أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زياد بوزيان - قصص قصيرة جدا















المزيد.....



قصص قصيرة جدا


زياد بوزيان

الحوار المتمدن-العدد: 6129 - 2019 / 1 / 29 - 21:27
المحور: الادب والفن
    


« التوليب الأعزل » مجموعة قصص قصيرة جدا

1 ــ التوليب الأعزل

ﺒ "توليب أعزل" ظل يحلم ؛ التوليب الذي زرعه في تلكم الجزائر النائية ، ثم ظل يفكر مشتاقا بأن يعود إليه ثانية ، بعد أن انقطعت الرحلات البحرية لتجدد النشاط البركاني والزلزالي بها ، غير أنه فارق الحياة ولم يحقق حلمه في زيارة توليبه ثانية.

و كانت موهبة هذا المهاجر الإيطالي و حلمه المتقد ليل نهار، منذ أن ترك بلاده و أقام في كوخ قرب العاصمة بيونس إيرس ، هو إقامة "مملكة التوليب التاجي" في الجزر القصية من هذا العالم ؛ و هو بستاني ومزارع فينيسي ، طمحت نفسه بعد أن قارب سن الشيخوخة ركوب موج المغامرات الاستكشافية للجزر البعيدة غير المأهولة. وكان بعد أن تهيّأ جيدا للرحلة حاملا بذور التوليب التي صنفها بنفسه ، قد أقام لشهور في جزر سانتا كروز قرب سواحل المغرب ، زرع بعضها في أمكنة قصية ، و ظلّ يعتني بها كل ما عاد إليها منتجعا ، لكنه عبثا كان اعتنائه ، فقد ذبل التوليب قبل تفتحه، لعل المناخ الاستوائي لم يناسبه ، أو لعلهم مرشدين السواح من ذوي الأصول المغربية سقوه سقاية مضرة. و كانت علامة ذلك بأن ترك الجزيرة باتجاه الفوكلاند جنوب الأرجنتين ، الفوكلاند جزيرة كبيرة عذراء الطبيعة تأمها السّكينة عدا بعض توغلات العلماء و الإيكولوجيين ، تمكن فيها من زرع نوع أصفر باسق في المنخفضات و نوع أسود بهي في المرتفعات ، حتى غدت الفوكلاند كلها مرتعا للتوليب ، ونسيمه الملكي ، و للطيور المتناغمة معه زقزقات و رفرفات.

ثم إذ به يقفل إلى بيونس إيرس و منها طار إلى جزيرة " ديسيبشن " ذات البطاريق و الجبال البركانية التي تقع على حدود الجليد جنوب الفوكلاند ، تلك الجزيرة التي أقام فيها لوحده مع الطيور و الفُقم و البطريق ما شاء له أن يقيم ، إلى أن أسدلت عليه بوشاحا توليبيا متواشج الألوان بخاصة في مرتفع جبل حجري تقصده الطيور للتزاوج. و ليس ببعيد عنه أنمى هضبة التوليب الأزرق ، المقابلة لجبل الحمم الحمراء ثم قفل راجعا إلى كوخه ، أين أمضى بقية عمره. وقبل أن يغمض عينيه مرتاحا على أرذل العمر يحدث و أن فتحهما في صباح يومه ، واقعا على خبر بصحيفتهم الأشهر، يقول « الجن يأم جزيرة ديسبشن » وعلى إشاعة مصاحبة سرت فيهم تقول بتعمير جن متلون بألوان قوس قزح لجزيرة ديسبشن ، تكون رصدته مراصد المارة ؛ جن استوطن الجزيرة متجليا بهيئة ألوان الطيف ، طيلة لياليها الطويلة ، معتقدين أنّ رهط منه أحمرَ قاني يعتورها معربدا عشاءا ، و هو لاعب بالأكر، كالريح يجرجرها من المرتفعات إلى المنخفضات فيعم الأرجاء شذاها الفواح ، و ما أن ينسحب حتى يتلوه جن منتصف الليل الأشقر الساهد ، يتبعه جن الهزيع الأوسط الأرجواني الراقص ، يتبعه جن الهزيع الأخير الأخضر الآخر، المبتهل الباكٍ ، ثم جن الموهن الأزرق ، فجن السحر الأبيض ، أما جن الشروق الأسود فحدث ولا حرج لجماله أقصد لرهبته! و هكذا دواليك. إلى أن ساحت دموع صاحبنا وعرف أنه خبر التوليب الأعزل قد أتاه.

2-"الصالح لكل زمان و مكان"

قال الرواي : إنه «الصالح لكل زمان و مكان» ثم صمت ولم يزد ببنت شفة ، فتعجب القوم عما يعنيه صاحبهم فقال البطل فورا : قد عرفته ، إنه يعني الكتاب العزيز الحكيم. فردت الشخصية الرئيسية قائلة : كلا والله إنما هو كتاب الله و سنة رسوله.. وبالكاد أتمت قولها (ولن تضيعوا بعدهما أبدا) حتى ارتفع صوت الشخصية الثانوية ثاقبا الأسماع : كلا ، ليس هذا فقط سنزيد عليهما صحيح البخاري ومسلم. عندها تدخلت الشخصية العرضية : بل كتاب الله و سنة رسوله و التابعين و تابعيهم بإحسان رضوان الله عليهم جميعا. و هنا خرج البطل المضاد قائلا : زين والله والله زين! ولِما نسيت حضرتك تابعين تابعيهم ، كنت تقول الناس جميعا وكفى! فكفهرّت أوجه الحاضرين وتقلب حالهم من حال إلى حال بل حتى أن البطل بدأ يشدّ على قبضتيه ، في الوقت الذي تابع البطل المضاد قائلاﹰ : و يحكم! أفلا تبصرون؟ بل إنه يعني الإنجيل .. عندها تعالت الصيحات .. كيف؟؟ ماذا .. من أنت؟ من أين خرج هذا الصعلوك؟ أقتلوه فورا .. إنه كافر.. كافر.. ماذا تنتظرون .. كافر.. وما كادوا يفعلون حتى ظهرت الشخصية المهمشة المقهورة قائلة : انتظروا و انصتوا إلي جميعكم ، هل فكرتم للحظة في صاحب العبارة من يكون؟

ـــ " إنه حضرة الراوي طبعا " قال البطل.

ـــ " كلا ، بل إنه راوي مزيف أو ليس أكثر من راوي مشارك " ردّ المهمش مضيفا ؛ " فالراوي الحقيقي هو من قدمني وقدمكم إلى غيرنا و يقدمني الآن ، أخشى أنه الشيطان يريد أن يوقع العداوة و البغضاء بينكم"

ـــ " بل أنت هو الشيطان لأنك مهمش مثله ، و هو بطل مزيف رعديد و جبان خوار مثلك ، و أنا هو البطل الحقيقي سأقف لكما بالمرصاد " قال البطل.

وتغيرت سحنات القوم وبدأوا ينظرون إلى البطل نظرات شك وارتياب فكلمهم البطل قائلاﹰ : مالي أراكم تنظرون إلي هكذا! أم أضحيتم مزيفين أنتم أيضا؟ الآن إما أن تبايعوني بطلا للمهمات المستحيلة أو استبدلكم بغيركم. فردوا جميعا بصوت واحد : قد عرفنا أن الراوي الحقيقي لا يهجع إلى الصمت أبدا فهو صنو الحركة الدائمة ، و لولاه ، لولاه ما تتم ... فكيف به يطرح معتركه فينا ثم يموت؟! لذلك نطلب أن ترينا بطاقة هويته و بطاقة هويتك البطولية أنت لنتثبت من هويتكما ، أم ما قول حضرة الراوي الحقيقي؟

ـــ " الرأي رأيكم .. هكذا تولد الأقصوصة " قال الراوي الحقيقي.

ـــ " أسكتوا! لعنة الله عليكم جميعا " رد البطل المسلوب البطولة و الكرامة، منتفيا من الزمان و المكان إلى غير رجعة.

3- الماموث الذهبي و النهر المقدس

زعموا أنه في سالف العصر و الأوان انتشر خبر في أصقاع الأرض كلها ، مفاده وجود ماموث أبيض يعود إلى العصر الجليدي الأول ، يحوي على سر الوجود و سر الخلود ، و هو مطمور ببقعة من بقاع الشرق ، لا يعرف كنهها أحد. ولمّا علم شخص حكيم من جنوب تركيا يدعى إبراهام بالخبر عزم أن يكون الماموث من نصيبه ، فشد الرحال إلى الشرق بعد أن أوحي إليه أن السّر العظيم سيكون من نصيبه ، واتفق أن رجلا حكيما آخر يدعى موس ، من أرض الكنانة ، أوحي إليه أيضا فعزم على ما عزم عليه إبراهام ، وكذا فعل حكيم ثالث من أقاصي الشمال يدعى جِيسوس ، و حكيم رابع من أقاصي الجنوب يدعى مِهمت.

أدرك أربعتهم حال اغتسالهم من النهر المقدس في سهول الهند و كأنهم اغتسلوا من نهر الحياة ، بل وشعروا و كأن الحياة قد ركبتهم من جديد لمباشرة المسير نحو الهدف ، الهدف الذي ساروا من أجله قادمين من جهاتهم الكونية الأربعة ما يقرب الست سنوات ونيف ، أتراها الصدفة التي جمعتهم معا عند النهر المقدس؟ أم أنه القدر السالك بهم طريق الرب إلى شمال النيبال مسلوبي الإرادة؟

في العام السابع بلغ الأربعة حدود جبال الهمالايا الشامخة، فقال أصغرهم مهمت للآخرين : « إنه ليوحى إلي اللحظة أن الماموث المتجمد يوجد في أبهى حلة ، و هو ينتظرنا قرب جبل ماكالو فسنمضي إليه غدا باكرا » ، وعندما مضوا في صباح يومهم التالي مدة نصف يوم ، أشار إليهم جيسوس أن المكان القصود يقع شرق جبل ماكالو ، و عند صعودهم الجبل التمس كهلهم موس مكان الماموث المطمور بالضبط. و قبل شروعهم في الحفر بسق كبيرهم إبراهام على الشيطان ممسكا الفأس قائلا : « إنه لا يوحي إلي اللحظة أن نقوم باقتسام الماموث بعد أن نخرجه : « أنا و موس نأخذ النصف العلوي منه ، من البطن إلى الرأس، وجيسوس ومحمت يقتسما نصفه السفلي »

قَبِل موس ، وأخذ نصف الماموث الذهبي العلوي مع قرنه الماسي ، القرن العجيب ؛ الذي فيه تكمن أسرار الخلق و الوجود ، إذا ما احتفظ به صاحبه شفع لصاحبه ودخل الجنة ، و قَبِل إبراهام و جيسوس بقسمة الناموس غير نادمين حتى و إن كانت مظاهر الحصرة بادية على جيسوس ؛ لعدم ظفره بالناب الماسي ، جوهر الجوهر ، لأنه حظي هو و مهمت على النصف السفلي مع اقتسام العجُز مناصفة لكل منهما. وضع كل واحد منهما قسمه على راحلته تأهبا لرحلة العودة ، إلى أن سُمع صراخ كالريح الهادرة « لا..لا..لا » .

ـــ إنه الناموس يا محمت ، أنا رضيت به على مضض ، لعل الله يبدلنا خير منه ، ربما هو خير من جوهر الجوهر نفسه ، إنها حكمة الرب أتخالف حكمة الرب يا محمت؟ قال جيسوس.

ـــ لا و ألف لا ؛ لن آخذ العجز والله لن آخذه ، كيف آخذ العجز و أنا مثلهما و الله زين ، قال العجز قال! هما يأخذان ماس الماس وأنا آخذ العجُز.

ـــ إنها حكمة الله يا محمت ثم إنك الأصغر ربما أبدلك به بما هو خير ، خذ العجز واقنع مثلما قنع جيسوس . قال موس.

ـــ « قلت لن آخده يعني لن آخذه و أنا مصر على أن لا آخذه » حينها تشاور الأربعة لمدة فيما بينهم و قرروا أن يخصموا عُجز الماموث ليبيعوه في المزاد ، لمصاريف عودتهم ، ثم يعيدوا القسمة من جديد. و تمت القسمة و تم البيع ، و ما كادوا يأخذون طريق العودة حتى خرجت لهم مجموعة من لصوص الطريق ، كان فشى فيهم خبرهم ، فكمِنت لهم و لكنها لم تقدر عليهم بقدراتها الخاصة ، فاستدعى كل لص قومه. فكنا إذ ذاك أمام أقوام أربع ، ما هم بالجان و لا بالإنس : قوم العماليق ، و قوم الأوباش ، و قوم ايفار الكسيح ، و قوم يأجوج و مأجوج ، أحاطوا بهم كالعرمرم وأخذوهم و ما معهم من ذهب و ماس و جوهر الجوهر إلى جبل ماكالو ثم أوثقوا وثاقهم إلى صخرة كبيرة هناك ، و رجعوا ومعهم أموال قارون فضلاً عن جوهر الجوهر، و كلما أحسّت يأجوج و مأجوج باشتداد جوع أسراهم ، أرسلوا إليهم رسولا منهم ، يمدّهم مع كل مرة بغذاء مقابل أن يشرب قليلا من دمهم حتى يستمروا و تستمر حياة الأوباش الحاملين لجوهر الجوهر.

4-"مدهامتان" و "بابا نُوال"

ظلّ الشاب العربي يفكر في طريقة تجعله بليغا ، كم من مرة حفظ معنى كلمة مدهامتان لكنه كان ينساها في كل مرة! بعد أن أفنى نصف شبابه في محاولة معرفة لماذا الأمة العربية هي وحدها الأمة المجازية بين جميع الأمم و الشعوب؟ إلى أن اقتنع أخيرا أنه لابد للمرء في مثل حالته من التفرغ لمحاورة كتب التراث لأن الأعراب الأقحاح في زماننا لم يعد لهم وجود ، فقرر أن يهجر إلى أرض قصيّة لا يخالط أحدا حتى يستوفي علم البيان و يصبح خطيبا مفوها ، يصيب باقتدار و بخفة و رشاقة المعاني بأجزل العِبر و أعذبها ، ليس مثل المتقدمين الكسائي و الحجاج ابن يوسف الثقافي لكن مثل المتأخرين حافظ إبراهيم و محمد كشك ، وإن لم يكن من بد فمثل المتقدمين ما المانع؟ اتكل على الله و انطلق ، فأصاب أول ما أصاب قريةﹰ وقد خلت من رجالها فتعجب من أمرها ، فعزم على اللحاق بالحقول والأرياف المحيطة بها عله يجدهم يعملون هناك ، لكن ما من أحد. مشى مسافة أميال ولما اقترب من هضبة وغابة تطلاّن على القرية ، وجد فأسا و حطبا ، غابة و جبل ، حقول و مزارع ، لكن ما من أحد ، فاين اختفى رجال القرية؟ ثم فجأة رأى خيال رجل يمر بسرعة بين الأشجار نداه باعلى صوت دون جدوى ، فحمل الفأس وقرر أن يبني كوخا له فوق التلة ، وبعد ساعة من العمل وقع على الأرض تعبا وبدأ ينظر إلى الجبل ، فزاد عجبا و حيرة لَمّا نظر فوق فلمح قمة الجبل محاطة بغيمة بيضاء بشكل يشبه عربة "بابا نُوال" الطائرة ولليلة ليلة رأس السنة! لكنه لم يقاوم النعاس وشيئا فشيئا غطّ في نومه ، وإذا به يرى في ما يرى النائم رجالاﹰ مهرولين بانتظام ناحية الجبل ، و بسرعة خيالية يقطعون الغابة إلى قمة الجبل لتمتطي كل مجموعة منهم عربة بابا نُوال ، قافلة تِباعا إلى فوق فوق و إلى أبعد من الغيوم ، إلى أرض حمراء التربة ممتدة بين الغيوم ؛ أرض ملأة بالرجال دون النساء! وكم كانت صعقة صاحبنا شديدة حين صحوته « أرض مقدسة .. أسطورية.. معلقة بين السماء والأرض!!» لكن سرعان ما ذهبت عنه صعقته عندما تذكر أنه هو نفسه ارتحل ساعيا لغاية ، لعلّها النبوءة ولا شك! كلّنا في هذه الدنيا ساعون من أرض إلى سماء و من أرض إلى أرض :

« لكن ما دلالة انفصال النساء عن الرجال و مقابلة الأرض للسماء و بابا نُوال للجبل » راح متمتما في نفسه مليا حتى أطرق صارخا : "..آه وجدتها انفصال اللغة عن الفكر" أجل في الأمر قضية. وفي لمح البصر قفل راجعاﹰ إلى أهله مدركا أن الزمن قد فاته للسعي إلى ما أراد ؛ رحم الله العم تشومسكي حين قال أن اللغة تطبع في فكر الإنسان في مرحلة الصغر كما تطبع الحروف على ورقة بيضاء فإذا ما فاتها ذلك عبثا تحاول.

5- الطـلاسم و نابغة القرن الواحد و العشرين

قال أنه لمّا تيقن بعض البشر على هذه الأرض دون بعضهم الآخر ، قرنا بعد قرن ، و دهرا بعد دهر ، انصبّ فيها همّهم على إثبات علاقتهم بخالقهم ، أي ارتباطهم بالإله ، و لينالوا بصنيعهم رفعة وسموا ، تيقنوا باستحالة العيش بسلام و طمأنينة من دون هذه المهمة ؛ ما من قبيلة و ما من عرش، ما من سلالة من السلالات ، و ما من سبط من الأسباط إلاّ و أرادوا بالله علاقة ثم ليهنئوا في عزهم به بل يسعدوا بشموخهم على جيرانهم. و لن يتأتى ذلك إلاّ بربط صلة لهم بالله! أجل الله .. قال ذلك ثم صمت قليلا. ثم واصل قائلا : « ... و الذي حياتي بيده و سلطانه الذي اختفى عنا و عن مخلوقاته ، يا سعدو من أثبت بالحجة و اليقين الراسخ ، سيتسيّد الكون بلا ريب » ثم انزوى ليقضي عمره في البحث عن الله في البراري و المحيطات ، في المرتفعات و في المنخفضات ، في أخبار و حكايا و أساطير الأولين يبحث عنه ، و في أمهات الكتب ، في أقاصي الشمال و أقاصي الجنوب ، في جسد النبات وفي جسد الحيوان ، ثم في جسد الإنسان و مخه ، و معا ، لم يترك شبرا إلا وبحث عنه فيه ، لكن دون جدوى .. ثم بالها الروح! .. الروح .. أجل هي الروح ..!! لكن ما تمكن من فك طلاسم لواعجه فكيف يتمكن من فك طلاسم الروح.

و الحق كل الحق أن كان صاحبنا هذا شيخا باكستانيا عصاميا ، من القرن الواحد و العشرين ، ملحد كافر بجميع الأديان ، ومؤمن تقي ورع كلف بها جميعا في الوقت ذاته ، ثم عندما انتهى به الحال إلى قرب اثبات علاقته "بالله" كانت ملامح الجنون قد بدأت ترتسم على محياه ، عندما وقف منادياً في الناس مستحلفاً بالروح : « أقسم بالروح التي .. أن "الله" الذي .. مختفي عن مخلوقاته في الروح » وحتى أنه في أحد الأيام أطرق ممسكاً زوادته تاركاً قريته قرب كراتشي إلى مدينة كوادر بلوشستان ، ثم يعتلي نصبا تذكاريا كان منتصب في وسطها رافعا صوته في الناس: « أيها الناس أيها الناس ، أيها البشر ، أيها الإنسان اسمعني لتعي مصيرك ، اسمعني الآن ، لتسعد لك الآلهة و تقيم مجدك حيالها ؛ في القديم لم تكن لا كلمة الله و لا وحيه ولا أماراته و لاهم يحزنون ، بل كانت مملكة الحيوان و النبات و مملكة العظمة عندما تبدت الروح ، فوثبت الحيوانات جافلة ، فعقلت بتلكم الروح ، جمُدت النباتات فاتحدت بمملكة العظمة و حلت بها فكان ما كان و ما لم يكن، سارت الخلية الحية في خضم حماية الروح ، من حال أدنى إلى حال أرقى ، إلى الكائن الحيواني الذي يستوي فيه جوهرا لا يعرف كنهه إلا هو لكنه منع من البوح به ؛ إنه عالم الله السفلي ، عندما جاء الإنسان للوجود لم يكتشف جنونه إلاّ بعد دهورا منسحقة فوق دهور ؛ لم يكتشف عالم الله السفلي ، عالم الله العاقل الذي أودع جوهره الحيوانات على الأرض بما لم يدركه جنون الإنسان ، الإنسان الذي مجّد الرب و مملكته العلوية ، دون أن يقف على حقيقة مملكته السفلى ، هي خطوة واحدة بعد فوات الأوان في اتجاه اثبات الروح فيه ، التي هي من روح الله. إن عالمك السفلي أيها الإنسان "عالم الجن" الذي تخبطت في مداركه الإنسانية حتى ملّها التاريخ و مملكة العظمة المتجلية ، معتقداً أنه يحمل من تجليات العظمة ما يحمل ، قد اكتشفه اليهود و المسلمون قبل ثلاثة آلاف سنة فزاد حنونهم على جنون ، فما بالك اليوم لا تؤمن بالحيوان سيداً عليك و قد زالت غشاوة روح الإله فيك بفضله ، إنزع عنك ترّهات الأمسـ ... » (فجأة) تأتي أصوات من بعيد و يصمت الشيخ.

ـــ انزل عن النّصب يا مجنون ، انزل فورا ، قال الشرطي الباكستاني، مرفقا بإمام أحد مساجد مدينة. نزل الشيخ وراح متوسطا الإمام والشرطي الذي أحسن امساكه باتجاه مجهول و هو يقول: وحياة الطلسم الذي يغشاك ويغشاني ويغشاه ، أننا ثلاثتنا : القوة و العلم و الضعف لن نبرح نخزي بعضنا بعض حتى يقدر الرّب أمره المفعول فينا بشهادة الحيوان الذي كنت تألهه فلماذا تتعب نفسك؟

ـــ « أما أنا فأشهد أني كنت العاقل الوحيد لما جُنت الإنسانية بأكملها » قال الشيخ المقود إلى حيث لا يعلم.

6-غِل الشّيوخ

جاءت الحافلة بعد طول انتظار و ركبنا ، عندما اتخذ صاحبنا مقعدا له قرب باب الحافلة الخلفي ، لينط منه بسرعة إلى الخارج كعادته و كانت جل المقاعد مازالت بعدُ شاغرة ، راح الشيخ الهرم يمشي في الخارج و يدور حول الحافلة و هي تمتلأ رويدا رويدا بالركاب ، و دونما اكتراث ، حتى شُغلت جميع المقاعد فأدار السائق المحرك و ركب بعض الشباب من كانوا في الخارج يدخنّون سيجاراتهم ، عندها تحرك الشيخ الهرم أخيرا دنفا نحو صاحبنا، إلى أن وقف على رأسه ثم أمسك بطرف مقعده فجُنّ جنون صاحبنا و كاد أن يخرج عن صوابه. حرّك المشهد رجل كان قريب من صاحبنا فترك له مقعده قائلا : « تعال تجلس يا بابا » فرد عليه الشيخ الهرم :« شكرا يا ولدي!» ثم ذهب ليفتح نافذة الحافلة و يدخّن سيجارته قرب صاحبنا وهو يتمتم « لقد أصبحنا أغرابا في بلادنا بين البْراوِيَة يا بابا .. أوووففف » فوقف صاحبنا و أغلق النافذة فدار الشجار وتبادل الرجلان اللكمات و نهض الشيخ الهرم ليفك الشجار مع الناهضين ، فسدد إليه صاحبنا لكمة قوية أراحته من غله إلى الأبد.

7- جـدلـية "الـيسـار و الـيمين "

كان قد ورث عن أبيه قطيعاً هائلاً من الغنم و بعد استقلال بلاده مُنح أراضٍ فلاحية ضمها لأرض أبيه كونه " مجاهد" ، شارك في حرب التحرير برتبة جندي ، ما إن نعم بنعمة الاستقلال حتى أصبح صاحبنا ملكا في مملكته الواسعة جنوب الجزائر، قرب عرش أولاد نايل ، تسلّق المراتب فأصبح لا ينظر للطبقة الأدنى منه إلا بعين عطف الكبير على الصغير ، لم يدخل مسجدا في حياته عدا أيام العيد و برجاء من أصدقائه و ندمائه ، العيد الذي يتهيأ له جيدا بارتداء الجبة التقليدية و الشاش العربي الأصيل ، وعندما يطرق باب الجامع في ذلك اليوم فإنه يطرقه بوعي المتسامح العطوف الأبي و الكريم. أما عدا ذلك فجعلته تقاليده التي ورثها أبا عن جد إثر التعامل الطويل مع ثقافة المستعمر الفرنسي، يختص بصنع خمرة ممتازة كما اختص بها جده ، أما مملكته تلك ، مملكة الخيول المسومة ، و الأنعام المسمنة ، و الخضار المعالجة ، و الفواكه المجففة ، فإنها وظّفت في مصانعها بعضا من أبناء من احتشدوا على تخومها من بؤساء بلدته ، المتمسكين كعادتهم أيما تمسك بتقاليد الزاوية و بتباريك التمائم ، لكنه استعبدهم برنّة الدينار و عاملهم معاملة الملوك للعبيد و معاملة النبلاء للأقذار و المرتزقة ، فرفعوا بشكواهم للسلطات المحلية في عديد من المرات، لكن دون جدوى، فالتمسوا أخيرا السيد وكيل جمهورية ، قائلين فيها أن شيوعيا نجسا تفرعن عليهم محولا حياتهم إلى جحيم، واصفين أيها بالنعل الذي يتغاضى عن السكارى و المنحرفين الذين يرتدون الحدود الفاصلة بين مملكته و ديار الأهالي الفقراء ، عنوة و حقدا عليهم ، كما أنه لم يتوانى في استغلال أبنائهم مقابل بضع جنيهات ، ناهيك أنه لم يتوقف على رمي الأوساخ وزبل الحيوانات في جهتهم جهة يمين مزارعه. وحين موعد المحاكمة دعا القاضي المتهم و ممثل المجني عليهم لإلقاء تهمتهم :

ـــ « سيدي القاضي إن هذا المجرم الكافر استعبد عباد الله بقوة المال و سلطة الجاه و النفوذ ، بل اشتراهم فيها للنخاسة على حدود مملكته المترامي الأطراف كما اشترى عمدة المدينة ..

ـــ « كذب و هراء ، هذا كذب و هراء أنا مسلم مثلي مثلهم ، إنها غيرة و حسد الكسلاء الخاملين اتجاه العاملين عليها يا سيدي ؛ عندما رفعت عزة هذا الوطن و أسكنته فؤادي ، كان أباء هؤلاء الذراري الذين يشتمونني يتكتفون أسوار القرية و يعتكفون بساحات الجوامع ، لا عمل لهم سوى كتابة الطلاسم و رواية أخبار القيل و القال ، دون أن يعملوا على تعليم أولا دهم ولا حتى تربيتهم تربية حسنة. و النتيجة أمامك ... (القاضي مقاطعا)

ـــ من أعطاك الأمر بالحديث؟

ـــ « أرجو من سيدي القاضي عدم تصديق هذا النجـ... الشيوعي. لا تدعه يقاطعني مرة أخرى ... ـثم يتدخل القاضي ثانية : ــــ للجاني كامل الحق في الرد بعد الاستماع لممثل المجني عليهم.

ـــ « قلت أنك مسلم ، طيب ، فمالك لا ترمي أوساخك إلا في الجهة التي يسكن فيها هؤلاء الفقراء المساكين ، ألا تتقي الله فيهم؟ كل حميرك تربطهم على حدود يمينك ـ و كل زبلك تكدسه هناك عندهم. تزرع النرجس والأقحوان على يسارك وتمد مجاري مياهك القذرة على يميـنك ، و إذا كنت مسلم مالنا لا نراك في المسجد كبقية المسلمين؟

ثم ما إن أتم ممثل المجني عليهم كلامه حتى خرج صوت الجاني غصا من حلقه كأنه الانفجار متقدما ببضع خطوات إلى القاضي، منعطفا يمينا مقابلا لخصومه قائلا :

ـــ سيدي القاضي إنهم مخطئون في كلامهم عني ؛ أنا مسلم مئة بالمئة و نيف. أمّا المئة بالمئة، فهي أني أقول لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله و أصلي و أصوم و أزكي. أما النيف فهي عدم الصلاة بالمساجد لِأني لا أريد أن أرتفع بين قومي وأنا الغني فيهم بغير إيمان الفقراء ، ألا وهو إيمان النشاط برغم اصابتي بألم الظهر المزمن جراء العسة التي كلفت بها أيام الثورة. و لم أحج عن نفسي بل حججت على والدي و على رهط من فقراء المسلمين ، لذات السبب ، أنا في علمانيتي أتقي الله سرا وجهرا، ولعل المسلم الحقيقي قد يهتدي إلى إسلامي الذي لا يتعوره شك ، أما الذي لا يعيه فهو متطرف لا يريد بالدين خيرا. ثم إني في مملكتي هاته لا أقيد دوابي بل أتركها و خشاش الأرض ، وهي من تختار طوعا أقصى اليمين لتزبل فيه. أما المنحرفين ، فمن أكثر عددا أنتم أيها القرويين وأبنائكم أم أنا وأسرتي الصغيرة؟ يكفي أن تكلفوا ولدا ينش عليهم فلا يرجعون .. ثم أنا شبه متأكد أنه بعد رحيلي سيبيع أحفادي مملكتي لتصبح أحياءً يسكنها البسطاء من الناس ، متحولة إلى يمين لمملكة المتطرفين اليساريين سيدي القاضي.

السيد القاضي في وقار يتلوا تقرير هيئة المحكمة : ـــ أكتب أيها الكاتب « رفعنا جلسة محكمتنا رقم 12452 بعد الاستماع إلى الخصمان و شهِدنا أننا وقفنا فيها على أعتاب حلقة مستجدة من حلقات جدلية " يسار يمين "!»

8- الفقيـر و السّماء

بعد يوم مُجهد امتد صاحبنا على سريره و ظل ينظر منه إلى السماء ، من خلال كوة عملتها الرياح في سقف كوخه القصبي ، ظل تارة يفكر في شقائه و طورا ينظر إلى هيوليته الميتة في عالم الأحياء ، و لم يجد له من مُعزٍ سوى نهيق حمار مدبور خارج الكوخ و ليل نهار. ثم ما لبث في غمرة هذا العزاء أن زاد في تأمله وغرق في خطط البيع والشراء ، والحل والعقد مع كل غرق جديد حتى أضحى كراهب متعبّد ، وإذ به يشعر شعورا غريبا مختلجا استكانة و هدوء غريبين تبعتهما اشراقة من ملكوت السماء في كنه فضاء صدره الأزرق ، المتعالي المتهاوي بالزفير ، أجل اشتد وجدُهُ الدّرويشي فلم يدري إلا و نبضات قلبه تنعطف رويدا رويدا إلى سكينة ، في خفة متناهية ، حادة الغوص في اللاشيء فعلقت بين السماء والأرض... إنها الغرغرات والحشرجات أححح ... أححح ..أححح أجل و لا فائدة ، اختارت عالم السماء لترتاح من ضنك الأرض و وجعها اللامنتهي. رحلت روحه المسكين و هجعت أخيرا في أبديتها.

9- شهـامة عربية

أمر المعلم الشاب تلاميذه بتحضير درس الجغرافيا فقال لهم : عندما يصل كل واحد منكم إلى بيته فليسأل والده أو ولي أمره عن ميزة واحدة فقط تمتاز بها الصحراء. وفي أثناء الغد بدأ المعلم بسؤال تلاميذه واحدا تلو الآخر عن ما أمرهم به. فنهض الأول مجاوبا بعد أن أشار إليه المعلم : تمتاز الصحراء بالحرارة الشديدة فقال له ومن أخبرك؟ قال التلميذ : أبي أخبرني فرد المعلم : أحسنت. وجاء الدور على الثاني فقال : تمتاز الصحراء بالنخلة والتمر، فقال له المعلم : أحسنت. أما الثالث فقال : تمتاز الصحراء بالجمل والرابع قال تمتاز بكثبان الرمال وهكذا دواليك ، حتى جاء الدور على تلميذ ليس له إجابة ، فقال له المعلم لماذا لم تنجز واجبك؟ قال الولد باحتشام : أبي يعمل في الصحراء ولا يأتينا منها إلا في العطل. وأمك؟ ألم تسأل أمك؟ صمت الولد و بدأ التلاميذ بالضحك عليه.

ـــ " اذهب إلى آخر القاعة و أرفع يديك معا إلى السماء عقابا لك" قال المعلم ثم تابع الدرس

و بعد مدة أمره بالمناوبة بين رفع يديه و رجليه فامتنع الولد قائلا : سأسقط إن رفعت رجليَ معا عن الأرض يا سيدي! فقال له المعلم : الآن فكّرت في السقوط وعندما كنت مع أمك لم تفكر في السقوط!

ـــ موش أنت قلت لنا العربي الشهم يحفظ كرامة أبوه و ما يفكر أبدا في السقوط !

10- وطن الأمازيغ

دون سابق إنذار ، وجد راوي الحكايات الفريدة نفسه قرب بائعي البطيخ ، فانتهز الفرصة لينقل بعضا من يوميات أسواق التخلف في صراعها المرير مع محاولات النهوض ، فقال :

أربعة من بائعي البطيخ يبيعون بطيخهم في سوق من الأسواق الشهيرة بضواحي شرق العاصمة ؛ ثلاثة منهم قدموا من جنوب العاصمة ، أما الرابع فقدم من شرقها ، يومان .. ثلاثة .. أربعة والزبائن ينظرون بأعينهم ثم ينصرفون إلا أولئك القادمين في سياراتهم ، أمام هذه الحال رفع أحد الثلاثة القادمين من جنوب العاصمة صوته مناديا : « البطيخ غالي بس حلو حلو ، حلو البطيخ ، 70 دينار للكيلو بس حلو ، ياللا ياللا ، بطيخ بوفاريك ولا أحلى و لا أطيب منو ، ياللا ياللا..»

أما الشخص الرابع لم يرفع صوته مناديا بل كتب لافتة تقول 50 دينار للحبة ، عندما رأوها زملائه كادوا يطيرون جنونا لكنهم كظموا غيظهم ، فعمد أحدهم بعد أن ترك بطيخه أمانة عندهم إلى إحضار عربة "ميتسو بيشي" فلاحية مملوءة بخضار البطاطا و الجزر و البصل و الفلفل و الطماطم ، و شرع في يبيعها ، بيد أنه كان كلما وزن لأحدهم ما يطلب من خضار أتبعه بحبة بطيخ قائلا له: ـــــ البطيخ مُحتم ، نبيع الخضار لكن مع حبة بطيخ و إلا فلا! لم تنفع شكاوي الزبائن ولا امتعاضهم من سلوك الباعة لحاجاتهم للخضار الطازجة القادمة من سهول المتيجة[1] ، الخضار التي لا يُستغني عنها في الموائد الصيفية الكثيرة الأفراح.

في المساء عاد البائع الرابع و معه عربتين مملوءتين ، واحدة بالبطيخ و أخرى بخضار بساتين جُرجُرة[2] الطازجة هو أيضا ، وحط عليه لافتة تقول : خُضار جُرجُرة بأسعار تنافسية مع حبة بطيخ كادو فتهافت المشترون عليه وفي لمح البصر صرف كل العربتين. فـزاد جنون منافسيه المتيجيين و الذين كانوا يبيعون خضارهم باغتصاب إرادة الزبائن ولم يمتلك أحدهم نفسه فهتف ناقما :

ـــ لقد تماديت في تكسير سعر السوق ، من علمك البيع أيها الأمازيغي الحمار ، اذهب إلى بلاد القبايل وإلا كسّرت رأسك.

ـــ علمنيه ضميري أيها العروبي الكلب ، كذلك سولت لكم أنفسكم يا قذارى المجاري ، أنظر إلى أصولك الموريسكية الحقودة التي أدخلت الاستعمار إلى هذا البلد ، تحسب أنك عربي قح وما أنت سوى جرذ من جرذان وادي الحراش النتن.

قال أحدهم للآخر: ــ إنه يعرف العربية! إنه ليس أمازيغيا.

فرد عليه الآخر: ــ إنه أمازيغي و إلاّ ما كان ليرد علينا.

رد البائع الرابع عليهما لتوه : ـــ لو كان تسنغ ثامورث نيمازيغين تهدارش[3]. وطن الأمازيغ ممتد من رأس جدير شرقا إلى طنجة غربا. الأمازيغي يمكن أن يتخلى عن لغته لكن لا يتخلى أبدا عن حريته.

11- فرسان المائدة المستديرة

زعموا أنه في يوم من أيام غابة شيروود المشمسة في شمال نوتنجهام وسط إنجلترا ، اجتمع خمسة فرسان حول مائدتهم المستديرة ، كنواب لمختلف أجناس الإنسانية على كوكب الأرض وهم : روبن هود ممثلا للجنس الأبيض ، شخص يدعى وايزمان ممثلا لكل الجنس الأحمر ، موبوتو ممثلا للجنس الأسود ، شيان شانغ ممثلا للجنس الأصفر بينما تأخّر حضور ممثل الجنس الأسمر، فطلبا ويزمان وروبن هود من حاجب المائدة المستديرة السيد تشي قيفارا من التثبت من موانع عدم حضّور ممثل الجنس الأسمر. أبطئ ساعة ثم عاد قائلا : علمت السبب يا سيدي لقد اختلف الهنود و العرب و الفرس في اختيار ممثلهم.

ــ "ابعث إليهم فورا ، أننا بحاجة لممثل مؤقت عنهم" قال روبن هود.

وبعد ساعة أخرى وصل الممثل المؤقت للجنس الأسمر قائلا أن اسمه بوذا وبدأت المناقشات حول موضوع القمة « الدين و عقلية / نزعة تسامي الأجناس البشرية » وبعد أن أخذ كل عضو الكلمة وفرغ الجمع من مداولاتهم تُلِي التقرير الختامي للقمة من قبل السيد وايزمان الناطق الرسمي للقمة ، مستعرضا نقـــاط ثلاث ، قال أنها شكلت و هي تشكل و ستشكل مصير عالمنا على الأرض :

ــ1ــ عمل الإنسان على الشموخ والتسامي بعضه على بعض منذ عهد نوح ، إلى عهد فرعون ، إلى عهد محمد منتسبا إلى الدين (إلى الإله) وإلى أخلاق جامدة لا تطابق مكنونات الضمير الإنساني حتى غدا سلوكه عادة نفسية، حاملا الدمار والحروب والويلات لنفسه.

ــ2ــ عمل الإنسان على الشموخ و التسامي بعضه على بعض بعد ذلك بقوة العلم و أخلاق متغيرة لا تمت بصلة للضمير الإنساني إلا نسبيا فوصل إلى ما وصل سابقه لكن بحدّة أقل.

ــ3ــ عمل الانسان على الشموخ و التسامي بعضه على بعض بعد ذلك ، بقوة العلم و أخلاق سامية متغيرة محفوظة في قفص الضمير، لكن أبت نفسه أن تطاوعه بعد أن رسخت فيه جيلا بعد جيل ، فجلب أخيرا الخير والنماء والازدهار للإنسانية إلى حين.

وبهذا نكون قد وصلنا إلى ختام قمتنا ، رفعت الجلسة و موعدنا بعد خمسة سنوات في غابة تيراي بالنيبال،.. يا من عاش.

12- بقرة أفلاطون

أفلاطون بشحمه ولحمه عائد إلى بيته في يوم قائض عبر أحد الطرق الريفية ، فرأى بقرة تكلأ ، سال لعابه ، واشتهى شربة حليب تطفئ ظمأه ، توجه إلى شجرة قريبة للاستراحة فظهر له صاحب البقرة.

ــ أيها الراعي المحترم ألا تبيعني بقرتك تلك؟

ــ كلا سيدي ، إنها ليست للبيع.

ــ أعطيك ضعف ثمنها!

ــ لا لا، المسألة ليست في الثمن ، إنها بقرة من نوع الجاموس الذي لا يباع في أثينا كلها ، كما أننا تعودنا عليها.

ــ ويحك ألم تعرفني؟

ــ عرفتك ، أنت أفلاطون العالم المشهور ومن لا يعرفك؟ ابن عمي كان أحد تلامذتك؟

ــ إذن ما خطبك؟ فكر قليلا ثم قال « لا شك أنك وابن عمك تعرفان نظريتي في المحاكاة ؛ مهما كانت هذه البقرة مهمة لديكم فهي عرض من أعراض عالم المثل ، ومحاكاة لجوهره الكلي ليس إلا. أفهمت ما قلته؟ »

ــ أجل فهمت سيدي؟

ــ لا بأس، سأشرح لك : لا شك و أنّكم تحلبونها كل يوم ، فأنا الآن لو قمت بحلبها أمامك ـــ اعطني تلك القنينة المعلقة على الشجرة ــــ هكذا ... وبدأ بحلب البقرة..

وعندما انتهى أفلاطون من حلب البقرة قال للراعي : « أنا لم أقم بشيء ذي شأن قط ، كل ما في الأمر أني حاكيت حلبكم للبقرة ، وعندما أشرب أمامك حليبها ، هكذا ، لست سوى محاكي للواقع ، الواقع المحاكي بدوره لعالم المثل. هل فهمت؟»

ــ فهمت سيدي.

ــ إذن فلا تُقِم وزنا لما قمت به ، فإنه لا يعدو مجرد محاكاة سخيفة.

ــ بصحتك سيدي!

13- شماتة الأعداء

استغرب بعضهم عندما قال أحدهم للبغل ؛ أنت حمار يا بغل ، و للحمار، أنت بغل يا حمار، و لم يستغربوا أن للسخرية باب في الأدب شئنا هذا أم أبينا ، وأن هذا الأدب رائج أكثر من غيره ، و متاح أيضا لغير من هو ضالع فيه في أدبنا العربي ، سواء كان منتميا لبلدان متقدمة بل رائدة في أدبها أو من هي على قد حالها فيه؛ كالتي تجد صعوبة في نقل انتاجاتها الأدبية إلى غيرها ؛ إنها التي تجد و ضع اللغة العربية مضطرب و طارئ غير ثابت ضمن التراث الاجتماعي- الثقافي والإنساني تبعها ، الوضع الذي ينوس دوما على أرضية غير أصيلة ذهابا و جيئة ، ومع كل هزة يزل تاريخ ذلك التراث خطوة أو اثنين عن الطريق. الطريق التي بدأت ترتسم معالمها منذ عقود الخمسينات من القرن الماضي و بمعونة هذا أو ذاك ، سميت طريق التعريب تارة و منهج استعادة الهوية العربية الإسلامية تارة أخرى ، إلى أن غدا يسير في حلقة مفرغة نتيجة للعثرات المراوحة لمكانها.

لكن عندما سُئِل الحمار، لماذا تشبه البغل في علو قامتك يا حمار ، قال ببساطة : لا أعرف. وعندما سئل البغل عن وجود مزايا الفرس و الحمار معا فيه. قال ببساطة : « لأني ورثتها عنهما فالفرس أمي و الحمار أبي!»

بمقدور الأسود و الضياع و الذئاب كل على حدا ، أن يبنوا لهم دولة خاصة في الغابات و البراري المتوحشة كما يمكن للكلاب أن تبني دولة أفضل من دولة الضباع و الأسود ؛ وهي الدولة التي غالبا ما تجاور حواضر الانسان الطبيعية، إما حول تخوم المراعي الحقول أو قرب الغابات والوديان التي يأمها الانسان. قد تمتد تلكم الدولة عدة كلومترات ، تجعل فيها بعض الكلاب على بعضها حراسا و تجعل بعضها الآخر مكلفين بالصيد و دفن المئونة إلى أوقات الحاجة في مخازن مخصصة ، بينما تقوم الكلاب القوية بالتزاوج قصد تأمين استمرارية الدولة ، وتقوم الكلبات بتهيئة الجيل الجديد وتعليم الأجرية رفقة الكلاب الشيوخ ، كي يحملوا المشعل عن آبائهم وهكذا دواليك. يحفظ مجتمع الكلاب أمن دولة الإنسان و يخلّصه من الحيوانات المفترسة ، بينما يترك لها هو عن قصد بقايا غلاّت الحقول و لا يجرأ أبدا على تخطي حدوده ، بخاصة الخرسانة المسلحة التي يكرهها جدا مجتمع الكلاب.

14- الجوهـر الفرد

جبران ، إني كنت بالأمس القريب أمر على شاطئ البحر الأزرق ، لِأجد عظمة فخذك مدفونة بالرمال ، حملتها و هرولت إلى أقرب تل ، و إذا بي أضرب الصخر بها حتى التشظي أو حتى الجنون .. جبران ، ليت شعري من مثلك ذاق الموت ، فلتخبرنا إذن عنه ، و لتأتي بكبير الجن من علمك الجنون وهو على مشارفه، حتى يخبرنا أي فرق بين الجنون و العقل ؛ حتى يخبرنا بالجوهر الفرد أخلية عصبية من مخ الحيوان هي أم من مخ الإنسان؟ هل دخلت تلكم الخلية الى خلية المخ الحيوانية و عادت منها بخبر يقين لكي تخبرنا انها هي العاقلة و نظيرتها الحيوانية هي المجنونة و أنها هي الجوهر الفرد و خلية مخ الحيوان هي العرض ، ليت شعري هل فعلت ذلك؟ صحيح الآن و فقط الآن سل ميشيل فوكو إن لم تصدقني ، أليس من الممكن أن يكون الجنون درجة عالية من العقلانية و الجوهر الفرد في النفس الحية التي لا تتجزأ ما هي سوى وهم من محض جنون البشر؟! أليس صحيح جدا أن يكون هؤلاء الحيوانات أعقل من البشر بكثير لكننا لا نعلم الحقيقة لجنوننا ؛ ما بال غريزتهم الأقوى لم ينسوا ربهم ولم يفكروا فيه لِلحظة!

سل العقلاء من هم بين الجنون و اللاجنون ؛ عندما أنسي البشري المفرط الإنسانية ساقطا في فخ إنسانيته ، و في متاهة من الجنون المتصل عاش الحيوان هنيئا في مملكة الرب! أوليس صحيح أيضا أن يكون عالمنا ما هو إلاّ عالم سفلي أو جهنم عوالم عليا أخرى منتهية؟ لا نقسم بهذا البحر و أنت حل بهذا البحر ــ إنما أنت بلا عقل يا بحر و لنا العقل فلِما نمضي و تبقى؟ ــ وللمرة الألف لا نقسم به ، قد طالت غيبتك ، فلم نذق طعم الموت و لا طعم الجنون و لا طعم الحياة بعدك إذن فنحن موجودون و غير موجودين! فقل لنا بربك متى الرجوع رجوعك كي لا نغادر مجنونين كالحضر، بل إنا نريد توديعها عاقلين كنتشة أو أكثر، فخبرنا متى عودتك من ضجعتك الأخرى ، نحن في حماك خبرنا ، خبرنا وحياة أنين الناي الذي يبقى و حياة نور القمر الذي لا يفنى وحياة همس الروح العالقة التي تشقى، خبرنا ، من الأعمى نحن أم غيرنا ، أنحن الأعقل أم الأموات في المحاجر؟

[1]- سهل من سهول الجزائر استوطنه الموريكسيون العائدون من اسبانيا.
[2] - سلسلة جبال الأمازيغ
[3]- لو تعرف أرض الأمازيغ لا تتكلم.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,389,357,485
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في السياقات العربية ، إشكا ...
- الطابور الخامس
- ‏ قصار كالأقصوصة أو أقل
- في سبيل علمانيتنا الحقّة‎ ‎‏ ‏
- عن علمانية حقّة‎ ‎‏ رشيدة و مأخلقة
- قراءة لخطاب الجندر في رواية الأسود يليق بكِ ﻟ أ. مستغ ...
- ثالثُ مقاوِمان إذ هما في مهب الريح
- نسق -المفكر الفحل- في سياق الثقافة العالمة الجزائرية الراهنة ...
- عن - تاريخانية الإسلام - ، قراءة تأويلية
- آراء حول الفكر الديني والعلمانية و التصَهيُن
- الرواية الجزائرية الجديدة ونقد الخطاب الديني، رواية الغيث لم ...
- التنوع الإثني بالجزائر ، عروش قبيلة مطماطة النوميدية أنموذجا
- صبحٌ بلا مساء
- مظاهرات الربيع العربي ، وقفة للذكرى والتأمل
- الاعلام العربي الجديد أخلاقيات المهنة و تحديات الواقع ، الجز ...
- -الإعلام العربي الجديد- أخلاقيات المهنة و تحديات الواقع الجز ...
- الشموع الذاوية وعقيدة البَخس الإعلامي
- بين النقد الأدبي الأكاديمي والنقد الأدبي الصحفي ، إطلالة على ...
- قيم الإنسان بين الزمن الجميل و زمن الشّدة
- العقل والإيمان رؤية نقدية من منظور بنيوي


المزيد.....




- في عقدها التاسع.. الجيوسي تتسلم وسام الثقافة والعلوم والفنون ...
- متابعة فعاليات اليوم الثاني لمسابقة تشايكوفسكي الموسيقية الد ...
- خبراء التراث العالمي بالكويت: بذل المزيد من الجهود لحماية ال ...
- العديد من دول العالم تجدد التأكيد على -دعمها الكامل- لمبادرة ...
- فنانة -سايبورغ- تتنبأ بالهزات الأرضية بجسدها
- الصحراء المغربية : بابوا غينيا الجديدة تشيد بـ-واقعية- مبادر ...
- وسط الأسماك والشعاب المرجانية... فنان كوبي يرسم لوحاته تحت ا ...
- فاس.. مدينة الموسيقى والسلام
- وفاة مرسي -رئيس الإخوان- : مرثية لموت سابق !
- يتيم يتباحث مع عدد من الوزراء المشاركين في مؤتمر العمل الدول ...


المزيد.....

- مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان / فواد الكنجي
- الملاكم / معتز نادر
- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زياد بوزيان - قصص قصيرة جدا