، في لوحة "مائدة الطَّعام وبستان والعائلة والمزهرية وخريستيانا لا تُجيب"، التي يستعرضُ فيها تاريخَ عائلتِهِ ونشأتَهُ، وهُوِيَّتَهُ الرُّوحيةَ التي تتواشجُ وعذابَ الإنسانِ الفردِ وفرحَهُ الحقيقيَّ، مُفصحًا عن قدرتِهِ على المعاينةِ والملموسيةِ الفنيةِ ، وأنْ يصطفيَ ما يراهُ حيويًّا لتفعيل علاقةِ الأشياءِ بعضِها ببعضٍ؛ "في وسطِ اللَّوحةِ مائدةٌ مستطيلةٌ من خشبِ الماهوجني، وفوقها مفرشٌ سكريٌّ مطرَّزٌ بخيطٍ كتانيٍّ يرسُمُ سيقانَ نباتاتٍ رقيقةٍ. تجلسُ بستانٌ في صدرِ المكانِ، ملامحُها بين الوداعةِ والشَّقاوةِ. على يسارِها تقفُ خريستيانا متجهمةً بلطفٍ وهي تتحدَّثُ رافعةً ذراعَها اليُمنى، وبقيةُ العائلةِ منثورون في اللَّوحةِ كالدرِّ، وأنا أقفُ في الخلفيةِ صغيرًا قصيرًا متواريًا خلف بابِ حجرةِ نومي".. مُعترفًا بأنَّ "جسدَ المرأةِ لا يكتملُ إلَّا تحت وقْعِ ضربِ الفُرشاةِ عندما يقتربُ من جسدِ خالتِه برلنتة داخل البانيو".. وأنَّ "اللحظاتِ/ المحطاتِ التي شكَّلتْ عمرَه لم تكنْ مع النِّساءِ اللاتي قضى معهن عمرَهُ".. وعاشَ حياتَه "يحلُمُ وهو نائمٌ بنقوشٍ وألوانٍ ورقشٍ ووسمٍ وزخرفةٍ، أمَّا وهو مستيقظٌ فلا تُفارقُ الفُرشاةُ يدَه".. مُوثِّقًا لحظاتِهِ بالفنِّ التَّشكيليِّ، وليس بالتَّصويرِ الفوتوغرافيِّ، على نحوِ ما كان يصنعُ الفنانُ الإيطاليُّ"روسي" الذي أمضى جُلَّ حياته في الإسكندريةِ؛ حتى عَدَّ نفسه"سكندريًّا وحسب". مُشدِّدًا على"أن حدودَ دولتِهِ وعالمِهِ هي الإسكندرية".. عامدًا إلى جَسْرِ الهُوَّةِ بين العقلِ والرُّوحِ لشحذِ الوعي، وابتداعِ طريقةٍ جديدةٍ في النَّظرِ إلى الأشياء، بمنأًى عن طرائقِ النَّسخِ الميكانيكية، معتمدًا بشكلٍ أساسٍ على التكوينِ المدروسِ لتفاصيلَ مأخوذةٍ من موضوعاتِ الحياةِ اليومية، مُتحرِّرًا من أي غايةٍ سوى التَّعبيرِ عن الخيالِ، واستحقاقاتِ لغتِهِ الخاصَّةِ. فرسمَ شهاب الشَّمندر النَّاسَ والبحرَ والرَّملَ والسَّماءَ والبيوتَ، جامعًا بين العينِ والإحساسِ، بين الملاحظةِ والتَّشكيلِ، ، كما فعل مع "أفروديت" و"إليني" و"أنجلو".. مؤمنًا بأنَّ"الجمالَ أكبر دليلٍ على قسوةِ الحياة" كما قال لأفروديت.. وكما تعاملَ مع غرامِه بالتَّماسيح، ورغبتِه في تصويرِ عيونِها "بإيحاءاتِها الملتويةِ بين الموتِ والحياة، الاستيقاظِ والنَّوم.. وانشغالِه بأجسادِها الصُّلبةِ اللَّينةِ، بين السُّكونِ التَّامِّ والحركةِ المُفاجئةِ؛ فالتِّمساحُ هو الملك المُتوَّجُ في الجمعِ بين المتناقضاتِ". وهو ما يُذكِّرنا، ربما، بلوحاتِ "أوجست رينوار" أحدِ روَّادِ الانطباعية في الرَّسمِ، في جمعها بين الألوانِ الحارَّةِ والألوانِ الباردةِ، بين صلابةِ الأجسامِ والبُعدِ الثَّالثِ. وبهذا وقعَ شهاب الشَّمندر في قبضةِ حلمٍ لا ينتهي، أو تيارٍ قويٍّ لا يُمكنُ كبحُه، كما تُعبِّرُ عنه لوحتُه "وجوهُ البطالحةِ المتطلِّعةُ للسأمِ الأعلى"، وتوقفُه عند"عيونٍ مُتطلِّعةٍ بعضُها أخضرُ، وبعضُها رماديٌّ وأسودُ وعسليّ. عيونٍ نظرتُها حادَّة.. وثانيةٍ باسمة وحنونة وهادئة وغاضبة، داخل وجوهٍ مُتغضِّنةٍ كبرًا، ووجوهٍ في حالةِ غضبٍ، وثالثةٍ شاردةِ الذِّهن، ووجوهٍ عذبةٍ وجميلةٍ وفخورةٍ". لاغيًا المسافةَ بين المُتخيَّلِ والحقيقيِّ.. الوظيفيِّ والجماليِّ.. العابرِ والمُطلق.. فتتعايشُ ماهيَّاتٌ مختلفة.. تتساكنُ أو تتصارع.. تتحاور أو تتكامل.. لكن تبقى الديناميكيةُ قانونَها العامَّ، وشفرةَ ارتباطها بالعالم. غيرَ أنَّ أكثرَ لوحاتِ شهاب الشَّمندر قربًا إلى قلبِه، كانتْ لوحةَ "الدَّرج المعدنيّ اللولبيّ"، الذي تخيَّلَ "صعودَه إلى السَّماءِ رمزًا للمعرفةِ المُطلقةِ والتَّجلِّي الإلهيّ".. فيما عَنِيَ هبوطُه "رؤيةَ بئرِ السُّلَمِ حيثُ تُوجدُ "إخلاص" زوجةُ مكي بوَّابِ عمارتِهِ"، وبناتُهما العارياتُ، ومتابعةُ حركةِ أجسادِهنَّ عن كَثَبٍ، مُتذكِّرًا مقعدَهُ الخشبيَّ وهو يُتابعُ بشغفٍ بالغٍ خالتَه برلنتة العاريةَ تمامًا.. مأخوذًا بجمال "ذهب" بعد أن مَلَّ "صابحة" و"إخلاص". فرسمَ ليلتَها لوحةً ضخمةً عن اغتصابِها ، وعن نهدِها النافرِ تحت الجلبابِ المُبتلِّ رسمًا إيروتيكيًّا بامتيازٍ، يُذكِّرُنا بمقولة الشَّاعرِ المكسيكيِّ الكبيرِ "أوكتافيو باث" : "إن صوتَ الرَّغبةِ هو صوتُ الوجودِ نفسُهُ، والوجودُ ليس سوى رغبةٍ في الوجود؛ حيثُ الجمالُ والحُبُّ والطَّاقةُ؛ هذه الأشياءُ التي لا نعرفُها بطريقةٍ جيِّدةٍ، تشتعلُ بالضوءِ". بَيْدَ أنَّهُ اكتشفَ عبر "فرويد" أنَّ كلَّ دَرَجٍ "يرمزُ إلى الجِماعِ المهبليِّ أو المُضاجعةِ. وربما كان هذا هو السبب في رسمِ الكثيرِ من السَّلالمِ عبر حياتِهِ". وبذلك ظلَّتْ رغبتُهُ المتقدةُ وسيلتَهُ لمعرفةِ الإنسانِ ولتغييرِ نمطِ حياته المألوفِ والمكرورِ، بل دانديتُهُ التي تتراسلُ عبرها الحواسُّ وتتبادلُ الأدوارَ. لذا لم يكنْ غريبًا على شهاب الشَّمندر أن يجدَ في "زوفين آسيا" السُّريانيةِ السُّوريةِ القادمةِ من الحسكةِ، وتُعدُّ رسالة ماجستير عن "جماعة الفنِّ والحرية" والسِّرياليةِ وأعمالِ "جورج حنين" وأثرِها في الفنِّ السِّرياليِّ المِصريِّ، أن يجدَ فيها صدًى لروحِهِ المتمردةِ، وطريقةً في التَّفكيرِ والحُبِّ والحياةِ مختلفةً، وقبِلَ بسرعةٍ أنْ يكونَ أحدَ مُساعديها في جمعِ المادَّةِ عن هذه الجماعةِ التي أُتتْ تلبيةً لنداءِ البيانِ الذي كتبه "أندريه بروتون وليون تروتسكي" في المكسيكِ بعنوان "من أجلِ فنٍّ ثوريٍّ مُستقلٍّ"، يُحقِّقُ كلَّ الحرية في الفنِّ، ويُعفي الفنانَ الثَّوريَّ من أن يكونَ صدًى لأحداثٍ اجتماعيةٍ أو شعاراتٍ سياسيةٍ مباشرةٍ. وألقى جورج حنين عام 1937 محاضرةً عن السرياليةِ في القاهرةِ، كانتْ بمثابةِ تدشينٍ وإعلانِ حضورٍ لها في السَّاحةِ الثَّقافيةِ المِصريةِ؛ فانتظمَ في عقدِها صديقُهُ الشَّاعرُ إدمون جابيس، والصحفيُّ الماركسيُّ إميل سيمون، والفنانانِ والنَّاقدانِ كامل التِّلمساني ورمسيس يونان، والفوضويُّ الإيطاليُّ اللاجئُ في القاهرةِ إنجيلو دي ريز، على نحوِ ما يُخبرُنا "ساران ألكسندريان" في كتابِهِ"جورج حنين...رائدِ السرياليين العرب"."واستمرَّتِ الجماعةُ عَشْرَ سنواتٍ قدَّموا خلالها خمسةَ معارضَ تشكيليةٍ من عام 1940 إلى 1945، وأعلنوا في معرِضهمُ الأوَّلِ : في الوقتِ الذي لا يهتمُّ فيه النَّاسُ في العالمِ أجمعَ إلَّا بأصواتِ المدافعِ، نجدُ أنه من الواجبِ علينا أن نُعطيَ لتيارٍ فنيٍّ معيَّنٍ فرصةً ليُعبِّرَ عن حرِّيَّتِهِ وحيويَّتِهِ" على نحوِ ما سردته زوفين لطلابِ كليةِ الفنونِ الجميلةِ بعدَ أنْ طلبَ منها الأستاذُ المُحاضِرُ أن تُحدِّثَهم عن مشروعِها للماجستيرِ، وتسألَ إنْ كانَ هناك مَنْ يودُّ أنْ يمدَّ لها يدَ العونِ والمساعدة؛ فتحمَّسَ ثلاثةُ طلابٍ، كان شهابُ الشَّمندر الرَّجلَ الوحيدَ بينهم. وهنا يعثرُ شهاب الشَّمندر من خلالِها على لحظتِهِ الإنسانيةِ المفقودةِ، وحركتِهِ الموَّارةِ بالأسئلةِ "فيسافرُ عبر الزَّمنِ ليأتيَها برمسيس يونان وكامل التِّلمساني وفؤاد كامل وجورج حنين؛ هؤلاء الذين أضاءوا شعلةَ الجديد، ثمَّ أطفأتها تمامًا جحافلُ التَّتارِ الذين جاءوا لوأدِ كلِّ ما هو جميلٌ".. لكنَّه آثرَ أنْ يتحمَّلَ شرطَهُ الإنسانيَّ كاملًا.. أنْ يحملَ بين جوانحِهِ شغفَهُ بالحياةِ على الرَّغمِ من خيباتِهِا وخسائرِهاِ وتمزُّقِهِ بين تناقضاتِها "وهل يُمكنُ أنْ تُحيي العظامَ وهي رميم؟ ردَّتْ قائلةً بحسرةٍ : أعرفُ أن بقعةَ ضوءٍ صغيرةً لنْ تُوقفَ طوفانَ الظَّلامِ". كنا موقنين أنَّنا من القومِ الخاسرين. في عام 1940 وفي أثناءِ الدَّمارِ الشَّاملِ كان هناك شعورٌ بالرجاءِ في الحريةِ، أما في عامِ 1980 فلم يكنْ لدينا نحن طلبةَ الفنونِ الجميلةِ هذا الاستشعارَ بالأملِ. أدركنا أنَّ مهمَّتَنا تتلخَّصُ في نقلِ الحديثِ عن الثورةِ المستمرَّةِ للجيل الذي يلينا، وليكنِ الحظُّ في صفِّهِ بعدَ أنْ تخلَّى عنَّا". وهو ما يقتضي منَّا أنْ نكونَ صادقين في تقديمِ تجارِبِنا الإنسانيةِ باعتبارِها ملكًا للتَّاريخِ، والتَّاريخُ ملكٌ للجميعِ، في كلِّ العصور، والكشفِ عن أحداثِهِ وتداعياتِهِ على مختلِفِ الصُّعدِ بعدما شهدنا تضييقًا على الحرياتِ، وحصارًا للفنِّ الجادِّ، وتغليبًا للإعلامِ على حسابِ الثَّقافةِ الرَّصينةِ. وبذلك تغدو المرأةُ عندَ شهاب الشَّمندر"الأملَ الكبيرَ" بتعبيرِ الشاعرِ والنَّاقدِ الفرنسيِّ الكبيرِ"أندريه بروتون"، الذي رأى ضرورةَ "أنْ تُعْطَى الأسبقيةُ لرؤيةِ المرأة إلى الحياةِ، بدلًا من رؤيةِ الرَّجلِ إلى الحياةِ التي تعيشُ اليومَ إفلاسَها"، أي بالضدِّ من النِّظام البطريركيّ المُتصلِّب حسيًّا وروحيًّا، والاحتفاءِ بصورةِ المرأةِ كتوقٍ إلى التحقُّقِ الكاملِ. لذا راحَ شهاب الشَّمندر يُصغي إليها باهتمامٍ شديدٍ وهي تقولُ له : "يا عزيزي.. أيُّ فنٍّ لا يُثيرُ التساؤلَ والتَّعجُّبَ والاندهاشَ والصَّدمةَ في أذهانِ المُتلقِّي لا يكونُ فنًّا. تدرُسونَ اللافنَّ وترسمونَ الجمالَ البشعَ، ولكن أينَ طريقُ كلِّ فنانٍ للتفكيرِ وللحبِّ وللبغضِ؟". ثمَّ عادتْ لتؤكِّدَ : "أن الفنانَ لا بدَّ أنْ يكونَ سرياليًّا، أو لا يكون"؛ حتى لا يُصبحَ مجردَ "موظفٍ في الإدارةِ التِّجاريةِ لمصنع باتا، أو في الدِّعايةِ السِّياسيةِ لأيِّ نظامٍ، أو لمنْ يدفعُ". وبهذا وعى شهابُ الشَّمندر درسَ السرياليةِ الأساسَ في حيويةِ أن يتجاوزَ الإنسانُ أسوارَ ذاتِهِ، ويتوحَّدَ في فردٍ آخرَ؛ ليتحوَّلا إلى واحدٍ، لاغيًا كلَّ المسافاتِ الفاصلةِ بين الأنا والأنت، الأنا والعالم، العالم والأشياء، الجسدِ والرُّوحِ، العقلِ والمادَّةِ؛ فأنجبَ منها فنانةً جميلةً تُدعى"إينانا" على اسم إحدى آلهاتِ السُّومريين، تملكُ "المالَ والموهبةَ الفنيةَ والقدرةَ والشَّخصية، ولكن يُمكنُ أنْ تحتاجَ إلى نصيحةٍ أو إلى معونةٍ" كما قالتْ زوفين آسيا.. أمُّها له، طالبةً منه ألَّا يتخلَّى عنها، وأنْ يرفدَ مسيرتَها بالخبرةِ والحوارِ الموصولِ لتلتقطَ النغمةَ الصَّحيحةَ والبوصلةَ الهاديةَ إلى التَّاريخِ، في رحلة بحثِنا عن ذاتِنا، ومعنى وجودِنا، إذا ما غادرتِ الدُّنيا، بعدَ أنْ أخذهم حديثٌ طويلٌ على العشاءِ عنِ الفنِّ والسِّرياليةِ، لم يستطعْ إثره العودةَ إلى منزلِهِ؛ فيمَّمَ شطرَ مرسمِهِ؛ ليرسُمَ "مع بزوغِ أولِ شعاعٍ ذهبيٍّ للشَّمسِ وجهَ إينانا، وعلى رأسِها تاجُ الرَّبابِ، وأنا أُتابعُ صورتي في المرآةِ"، مُنقِّبًا عن المتعدِّدِ الإنسانيِّ في ذاته..مشدودًا إلى روحِ المجازفةِ والمخاطرةِ، محتفيًا بالحياةِ، وباللحظةِ التي تُمسي فيها القطيعةُ جوهرَ نظرتِهِ إلى الأشياءِ خارجَ النَّاموسِ العامِّ.. وبالتَّحريرِ الكاملِ للإنسانِ في عالمٍ خالٍ من الاستلابِ والحروب والقتل والجوع والبلهارسيا والدَّنسِ المعنوي بعدَ أن خامرَ "الجميلةَ الحزينةَ" التي لا يتذكَّرُ شهابُ الشَّمندر اسمها، الإحساسُ بأنَّ "عصرَ الأحلامِ انتهى، وأننا سوف ندخلُ لمدَّةِ قرنٍ في كابوسٍ سوفَ يُرعدُ عمقَ المحيطِ". ألم "يُقتلَ أبوها الفلسطينيُّ في مذبحةِ صابرا وشاتيلا؟ قالتْ إنَّ ما تمَّ في المذبحةِ كان بتحالفٍ إسرائيليٍّ عربيٍّ لقتلِ عربٍ، وهذا التَّحالفُ الميمونُ سوفَ يكونُ عنوانَ سنواتِ عمرِنا مهما طالتْ أيامُنا"، حتى باتتْ بلادُنا تُعاني من اشتدادِ القبضةِ الأمنيةِ على مناحي الواقع المصري، ولم يعدْ بالعجيبِ العاجبِ أن يُلقى القبضُ على أفروديت وإليني والجميلةِ بعدَ منتصفِ الليلِ في أثناء ذهابهن إلى مِنْطقةِ الإبراهيميةِ بالإسكندريةِ لتناول المهلبيةِ بالجيلاتي بتهمةِ ارتداءِ ملابسَ قصيرةٍ، واضطلاعِ سيقانِهن العارياتِ بتعريضِ الأمنِ القوميِّ والعاطفيِّ لأهالي الثَّغرِ للخطر الدَّاهمِ، وأصبحتِ "الحريةُ هي الجريمة الحقيقية التي تسعى الشُّرطةُ إلى خنقِها"، والقمعُ والإذلالُ والإهانةُ هي أدوات تطبيقِ العدالةِ على حدِّ تعبيرِهِ، وجاء عدوانُ الخامسِ من يونيةَ 1967 ليُرسِّخَ هزيمةَ النظمِ والمؤسساتِ الرَّسمية، ولنشهدَ المؤامرةَ الكبرى على حركةِ المقاومةِ الفلسطينيةِ التي تصاعدتْ بسرعةٍ؛ سواء من حيثُ فاعليتُها ضدّ العدوِّ الصَّهيونيِّ، أو من حيثُ امتدادُها الجماهيريُّ الذي هدَّدَ العرشَ الهاشميَّ في الأردنِ؛ فجاءتْ مبادرةُ روجرز وزيرِ الخارجيةِ الأميركيِّ عام 1969؛ للحصولِ على ضماناتٍ عربيةٍ تُحقِّقُ التزامًا بالسلامِ مع إسرائيلَ. وأصبحَ "البلدُ على سطحِ صفيحٍ ساخنٍ. يدٌ عملاقةٌ تقلبُ البشرَ، ترمي بمنْ تشاءُ خارجَ الصفيحِ، وتُعلي منْ تُفضِّلُ، وتَخْفِسُ بمنْ تكرهُ في قاعِ الأرضِ. حالةُ غليانٍ تُعيدُ تقسيمَ الكعكةِ اللَّدنةِ. فخرجَ مصطفى أمين من السِّجنِ بعد اتهامِهِ بالتخابر مع الولايات المتحدةِ، وتمَّ تعيينُ أخيهِ علي أمين رئيسًا لتحريرِ جريدةِ الأهرامِ خلفًا لهيكل. وقُبضَ على شبكةِ دعارةٍ من الفناناتِ أطلقَ عليها شبكةُ الرَّقيقِ الأبيضِ". عندئذٍ تماهتْ تجرِبةُ شهاب الشَّمندر الخاصَّةُ معَ تجرِبةِ الوطنِ المريرةِ العامَّةِ، وراحَ يبحثُ عن معجمٍ فنيٍّ جديدٍ في حرارتِهِ ومخزونِهِ الدِّلاليِّ، متكئًا على عناصرَ فكريةٍ وجماليةٍ متعدِّدةٍ، بمنأى عن شوفينيةِ "هتلر باعتبارِهِ المُعبِّرَ الأفضلَ عن حكوماتِنا التي شكَّلتْ ذهني في هذا التَّوقيتِ، وأنا أضعُ سمَّاعةَ الهاتفِ فوقَ أذني حين رسمتْ جيهانُ بحواراتِها مع زينبَ الرسومَ الممنوعةَ من المنظومةِ النازيةِ الفاشيةِ القوميةِ، والذين أطلقوا عليها "فنَّ الرَّذيلةِ والشُّذوذِ". رافضًا فكرةَ الإنسانِ كمعطًى نهائيٍّ أو مفهومٍ مجرَّدٍ، متوقِّفًا عندَ القضايا الصَّغيرةِ والأشياءِ الزَّهيدةِ، والوجودِ الدَّائمِ للمجرى الدَّاخليِّ الوجدانيِّ والعاطفيِّ؛ بوصفِهِ ضربًا من النَّقدِ المريرِ السَّاخرِ لما وصلتْ إليهِ حياتُنا المحدودةُ الرَّماديةُ، وتوقُنا إلى المستقبلِ الوضاءِ الذي يستنفدُ طاقاتِنا المُبدَّدةَ وحلمَنا بالجميلِ والأفضلِ. فرسمَ "الأرقَ والأبوابَ وشيفا والثَّعابينَ وبيجاسَ وشفتي ياسمين والمفاتيحَ ووجهَ جنكيز خان ولونَ الأكاذيبِ، وأنا أتمنَّى أن أجدَ المفاتيحَ التي سوفَ تفتحُ لي يومًا أبوابَ الفردوسِ"؛ لتشتريَ لوحةَ "شيفا والألوان الأربعة" زوفين السِّرياليةِ الباحثةِ دومًا عن ذلك الحبِّ الأعمقِ والأشملِ "جسدٍ وروحٍ، غريزةٍ وإحساسٍ"، عبرَ لحظةٍ غيرِ زمنيةٍ تتوحَّدُ فيها كلُّ الأضدادِ، ويقتربُ بها المرءُ من الشَّعرِ.
إن رواية "الشَّمندر" للكاتبِ والمنتجِ والمخرجِ "خالد الخميسي" تُقدِّمُ لنا عبر إستراتيجيتِها الفنيةِ والجماليةِ القائمةِ على تقنيةِ اللَّوحاتِ / اللحظاتِ التي شكَّلت عمرَ الفنانِ شهابِ الشَّمندرِ الفنيَّ وتجرِبَتَهُ الإنسانية، تُقدِّمُ لنا رؤيةً مسكونةً بحوارِ متعدِّدِ الأبعادِ معّ الذَّاتِ في علاقتِها بالعالمِ المُحيطِ بنا، على نحوٍ يغدو معه بمقدورِ الجزئيِّ الكشفُ عن الكليِّ، وتحطيمُ الأسوارِ الفيزيقيةِ والسيكولوجيةِ معًا؛ بين الوعي واللاوعي، بين الحقيقيِّ وغيرِ الحقيقيِّ؛ ليرسُمَ لنا تضاريسَ وانعطافاتِ الطَّاقاتِ الإنسانيةِ عبرَ اختباراتِ الجسد والرُّوحِ. ألم يقلْ لنا شهاب الشَّمندر في أحدِ تأملاتِهِ الغنيةِ بالرؤى والأفكارِ: "ألهمتِ الألوانُ الساطعةُ للمتوسِّطِ في الإسكندريةِ ومطروحٍ وبلطيمٍ ورأسِ البرِّ الفنَّ المصريَّ عبرَ السَّنواتِ، ولم يلتفتْ فنانٌ إلى اللَّونِ الأحمرِ في الجبالِ السَّاخنةِ أمامَ العينِ السُّخنةِ؛ لونِ كلونِ الشَّمندرِ، لابدَّ أنه اسمي يُناديني. أينَ بطةُ الآنَ وهي تتأمل تدرجاتِ الألوانِ في هذه المرتفعاتِ غيرِ المرتفعةِ التي نُطلقُ عليها لقبَ "جبل" بكلِّ فخرٍ، كما نُطلقُ على أصدقائنا لقبَ "أسد"؟".





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,516,196,689
- جدل الحكاية والمكان
- على هامش الرحلة، وإصلاح الجامعة المصرية
- بطل من زماننا
- الكتابة الإفريقية بالخط العربي-عجمي-، ونمو الهوية الثقافية ا ...
- مذكرات الغرفة 8 مع أمل دنقل.. وفروسية أمل دنقل شاعرًا وإنسان ...
- دور التمثُّلات الثقافية والتشكيلات الاجتماعية في التمييز الج ...
- ثقافة الحوار..وحوار الفنون
- مسرح الجُرن..والتنمية الثقافية المنشودة
- مصر ورأسمالية المحاسيب
- في ذكرى مفكِّر جسور
- فن الكوميكس..وتعميق الوعي بالمصير المشترك
- المثقف بين الوعي التاريخي ويقين السلطة
- شخصيات على مسيرتي..وتكوين المثقف الليبرالي
- رواية-أنا قط-والتعبير عن التجربة الإنسانية ومستوياتها المُرك ...
- د.علياء رافع ورسالتها في الوحدة الإنسانية
- جون برجر..دراما الحياة الإنسانية
- د.صادق جلال العظم..وتقاليد العقل النقدي
- نبيل شعث بين السياسة والإدارة والفن
- تأملات في الثقافة الشعبية
- جدلية الخفاء والتجلي في-مكتوب على الجبين-


المزيد.....




- أشهرهم علي الزيبق وأدهم الشرقاوي.. هؤلاء جرّمتهم السلطات رسم ...
- -الأجنحة المتكسرة- بالدوحة.. فنانة قطرية تستلهم أعمال جبران ...
- رواية -طائر الحسّون-.. كيف أثرت لوحة فنية على مسار فرد ومجتم ...
- مخرج -موسكو لا تؤمن بالدموع- يحتفل بعيد ميلاده الـ80 (فيديو) ...
- التعليم أولا.. التعليم أساسا
- إصابة فنانة مصرية في حادث سير
- بعد والده وأخيه.. تسجيل صوتي لوالدة المقاول والفنان محمد علي ...
- فتيات لبنانيات يبهرن حكام -غوت تالنت- ببريطانيا على أنغام مو ...
- المغرب يترأس لقاء حول التفاعل بين مجلس السلم والأمن ومفوضية ...
- مالي تثمن ما يوليه المغرب من أهمية لتكوين الطلبة الماليين


المزيد.....

- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام
- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أسامة عرابي - الشَّمندر.. رواية المتعدِّد الإنساني، والمساءلة النَّقدية لحيوات عالمنا