أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - منال شوقي - النمط الدائري للمجتمعات المتخلفة حضارياً















المزيد.....

النمط الدائري للمجتمعات المتخلفة حضارياً


منال شوقي

الحوار المتمدن-العدد: 6150 - 2019 / 2 / 19 - 01:30
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


في عصور ما قبل التاريخ كانت المجتمعات علي إختلافها ذات نمط دائري ، و المجتمعات الدائرية هي تلك المجتمعات التي يلتحم فيها المستقبل بالحاضر بالماضي ، فالمستقبل و الحاضر مرهونان بالماضي . تلك المجتمعات يصح أن نتصورها كمجتمعات تنظر للخلف كي تخطو للأمام و بشئ من المبالغة اللفظية ، هي مجتمعات تسير للأمام بظهورها . و غني عن القول أن من يسير بظهره عُرضه للسقوط و علي أقل تقدير يمشي ببطئ كي يتجنب السقوط قدر المستطاع.
المجتمعات الدائرية لم تنقرض ، فالمجتمعات التقليدية الدينية هي مجتمعات دائرية بامتياز.
خصائص المجتمعات التقليدية الدينية ذات النمط الدائري:
المجتمعات الدائرية بدأ ظهورها منذ عصور الجمع و الصيد أي عصر المجتمعات البدائية المتنقلة ( الرحالة ) و التي كانت تعيش علي الصيد و جمع الفاكهة و الخضر من الغابات و هي مجتمعات لم تكن تعرف الكتابة بالتأكيد و اعتمدت في إستمراريتها و نجاتها علي معولين ثقافيين ، أولهما النقل الشفهي للخبرات المكتسبة من خلال الممارسة و ثانيهما علي الذاكرة الجمعية للمجتمع .
أما عن النقل الشفهي فقد كان يمثل عنصراً في منتهي الأهمية لنجاة القبيلة أو العشيرة حيث يحتفظ كبار السن في تلك المجتمعات بمعين من الخبرات المكتسبة عن طريق التجريب و الممارسة تمكن القبيلة من مواجهة الأخطار و التصدي لما يواجهها من مصاعب و أزمات تهدد حياة و سلامة أفرادها و لا شك أنه من الطبيعي أن من عاش أكثر يعلم أكثر بالتجربة و الممارسة في ظل إنعدام أي وسائل أخري للمعرفة كما هو الحال اليوم حيث يقوم الكتاب بدور شيخ القبيلة المسن في نقل المعلومات .
و بمقتضي هذا الدور ( النقل الشفهي للخبرات ) تعاظم دور المسنين و تبجيل المجتمعات البدائية لهم في المجتمعات التي لم تكن تعرف الكتابة و لذا كان من البديهي أن يواجه إنسان تلك المرحلة الحاضر بالنظر في الماضي ليتعلم من تجارب و أحداث هذا الماضي و يستعين في حاضره بالدروس المستفادة من تلك التجارب و بالتالي فالحاضر مرهون بالماضي و المستقبل يتوقف علي الأمس و ليس علي اليوم .
أما عن المعول الثاني ألا و هو الذاكرة الجمعية للمجتمع فقد تتمثل في حدث أو مكان أو تاريخ أو كارثة طبيعية أو منعطف محوري أو شخصية حقيقية أو أسطورية ، و الذاكرة الجمعية إنتقائية بمعني أن المجتمع يتفق فقط علي نسيان ما لا يريد أن يتذكره في حين أن نفس المجتمع يختلف فيما يريد أن يتذكره و من هنا نستطيع أن نفسر لماذا تاريخ الأمم مشوهاً أو مبتوراً أو لا يتسق مع بعضه كأن تقرأ عن موقعة حربية جرت بين شعبين فتجد الأحداث مختلفة في كليهما و بشكل أكثر تبسيطاً ، كأن تسمع روايتين مختلفتين للأحداث من شخصين حدث بينهما نزاع .
و الذاكرة الجمعية لمجتمع ما هي التي تشكل الخطوط العريضة لثقافة و شخصية هذا المجتمع إذ يستقي أفراد ذلك المجتمع الحد الأدني من تشابههم الثقافي من هذه الذاكرة و التي كانت أحد أهم أسلحة النجاة و الإستمرار عند الشعوب البدائية في عصور ما قبل الكتابة .
هذه الذاكرة الجمعية كانت و مازالت رمزية أي يتم التعبير عنها و تتجذر في الذاكرة من خلال الرمز، حركات الصلاة في كل الأديان علي سبيل المثال هي نموذج لرمزية الذاكرة الجمعية .
إنتقال الذاكرة الجمعية عبر أزمنة طويلة عن طريق الرمز يكون كفيلاً بإعادة تشكيل و صياغة مدلولات هذا الرمز بما يتناسب مع المرحلة التي تطورت لها ثقافة و معارف المجتمع. فمكانة الهلال عند المسلمين كرمز ديني علي أقبية المساجد شاهد علي انتقال الذاكرة الجمعية لمجتمعات الرعاة الرُحل الذين قدسوا القمر كمصدر وحيد للإضاءة ليلاً يحمي من مخاطر لا حصر لها سواء كانت تلك المخاطر هجوماً من قبيلة أخري بهدف سرقة الأغنام و الماشية أو هجوم حيوانات ضارية أو مجرد أن تضل القبيلة طريقها في الصحراء في أثناء تنقلها المستمر خلف الكلأ و الأمطار.
و لا يخفي علي أحد أن جذور الإسلام يهودية و قد كان اليهود رعاة مزارعون agropastorals يعرفون للقمر قيمته في الحفاظ علي القبيلة و ما تملكه من حيوانات و محاصيل موسمية تختلف باختلاف الأرض التي يسكنونها باختلاف المواسم.
.
المجتمعات الدائرية هي مجتمعات ضد التغيير لأن التغيير يهدد نمطها الدائري و بالتالي يهدد ماضيها الذي تستقي منه أمان الحاضر و المستقبل. و لذلك نجد أن المجتمعات الشرق أوسطية و التي هي مجتمعات تقليدية دينية ذات نمط دائري بسبب هيمنة الدين عليها تنظر للخلف و تُعلي من قيمة ماضيها إلي الحد الذي يصبح فيها هذا الماضي بكل عناصره مقدساً و يصبح المساس بهذا المقدس بمثابة تهديد للحاضر و المستقبل و كلما إزدادت العوامل التي تهدد أمن المجتمع كالمشكلات الإقتصادية و الإحتماعية و السياسية كلما إتسعت دائرة التقديس و شملت ما لم يكن مقدساً في عصور سابقة و كلما إزدادت درجة التقديس لما كان مقدساً بدرجات أقل في الماضي.
فتقديس كتاب البخاري و اعتباره ثاني أهم كتاب عند المسلمين علي ما فيه مما يختلف مع العقل و المنطق بل و مع القرآن نفسه يُعد مثالاً علي تقديس ما لم يكن مقدس ، فالبخاري كان له منتقدون صريحون في عصره و في الفترة الزمنية التي تلته مباشرة و لم يكن ذلك النقد يخرج صاحبه من الدين كما هو الحال الأن و لم يكن المساس بكتاب البخاري جريمة تستوجب الهياج و التنمر الذي نراه الأن كما أن رفع البخاري لتلك الدرجة من التقديس دليلاً علي حالة الهلع و عدم الأمان التي يستشعرها المجتمع و إدراكه و لو بشكل لاواعي inconcieusement بالأخطار التي تتهدده و تهدد بقاءه و سلامته كتفشي الجهل و التأخر العلمي مقارنة بمجتمعات أخري و إنحطاط مستوي الثقافة المجتمعية و المشكلات الإقتصادية كالفقر و البطالة و انتشار الجريمة و انعدام الشعور بالأمان و عدم تحقيق الذات إلخ...
.
الأمثلة كثيرة علي نمط التفكير الدائري في المجتمعات المتخلفة عن ركب الحضارة الغربية و لا تقتصر علي الإلتصاق بالرمز الديني و المبالغة في تقديس المحتوي الموروث مهما بلغت تفاهته و عدم إتساقه مع العقل و المنطق السليم كتقديس صحابة محمد و اللإقتداء بأفعالهم و الدفاع عنها مهما كانت سخيفة بل و مشينة كالدفاع عن أبي بكر و التبرير له عندما قال لأحدهم : أمصص بظر اللات أو عن عمر بن الخطاب حينما ضرب جارية لارتدائها غطاءً للرأس و تشبهها بالحرائر أو حتي تقديس شخصية كعمرو بن العاص كان موضع سخرية و تهكم معاصرية بل و معايرتهم له بأصله و نسبه و تذكيره من حين لأخر بمهنة أمه ، نجده اليوم و قد تحول لشخصية مقدسة أو علي الأقل شخصية مباركة و موضع تبجيل و إجلال.
مازال الدائري الذي يدور في حلقة مفرغة منطلقاً من نقطة ما علي تلك الدائرة بفعل دفع الزمن له و عينه علي النقطة التي يقبع فيها الماضي ليعود لتلك النقطة ليس زمنياً و لا مكانياً لأن ذلك خارج عن إرادته و لكنه يعود لها ، لذلك الماضي بوجدانه و أفكاره و أفعاله و أحكامه و منطقه ليفسر وجوده و ليضع أهدافه و ليحدد حاضره و مستقبله بما يتسق مع هذا الماضي و يحافظ عليه كسلاح ضد التغيير ، التغيير الذي يهدد بقاءه و أمنه و تلك طبيعة الشعوب الدائرية لأنها شعوب تفتقر لعوامل ثلاثة كانت كفيلة بإقامة الحضارة الغربية ألا و هي الإعتماد علي النفس و الفردية و الثقة ، بالنفس، الإعتماد علي النفس و الذي يمحيه سيطرة الهيمنة الأبوية فمجتمعات الشرق الأوسط أبوية بامتياز و تنزع إلي التقليل من قدر الشباب في مقابل إعلاء قيمة الشيوخ بدعوي رجاحة عقل كبار السن الغير قابلة للنقاش و نزق الشباب الذي يفتقر للخبرة و هو ما ليس صحيحاً بالمرة و الأمثلة لا حصر لها ، أما الفردية فهي غائبة بشكل مطلق بل تنتصر المجتمعات التقلدية الدائرية لثقافة القطيع ، فالمختلف و الذي يشذ عن معتقدات و أفكار و ثقافة و ممارسات الجماعة القطيع هو موضوع إنتقاد و لوم بل و استياء و نبذ للمختلف ، و أخيراً تأتي الثقة في النفس و غيابها في المجتمعات الدائرية يشهد عليه تشبث هذه المجتمعات بماضي صنعته عقول أخري و تقديس أصحاب تلك العقول و إضفاء هالة من التبجيل و الإحترام عليهم و يشهد عليه كل الجهود المبذولة لمحاربة أي تغيير محتمل و العزوف عن التجريب و استكشاف الجديد و التعلم من التجربة لافتقار الثقة بالنفس .
ليس غيباً أبداً أن نجد مجتمعات تتفنن بالتغني بالماضي و تعتبره هويتها رغم أن هذا الماضي نفسه و الإستغراق فيه و التماهي معه هو العائق الذي يمنع تلك المجتمعات من الخروج من الدائرة و المضي قدماً للأمام .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,272,648,530
- كل المساندة لشريف جابر
- جواري محمد
- يادي خاشقجي إللي فلقتونا بيه
- المسيحية ... تلك الديانة السامية
- التحدي الهزلي
- الله المكار و ذكائه البتار حجة علي الكفار
- دور الإسلام في ظاهرة التحرش الجنسي 2/2
- دور الإسلام في ظاهرة التحرش 1/2
- يا ملجم العقول لجم عقلي علي كيفك
- بلاغة القرآن بالدليل و البرهان
- عام سعيد أستاذ صبحي منصور
- عندما تُفلِس السعودية
- فى كذب محمد عليه السلام
- حطم ريموتك المحمدي
- فما لكم لا تكفرون !
- قالها ثم حذفها حتى لا نتلوث برجسها !
- أدبني ربي .... ليته لم يفعل
- و مازال الحمقي يتساءلون
- لغة التخلف
- ثقافة إحكام الحبل حول الرقبة


المزيد.....




- على خلفية قضية خاشقجي... الوليد بن طلال: الإعلام الغربي خدم ...
- فنزويلا لا تستبعد قيام أمريكا بهجمات إرهابية على أهداف مدنية ...
- إطلاق نار في هارلم بنيويورك
- نهب المتاجر الفاخرة يطيح بقائد شرطة باريس
- دوافعه مجهولة.. الشرطة الهولندية تعتقل تركيا قتل ثلاثة أشخاص ...
- اليمن... قوات العمالقة تعلن إصابة 5 جنود بقصف للحوثيين في ال ...
- ارتفاع عدد قتلى الهجوم على قاعدة عسكرية للجيش المالي إلى 23 ...
- منافس نتانياهو يتهمه بتلقي رشوة
- صحيفة: الجلد عقوبة السب على واتساب بالسعودية
- الرئيس الأوكراني: نتفهم الانسحاب الأمريكي من معاهدة الصواريخ ...


المزيد.....

- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل / هشام حتاته
- اللسانيات التوليدية من النموذج ما قبل المعيار إلى البرنامج ا ... / مصطفى غلفان
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- كلمات في الدين والدولة / بير رستم
- خطاب السيرة الشعبية: صراع الأجناس والمناهج / محمد حسن عبد الحافظ
- النحو الحق - النحو على قواعد جديدة / محمد علي رستناوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - منال شوقي - النمط الدائري للمجتمعات المتخلفة حضارياً