أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نعيم إيليا - الردُّ على ابن حزم في مسألة تحريف الكتاب المقدس















المزيد.....

الردُّ على ابن حزم في مسألة تحريف الكتاب المقدس


نعيم إيليا

الحوار المتمدن-العدد: 6135 - 2019 / 2 / 4 - 16:42
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ومما جاء في كتاب ابن حزم (الفصل في الملل والأهواء والنحل) :
" إن كفار بني إسرائيل بدلوا التوراة والزبور فزادوا ونقصوا ، وأبقى الله تعالى بعضها حجة عليهم كما شاء { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون }... { لا معقب لحكمه }، وبدل كفار النصارى الإنجيل كذلك فزادوا ونقصوا ، وأبقى الله تعالى بعضها حجة عليهم كما شاء ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) ... وقد قلنا آنفا إن الله تعالى أطلعهم على تبديل ما شاء رفعه من ذينك الكتابين ، كما أطلق أيديهم على قتل من أراد كرامته بذلك من الأنبياء الذين قتلوهم بأنواع المثل ، وكف أيديهم عما شاء إبقاءه من ذينك الكتابين حجة عليهم ، كما كف أيديهم الله تعالى عمن أراد أيضا كرامته بالنصر من أنبيائه الذين حال بين الناس وبين أذاهم ..."
وينبغي للمعترض في ابتداء كلامه، قبل الرد على قول ابن حزم هذا الذي يجهر دون خفاء - على قلة حروفه - بمرامه من تأليف كتابه الآنف ذكره، ويبين عن طبيعة منطقه، وعن جوهر مذهبه في المحاججة والاستدلال، وهو: دحض عقائد غير المسلمين ولا سيما اليهود والنصارى.
وهو في نقضه لها يتوسل لا بوسيلة العقل، وإنما بوسيلة النقل – وإن لم يكن النقل مؤازراً له في ذلك كما سيأتي – وبوسيلة أخرى، إن جاز أن تدعى وسيلة، هي الهوى الشخصي. ولهذا فإنه من الاتساع، بل قد يكون من الخطأ، أن يعد كتابه في جملة الكتب التي شأنها المقارنة بموضوعية ونزاهة علمية بين الأديان والمذاهب. وهذا الحكم على قسوته لا يلغي فوائد الكتاب التاريخية على وجه التخصيص:
إن غاية المعترض من الخوض في حديث التحريف؛ تحريفِ الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، والاشتباك في ساحه مع من يقول بتحريفه، ليس على نيّة المفاضلة بين الأديان – كما هو الشأن لدى ابن حزم في نهاية المطاف من كتابه [1] - ولا لتحصيل نتيجة إثر تفنيد حجج الخصم، مُفادها أن اليهودية والمسيحية صادقتان، إذ برئت كتبهما المقدسة من التحريف. كلا! وإنما هي أن يعلم مَن لم يزل يزعم أن كتبهما المقدسة محرفة، أن زعمه هذا ليس على شيء من الصدق والرجحان، ولا على شيء من المنطق، ولا على شيء مما فيه صلاح وخير المجتمع الإنساني الحديث، لعله ينتهي عن زعمه الفاسد الحائب هذا مقلعاً عنه أبد الدهر. فإن في عدم الإقلاع عنه أذى فظيعاً وشراً بليغاً فصيحاً في مجال التطبيق يتجليان، أو يتحققان، فيما ينشأ عنه من تكفير سداه الحقدُ، ولُحمته العنف والبطش والقتال المستحر.
فإن رأى الزاعم في هذا طعناً في عقيدته، فإن الطعن، إذ يكون طعناً فيما هو أملط من الحق باطلٌ مؤذٍ بالغ الضرر، بهدف تصويبه وتقويمه، وجعله صحيحاً نافعاً خيّراً مشعشعاً بأنوار الحق، لا يجدر به (بالزاعم) إلا أن يحمده بدلاً من أن يجاهده بغلظةٍ بيده ولسانه، ولا يجدر به إلا أن يرتضيه لعقله بدلاً من أن ينبذه، أو ينكف عنه، إن كان محباً للحقيقة حقاً وللخير .
وإنه ليجمل التذكير في هذا المعترك بحكمة السيد المسيح حين تجنَّب أن يقذف التوراة بالتحريف " لاتظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل " وهي حكمة [2] بل وصية ترشم على قلوب المؤمنين به وبها، أنْ لا تجوز البتة معاداة المسيحية لليهودية، أو قطع صلة الإنجيل بالتوراة - ولا عبرة هنا في أن وصيته لم تحل دون أن يبطش المسيحيون الذين خالفوا عنها، ولا سيما المسيحيون الأوروبيون، باليهود في بعض محطات تاريخهم الدموية المظلمة الجاهلية المخجلة - وها هم المسيحيون اليوم بفضل احتكامهم إلى هذه الوصية الجميلة، وإسترشادهم بسنا معانيها الحكيمة، يعيشون عصرهم الحديث مع اليهود واليهودية عيشوشة تضوّع وئاماً.
فأما ما يقوله ابن حزم - وهو معدود عند بعض الدارسين بين الفلاسفة ! - من أن اليهود والنصارى [3] كفّار، أي لا يؤمنون بالله – وإنه لمن النافل هنا، الإلماع بخطورة مبدأ التكفير لدى طوائف من الإسلام، فالواقع يضج بأخطاره وفظائعه ومآسيه وأهواله، وتكفي هنا الإشارة إلى جرائم داعش الإسلامية في الإيزيديين والمسيحيين في العراق - فما هو إلا قول رجل يهفت ولا يتروَّى. فكلا الفريقين، مؤمن ولكنْ كل على نهج وسبيل.
فإن يكن الاعتقاد بأن اختلاف اليهودي المؤمن والمسيحي المؤمن عن المسلم المؤمن في طريقة تعبيره عن إيمانه تجوّز تكفيرهما؛ فأين يكون محل العقل حينئذ من الإعراب؟
فإذا قال معترض: إن ابن حزم، إنما أراد أن فئة من اليهود والنصارى من علمائهم، قد كفروا، أي ستروا حقيقة ما أوحى به الله وهم يعلمون أن ما أوحى به الله هو الحق المبين ولكنهم مع ذلك يجحدونه ويسترونه متعمدين؛ جاء الرد على ما قد يقوله المعترض في صيغ من صيغ الاستفهام المولجة بإشراع نوافذ العقل المغلقة: كيف لهؤلاء العلماء أن يستروا حقيقة أراد لها الله النشر؟ أتراهم أقوى وأشد من الله؟ أم لهم مشيئة تعلو فوق مشيئة الله؟
وما كسبُهم؟
ماذا يكسب هؤلاء من جحدِ أو ستر وحيٍ وهم يعلمون علم اليقين أنه من الحق؛ غيرَ نقمة الحق عليهم وغضبته ؟ ومن ذا الذي يبيع النعمة ويشتري لنفسه بثمنها نقمةً مهلكة، وهو لا يجهل أنها نقمة مهلكة !؟
ولا ريب في أن رجلاً بمنزلة ابن حزم، لا بد أن تكون جالت في خاطره مثل هذه الصيغ من الاستفهام، ولكنه بسبب انحيازه إلى عقيدته، سيبذل قصارى ما يملك من براعة التفكير في البحث عن حجج منطقية، تدعم صحة رأيه على أمل أن تقيه من السقوط. فكان أن عثر على حجة آنس فيها – رغم نباهته - أنها مستطيعة أن تنجز تلك المهمة؛ مهمة دعم رأيه وتصويبه.
ولكن هل استطاعت الحجة هذه التي عثر عليها في القرآن، أن تقي رأيه من السقوط بالفعل؟
فما حجته { الله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } ؟ وما حجته { لا معقب لحكمه } ؟
هل أراد ابن حزم باستعانته بالآيتين أن الله ذاته أوقع التحريف على التوراة والإنجيل، وأنه " أبقى… بعضها حجة عليهم كما شاء ... وأطلعهم على تبديل ما شاء رفعه من ذينك الكتابين ، كما أطلق أيديهم على قتل من أراد كرامته بذلك من الأنبياء الذين قتلوهم بأنواع المثل ، وكف أيديهم عما شاء إبقاءه من ذينك الكتابين حجة عليهم ، كما كف أيديهم الله تعالى عمن أراد أيضا كرامته بالنصر من أنبيائه الذين حال بين الناس وبين أذاهم …" ؟ ولذلك فلا يجوز، كما تؤكد الآيتان، أن يسأل الله عما فعله من إيقاعه التحريف بالكتب المقدسية، صافقاً باب التفكير والمراجعة في وجه كل مؤمن به؟
أهذا الذي أراده ابن حزم؟ أأراد أن التحريف من الله، ولأنه من الله، فلا معقب لحكم الله؟
فإن كان هو هذا الذي أراده، فأين ورد ذلك في القرآن؟ أين ورد في القرآن أن الله بذاته حرّف كتب اليهود والمسيحيين المقدسة؟
والأبلغ من ذلك حجة على تهافت حجته ورأيه، بل أبلغ على خروجه من ملته! أن التحريف إذا كان وقع من الله – على نحو ما يزعم - أو تحقق بمشيئته؛ فكيف لمؤمن بالله حينئذ أن يعترض على مشيئة الله الجارية في اليهود والمسيحيين؟ وكيف له أن يمقت عقائدهم وهي من الله، بصلاحها وبطلانها؟
بل كيف له أن يقذفهم بالكفر، لأمر شاءه الله وليس لهم فيه جريرة اختيار؟
ورب مستهزئ بالرد على ابن حزم، وقائل: قد كان الرجل في عصر غير عصرنا.
فما يكون عندئذ إلا كقراءة (لا تقتل) من الوصايا العشر، حتى يأتيه الجواب:
فما بال أبناء الجيل الرابع من المهاجرين المسلمين في برلين المحروسة – تأبّد عزّها! - يضربون على أثره، يأخذون في السير على منهاجه في التفكير والعمل؟
_____________________________________

[1] يمكن تحديد غاية ابن حزم من تأليف كتابه بأنها توكيد صحة عقيدته بإزاء العقائد الأخرى التي يراها باطلة. وليس في هذا الامر بحد ذاته ضرر، وليس عليه اعتراض مادام يكون بالمنطق والحوار بعيداً عن العنف وعن ربطه بالسياسة. فالمرء لا يملك إلا أن يميل إلى عقيدته الموروثة، وقد قال الشاعر في هذا المعنى: (( كلُّ امرئٍ في نفسِه… أعلى وأشرفُ من قرينِه )) .
[2] يستشهد الملاحدة بهذا القول على أن الله في المسيحية هو عين الله في التوراة من حيث إن الله في التوراة كان متعطشاً للدماء؛ فيلزم من ذلك عندهم أن يكون الله في الأناجيل كذلك.
[3] النصارى لفظ يراد منه عند ابن حزم وعامة المسلمين ، أن يكون دالاً على المسيحية كل المسيحية، وهو في الحقيقة ليس مما يصح أن يطلق عليها؛ لأن المسيحية مذ نشأت واتخذت لها هذا الاسم - سميت المسيحية باسمها في مدينة انطاكية السورية في بدء بشارة تلاميذ السيد المسيح بها، ومن الغريب ألا تذكر في القرآن باسمها هذا – ومذ تعددت مذاهبها إلى اليوم، لم تقل المسيحية بأن الله ثالث ثلاثة، أو بأن مريم إلهة، كما كانت تقول بذلك نحلة لا يُعلم لها وجود واقعي تاريخي، قد ورد ذكرها في القرآن باسم النصارى أو النصرانية.
وليست الغاية من الإشارة إلى هذه الحقيقة تعمد نفي أن يكون ثمة اختلاف في اللاهوت بين المسيحية والإسلام؛ بغرض أن يكون ذلك بادرة طيبة تسهم في إزالة ما تراكم بينهما من الإحن. كلا... فإن زوال ما بينهما ينبغي أن يكون باحترام مبدأ الافتراق، مبدأ الاختلاف فيما بينهما من العقائد وذلك بالنظر وبالممارسة معاً من كلا الجانبين .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,221,690,700
- مأزق العلمانية
- ما بين الدين والأفيون من ضروب التشابه
- حقيقة ما جرى في قرية الفردوس
- مشكلة المعرفة لدى ايدن حسين. (دحض المثالية)
- ياء ميم، ياء ميم الست مريم وصاحبها كريم
- خالق الموجودات
- مارس وفينوس
- حَدُّ المادة وأصلها
- صلوات حب على مدار العام 2
- صلوات على مدار العام 1
- في البدء كان الكلمة 2
- في البدء كان الكلمة
- رجع الكلام على ما تقدم من القول في المعنى
- لاهوت التنزيه
- مناظرة المسيحي والمسلم
- قصة التحولات الفجائية 7
- قصة التحولات الفجائية 6
- قصة التحولات الفجائية 5
- قصة التحولات الفجائية 4
- قصة التحولات الفجائية 3


المزيد.....




- هل للجبير علاقة قديمة بالموساد؟
- هايبرلووب..سباق الوصول لـ1000 كلم/س
- رحيل جد الاحتباس الحراري
- 16 ولاية تقاضي ترامب
- لحظة تفجير إرهابى الأزهر لنفسه بالعبوة الناسفة فى مصر (فيديو ...
- تغريم ناد إنكليزي بسبب التجسس
- هل تدفع بقشيشا للمضيفين على الطائرات؟
- منبج.. قصة المدينة المقدسة
- شاهد لحظة انفجار انتحاري في القاهرة
- مقتل شرطييْن وإصابة 3 آخرين في تفجير انتحاري بمنطقة الأزهر ب ...


المزيد.....

- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نعيم إيليا - الردُّ على ابن حزم في مسألة تحريف الكتاب المقدس