أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - كريم مروة - مع رفيق العمر جورج البطل















المزيد.....


مع رفيق العمر جورج البطل


كريم مروة

الحوار المتمدن-العدد: 6150 - 2019 / 2 / 19 - 09:51
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


الإنسان الحقيقي، المفكّر الحرّ، أمير الصراحة


مهمتي في هذا الحديث اليوم عن رفيق العمر جورج البطل، هي مهمة صعبة. وللصعوبة مصدران مترابطان. يعود المصدر الأول إلى أن جورج هو رفيق عمر ودرب وقضية على امتداد خمسة وستين عاماً من عمرنا المشترك. أما المصدر الثاني، فيعود إلى أن لجورج شخصية تستحق الاهتمام، لندرة ما اجتمع فيها من سمات. لكن هذه الصعوبة بمصدريها لا تثنيني عمّا أنا مقتنع بضرورة البوح به حول ما أعرفه عن جورج وبرفقته على امتداد هذه الأعوام الخمسة والستين. هذه المعرفة بجورج البطل تقودني من دون افتعال إلى إعطائه ثلاث صفات: الإنسان الحقيقي، المفكر الحر، وأمير الصراحة.


لهذه المعرفة بجورج بداية مثل كل معرفة. كان ذلك في عام 1951. فقد جمعتنا الصدف في المأتم الحاشد الذي أقامه الحزب الشيوعي للمناضل فرج الله حنين الذي كان قد خرج من السجن إلى القبر بعد أن كان قد شارك في إحدى المظاهرات العاصفة التي نظمها الحزب الشيوعي من أجل تأسيس الجامعة الوطنية. وهكذا دخل فرج الله في المظاهرة، ومنها إلى السجن، ومن السجن إلى القبر. وعدَّ طلابُ الجامعة اللبنانية والطلاب الجامعيون في الجامعتين الأميركية واليسوعية فرج الله حنين، الشهيدَ الأول للجامعة الوطنية. وكانت مشاركة جورج البطل في المأتم تعبيراً بسيطاً ومباشراً في الآن ذاته عن انتمائه إلى الشيوعية من دون أن يدخل في صفوف الحزب الشيوعي. وكان لي ولجورج في ذلك التاريخ وفي مأتم فرج الله حنين رفيقان، هما نديم عبد الصمد وألبير فرحات، لذلك اخترت هذه البداية في الحديث عن جورج لدلالتها التاريخية الخاصة به والخاصة بالجامعة اللبنانية وبفرج الله حنين وبالرفيقين الآنفَي الذكر. وقد كان من المصادفات التي تتكرر في التاريخ أن ذلك المأتم لفرج الله حنين قد جاء في العام الأول لتأسيس الجامعة اللبنانية تحت اسم «دار المعلمين العليا».
والجدير بالذكر، في هذه البداية من الحديث عن جورج، أنه ينتمي إلى عائلة برجوازية. فوالده سليم البطل كان أحد كبار أصحاب معامل الدباغة في بلدة مشغرة البقاعية، مسقط رأس جورج. والإشارة إلى عائلة جورج هي للقول هنا بالذات إن جورج الذي كان قد بدأ منذ شبابه الباكر يقرأ في الكتب الماركسية، سرعان ما دخلت الأفكار الاشتراكية في حياته وحوّلته بالتدريج إلى الشيوعية من بابها الواسع. وعندما التقينا في عام 1953 في المهرجان العالمي للشباب والطلاب، كان قد أصبح شيوعياً بالمعنى السائد لانتماء الأفراد إلى الشيوعية وإلى أحد أحزابها. وكان لجورج في عملية الانتقال من مثل تلك العائلة إلى حضن الشيوعية رفيقان: لبناني، هو فؤاد زحيل، ومصري، هو محمد سيد أحمد، ابن الباشا أو ما يشبهه في الجاه والثروة. وصار الثلاثة في انتمائهم الكامل إلى أفكارهم التي اختاروا الصيغة التنظيمية لها في صفوف الحزبين اللبناني والمصري وتخليهما الكامل عن الثروة والجاه، صاروا في توصيفي لهم ثلاثة أبطال تراجيديين.
غبتُ عن لبنان أربع سنوات بين عامي 1953 و1957، إذ أُرسلت بقرار من الحزب إلى بودابست لكي أمثل في قيادة اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي الشبيبة الديمقراطية اللبنانية والعربية. وحين عدت إلى لبنان انتقلت العلاقة مع جورج إلى مستوى أوسع وأعمق. وقد عرفتُ فيما بعد أنه كان قد كُلِّف في عام 1959 مهمة سرّية تتمثل في الذهاب إلى دمشق في ظلّ الوحدة السورية المصرية لإيصال رسائل وصحف إلى قادة الحزب، مستفيداً في ذلك من سيارة البويك الكبيرة التي كان يقودها ومن كونه ابن عائلة برجوازية معروفة. وكان قد تعرّف في عام 1958 إلى القائد الشيوعي الشهيد فرج الله الحلو الذي كان يتنقل بين دمشق وبيروت باسم «أبو فياض». وعندما انفجرت ثورة 1958 ضد حكم كميل شمعون الذي كان قد زوّر الانتخابات في عام 1957 من أجل الإتيان بمجلس نيابي يعدّل الدستور ويجدد له ولايته، كانت لجورج أدوار مهمة فيها تسجّل له. وكانت تلك الثورة قد انفجرت في أنحاء مختلفة من البلاد. وإذ كان المقاومون بحاجة إلى سلاح، فقد كان من مهمات جورج البطل مع رفيقه نديم عبد الصمد الذهاب إلى دمشق والاتفاق مع فرج الله الحلو لنقل السلاح في سيارة جورج وفي وسائط أخرى، بما في ذلك البغال لإيصالها إلى مراكز المقاومة في البقاع والجنوب وبيروت. وكان لهما رفاق آخرون في تلك المهمة. وكان ذلك يقتضي من جورج ونديم الجرأة الاستثنائية للقيام بتلك المهمة الصعبة. فقاما بها وتحمّلا استناداً إلى انتمائهما الراسخ لأفكارهما كلّ احتمالات النتائج لتلك المغامرة. إلا أنه كانت لهذين الرفيقين جورج ونديم مهمة صعبة أخرى كُلِّفاها للذهاب إلى المختارة والاتفاق مع القائد الشهيد كمال جنبلاط على إرسال مقاتلين شيوعيين من ذوي الانتماء الطائفي المسيحي إلى منطقة الشوف للتخفيف من الطابع الطائفي الدرزي للمقاومة في تلك المنطقة التي كان سكانها خليطاً من الدروز والمسيحيين. وجرت العملية بنجاح وذهب المقاتلون.
إلا أنني، وأنا أتحدث عن علاقة جورج بفرج الله الحلو، أجدني مدفوعاً إلى رواية تتصل باعتقال فرج الله الحلو في دمشق في شهر حزيران من عام 1959. وكان فرج الله يشرف على إصدار جريدة «النداء» اليومية التي كنت عضواً في هيئة تحريرها وأحد كتّابها. يقول جورج إنه أخبر فرج الله بعد عودته من إحدى مهماته في دمشق أنه شاهد رفيق رضا، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المسؤول عن أمن فرج الله، شاهد رفيق رضا في دمشق يدخل مع مجموعة من الأمنيين المعروفين إلى أحد المطاعم كما لو أنه واحد منهم. رفض فرج الله بشكل قاطع تلك الرواية، قائلاً لجورج: «إنك اشتبهت به يا جورج، فرفيق رضا قائد ومناضل موثوق ولا يمكن أن يرتكب تلك الخيانة». لكن جورج أصرّ على موقفه استناداً إلى معرفته برفيق رضا. فذهب فرج الله في شهر حزيران إلى دمشق من دون أن يأخذ في الاعتبار ما رواه له جورج البطل عن رفيق رضا. فاعتقل في مدخل البيت السرّي الذي كان يقيم فيه عندما كان يذهب إلى دمشق.


في المعتقل فوجئ فرج الله برفيق رضا يقول للمحققين الأمنيين: إن الذي أمامكم ليس «أبو فياض»، بل هو فرج الله الحلو. وتوجه إلى فرج الله، قائلاً له بكلّ وقاحة: «اعترف يا فرج الله». صُدم فرج الله بما رأى ولم يجد أمامه سوى أن يبصق في وجه ذلك الخائن. وبعد ساعتين من ذلك الحادث كان فرج الله قد مات تحت التعذيب. وأصبحت الرواية عن اعتقاله وتعذيبه معروفة في الكتاب الذي أصدره أحد المحققين سامي جمعة، راوياً التفاصيل المذهلة لذلك الحدث، معلناً في الكتاب أنه لم يشارك في التعذيب. وكان شاهداً في المحكمة التي أقيمت في دمشق حول قضية فرج الله، بعد انفصال الوحدة بين مصر وسوريا، وصدر فيها عن النيابة العامة بيان يتبنّى كلّ تلك التفاصيل المتصلة بذلك الحدث، التي انتهت بتذويب جسد فرج الله وإلقائه في مجارير دمشق.

معركة الانفصال
ثمّ تمرّ الأيام. ويدخل جورج البطل مع رفيقه جورج حاوي بقيادة القائد نقولا شاوي في عام 1964 في معركة انفصال الحزب الشيوعي اللبناني عن الحزب الشيوعي السوري، التي اقتضت منهما تحديداً أن يلتقيا بأكبر عدد من الشيوعيين اللبنانيين لإقناعهم بتلك الضرورة التاريخية. وتمّ لهم ذلك باستثناء مجموعة من الشيوعيين الذين عارضوا الانفصال. فاضطر الحزب إلى إخراجهم من صفوفه. وبدأت عملية بناء الحزب الشيوعي اللبناني، فدخل كلّ من جورج حاوي وجورج البطل إلى اللجنة المركزية. ودخلت أنا بعد عودتي من فيينا في قيادة مجلس السلم العالمي إلى المكتب السياسي. وكان لنا رفاق عديدون ممن اختارهم نقولا شاوي بعناية وبدقة، استناداً إلى أدوار مهمة كانوا قد كُلِّفوها إلى صفوف اللجنة المركزية والمكتب السياسي. وفي عام 1965 تأسست جبهة الأحزاب والشخصيات الوطنية من الحزب التقدمي الاشتراكي والحزب الشيوعي وحركة القوميين العرب، وكلّ من النائبين معروف سعد والجنرال جميل لحود والسيدة نهاد سعيد، والدة النائب السابق فارس سعيد. وكان لكلّ من جورج حاوي وجورج البطل وأنا، رفيقهم الثالث، مهمة تمثيل الحزب الشيوعي في تلك الجبهة بقيادة كمال جنبلاط. لكن ذلك العام قاد كلّاً من جورج البطل وجورج حاوي إلى السجن بوشاية من أحد الرفاق(!) إذ كانا يعدّان للقيام بعمل شعبي للتضامن مع عمال شركة التبغ، وخاضا في المعتقل معركة مع قوى الأمن لانتزاع لائحة أسماء كانت بيد حاوي فوضعها في فمه وابتلعها. ذهبت على الفور للقاء كمال جنبلاط وإعلامه بما حدث. وكان الجورجان عزيزين جداً على قلب جنبلاط، ففعل المستحيل للإفراج عنهما. والجدير بالذكر هنا أن دخول جورج البطل إلى السجن في ذلك العام كان الثاني في مسيرته النضالية. ففي أواسط الخمسينيات دخل إلى سجن الرمل في بيروت بعد مظاهرة كان قد شارك فيها وبقي فيه ثلاثة أشهر. وله روايات طريفة عن تلك المرحلة داخل السجن.
ثمّ دخلنا نحن الثلاثة في ذلك العام بالذات في حوار دعتنا إليه حركة القوميين العرب للبحث في إمكانية توحيد القوى الثورية العربية، وهو الشعار الذي ساد في تلك المرحلة. وكنا في الحزب من الذين تبنوا ذلك الشعار، وكتبنا الكثير حوله، وكنت أكثر الذين كتبوا. لكن ذلك اللقاء لم يعش طويلاً. إذ اكتشف رفاقنا في الحوار أننا غير مهيَّئين لمثل تلك المهمة. إذ كنا نرى أن إطلاق الشعار شيء، والتسرع في الدخول في تحقيقه شيء آخر. وخاضوا على صفحات مجلة «الحرية» معركة واسعة ضد الحزب الشيوعي، من دون أن يؤثر ذلك الخلاف في وجودنا معاً شركاء في جبهة الأحزاب. وقبل أن يغادر جورج إلى مدينة براغ، لكي يمثل الحزب الشيوعي في هيئة تحرير مجلة «قضايا السلم والاشتراكية» التي كانت تنطق باسم الأحزاب الشيوعية في العالم، شارك باسم الحزب الشيوعي في المهرجان الشهير الذي أقامته جبهة الأحزاب في بلدة بتخنيه في المتن الأعلى. وأشهد من خلال متابعتي لدور جورج في المجلة، وفي مشاركتي في العديد من الندوات التي أقامتها المجلة، أن جورج كان في هيئة تحرير المجلة وفي علاقاته مع أعضائها، ولا سيما مع المندوبين السوفيات أصحاب القرار الحاسم فيها، كان سيد أفكاره، قارئاً نقدياً للمواقف من دون الوهم بأنه يستطيع أن يغيّر ما كان ممثلو الحزب الشيوعي السوفياتي يقدمونه كقرارات ومواقف قاطعة. وكانت الأحزاب الشيوعية تقبل بما يفرض عليها باسم الأممية التي سادت على امتداد تاريخ طويل في شكل مختلف عمّا أراده ماركس وإنجلز ولينين منها. ويهمني في هذا السياق أن أشير إلى أن جورج صاحب الشخصية المميزة، كما وصفتها، ظلّ يقرأ ما وصل إليه من كتب وكتابات ماركس وإنجلز ولينين. وكان أكثر اقتناعاً بما قدمه له ماركس في كتبه وكتاباته. وكان ينتقد إنجلز، ولا سيما في كتابه «Anti Duhring». وكان يرى أن ماركس لم يكن قاطعاً في أفكاره، إذ كان يرى أن الفكر، كل فكر، هو فكر تاريخي كما أشار إلى ذلك في قول معروف «لا تحوّلوا الأفكار إلى عقائد جامدة». وظلّ جورج في ذلك الموقف يزداد استنارة وتميّزاً حتى آخر حياته.

الخلافات الداخلية والانهيار
ثمّ يأتي عام 1966، العام الذي خرجت فيه إلى النور خلافات داخلية في قيادة الحزب بين تيار مجدد كان يقوده نقولا شاوي، ومعه الجيل الثاني في قيادة الحزب، وبين من عُدّوا في ذلك التاريخ «الحرس القديم». ولم يلبث هذا الخلاف أن تحوّل إلى معركة كنت أول من عوقب بسبب أفكاري ومواقفي فيها بإرسالي إلى المدرسة الأممية في موسكو لإعادة تأهيلي. وكنا، جورج حاوي وأنا، قد أصبحنا عضوين في المكتب السياسي وفي سكرتاريا اللجنة المركزية. في غيابي اندلعت المعركة، وكان جورج حاوي بطلها الأول، ومعه حشد من الرفاق في المكتب السياسي واللجنة المركزية من جيل الشباب. وكان جورج البطل، وهو في براغ وأنا في موسكو، نتابع المعركة التي انتهت في صيف 1967، بعد أن كان جورج حاوي قد عوقب باتهامه من قبل كلّ من سوسلوف وبونيماريوف من قادة الحزب الشيوعي السوفياتي بأنه عميل للمخابرات الأميركية. فغادر إلى الخارج رغبة منه في إبقاء المعركة بطابعها التجديدي هي الأساس. انتصر جيل الشباب في معركته ضد التدخل السوفياتي الفظ. وعقد اجتماع للجنة المركزية تقرر فيه عقد المؤتمر الثاني للحزب في صيف عام 1968. والجدير بالذكر في هذا السياق أن جورج البطل لم يستطع أن يبقى بعيداً عن المعركة، فغادر براغ إلى بيروت، وكان من أكثر الرفاق نشاطاً في تلك المعركة التاريخية.
انعقد المؤتمر الثاني، وكان لجورج البطل دور مهم إلى جانب رفاق آخرين مع الرفيق غسان الرفاعي الذي كان رئيس اللجنة المكلّفة إعداد وثائق المؤتمر. وتشير أحداث كثيرة بعد انعقاد المؤتمر الثاني إلى المرحلة الجديدة المهمة التي دخل فيها الحزب. وكان لجورج البطل على الدوام من موقعه في براغ خلال خمسة عشر عاماً، وخلال زياراته للبنان، دور مهم في صياغة مواقف الحزب. لكن ما هو في نظري الأهم في دور جورج هو ما قام به، باسم الحزب وباسم مجلة «قضايا السلم والاشتراكية» وباسم أفكاره، من نشاطات بالغة الأهمية في عددٍ من بلدان العالم في أوروبا وآسيا وأفريقيا في المؤتمرات والندوات والمحاضرات. وكنت شاهداً على واحدة من تلك المحاضرات التي كتب نصها جورج في موسكو وأطلعني عليها، وكانت تتميّز بالمواقف الجديدة التي كان جورج حريصاً على البوح بها عندما كانت تتاح له فرص من ذلك النوع.
عندما دخلنا في الحرب الأهلية في عام 1975، كان جورج لا يزال في موقعه في مجلة «قضايا السلم والاشتراكية». لكنه كان يأتي إلى بيروت بين وقت وآخر. وكانت لنا نقاشات مع أعضاء قيادة الحزب كنت شريكاً له في الكثير من آرائه. واستناداً إلى هذا الواقع، كُلّفنا، جورج البطل وأنا، من قبل الأمين العام للحزب جورج حاوي في عام 1988 إعداد وثيقة فكرية وسياسية احتفالاً بمرور عشرين عاماً على انعقاد المؤتمر الثاني للحزب. كنت يومها أقيم في موسكو ضيفاً على اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي منذ صيف عام 1987. فالتحق بي جورج البطل إلى موسكو. وهناك وضعنا خلال شهر بعد نقاشات بيننا وتفكير عميق وقراءة للواقع القائم في لبنان في ظلّ الحرب الأهلية وفي العالم العربي وفي العالم، وضعنا وثيقة من قسمين: القسم الأول يحكي في صيغة قراءة نقدية قصة الأعوام العشرين التي كانت قد مضت بعد انعقاد المؤتمر الثاني. أما القسم الثاني، فقد اخترنا أن نعطيه طابع موضوعات تتناول كلّ القضايا اللبنانية والعربية والعالمية والقضايا المتصلة بالحزب فكراً وسياسة وتنظيماً. وعدنا إلى لبنان حاملين معنا تلك الوثيقة. لكننا فوجئنا بأن المكتب السياسي واللجنة المركزية لم يوافقا عليها، ولا سيما في ما يتعلق بقراءتنا النقدية فيها للحرب الأهلية ولدخول الحزب فيها. وكنا قد توقفنا نقدياً في الوثيقة عند المقاومة الفلسطينية التي كانت قبل الحرب الأهلية قد أقامت دولتها في لبنان داخل الدولة، ودخلت بالشراكة مع الحركة الوطنية اللبنانية في الحرب الأهلية. ولم نترك قضية إلا وقدمنا فيها قراءتنا النقدية للمواقف الخاصة بها. وتوقفنا مليّاً في آخر موضوعة عند رأينا في صيغة الحزب الشيوعي فكراً وسياسة وتنظيماً. وقدمنا رؤيتنا للحزب في صيغته الجديدة كما تصورناها.



رُفضت الوثيقة، وخضعنا لذلك الرفض، ووضعتها في أحد أدراج مكتبتي في منزلي. وأذكر أننا أعدنا ترتيبها طباعة في صيغة كتاب، ووضعنا له مقدمة، وقررنا أن ننشره. وكان ذلك في عام 2005. لكننا عندما أعدنا قراءة الوثيقة اكتشفنا أنها أصبحت متخلفة عمّا صار جديداً في فكرنا، ومختلفاً اختلافاً أساسياً عن السابق. فعدلنا عن نشرها. لكننا، جورج وأنا، تابعنا كلّ منا على طريقته البحث في كيفية تجديد أفكارنا، انطلاقاً مما كان يبدو لكلينا في مشروع غورباتشوف باسم البرسترويكا أنه يحمل وجهين متناقضين. وجه أول، هو الرغبة في تجديد الاشتراكية وإعادة بنائها على أسس مختلفة عن السابق. والوجه الآخر النقيض هو ما كانت تشير إليه الوقائع من أن غورباتشوف باسم البرسترويكا كان يهدم ما كان قائماً في الاتحاد السوفياتي، داخل الحزب وداخل الدولة، من دون أن يضع أسساً متينة لما يكان يعدّه إعادة بناء. ولم يلبث أن انهار الاتحاد السوفياتي، وانهارت معه التجربة الاشتراكية برمّتها. وكنا نعد في الحزب لعقد المؤتمر السادس في ربيع عام 1992. وجرت نقاشات واسعة في الحزب حول الوثيقة التحضيرية. وكان لا بد من وضع وثيقة نهائية تقدّم للمؤتمر. فكلّفنا الأمين العام للحزب جورج حاوي، جورج البطل وأنا، وضع مشروع صيغة لتلك الوثيقة. فذهبنا إلى مكتب الحزب في دمشق، ووضعنا ذلك المشروع خلال ثلاثة أيام، وسلّمناه لجورج حاوي لكي يتبنّاه تسهيلاً للاتفاق حوله لأننا كنا، جورج البطل وأنا، قد بدأنا نُعتبر من الهراطقة، رغم أنني كنت رسمياً رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر. وقد أقرّت الوثيقة في المؤتمر مع تعديلات طفيفة. وكنا قد حرصنا في صياغتها على تقديم صورة جديدة مختلفة للحزب في الفكر وفي السياسة وفي التنظيم تتلاءم مع المرحلة الجديدة في شقيها: الداخلي المتصل بنهاية الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف، وعالمياً المتصل بسقوط التجربة الاشتراكية. وكان قد بدأ يجري في ذلك التاريخ الحديث عن تغيير اسم الحزب. وكانت الفكرة أن نعود إلى حزب الشعب الذي كان هو اسم الحزب في البدايات. لكن المؤتمر أقرّ الوثيقة ورفض تغيير اسم الحزب. ووضعت الوثيقة في الأدراج. وأذكر أن جورج قد نشر مقالاً في مجلة «الطريق» في عام 1994 في إصدارها الجديد، الذي كنت مسؤولاً عنه، أعلن فيه بوضوح انتهاء صيغة الحزب الشيوعي التي سادت على امتداد القرن العشرين وأن على الجيل الجديد من الاشتراكيين أن يبحث عن صيغة جديدة للحزب في الشروط الجديدة البالغة التعقيد.
بدأ جورج منذ ذلك التاريخ، وكنت شريكاً له، في الخروج التدريجي من العمل الحزبي في صيغه المختلفة. وهو ما حصل في المؤتمر الثامن للحزب الذي عقد في مطلع عام 1999. لكن الحزب كان قد دخل في أزمته المزمنة. فكتبنا، جورج وأنا، بياناً موجهاً إلى الشيوعيين نشرناه في جريدة «النهار» في عام 2000، دعوناهم فيه إلى العمل بكلّ طاقاتهم من أجل إنقاذ الحزب مما كان سائداً فيه وإخراجه من أزمته ووضعه بالتدريج في المكان الذي يعود له في عملية التغيير الديمقراطي في البلد. وكان ذلك آخر إسهام لنا في العمل باسم الحزب من خارج المواقع فيه.

محطات في مسيرة البطل
لا أستطيع أن أنهي هذه التداعيات في الحديث عن جورج البطل من دون أن أتوقف عند محطات أخرى سابقة، أذكر منها أن جورج قد مثّل الحزب في عام 1968 في اللجنة التحضيرية للمؤتمر العالمي للأحزاب الشيوعية الذي عقد في صيف عام 1969. وكان متألقاً بشهادة العديد من الشيوعيين الذين شاركوه في تلك اللجنة. في ذلك التاريخ بالذات كان قد حدث ربيع براغ. وكان لجورج موقف صريح وواضح بالاعتراض على التدخل السوفياتي الذي أطاح الرئيس دوبتشك. لكن الحزب، رغم أنه كان في مؤتمره الثاني على خلاف مع الاتحاد السوفياتي، فإنه تأخر في إعلان موقفه المعترض على التدخل السوفياتي ضد ربيع براغ وضد الشيوعية الأوروبية. وأذكر في الآن ذاته أننا في عام 1970 كنا في طريقنا إلى اللقاء مع رئيس الجمهورية السورية نور الدين الأتاسي في دمشق. على الحدود أوقف جورج البطل. وبعد جهد جهيد أطلق سراحه وذهبنا إلى الموعد مع الرئيس. فأخبرناه بما حصل وسألناه عمّا إذا كان من الممكن إزالة هذه الإضبارات. فأجابنا ضاحكاً: وهل تعتقدون أن بإمكاني أن أزيل إضبارتي أنا التي قد تقودني ذات يوم إلى السجن، والله أعلم؟ ولم تمضِ بضعة أشهر حتى كان الرئيس الأتاسي قد دخل إلى السجن بعد الانقلاب الذي قاده حافظ الأسد. وخرج منه بعد عشرين عاماً إلى القبر.
غادر جورج الحياة وهو في قلب المعاناة، إذ كثرت المشاكل الصحية التي واجهته. لكنه ظلّ صامداً وقوياً في مواجهة تلك الآلام التي تهزّ الجبال. وظلّ محتفظاً بذاكرة نادرة المثال جعلته معترضاً على كتب التاريخ وعلى المؤرخين، ولا سيما ما يتعلق بتاريخ لبنان قديمه وحديثه. ولم يكن بمقدور أحد منا أن يجادله في أيٍّ من المواضيع التي تعود إلى التاريخ. وكانت ترافقه صراحة حقيقية نادرة المثال في الإعراب عن مواقفه والتعليق على مواقف الآخرين. فأطلقنا عليه صفة أمير الصراحة. أما في ما يتعلّق بفكره النيّر، فقد ظلّ يقوى على الزمان، وصولاً إلى بدايات تعارض مع الكثير من أفكار ماركس. لكنه آثر ألّا يتدخل في عمل الحزب، رغم أنه كان شديد النقد للكثير من سياساته.
لقد حرصت في هذا الحديث عن جورج البطل، وأنا أودّع الأعوام الخمسة والستين من عمرنا المشترك باسم الاشتراكية، حرصت على أن أظلّ معه في ذكريات ذلك الزمن الطويل الجميل. وهو سيظلّ يرافقني في الذاكرة على امتداد الأعوام الباقية لي من العمر.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,280,279,551
- نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي
- في بلاد الجنرال جياب
- حوارٌ جديدٌ مع كريم مروة
- أي مستقبل للعالم العربي في ظل الثورات العربية المعاصرة
- الحاجة إلى يسار عربي جديد وإلى برنامج واقعي وراهن للتغيير
- تحية إلى شعبي تونس ومصر وثورتيهما
- الماركسيون العرب فشلوا في انتاج ماركسية راهنة بعد 5 عقود من ...
- عوالم محمود درويش... ذكريات وتأملات
- تأملات يساري عربي في الأزمة المالية للرأسمال المعولم
- انطباعات يساري عربي عائد حديثاً من موسكو الجديدة
- مرحباً بالدولة وبالسلم، وداعاً للحرب وللسلاح!... قراءة رومان ...
- الدكتور فايز رشيد يحاور كريم مروة حول الذكرى الستين لنكبة فل ...
- فرج الله الحلو - قائد شيوعي من أبطال الإستقلال
- فرج الله الحلو قائد شيوعي من أبطال الاستقلال ورمز لانهيار ال ...
- دفاعاً عن حقنا في الحياة
- في ذكرى رحيل ماوتسي تونغ .. القصة المجهولة لزعيم الصين الجدي ...
- في الطريق الصعب إلى الجمهورية الثالثة
- تحية تقدير وإعجاب إلى مقاومينا الشجعان
- لبنان في قمة الخطر في مواجهة العدوان الإسرائيلي
- لا بدَّ من إعادة صياغة مشروع ماركس بما يتناسب مع الواقع الجد ...


المزيد.....




- آلاف المتظاهرين يطالبون بتنحي البشير والتحام مواكب بالخرطوم ...
- بيان الحركة التقدمية الكويتية حول الدعم الأميركي لضم الجولان ...
- «الديمقراطية»: خطوة أخرى في تطبيق صفقة ترامب في اطارها الإقل ...
- المغرب والبوليساريو وجها لوجه في جنيف
- مقتل فلسطينيين اثنين وإصابة العشرات في مواجهات مع الجيش الإس ...
- الجزائر: نصر أول، المعركة مستمرة!
- مهرجان شعري في الأردن بذكرى معركة الكرامة ويوم الأرض
- شبيبات اليسار الديمقراطي تدعو إلى المشاركة المكثفة في المسير ...
- فائض قيمة الغباء!?
- الشرطة الجزائرية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين ...


المزيد.....

- قناديل شيوعية عراقية / الجزءالثاني / خالد حسين سلطان
- الحرب الأهلية الإسبانية والمصير الغامض للمتطوعين الفلسطينيين ... / نعيم ناصر
- حياة شرارة الثائرة الصامتة / خالد حسين سلطان
- ملف صور الشهداء الجزء الاول 250 صورة لشهداء الحركة اليساري ... / خالد حسين سلطان
- قناديل شيوعية عراقية / الجزء الاول / خالد حسين سلطان
- نظرات حول مفهوم مابعد الامبريالية - هارى ماكدوف / سعيد العليمى
- منطق الشهادة و الاستشهاد أو منطق التميز عن الإرهاب و الاستره ... / محمد الحنفي
- تشي غيفارا: الشرارة التي لا تنطفأ / ميكائيل لووي
- وداعاً...ايتها الشيوعية العزيزة ... في وداع فاطمة أحمد إبراه ... / صديق عبد الهادي
- الوفاء للشهداء مصل مضاد للانتهازية..... / محمد الحنفي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - كريم مروة - مع رفيق العمر جورج البطل