أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس منعثر - قراءة في (سماوات النص الغائم)*















المزيد.....

قراءة في (سماوات النص الغائم)*


عباس منعثر

الحوار المتمدن-العدد: 6153 - 2019 / 2 / 22 - 09:46
المحور: الادب والفن
    


الشاعر الذي وضع حبله السري في نهر الكتابة.
بلغة متمردة ثار بودلير على دهاليز المدينة وقاعها الذي يمسخ الانسان، ومن قلب العالم الرأسمالي عبر تي أس إليوت عن تحول الحياة الحديثة الى يباب؛ بينما حمل يسينين معه ماضيه الى حاضره، وطفولته الى شبابه، وريفه وخبز امه وكلبه المرح الى ناطحات الروح في المدن الكبيرة، فكان هذا التناقض الحاد حاثا له على خياره الأخير. في الوقت الراهن، لم تترك العولمة مكانا كما هو؛ بل صبغته بألوانها القاتمة وأثّرت عليه بشكل او بآخر. لذلك يبقى التصادم بين الماضي والحاضر حادا جدا الى درجة التشوش وفقدان التوازن. ومع أن روح البراءة والطفولة التي نهل منها وليم بليك في أغاني الطفولة والبراءة انسجمت مع عالمه؛ لكنها توقع الانسان المعاصر في ورطة العيش على هامش الوجود.
في نصوص (عمار كشيش) الغائمة موقف يقترب من يسينين في أن الشعر ملاذ، إنه جنون لا ينحني لمتطلبات المنطق او العقل، والشاعر مجنون، مهووس ومنحبس في عالم يتراوح بين الشطب والمحو وإعادة صياغة الوجود حسب نواقصه وعوزه وافتقاراته. فمن غيره يصغي إلى ما لا يمكن سماعه ويدون ما لا يقبل التدوين:
المجنون يكتب ويشطب ويغني ثم ينام
يستيقظ بريق يابس وعلقم وأحلام عليلة تتعافى (ص16)
تصبح الكتابة عناءً لذيذا، فالرعشات تخض السطور خضا، والشعر ينهار، فقط، حين يتزيى بالحافز ويجامل؛ لكنه يترقى حسب زاوية النظر اليمينية من انثى الى نبي الى إله. التعبير الحقيقي عن الذات هو كتابها المقدس، حتى إن لم تمتثل للرؤيا الميتافيزيقية او تتبع النظرة التقليدية للالهام الإلهي، خاصة إن انتفى المطلق وحل محله الانسان كمطلق مواجه، ابن الحداثة، او ما تلى الرؤية النيتشوية التي أعلنت موت الاله. ولأن حُفَرَ التعبير تمتلئ بالفوضى، فوضى تعطي إحساسا بالبهجة، ولأن الكتابة مكسورة الريش كلما حلقت عاليا، فإن فيزياء اللغة تهبط مضطرة، فيتداخل الغموض بالابهام بالمباشرة. الغموض مليء ومكتنز، يخفي أسرارا ويفضح أخرى، يعطي بداية الخيط، أو يدل على دروب لم يطأها أحد. أما الابهام فهو خلو، لبسٌ وتداخلٌ وتيهٌ كامل؛ في حين تحفر المباشرةُ قبرَها بيديها. الفرق كبير بين هذه الاستعمالات او التوجهات، وما أسهل أن تخلق اللغة المجاهيل، وما أصعب أن تضع العلامات عند مفترق الطرق الى المعنى. الرائي، رغم سعيه الصوفي، ما أن يطأ عتبة المجاز في القسم الأول حتى تداهمه النثرية في القسم الثالث، وما أن يقترب من الضوء؛ حتى تغزوه العتمة أو رهبة الفضح فيلجأ الى المجاز يحتمي به، ذلك الملاذ من الآنية او المواجهة:
اصعدي كزفير
تبغ
احرقه القمر (ص10)
وحين تنغلق المسارب، يبدأ الرسم وتوجد بذرة الاغنية، تلك التي تبحث عن شراب، وتتخفى أيضا في اللا مصرّح به. الاغنية تحاول ان تمتد كأنها حكاية الف ليلة وليلة، ما أن يحلّ الصباح حتى يموت فيها الشاعر؛ وكيلا يموت يتكلّم. الانثيال يؤدي الى التشوش ويحيل البث الى محاولة إدامة الحياة او اللذة، فيزداد التدفق الشعري وتكون للقصيدة نهايات عديدة لا مجرد خاتمة واحدة نهائية. وبمرور البث واستمراره، وبالصور العديدة والحالات اللانهائية الممكنة تغدو النشوة وحدها هي الهدف الأكبر من الكتابة؛ بل من الوجود نفسه، ليعلن الرائي أن ((في القلب نشوة عجيبة))، انها نشوة افراغ الحمولة والتخفف والطيران والرسم وبناء العوالم والثرثرة الممتعة.
يعبر المقتبس الافتتاحي عادة عن الإيحاء الكلي لفعل الشعر، بمعنى أنّه توطئة لوضع القارئ على أرضية مشتركة مع الكتاب، بمزاج خاص ومنحى محدد. وقد يعبر عن تقارب رؤيا الشاعر المقتبِس من رؤيا الشاعر المقتبَس منه؛ او التناقض معه حتى. قد تكون الأرضية هي الاعجاب، سواء بمنهج كتابة أو بشخص الكاتب. بهذا، يكون التأثر هو احد العوامل بالإضافة الى الكتابة على المنوال. ناهيك عن تعبير الشعر المقتبس عن أحد الركائز الأساسية في الكتاب الجديد. وبما أن الاقتباس يتحدث عن الرسم فإن الكتاب سيقوم برسم الرؤية الجديدة بطريقة تقترب من رؤيا عقيل علي من جهة ومن رؤيا الشاعر الجديد من جهة أخرى، وهي فكرة عبر عنها نزار قباني ذات مرة في الرسم بالكلمات. مع ذلك، قد لا يمتاز المقتبس بخصوصية تمس قيمته الأدبية؛ ولا يعبر بالضرورة عن امتياز شعري:
على دفاتري
أرسم حجراً
أرسم تاجاً
أرسم طفولةً مخطوفة
وأخط اسمك (عقيل علي - ص7)
هذا من جهة، من جهة أخرى إن تقسيم أي منتج ادبي الى اقسام او عناوين فرعية يستدعي فكرة (التعالق)، أي أن لكل قسم شخصيته المتفردة، وكذلك له ارتباطه ببقية الأقسام بوشائج معينة تجعل من الضروري أن تجمع في كتاب واحد. تكاد روح الشاعر القروي تهمين على الأقسام الثلاثة، ومسألة العناوين والتقسيمات ثانوية، فالكتاب برمته عبارة عن قصيدة طويلة جدا، سواء حين يتغلب الشعر على النثر او حين يهيمن النثر على الشعر. والقصائد الطويلة –في الاغلب- تحاول أن تجمع كل التفاح في سلة واحدة. لكن سعة السلة لا تسمح بذلك، فيسقط الكثير من التفاح الفائض على الأرض.
في القسم الأول من الكتاب يستعرض الريف جميع إمكاناته، سواء في مناخه او كلماته او تعبيراته. يخلق عالما مضادا لما بعد الحرب الذي يمثله القسم الثالث، ذلك العالم الذي سيشوه عالم القسم الأول تماما. في الريف تفرض الرومانسية نفسها، ويتنقى الهواء أكثر وتصفو الروح الى التأمل، وكأن ثمة يوتوبيا يرسمها توماس مور، في عالم من العمل والسعي الإنساني البنّاء:
نسبح ونغني في هذا النهر
نصنع من الطين إوزاً وننثره في النهر
مثل بذور تساقطت من كيس الرب المتأرجح أو المثقوب
ثقب يشبه فم الأمل الملطخ بالرمان
رمانا سنزرع وبلح. (ص14)
عالم القسم الأول يتأسس على الرسم، وتكاد كلمة (أرسم) تتكرر في جميع نصوص القسم الأول حرفيا او مجازيا. يضجّ هذا القسم أيضا بالغناء صنو الريف وانفتاح الفضاء، وكذلك على عدد هائل من الحيوانات بحركتها، بأصواتها، بوجودها الحميمي، وتكسو الأرض الحشائش، وترتفع النباتات والأشجار الكثيرة في فضاء يقترب من الفردوس الارضي:
لم يسقط المطر،
لكنما العطش صار بنفسجاً معافى (ص32)
يبدو القسم الثاني تتمة للقسم الأول وما تقسيمهما الى قسمين الا مسألة شكلية، فاللغة وزاوية النظر والاستطرادات الغنائية والرسم والغناء والاشجار والبث المتواصل استمرت او انتقلت من القسم الأول الى الثاني بحرية تامة، والنظرة الرومانسية للعالم ما زلت مسيطرة:
بلبلٌ
سجين يهرولُ على جرحه
سجين يتسلق عطش الوردة (ص39)
لكن للقسم الثاني اضافته، إذ أنه يتراوح بين الطابع الحواري المحلي والمقترن بامكنة حقيقية واشخاص حقيقيين ونهج قصصي وبين ما خلفه القسم الأول من أثر رومانسي، (شذرة، والأم، والحسينية، والشطرة، والمزرعة والطحلب، والسمك، والمرأة الثانية، والقوقة، وبغداد، والثورة، والعاقول، والعربة السومرية، وعاشوراء، الرسائل، وشراب الكحه، رياض وغوتنبرك، وعقيل علي وبودلير). إن أشد ما تحتاجه الكتابة بعامة من تنبيه او اضاءة، سواء منها الاقتصاد او التكثيف او تقليم اغصان النص، ليس أقرب الى الحقيقة من تصريح الرائي:
ربما ثمة في الكيس ماكنة ملائكية تنظفُ نصي من
البراغيث (ص73)
يؤرخ القسم الثالث شعريا لعقد الثمانينات والتسعينيات من القرن العشرين، وكيف عسكرت الحرب وشوه الحصار عالم الطفولة وسيق الى ساحات الموت والعناء. هنا تنتعش الذاكرة بتفاصيل يومية استطاعت اللغة المتدفقة أن تبث فيها سمة درامية عبر مواجهة الأبيض بالاسود، والماضي بالحاضر، وما كانت عليه الأشياء بالضد مما آلت اليه. يفرض هذا التجاور تساؤلا جوهريا عما يمكن لفضاء الشعر أن يتحمله، وعن مدى قدرة اليومي على التعبير عن الخالد، بشرط ألا يتحول الى مجرد تاريخ. يتطلب ذلك من الشعر أن يرتفع بالتجربة من انغلاقها الى الانفتاح على التجربة الإنسانية المشتركة، بحيث يتبادل الرائي اسراره مع قارئ مجهول في غابات نيكاراغو. وهو أمر عسير ما لم تتسع التجربة لتشمل الهم الانساني بعموميته من جهة، وما لم تتعمق الصورة وتتجمل كي تنقل إحساسا باللذة الجمالية من جهة أخرى.
بعد مفتتح رشدي العامل سلسلة طويلة من الأسماء المتزاحمة والامكنة الحقيقية كاستعادة لزمن الحرب (متعب الشقاوي، المسلسل البدوي والاغاني الطفولية التي تمتدح السيد، ومقداد مراد، والمقر الحزبي، وخميني، وعبد الباسط، وام كلثوم، ودنيا ميخائيل، وهدى مجيد، وسركون بولص، الخ)، ليكون التساؤل عن الضرورة –حتى من خلال التشويش- على مستويين. الأول يتعلق ببنية كل نص على حدة، والأخر يتعلق بعلاقة هذا القسم العضوية بالقسمين السابقين. إن الذهاب الى النثرية في هذا القسم، يعطيه بعض مناخه المفارق؛ وإن ضحى بجماليته؛ مع ذلك، تُفتضّ خصوصيته هو الاخر، لأن النغمة الرومانسية تعاود الظهور من جديد:
الفتاة تطلق سحرها
فتصير الغزالة لبوة حنونة في غابات الكرز
الفتاة نقوشها على الحائط
تطلق عبقا
كثيرا ما تستخدمه السيدة النحلة (ص116)
إن الروح الريفية، والتفكير القروي، والشعور المضمّخ بالطبيعة، يبرز نفسه كبديل للعالم المنهار؛ لكنّ العالم يحاصر روحا كهذه، والعاطفة تحاول الصمود امام ارغامات الواقع التي لا تقهر؛ في حين يبقى الشعر هو المنقذ الأخير ولو من خلال الوهم.
.......................................................................
*(عمار كشيش، سماوات النص الغائم، (دمشق: دار أمل الجديدة، 2018)





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,285,720,317
- الموجهات الفكرية في أسماء التحالفات الانتخابية في الانتخابات ...
- مساهمة سترندبرك في المسرح الحديث
- فنّ التمثيل علي خضير نموذجاً
- مهزلة الذوق الفني في مهرجان فرق التربية الثامن 2017
- خطاب دجلة الاربعة
- حارس المرمى -مونودراما
- حارس المرمى - مونودراما
- شكسبير.. درسٌ لابدّ منه
- اسم المولود
- مسرحية هو الذي رأى
- في هذه الاثناء - نص مسرحي
- قراءة في مسرحية (واقع خرافي) لعلي عبد النبي الزيدي
- ليالي عيد الميلاد
- عقيل علي ... الشاعر وصورته
- التكلم بصوت البير كامو
- في أروقة الفضائيات: الثقافة بصفتها مهنةً
- الكتابة عن الكتابة
- ميزان الذهب : تبادل الامكنة بين المثقف والاخر
- المثقف راهنا
- مرآة ثلاثية الابعاد


المزيد.....




- بلا أدوات أوكسجين..فنان يحبس نفسه ليرسم تحت الماء
- البنين تعبر عن دعمها القوي للأمم المتحدة لإيجاد حل نهائي للن ...
- جطو أمام مجلس المستشارين لعرض مضامين تقريره حول أهداف التنمي ...
- الممثلة الهندية الأعلى أجراً تنشر صورة لوجهها -مشوهاً بالأسي ...
- لوحة مميزة لبيكاسو للبيع في مزاد علني
- ملحمة موت الإله... كيف تهلك الأرض وكيف تحيا
- بوريطة: مؤتمر مراكش عرف مشاركة نوعية لدول من المناطق الخمس ب ...
- موراتينوس يثمن عاليا التزام جلالة الملك بتعزيز أسس السلام ال ...
- مظاهرات الجزائر: إبداع وسخرية وكاريكاتير.. شعارات تواكب الأح ...
- المقاتل الإيرلندي كونور ماكغريغور يعلن اعتزاله الفنون القتال ...


المزيد.....

- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر
- المسرح الشعبي في الوطن العربي / فاضل خليل
- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس منعثر - قراءة في (سماوات النص الغائم)*