أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - جريمة في ستراسبورغ - فلم كامل















المزيد.....



جريمة في ستراسبورغ - فلم كامل


علي دريوسي

الحوار المتمدن-العدد: 6127 - 2019 / 1 / 27 - 00:12
المحور: الادب والفن
    


جريمة في ستراسبورغ
***

مساء الخير للقُرَّاء في كل مكان من العالم.
أخيراً قرَّرتُ أن أروي قصتي علانية ولو جاءت متأخرة بعض الشيء، في هذه اللحظات أكتب لكم باللغة الفرنسية ما حدث معي قبل أربعة عقود من الزمن، وكلي ثقة بأنَّ قصتي هذه ستُترجَم مساء ما بعد الغد على أبعد تقدير إلى لغات أجنبية عدة، وبسرعة البرق سيتلقَّفها عبر وسائط التواصل الاجتماعي عشرات الآلاف من القُرَّاء المنبوذين المعزولين في أنحاء العالم، سيتداولونها فيما بينهم لا لأنها كُتبت بطريقة أدبية احترافية أو لأن الفكرة فريدة من نوعها بل لأنها ربما كُتبت بأسلوب تشويقي إلهائي وصادق، سيقرأونها لإرواء فضولهم وتسكير ثغرات ضجرهم والتنفيس عن مشاعرهم السلبية وتزجية الأيام الثلاثة المتبقية على نهاية هذه السنة التي لا تختلف عن غيرها من السنين بشيء يستحق الاحتفال على الأقل بالنسبة لي ولهم. أيها المواطن العالمي إذا كنت الآن تقرأ هذه القصة بالعربية أو الكردية أو السريانية أو التركية على سبيل المثال فاعلم أنَّه لم تمض على ترجمتها من الفرنسية إلى لغتك الأم أكثر من بضع ساعات.

لن أطيل عليكم بهذه المقدمة المملة، سأدخل إلى قاعة الكتابة عن قصتي من بابها الذي لم يعد موصداً بوجهي كما كان فيما مضى بحكم العدالة والقانون الجنائي بل صار مفتوحاً على مصراعيه بحكم تقادم القضية وموتها السريري. سأدخل حالاً وسأدخلكم معي على الفور في تفاصيل حكايتي المروعة والتي غيَّرت مجرى حياتي بأكملها.

اسمي الحقيقي يعقوب، كنت فيما مضى شاباً قوياً، وسيماً وطموحاً إلى أبعد الحدود وكنت أنانياً، غادرت بلدي في العشرين من عمري، واستقر بي المقام في مدينة ستراسبورغ على الحدود الألمانية الفرنسية، كان أول ما فعلته هناك هو أن بدَّلت اسمي من يعقوب إلى ياكوب، حلقت شاربي، صبغت شعري العربي الأسود إلى اللون الفرنسي الأشقر، ابتعدت عن الأوساط العربية، تعلمت لغتين بشكل جيد، الألمانية والفرنسية، بالإضافة إلى إلمامي المسبق بالإنكليزية.

درست في جامعة ستراسبورغ علوم الاقتصاد، حصلت على شهادة البكالوريوس بدرجة جيد جداً، كان الأستاذ المشرف على مشروع تخرجي، الذي عالجت فيه موضوعة الاختلاس في الأحزاب السياسية العربية، متحمساً جداً لأفكاري ويقظتي الأكاديمية، حتى أنه شجّعني لدراسة الماجستير تحت إشرافه وساعدني في الحصول على منحة دراسية لمدة سنتين.

في مرحلة الماجستير عمّقت دراستي باختصاص إدارة الاحتيال، وهنا لا أقصد فقط أنني درست وفهمت المنهاج الأكاديمي الإلزامي لشهادة الماجستير، بل رحت أدرس كل ما كُتب في هذا المجال حول جملة التدابير للوقاية من الجرائم الاقتصادية وكشفها ومعالجتها، كنت لا أتحرك من مكتبة الجامعة حتى في أيام العطل الأسبوعية لدرجة أن أحد موظفي المكتبة كتب لرئيس الجامعة رسالة طويلة مدح فيها مواظبتي، بعد ذلك تلقيت من إدارة الجامعة وسام الطالب المثابر، كنت أقرأ كل ما يقع تحت يدي حول الغش والاحتيال وغسل الأموال والفساد والاختلاس والرشوة والتهرب من دفع الضرائب وصولاً إلى جرائم الإضرار البيئي.

حصلت على درجة الماجستير بتقدير ممتاز، كتبت رسالة التخرج في قسم مكافحة الجرائم الاقتصادية في إحدى الشركات العملاقة لتصنيع السيارات، تمكنت خلال المشروع من ابتكار أسلوب مائز للكشف المبكر عن عمليات الاحتيال الداخلية في الشركات الكبرى، الشيء الذي دفع الشركة إلى تمويلي أثناء دراسة الدكتوراه في معهد إدارة الاحتيال والغش في كلية علوم الاقتصاد لمدة خمس سنوات.

كنت أعمل في المكتب الذي خُصص لي في الشركة ثلاثة أيام من الساعة السابعة صباحاً إلى السادسة مساءً وبقية أيام الأسبوع في مكتب الجامعة. تعرّفت في الشركة إلى مهندسة ألمانية من أصول إيرانية من جهة الأب، اسمها أزيتا وتصغرني بأربع سنوات، امرأة بيضاء حلوة، متوسطة القد، مكتنزة، بشرتها صافية، شعرها أسود فاحم، عيناها سوداوان، شفتاها كبيرتان مبتسمتان. كنت يومها في السابعة والعشرين من عمري، لم يكن قد مضى أكثر من عدة أسابيع على تعارفنا حين شعرنا بتطابق الكيميائية بيننا، كنا نتفاهم أحياناً بالإشارة، وقعنا في الحب، أمضينا أمسيات جميلة تعرّف خلالها جسدانا ووجهانا على بعضيهما.

حين دافعت عن أطروحة الدكتوراه كنت في الثلاثين من عمري، كان عدد منشوراتي العلمية قد تجاوز المئة بقليل، اجتزت الدفاع بامتياز. حصلت فوراً على عقد عمل من شركة قانونية خاصة لمكافحة الجرائم الاقتصادية بكل أصنافها، تم تعييني بصفة نائب مدير قسم إدارة الاحتيال بدخلٍ سنوي ممتاز. لم أخطئ بالكتابة كما قد يظن القارئ، فالقسم اسمه فعلاً إدارة الاحتيال وليس إدارة مكافحة الاحتيال وكذلك كان اسم الاختصاص في الكلية.

بعد عدة أشهر على تعييني تزوجت من أزيتا، استأجرتُ لنا شقة هادئة في أطراف المدينة ريثما أكون قد أخذت قرضاً من البنك لشراء شقة محترمة في قلب مدينة ستراسبورغ، شقة تليق بالدكتور الاقتصادي ياكوب والحالم منذ نعومة أظافره بجائزة نوبل.

هنا بدأت التعرُّجات والمُنْعَطَفات في حياتي.

كانت أزيتا قد استطاعت إقناعي بالزواج منها في مكتب الزواج المدني في مدينة كارلسروه وفقاً للقانون الألماني، كانت حجتها في ذلك أنها من مواليد كارلسروه وترغب لاحقاً في العيش هناك مع أطفالها الخمسة كما كانت تردّد في كل مناسبة رومانسية بيننا، أضافت بأن معظم أهلها ومعارفها وأصدقائها يسكنون في المدينة ذاتها منذ سنوات أو وُلدوا فيها، لم أمانع رغبتها بل على العكس وجدتها فرصة رائعة للتعرُّف على سجايا وعادات المجتمع الألماني، ناهيك عن طموحاتي التي بدأت آنذاك بالظهور إلى العلن بشأن التقدُّم بأوراق ترشيحي للحصول على درجة البروفيسورية وبدء التحضيرات لتأسيس معهد الجرائم الاقتصادية في كلية الاقتصاد التابعة لجامعة فرانكفورت اَم ماين والإشراف عليه لاحقاً.

تبلور طموحي هذا بعد أن تلقيت رسالة طويلة من مجلس إدارة الشركة العملاقة التي مولت أعمالي البحثية خلال مرحلة الدكتوراه، كانت الرسالة تحضّني بقوة على المبادرة بشأن العودة إلى البحث العلمي والتعليم، وجاء فيها أيضاً أن مجلس الإدارة على أهبة الاستعداد لتقديم الدعم المالي اللازم لخلق المعهد الجديد ورعايته في السنوات الخمس الأولى، في نهاية الرسالة اقترحوا عليّ رغبتهم لقائي بهدف مناقشة التفاصيل. لم أكن في الحقيقة بحاجة للتشجيع المعنوي بل للدعم المالي الذي نادراً ما كانت تقدِّمه وزارة التعليم في مثل هذه المبادرات لأن الشركات الصناعية هي المستفيد الأول من عائداتها، ولأن مسعاي البعيد يتمحور حول منحي لجائزة نوبل وأعرف سلفاً أن الطريق الوعر للجائزة لن يُعبَّد بسهولة إذا لم يُدعم من الوسط الصناعي والأكاديمي لذا لم أتوان يومذاك ولو للحظة في قبول الدعوة الموجهة لي للحوار.

لن أتطرَّق للحديث عن تفاصيل لقائي الناجح مع أعضاء مجلس إدارة الشركة لأنني لا أريد أن أطيل عليكم أكثر إذ يكفي أن تعرفوا أنني وافقت مبدئياً على فكرة الأستاذية الموهوبة أو الممنوحة من قبل الشركة، ووفقاً للاتفاق توجّب عليّ أن أكتب تقريراً أشرح فيه تفاصيل رؤيتي تشكيل المعهد والأهداف المبتغاة منه واحتياجاته من القوى العاملة كإداريين وباحثين على أن تتم بقية الإجراءات الإدارية البيروقراطية من قبل رئاسة جامعة فرانكفورت. قد أعود إن اقتضى الأمر لأحدّثكم عن هذا المفصل الأساسي في حياتي خلال سياق قصتي الحياتية المؤلمة.
المهم هنا هو أنني تزوجت أزيتا زواجاً مدنياً في كارلسروه وأقمت بهذه المناسبة حفلة عرس متواضعة وأنيقة في صالة مطعم أوتيل الشمس، دعيت إليها كل أصدقائي العرب، أولئك اللذين تعرّفت إليهم لاحقاً حين ازدادت ثقتي بنفسي وبمن حولي، دعوتهم للمجيء والاحتفال معي كي لا أكون وحيداً بين الفرنسيين، الألمان والإيرانيين بعد أن أرسلت لهم بطاقات السفر وحجز إقامة في الأوتيل على نفقتي الخاصة، هناك حجزت أيضاً لي وأزيتا جناحاً لمدة خمسة أيام.

كانت أزيتا – لمن يريد أ ن يعرف عن شخصيتها أكثر – إنسانة واقعية ومتواضعة، ذات شخصية جريئة وتفكير سريّ مستقل عمن حولها طالما أرهقني، كانت رقيقة تحب عائلة أبيها، ناعمة ولينة الطباع، مُحبة لتعلم الجديد، لديها إحساس فني وأدبي ومزاج متقلِّب يصعب معه فهمها وإرضائها متى تضايقت، كانت حسّاسة تجاه النقد بشكل مرضيّ، سريعة الزعل بشكل مقرف.

كانت أزيتا مشبعة بشخصية الكاتبة الفرنسية فرانسوا ساغان، أفكارها ملبدة بشخصية سيسيل بطلة قصة "مرحباً أيها الحزن"، الشيء الذي دفعني لقراءتها ومن ثم قرأت رواية ثانية للكاتبة ساغان بعنوان "امرأة عند حافة الأربعين". حين تجرأت على إعطاء رأيي الصريح بمقدرات الكاتبة بأن قلت لها: لو قرأت أحد الألغاز البوليسية للمغامرين الخمسة ومعهم كلبهم والشاويش والمفتش، تلك التي أبدعتها الكاتبة الإنكليزية إنيد بليتون، لكنت قد أمضيت وقتاً أكثر سعادة وفائدة. حين صارحتها بوجهة نظري هذه لمحت الكره في عينيها ورغبة في الانتقام، في تلك اللحظة استبَّد بي الوَجْس.

يا أصدقائي القُرَّاء الأعزاء قد يتساءل أحد منكم ما الذي يدفعني للغوص في ثقب الذاكرة الأسود العميق، أيُّ سِحْرٍ هذا الذي يَحُثُّني كي أرى "الخر بر" أقصد ذاك المثقب اليدوي ماثلاً أمام ناظريّ، ما الذي أريد ثقبه بأداتي المتواضعة هذه، ما الذي يُحرِّضني على إزالة ركام الطين والوحل وطبقات الصدأ عمّا مضى، ما الذي يُشعلني من داخلي كي أُوقد شموعاً ظننتها قد اِنطفأت من تلقاء نفسها وأخرى قد أُطفئت عنوةً، ما الذي يجعلني أتذكَّر حتى تفاصيل وجه أزيتا، رائحة جسدها وقلقها النفسي بعد مضي حوالي أربعين عاماً على نهاية علاقتنا الفاجعية، ما الذي يحرضني كي أغمر يديّ في أعشاش الأسرار المنسية لأغرف منها الألم والخوف والإرهاق أو ما الذي يُغريني في الوُلوج إلى أعماق الثقوب الساكنة منها والمتحركة، هل هو جبل الجليد، جليد ذاكرتي المغمور في أعماقي بأثمانه السبعة أم هي محاولاتي في التغلب على البدايات الممكنة لمرض الزهايمر وأنا في عمر السبعين؟ أحبائي: التساؤل أمر مشروع ولكن أرجو المعذرة إذ لا أملك إجابات مباشرة وشافية.

يُحزنني يا أصدقائي أنَّ لا أحد منا يجرؤ على الكتابة بشكلٍ حميميّ عن ماضيه، صندوقه الأسود، دفتر ذكرياته، علاقته بوالديه، إرهاصاته الجنسية أو ما شابه، ثمة أحداث كثيرة في الحياة لا تستطيع القصيدة ولا اللوحة ولا القصة ولا الفلم ولا المسرحية ولا حتى الرواية أن تنقلها علانية، لا سيما إلى عينات بشرية في مجتمعات لم تبلغ الدرجة الكافية من الوعي لظروف لسنا بصددها، لا يحق لنا أن نوثّق كل ما يحدث معنا في اليقظة والنوم، في الحرب والسلم، في المراهقة والنضج في نصوص وقصص، قد ترتبط عملية الفرملة هذه بالدين أو بالأنظمة الديكتاتورية أو بالحياء والخوف والفضيحة أو بالعيب والكبت أو بكل هذه التفاهات مجتمعة. لا تسألوني أين تكمن العلاقة تحديداً فلست خبيراً في علم النفس ولا بعلم الاجتماع.

ثمة تفاصيل صغيرة وحرجة في الحياة وإذا ما بقينا صامتين عنها، خائفين من الإفصاح عنها، فإننا نساهم بشكل أو بآخر مع الأنظمة الديكتاتورية والفاشية والغيبية في تخريب وجه المجتمع وطمر الحقيقة، الحقيقة التي تكمن غالباً في التفاصيل، كلما تعمقنا في فهم ماهيتها كلما نشأت أسئلة وإجابات جديدة، في التفصيل يقبع الشيطان، في التفصيل ينام الكلب مقبوراً، في التفصيل وفهمه تكمن القوة.

سأكتب لكم لأخبركم عما حدث معي في ستراسبوغ بكامل الصدق والجرأة، ولن أعمل بحسب المبدأ الذي تبنته زوجة عمي طيلة حياتها إذ كانت تقول لنا بنكهة مزاح: إذا ما تعرّى فلان وأظهر عورته للناس، فهل نفعل مثله!

بعد زواجنا الرسمي عدنا للعمل في ستراسبورغ، هي في شركة تصنيع السيارات وأنا في الشركة القانونية، نلتقي في المساء، نشرب كأس نبيذ، نحضّر عشاء خفيفاً، نتحدث قليلاً عن يوم العمل، نسمع سوية نشرة الأخبار الرئيسية ثم نتوجه إلى دورة المياه، ننظف أسناننا ونذهب للنوم، أقبلها على فمها وهي بدورها على فمي، نتمنى لبعضنا البعض ليلة هانئة وأحلام سعيدة ونغرق في النوم، في صباح اليوم التالي نستيقظ مبكرين جداً في الخامسة، الوصول إلى مقر عملي يتطلّب مني حوالي ساعة سفر ومن أزيتا ما يزيد على الساعة، أما في عطلة نهاية الأسبوع وتحديداً من مساء يوم الجمعة حتى مساء يوم الأحد، كنا غالباً ما نعيش علاقة زوجية متوازنة نوعاً ما، أقصد بذلك أننا كنا نعيش حالات الحب مرتين أو أكثر، وما أن يأتي موعد الإباضة حتى نبدأ بشد الأحزمة واستثمار كل فرصة لممارسة الجنس بطريقة آلية غالباً، هكذا كنا نعيش هذه الحالة الروبوتية في كل شهر دون أن تزهر شجرة رحمها، ليس هناك ما يجعلك أكثر كآبة من ذلك الشعور الذي يُخيَّل لك فيه أنّ الله يعاندك بكل ما تسعى إليه!

مع هذا كنا من باب تشجيع أنفسنا وتجاهل السبب الحقيقي لتأخر الحمل لا نتوانى عن الإفصاح عن رغباتنا بإنجاب خمسة أطفال، ورحنا مع الأيام نعطيهم أسماء وصفات، ونرسم مخططات للشقة التي سأشتريها للعائلة ونوزّع الغرف على أطفالنا القادمين لا محالة، لا أعتقد أننا كنا سعداء مع بعض، ومع هذا كنت مقتنعاً بعلاقتي بها بانتظار تكويرة بطنها، وما الزواج إلا اِنتفاخ بطون، كنت متفائلاً أن شيئاً ما سيحدث معنا قريباً، أبربر: لا بد أن يحدث شيء ما، ينبغي ألا نقلق، علينا بالإيمان والدعاء والانتظار، علينا بتركيز طاقاتنا في أوقات سخونة جسدها.

لم تكن حياتنا المشتركة تمشي بهذا الشكل الآلي وكفى، بل كانت حبلى بالقلاقل، كنا نتناقر لأتفه الأسباب، حتى في لحظات الصفاء كنت أسمعها تقول: المال وحده لا يجعل الإنسان سعيداً في حياته. وكانت إذا ما لمحت شاباً يداعب صديقته في مقهى أو حديقة أو أماً تلاعب أطفالها كانت تقول بحقد واضح وكأنها تقصد إهانتي: الله يرسل الحمص لمن لا أضراس له. كانت هذه الأقاويل التي يتلفظ بها فوهها الكريه تحرقني، فأقول سراً: يا بنت الشرموطة سأقتلك يوماً. أو أصرخ بها: للحيوانات مكان واحد هو الحظيرة، إلا الأليفة منها وأنت لست أليفة يا أزيتا، هل تعلمين ذلك؟

كان قد مضت سنة كاملة على زواجنا حين وجدتُ لنا شقة جميلة ورحبة في مركز مدينة كارلسروه كما إرتأت أزيتا، كانت البناية ما زالت في طور البناء، مكوّنة من خمسة طوابق، وفي كل طابق شقتان بمساحة مئة وستين متراً مربعاً للشقة الواحدة، كانت معظم الشقق قد بُيعت على المخطط باستثناء شقتين، الأولى في الطابق الأرضي والثانية في الطابق الثالث والتي وقع عليها خيارنا رغم ارتفاع سعرها بالمقارنة مع الشقة الأرضية، كانت الشقة في الحقيقة رائعة، أربع غرف نوم وصالون كبير مع بالكونين ودورتي مياه ومطبخ بإطلالة مدهشة، بعد عدة أسابيع حصلتُ على قرض عقاري من البنك واشتريت الشقة، كانت غالية الثمن، يومها لم أفكر حتى بسؤال أزيتا إن كانت ترغب بمشاركتي تسديد أقساط الشقة وهي بدورها لم تُحرك ساكناً بهذه الاتجاه، وهكذا تعهدت للبنك بتسديد أقساط القرض لوحدي على مدار خمسة وعشرين عاماً.

مع مضي السنة الثانية على زواجنا لم تحبل مني أزيتا وصارت وتيرة مناقراتنا الشنيعة في تصاعد مستمر، كانت شقتنا قد صارت جاهزة للسكن، لم ترض أزيتا أن تبحث عن عمل مناسب لها في إحدى الشركات الكثيرة الموزعة في مدينة كارلسروه ومحيطها كما وعدتني سابقاً، بل فضّلت البقاء على رأس عملها في ستراسبورغ والعيش في الشقة المُستأجرة من قبلي في أطراف المدينة والتي كنت أتحمل كافة مصاريفها، في الوقت الذي تصرف أزيتا راتبها على لباسها ورحلاتها وبناء مشروع صغير لها في مدينة طهران أو هذا ما أوهمتني به.

في ذاك الوقت كانت قد وصلتني موافقة الوزارة على تأسيس معهد الجرائم الاقتصادية في جامعة فرانكفوت وتم تعييني أستاذاً للإشراف على المعهد وتطويره، وهكذا غادرت ستراسبورغ والتحقت بعملي الجديد، ولأن ضغوط العمل وكثافة التحضيرات لإيقاف المعهد على ساقيه كانت تفوق الحدود الطبيعية لمقدرات الإنسان فقد فضلت إستئجار شقة صغيرة لي في مدينة فرانكفورت بالقرب من الجامعة كي أوفر على نفسي الوقت في السفر بين المدينتين والذي تجاوز الساعتين والنصف يومياً في الذهاب والإياب.

وهكذا تحولت علاقتي الزوجية مع أزيتا إلى علاقة ويك-إيند، كما هو الحال عند الملايين من سكان فرنسا وألمانيا، صرنا نلتقي مساء الجمعة أو صباح السبت في شقتي، التي فرشتها بشكل آخاذ لكنه يوحي بأنه أثاث لشقة رجل فوضوي غير ملتزم أسروياً، ثم نغادرها معاً مساء الأحد أو صباح الإثنين إلى مقرات أعمالنا.

في إحدى المرّات سافرت بسيارتي من مدينة فرانكفورت إلى مدينة ستراسبورغ مباشرة، كنت في رحلة عمل ليومين، فقد دعاني البروفيسور الذي أشرف على عملي في الدكتوراه لعقد ورشة عمل مشتركة في معهده، بالمناسبة يسمون المشرف على الدكتوراه في ألمانيا الأستاذ-الأب وإذا كانت امرأة فيسمونها الأستاذة-الأم، كان يوم خميس، لم أُخبر أزيتا بسفرتي، وددت مفاجأتها وإمضاء المساء والليل معها على أن أُكمل عملي في جامعة ستراسبورغ في اليوم التالي، ثم أنتظرها حتى تُنهي عملها لنعود سوية إلى منزلنا في كارلسروه، فعلت ما فعلته لأن عيد زواجنا الثالث صادف يوم الجمعة ولهذا أحببت أن أستيقظ معها في الفراش نفسه، انتهى جدول أعمال الورشة لليوم الأول في الساعة الخامسة والنصف عصراً، جمعت أوراقي، ودّعت الحضور وغادرت، في السوق مررت بأحد المحلات، اشتريت بعض المشروبات والفواكه وعلبة سجائر وانطلقت إلى البيت، فتحت الباب بمفتاحي دون أن أقرع الجرس، وضعت حقيبتي والأشياء خلف الباب، سمعت صوت التلفاز فدخلت إلى غرفة الجلوس على رؤوس الأصابع، وما شاهدته في الغرفة كان بالنسبة لي مفاجأة من العيار الثقيل، كاد يُغمى عليّ من هول ما رأيت.

كان جو الغرفة ضبابياً خانقاً، هناك على الصوفا العريضة خمرية اللون، حيث استلقيت سابقاً مع أزيتا ونحن نتضام ونرتعش، جلس مكاني شاب في الخامسة والعشرين من عمره تقريباً، كان قد أرخى ذراعيه الطويلتين على مسند الصوفا وقد باعد ما بين فخذيه، أسمر البشرة، شعر رأسه أسود كثيف مُجعَّد جذّاب، حليق الذقن والشارب، كان قد نزع عنه قميصه الأبيض ورماه جانباً، بدا من جلسته رياضي البنية، طويل القامة، نحيل، كانت عيناه غائمتين حالمتين، من عنقه تدّلت سلسة فضية بحلقات سميكة المقطع، على الطربيزة أمامه زجاجة كونياك، كأس مملوءة، علبتي سجائر، منفضة وأسطوانة بنية اللون بطول وقطر الأصبع الصغرى شبيهة بمعجون اللعب للأطفال أو بأصبع الطَبشورة، أوحت لي هيئته وملامح وجهه بأنه مغربي الأصل، ومن رائحة الشقة حدست بأنه قد تعاطى لتوّه سيجارة حشيش.

سألته بالفرنسية على الفور: ما الذي تفعله في بيتي؟
ردّ عليّ باللغة العربية بوقاحة واستهزاء ودون أن يتحرك عن قعدته: وأنت ما الذي جاء بك إلى هنا؟ ثم تكلم معي بالعربية أفضل لك، فأنا أعرف من تكون، مهما كبرت ستبقى عربياً.
بلعت ريقي وتحاملت على نفسي كي لا أفقد أعصابي وأجبته بالعربية رضوخاً لطلبه: هذه شقتي وأزيتا زوجتي، من تكون حضرتك؟
أجابني باستخفاف: أنا صديقها وأعيش معها هنا أغلب الأوقات، تفضّل بالجلوس.
سألته: أين أزيتا؟ هل عادت من العمل؟
أجاب باقتضاب: على باب العودة.
جلست وكأني ضيفه، كظمت غيظي، تناولت سيجارة، أشعلها لي وهو يقول: دعنا يا رجل نسهر سوية دون مشاكل، دعنا نتعامل كالأوربيين، أما زلت تعاني من عقد الشرق؟ هل لديك شيئاً ضد العلاقات ثلاثية الأطراف؟
كنت خجولاً من هذا الموقف الذي لم أحسب حسابه يوماً، شعرت بالغبن والخيانة، أخذت نفساً من سيجارتي، لعنت آلهتها في سري، لعنت أمها وأبيها، لعنت ليبراليتي معها، كرهتها ، حقدت عليها أكثر، جمجمت: سأقتلك في أقرب فرصة يا بنت العاهرة.

مدّ يده مصافحاً وافترّ عن أسنانه البيضاء ضاحكاً وخاطبني بودّ: هوِّن عليك ولا تُبال بما يحدث.
أجبته: ما الذي تقوله؟ هل أنت مجنون يا زول؟
ردّ عليّ بينما انشغلت يداه بحشو سيجارة حشيش: لست مجنوناً، بالمناسبة اسمي مازيغ وتعني الرجل الحر، وأنت يا بروفيسور قالت أزيتا أن اسمك ياكوب، هل أنت مسيحي؟
أجبته بهدوءٍ لم أتوقعه: ليس كل من اسمه يعقوب هو مسيحي، أنا مسلم مثلك.
قال ضاحكاً: أنا لست مسلماً، ثم أردف: هل سبق لك أن أبرحت بأزيتا ضرباً؟
أجبته بقرفٍ: نحن لا نضرب نساءنا.
ضحك مازيغ بتواتر يشبه قهقهة الضجيج التفاؤلي الذي يصدر حين الإفلاح بتشغيل محرك مازوت مركّب على ساقية وقال كشيخ يحترف الكلام: تقول حكمة منتشرة في ألمانيا وكلّ أوروبا يا أستاذنا المحترم: المرأة كالفرس تحتاج بين الحين والآخر للضرب بالسوط والهمز بالمهماز، أيعقل أنك لم تسمع بذلك؟

فجأة سمعت خشخشة المفاتيح في قفل الباب الخارجي، دخلت أزيتا وهي تصيح بفرح: أين هو حبيبي الدائخ دائماً؟
صمت كلانا، دخلت أزيتا الصالون وما أن رأتني حتى ركضت إلى غرفة النوم وأقفلت الباب خلفها. نهض الرجل الحر ومشى متأرجحاً إلى الغرفة، قرع الباب عليها طالباً منها الخروج، ثم خاطبها بحنان: لا تخافي، حكيت لزوجك ياكوب كل شيء وهو رجل حضاري ومتفهم، دعينا نسهر مع بعض.

لم تخرج أزيتا من غرفة نومنا، نهضتُ، لملمت بقايا روحي المهشَّمة ومشيتُ إلى باب الخروج بتثاقل، حملت حقيبتي اليدوية وغادرت عائداً إلى شقتي في كارلسروه.

في الطريق وضعت في مسجل السيارة شريط كاسيت سمعي كانت قد أهدتني إياه ريناتي، أم أزيتا، بعد أن حضرنا لها أمسية موسيقية في مدرسة الموسيقا الشعبية في كارلسروه، ، أدرت المسجل ورحت أسمع، كان الشريط يضم بشكل رئيسي المقطوعات الموسيقية المحببة لقلب ريناتي والتي عزفتها على القيثارة في تلك الأمسية، كانت قد بدأت السهرة بعزف مقطوعة "المصري" للمؤلف الموسيقي الفرنسي جان فيليب رامو، ثم سوناتا للملحن الألماني باول هينديميز، وثالثة للفرنسي مارسيل تورنير وختمت السهرة بمعزوفة ساراباندا وتوكاتا للملحن الإيطالي نينو روتا.

لم تكتسب أزيتا صفات أمها بل أخذت الكثير من جينات إلهامي بختيار، وهو اسم أبيها الإيراني وأحد الرجال المقربين لعائلة رئيس الوزراء الإيراني السابق شابور بختيار تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي، درس إلهامي الهندسة المدنية في فرنسا ثم عمل بتجارة السجَّاد الفارسي مدعوماً من عائلته الكبيرة في طهران، كان ينتقد زوجته ريناتي وطقوسها الموسيقية وكيفية ترتيبها للبيت ورفضها أن تفرش السجَّاد العجميّ في الصالون، كان يهينها أحياناً كما أخبرتني أزيتا، إذ يقول مثلاً: الصالون بدون سَجَّادَة كالبيت دون ريناتي. وآن بلغت أزيتا السابعة عشر من العمر، طلّق إلهامي زوجته ريناتي التي تصغره بخمس سنوات ثم تزوج لاحقاً من سيدة أعمال إيرانية في مثل عمره.

كانت ريناتي في الخمسين من عمرها، معلمة في المدرسة الثانوية، ذكية جداً، موهوبة، قلبها نقي كقيثارتها، رشيقة، متفائلة، تعشق الحياة رغم فقدانها لثدييها بعد إصابتها بالمرض الخبيث، تُمضي أوقات فراغها مع قيثارتها أو في رياضة المشي والتأمل، تعيش على إيقاع الطبيعة، لا تأكل اللحوم ولا منتجات الحيوانات من البيض واللبن والحليب، على النقيض من إلهامي وأزيتا كانت تتقن فن الحديث الاِجتماعي ومنَمْنَمَاته وفن الإنصات للآخرين، وحين كانت تستمع للنقاشات الحامية بين إلهامي وابنته وكيف أنهما يتكلمان في الوقت نفسه وبصوتٍ عال دون أن يستمع أحدهما للآخر، كانت ريناتي تضحك وتقول لهما بصوت رخيم ما سبق لها أن تعلمته من إلهامي: وإذا قُرِئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلَّكم تُرحمون.

كنت أشعر أحياناً بأن أزيتا تعاني من عقدة إليكترا، لم أجرؤ على مصارحتها بالأمر لكني كنت أنتقد بين الحين والآخر الآلية الازدرائية التي تتعامل بها مع أمها بمقارنتها مع الحب والاحترام والإعجاب بشخصية أبيها، أذكر أني قلت ذات مرة من باب المجاملة: القيثارة وأمك ريناتي صنوان. يومها صرخت الخائنة بوجهي ككلبة لئيمة وقالت: إذن تزوجها واتركني. ومرة كادت تجنّ من الغيظ حين قالت لي إحدى صديقاتنا: أنت تشبه الموسيقي النمساوي موزارت قليلاً.

لا أستطيع أن أتكلم معها، أشعر أنها خرساء، لا تتكلم إلا مع نفسها، ردات فعلها غريبة الأطوار، أشعر بأنها تكرهني. كنت أسامحها غالباً وأنسى إساءاتها لأن لا وقت لدي للانشغال بما لا يخدم هدفي الرئيسي ولأني كنت مؤمناً أن اليوم لا بد سيأتي والذي ستعلم فيه أزيتا أنني المحور الأساسي الذي ينبغي أن تدور حوله وتتفرغ لرعايته وصيانته وتشحيمه، لكن علاقتها بالشاب الأسمر مازيغ التي علمت بها اليوم كانت بالنسبة لي هي الشعرة التي قصمت ظهر البعير، في الحياة ثمة مسامير مغروسة بلين تستطيع إزالتها ومعالجة آثارها وثمة مسامير مدقوقة بمطرقة يصعب عليك نزعها وإن استطعت ستبقى آثارها باقية وشاهدة على الوجع مدى العمر، لن أرحمها بعد اليوم، سأحوّل حياتها إلى جحيم لا يطاق، سأجعلها تندم أنها تعرّفت إلى شخص البروفيسور ياكوب، سأعذّبها ثم أقتلها ولن أهرب إلى أي مكان.

من يضحك أخيراً يضحك أفضل، سأقتلها قبل أن تُدمِّر حياتي، قبل أن تُخرِّب لي مستقبلي العلمي، ما زلت شاباً وأمامي فرص كثيرة لتشكيل عائلة تليق بمقامي، المرأة المسترجلة خطيرة، لايهزم الرجل القويّ إلا امرأة مسترجلة، كل اِمرأة تعجز أمها عن تعليمها فن الطيران لتصير أنثى على الرجل أن يعلّمها على الأقل أن تسرع بالسقوط، سأقتلها لأنني لن أسمح لعيونها الدائرية المحشوة بالحقد أن تتسبَّب في بكائي ندماً على ما حلَّ بي، لا أرغب أن أكون ضحية ولا أن ألعب دور تشاندلر في قصة غيمة صغيرة للكاتب جيمس جويس. سأقتلها، قد أدفنها وقد أصلي على قبرها، لن يشعر أحد بالجريمة، كثيراً ما تُخلِّصك الخبرة من وَرَطَات كبيرة قد تتوحَّل فيها، من الصعب أن تقع الثعالب الذكية في الفخ، من يعش تجربة تنفيذ عملية قتل لن ينساها طيلة حياته، سأرتكب الجريمة دون أن أصبح عبداً لها.

هذه المرأة مثل قطار دون مكابح، لن أعرف حجم الكوارث التي ستخلفها وراءها إلا إذا أوقفتها عند حدها بالقتل، سأقتلها لأنها لن تكون متسامحة معي إذا ما عقدت العزم على طلاقها كما كانت ميلفا ماريك متسامحة مع زوجها، فقد أعطيت أزيتا من وقتي رغم مشاغلي وطموحاتي أكثر مما تستحق وأكثر مما أعطى ألبيرت زوجته ميلفا. لن أطلّقها في بلد يكلّف فيه الانفصال ما لا طاقة لك ولا رغبة بدفعه، طلاقي منها يعني أن أعطيها نصف ما أملك من الشقة والسيارة ومما وفرته، يعني أن أشاركها في معاشي التقاعدي وأن أعطيها من راتبي الشهري كي يصير دخلها معادلاً لدخلي، سأقتلها حتى لو تشفَّعت بها الأنبياء، سأقتلها ثم أرحل إن اضطررت بجسدي وقلبي إلى السماء القصية دون شهود، كما ارتقى يسوع إلى الأعالي بجسده فقط في حضور أحد عشر تلميذاً من تلاميذه بعد أربعين يوماً من قيامته.

سأقتلها لأنّها مثل سمكة تُخبئ شيئاً ثميناً في داخلها وتسبح في بحر كبير كبير بكامل حريتها، كلما حاولت الإمساك بها تتزحلق من بين أصابعي، سأقتلها لأنّها مثل صندوق رمادي عصي على الفتح أو التحطيم، تختبئ الأجوبة بداخله، يُهيأ لك لوهلة أنك قد اكتشفت لونه الأصلي، إنه أسود، ثم تتراجع لتقول: بل أبيض، ثم تعتقد لوهلة أنك تعرف أين مكان المفتاح لتعلن فجأة عن حالة سراب انتابتك، فأنت لن تعرف عنه شيئاً، تتبدَّل أفكارك ورؤاك في رحلة البحث عن ميكانيزمات التوازن مع أزيتا دون أن تتمكن من التوازن، لتبقى هي الوهم المُعلّق في الفراغ.

لقد اتخَّذت القرّار النهائي بقتلها رغم صلابتي الداخلية وعقلي الراجح ونجاحاتي المهنية، سأقتلها لأني إن عدلت عن قتلها وتعاطفت معها فهذا يعني إصابتي النفسية بتناذر ستوكهولم، لأني كلّما فقدت قدرتي على النوم واستبد بي القلق، بعد شجار معها أو بعد الانهماك الشديد في حل بعض المعضلات العلمية في الجامعة، لا أجدها قربي كي أسهر معها وأشكو لها همومي، سرقتها ستراسبورغ مني، فتراني أخرج من البيت وأتسكَّع في الشوارع الخالية إلا من القطط وبقايا بائعات الهوى وكأني أبحث عن إميل سيوران، دكتور الأدب الأخصائي بالحالات السوداوية، ثم أعود إلى البيت كما كان يعود لا لكي أنام وإنما كي أتناول فطور الصباح كبقية الذين ناموا طيلة الليل.

أشعر بأني هرمت في الساعات الأخيرة، طالت ذقني بسرعة هائلة مع أني قد حلقتها صباحاً، كلما غرِقتُ في عملي وحزني حتَّى ذَقَني طالَت ذَقَني، كلما حلقتُها بعد إهمال أعود إلى توازني الداخلي من جديد، لكنني لن أحلقها هذه المرة ولن أعمل بنصيحة توماس والد الرئيس لينكولن بشأن ضرورة الوجه النظيف من الشعر الذي يمنح صاحبه المكانة والقوة بين الناس، سأتركها ناتئة ولن أحلقها قبل أن أكون قد قتلت الخائنة زوجتي ودفنتها مع الجرذان.

هل تعتقدون أن سبب كراهيتها لي وسلوكها اللئيم معي عائد إلى كونها كانت تتمتع بالحاسة السادسة؟ هل تظنون أن ثمة رسالة قد أتتها من الغيب ومنذ اللحظة الأولى لتعارفنا منذرة إياها بأني سأقتلها يوماً؟
سأقتلها وسيأتي الربيع من بعدها!
لكن كيف سأقتلها؟ هو السؤال الذي يحيِّرني ويربكني.
بت أعلم أني عبقري باعتراف الزملاء من حولي ومن خلال الجوائز التي قُدّمت لي في المؤتمرات والمكافآت المالية التي حصدتها من الشركات، ولأن العبقرية سيف ذو حدين عليّ أن أكون يقظاً كي لا أقتل نفسي بنفسي.
المصيبة الكبيرة أنني لا أعرف مع من يجب أن أتكلم في هذه اللحظة كي أرتاح قليلاً.
آه كم رأسي متعب وضائع، ما الفائدة من الشهادات العلمية والنجاحات المهنية، ما الفائدة من المال والعقارات إن لم يكن الإنسان سعيداً متوازناً بين جدران بيته الأربعة والأطفال يلعبون من حوله؟ ما الفائدة من مطبخ فاره لا أحد يطبخ فيه أو من ثلاجة متخمة بالمأكولات وأنت وحيد؟
أريد أن أرتب أفكاري، أريد أن أتكلم مع أحد يفهمني، يحبني ويحفظ أسراري!
أرجو أن تكون هايدرون في شقتها حين أصل إلى شقتي في كارلسروه، دقيقة وأكون في بيتي، سأعتذر في الغد عن متابعة ورشة العمل في ستراسبورغ وسأبقى في البيت أخطط للجريمة المنتظرة.

ولجتُ شقتي، أضئتُ اللمبة، رميتُ حقيبتي على الصوفا، خرجتُ إلى البلكون وفي يدي زجاجة بيرة، كان الطقس ساحراً، حرارة أواخر الصيف لها رونقها الخاص في تنشيط الجسد والروح، أسندت قدمي اليمنى على الحائط الذي أوليته ظهري، وضعت الزجاجة على الطاولة ورحت أحشو غليوني بتبغي الثقيل المفضّل "لاتاكيا"، كنت حتى تلك الأيام مدخن مناسبات وطقوس لا أكثر، من بلكون الطابق نفسه في الجهة اليمنى من البناية، أطلت جارتي وصديقتي هايدرون وقد هبط شعرها الأسود الطويل على جانبي وجهها، من عنقها تدلَّت سلسلة جميلة لمعت كأنها تحثني على مداعبتها، نظرت إليّ مبتسمة ليسحرني بياض أسنانها أكثر، قالت: ما أن شممت رائحة لاتاكيا حتى علمت أنك قد وصلت، أترغب بالمجيء؟ لديّ نبيذ أحمر لذيذ، سيسعدني استنشاق رائحة تبغك عن قرب، وافقت على دعوتها دون تفكير وبطيب خاطر فقد كنت بأمس الحاجة للحديث إليها. سألتها: هل لديك ما يؤكل؟ أجابتني: سوية نستطيع تحضير سلطة شهية.

شقة هايدرون مؤثَّثة بما يليق بامرأة جميلة تعمل كطبيبة في جراحة العظام، هايدرون اِمرأة بمعنى الكلمة، جنية حقيقية، جسدها جذّاب، ممشوقة القامة، أنيقة دائماً بغض النظر أين هي متواجدة، حتى في بيتها ترتدي حذاء بكعبٍ عالٍ يزيدها أنوثة فوق أنوثة، لديها كومة من الخشب الدافئ أمام كوخها كما يقول الألمان، أقصد أن نهديها كبيران دافئان، أحمر الشفاه لا يفارق شفتيها، وظل خفيف يرسم الرغبة على جفنيها، أما صوتها كصوت الجنيات الخارجات من حكايا الشوق والإثارة، فتحت الباب لي، عانقتني وهمست: اشتقتلك ياكوب. طبعتْ قبلة على عنقي وأضافت: رائحة جسدك تجننني، من أين ورثت هذا العطر!؟

وضعتُ يدي أسفل ظهرها ودفعتها برفق أمامي، كانت ترتدي بلوزة سوداء خفيفة من الحرير الطبيعي والسلسلة الفضية تزيدها جمالاً، تنورتها القصيرة إلى ما فوق ركبتيها بقليل ترسم حواف وحدود منحوتة مؤخرتها التي يرغب أحدنا أن يحضنها في البيدر الكائن بين صدره وأسفل ذقنه ليبدأ بتقبيل فقراتها القطنية الخمس، ما أن وصلنا إلى باب البلكون حتى ضربتها براحة يدي التي انحشرت بين ردفيها، قلت بصوتٍ آمرٍ ممازح: إلى المطبخ يا امرأة، أنا جائع.

جلستُ على كرسي هزّاز على بلكونها الواسع، كانت قد جهَّزت طاولة لشخصين كالواثقة من قدومي، صببت لنفسي كأس نبيذ أحمر مز إيطالي، أعدت إشعال غليوني ورحت أمج تبغي على مهل وأنظر إلى السماء الصافية لأرى صورتيّ هايدرون وأزيتا قرب بعضهما البعض، خجلت من نفسي حين تضاءلت صورة أزيتا حتى تلاشت تماماً أمام سحر أنوثة هايدرون وحضورها رغم فارق العمر الكبير بينهما.

جلبت هايدرون جاط السلطة الزجاجي الشفّاف، وضعته على الطاولة وعادت إلى المطبخ لتُحضر اللحم المقدد وشرائح الخبز. جلست مقابلي على كرسي هزّاز لتبقى الطاولة على يسارنا، نهضت لأخدمها بقليل من السلطة، قدّمت لها كأس نبيذها، خلعت حذائي وجواربي، حملت صحني بيدي وجلست عاري القدمين، ولأنها فهمت ما أصبو إليه فقد انزلقت بجسدها قليلاً إلى الأسفل، باعدت ما بين ساقيها وراحت تأكل بهدوءٍ بينما عيناها تسوقانني إلى بئر الشيطان، أرخيت بدوري نصف جسدي العلوي في الكرسي وحشرت قدمي بين فخذيها، شعرت بالنار التي زادها النبيذ بلّة، رحت بأصابع قدمي أبحث عن النبع الساخن، أحسست برطوبة العسل، لم تكن ترتدي سروالاً داخلياً، شهقتْ وأغمضتْ عينيها، في تلك اللحظة تناسيت كل ما حدث في شقة ستراسبورغ.

في ذلك المساء فاجأتني هايدرون حين رجتني أن أذهب معها للتسوُّق في نهاية الأسبوع. شرحت لها بكلمات قليلية بأنني لست الرجل المناسب لهذا الغرض، ثم سألتها عن السبب الذي يدفعها لاصطحابي وأنا الذي لا يهتم كثيراً بالموضة، فأفصحت عن رغبتها بشراء هدية لي، وبحكم الفضول سألتها عما تنوي شراءه ودون أن أتوقع جواباً سمعتها تقول: أريد رؤيتك مرتدياً حذاءً أبيض مُبوَّزاً من الأمام وبنطلوناً قماشياً أبيض، هكذا رأيتك في حلمي تدخل إلى غرفة نومي وأنت تبتسم. بعد أن خيَّم الصَّمت علينا لدقائق قليلة همهمت: أنت تستحق امرأة تحبك وتهتم بك، امرأة تليق بك أكثر من هذه الإيرانية الباردة.

تعمَّقت علاقتي بها حين أقلتني ذات صباح بسيارتها لحضور اجتماع مالكي الشقق في البناية، حالما انتهى الاجتماع ذهبنا سوية إلى مقهى الجدار لتناول فطورنا وقهوتنا، هناك تعرّفنا إلى بعضنا جيداً، حكيت لها عن عملي وعلاقتي مع أزيتا، وأخبرتني بدورها عن عملها الشاق وعن زوجها الذي غادر الحياة بحادث سير أليم، ثم حدّثتني عن ابنها الوحيد رومان الذي يرغب بدراسة الاقتصاد ليستلم لاحقاً الأعمال الكثيرة التي تركها أبوه خلفه، ورجتني أن أمنحه الوقت للتعرُّف على شخصي ومعهدي وبأنها ستكون شاكرة لي لو أعطيته فرصة للتدريب لأربعة أسابيع وتزويده بالنصح اللازمة كي يتمكّن من اتخاذ القرار الصائب بشأن دراسته الجامعية القادمة. لمّا سألتها لماذا لا يدرس الطب ليستلم عيادة أمه فيما بعد، تغيّرت ملامح وجهها قليلاً وحاولت تغيير الموضوع لتعود إليه بعد برهة، عندها حكت لي أنّه ومنذ نعومة أظافره قد انشغل بالاقتصاد ولو بأبسط معانيه، كان يجلس في المساءات على الصوفا في غرفة الجلوس ويبدأ بعد مدخراته من العملة الورقية التي يخبئها في خزانته، يفرشها أمامه، يمسكها بيده ، يتأملها ويشمّ رائحتها ورقة تلو الورقة، عندما كبر قليلاً وصار في المرحلة الثانوية بدأ ينظم سراً لقاءات مع رجالات الأعمال الناجحين وكان له فعلاً شرف اللقاء بالبعض منهم.

وهكذا لم أكن وحيداً في غياب زوجتي أزيتا، كانت هايدرون تزورني في شقتي في فرانكفورت وكنت آتي إليها مرة في الأسبوع ولم تكن أزيتا تعلم شيئاً عن لقاءاتنا هذه. فيما بعد التقت أزيتا مع هايدرون فاضطررت لتقريبهما قليلاً من بعض لأكتشف أن أزيتا أخذت تعاملها كأم في الوقت الذي لم تستطع به هايدرون هضم زوجتي الإيرانية. على مضض وافقت هايدرون ذات يوم على اصطحاب أزيتا معها إلى عيادتها في ستراسبورغ لمعالجتها، كانت أزيتا قد أصابت ركبتها في لعبة كرة اليد، حصل معها تمزق في الغضروف الأنسوي وامتلأت ركبتها بالسائل الانصبابي. حين رجعت أزيتا من العيادة كانت تبدو على أحسن حال وقد مدحت طويلاً بشطارة الدكتورة ومهارتها في العمل، وهي تصف لي أناقة العيادة وترتيبها وجدرانها التي امتلأت بلوحات فنية زيتية تارة للمنشار وتارة أخرى للمثقب اليدوي والمطارق والمسامير والصفائح وتجهيزات التثبيت واقراص الجلخ، كانت تضحك بسعادة غير مصدِّقة للأدوات الذي يجدها المريض في العيادة العظمية وكأنه يزور ورشة ميكانيكية لصيانة السيارات.

بعد أربعة أيام وصلتني رسالة طويلة من أزيتا تشرح لي فيها أسفها الشديد لما حدث في شقة ستراسبورغ وبأن الأمر مجرد نزوة عابرة والشاب المغربي لا يعني لها شيئاً على الأطلاق، اِلتقته مرتين أو ثلاث ولم يحدث بينهما أي تماس جسدي كما اِدّعت وأنها طردته من الشقة في اليوم نفسه، أسهبت في مشاعرها تجاهي وأكدّت على حبها لي الذي لم يتغيّر يوماً، وأنها وصلت لقناعة راسخة بضرورة البحث عن عمل في كارلسوه، وضرورة الانتقال للعيش سوية في شقتنا، تابعت بأنه ما زال أمامنا متسع من الوقت لإنجاب الأطفال الذين ما برحنا نحلم بهم، وبأنها ناقشت صعوبات الحمل مع طبيبتها النسائية التي نصحتها بزيارة مركز العقم في مشفى جامعة فرايبورغ، طلبت مني مسامحتها للمرة الأخيرة وإعطائها الفرصة وبعض الوقت لتثبت لي صدق نواياها، ختمت رسالتها بأنها ستأتي إليّ في نهاية الأسبوع لنحتفل ببداية عهد جديد لزواجنا. في اليوم التالي، رنّ جرس هاتف المكتب، كانت أزيتا على الخط، راحت تبكي وتعتذر مجدّداً عمّا حدث، رجتني أن نلتقي مساء الجمعة في شقتنا في كارلسروه. لم أناقشها بتفاصيل الأمر بل قلت: نعم، يجب علينا أن نتحدّث وجهاً لوجه، سأنتظرك مساء الجمعة.

لم نستطع أن نتكلم بهدوء حين التقينا، علت أصواتنا بشكل جنوني آن طلبتُ إليها بكل تهذيب وبرودة أعصاب أن ننفصل عن بعض لفترة تجريبية وأنَّ عليها البدء بتحمل مصاريفها الشخصية بدءاً باستئجار شقتها الخاصة في ستراسبورغ وانتهاءً بتكاليف ملابسها باهظة الثمن، لأنني قد أرسلت رسالة للمؤجِّرة فسخت فيها عقد إيجار شقتي هناك ووعدت أن أفرِّغها من أثاثها في مدة أقصاها ثلاثة أشهر، وما زاد الطين بَلّة هو أنني قد رجوت أزيتا أيضاً كي نتحدّث عن مستقبلنا بحضور والدتها ريناتي كطرف حيادي.

بالكاد أنهيت مطالبي حتى نهضت كاللبوة المجروحة من الكنبة المقابلة، قفزت باتجاهي وهي تصرخ: لقد أتيت إليك لأعتذر يا ابن الكلب وها أنت تهينني، عربي بغل، لم أستطع تفادي أظافر يدها التي انغرست في رقبتي، آلمتني، أمسكتها من شعرها، لففته على يدي وأطحت بها أرضاً ثم جررتها إلى الحمّام، أقفلت الباب خلفنا، رفعتها عن الأرض وطفقت أصفعها على وجهها يميناً ويساراً حتى نزفت من أنفها وبصقت الدم من فمها، تركتها تهوي على الأرض، تكوَّرت على نفسها واضعة يديها أمام بطنها لتحميه كما قد تفعل امرأة حبلى في شهورها الأولى واستجدتني: أستحلفك بالله ألا تضربني على بطني فأنا حامل!

جن جنوني حين سمعت استغاثتها البلهاء، كانت كلماتها بمثابة الرصاصة التي اخترقت صدغي، رحت أكيل لها اللطمات بقدمي على ساقيها وفخذيها، حاولت أن أهرس رأسها بين حذائي والبلاط، أضربها وأقول: ألم يعلمك أبوك الفاسق إلهامي أن الإكرامية بقنطار والمحاسبة بدرهم؟ ها أنا ألقِّنك الدرس الذي فاتك. بينما أزيتا تصرخ وتشتمني، قالت بأنها لم تحبني يوماً وأنني مجرد حشرة في حياتها وأنها لم تكن يوماً سعيدة معي في الفراش وأن الحب الذي أعطاها إياه المغربي في ساعتين من الزمن فاق كل ما أعطيته لها منذ عرفتني.

هي تلعنني وأنا أهصر جسدها تحت قدميّ، أقول وقد فقدت أعصابي: سأقتلك يا بنت الكلب، بسببك بت أحلم بشكلٍ قبيح مرة ثانيةً. راحت تتألم، تبكي وتشهق، تغص وتنهنه في الوقت الذي تغمغم فيه: ابتعد عني أيها الوحش أنت مريض نفسي، تحتاج إلى علاج، عالج نفسك أيها العقيم، أتسترجل على امرأة؟ سأفضحك في مقر عملك بين زملائك وطلابك.

شعرتُ بالهلع والخجل من كلماتها، ابتعدتُ عنها، توقفتُ عن ضربها فجأة وما أن هممتُ بالخروج حتى تمكّنتْ من النهوض، تناولتْ مقصاً عن رف المغسلة وهجمت عليّ تريد طعني، تفاديتها باللحظة الأخيرة لأطبق الخناق على رقبتها بأصابع يدي، دفعتها عني بعنف ليرتطم رأسها بطرف المغسلة، فترنحت أرضاً مغمياً عليها. كدت أموت من الخوف، كانت تنزف من رأسها، اعتقدت أنها ماتت، ركضت إلى باب الخروج ورحت أقرع الباب على هايدرون.

دخلت هايدرون إلى الحمّام، جسّت نبض أزيتا متمتمة: لا تقلق مازالت بخير. ثم أنهضتها وسحبتها وهي تتطوطح إلى غرفة النوم، هناك مسحت لها وجهها وأعطتها إبرة مهدِّئة للنوم. همست هايدرون: لا تهتم، من يزرع الريح يحصد العاصفة، دعنا نذهب لتناول البيرة، ستكون زوجتك على ما يرام حين نعود.

في منتصف الليل رجعت إلى البيت برفقة هايدرون وكنت مخموراً، ودَّعتها ودخلت شقتي، دفعت باب غرفة النوم ودلفت بحذر، وجدت أزيتا تجلس على السرير في قميص نومها وفي يدها سيجارة وقد وزَّعت أمامها صوراً عديدة لنا في أماكن مختلفة، بعضها كان من يوم زفافنا، خلعتُ ملابسي بأكملها وصعدت إلى السرير، نفثتْ دخان سيجارتها في وجهي وهمست: ألن تسامحني؟ تجرّأت على وضع خديها بين كفيّ وأجبتها: كنت مأفوناً أحمقاً حين ضربتك، لم أكن أنوي إيلامك وإهانتك، ملعون هو الشيطان. سألتها: هل أنت حامل منه حقاً؟ أجابتني: أنت مجنون فعلاً، كنت أستفزك وحسب. قبّلتها على عينيها، جبهتها، شفتيها، دفعتها لتستلقي فوق السرير وما زالت نظارتي الطبية على وجهي.

لم تعد المياه إلى مجاريها بيني وبينها كما يمكن لكم أن تتخيلوا، كل ما في الأمر هو أني رحت أسعى تلك اللية لتهدئتها كي لا تعمل من الحبة قبة أو كما نقول هنا "كي لا تعمل من النملة فيلاً". صارت علاقتنا باردة، الشيء الذي جعلني أفكر ما الذي تخطط له امرأة تسكن شقة ليست لها في ستراسبورغ؟ كنت أنتظر بفارغ الصبر رسالة تأكيد على إنهاء عقد إيجار شقتي هناك والتي تكلفني مالاً كثيراً كل شهر لا سيما أن زوجتي ليست بالمرأة الغيور على مالي وتعبي، لم أكن ملزماً بدفع ما يسمى الأجرة الباردة أي أجرة السكن وحسب بل الأجرة الساخنة أيضاً، والتي تشمل الماء الساخن والبارد والتدفئة والكهرباء والعناية بالدرج وترحيل المخلفات والتأمينات ضد الحرائق والسرقات وتفاصيل أخرى، بدأت في الحقيقة أفكر بتوفير هذه المصاريف لاستثمرها في شقتي المملوكة ولتبديل سيارتي القديمة.

قبل عطلة أعياد الميلاد بقليل وصلتني رسالة من المؤجِّرة إنغيبورغ أخبرتني فيها أنها غير مستعدة للموافقة على فسخ عقد السكن طالما أن زوجتي تقطن البيت ولا نية لها بمغادرته. وبعدها بيوم أو يومين سمعت من صديق لي يعمل في الشركة التي عملت بها أزيتا بأن رئيس القسم كان قد استغنى منذ شهور عن خدمات أزيتا كمهندسة لأسباب كثيرة منها تغيبها عن العمل ووصولها أغلب الأحيان متأخرة وإهمالها لوظائفها وعدم قدرتها على مواكبة المستجدات.

بمناسبة رأس السنة اتفقت معها أن نسهر عند والدتها ريناتي علّنا وعسانا نتوصل إلى تفاهم على الأقل بشأن عقد الإيجار. وصلت إلى بيت ريناتي قبلها بساعة على الأقل وحين دخلت أزيتا علينا شاءت المصادفة أني عانقت ريناتي من باب المَعَزّة والود والتقدير وتعاطفي المعنوي معها، كانت أزيتا قد شربت الخمر كما أوحت لنا من حركاتها ونزقها وكانت تدخّن بشراهة، استغلت تلك اللحظة وهاجمتني بأن قالت: كنت أحدس أنك عشيق أمي، تابعا غزلكما، لم يعد يعنيني أمرك.

كنت قد أحضرت معي بهذه المناسبة هدية رمزية للسمكة أزيتا، عبارة عن سلسلة من الفضة وقلادة عليها شعار الأسد والشمس، إذ كنت قد ألبستها في يوم زواجنا مَصَاغاً ثميناً من الذهب الأصفر والأبيض والألماس ومن بين الحُليّ كان ثمة جنزير من الذهب مع قلادة دائرية منقوش عليها شعارها الإيراني المقدَّس الأسد والشمس. استئذنتها رغم سلوكها العصابي بأن ألبسها السلسلة، لم تمانع، أدارت لي رقبتها، وأنا أحاول قفل طرفي السلسلة طبعت قبلة على عنقها وهمست: عنقك جميل وذراعاك أيضاً، يليق بهم ما أهديته لك سابقاً، منذ مدة لم أعد أراك ترتدين هداياي لك. ونحن نحتسي كأس نبيذنا الأول غادرتنا أزيتا لأنها على موعد للاحتفال مع أصدقائها الإيرانيين، اعتذرت بدوري من ريناتي وتمنيت لها انزلاقاً جيداً للعام الجديد 1979 وغادرت بيتها في طريقي إلى بيت جارتي وصديقتي ومحط أسراري هايدرون.

في الساعة الثانية عشر ليلاً، والناس تحتفل وتأكل وتشرب وترقص وكؤوس الزيكت والشمبانيا ترنو إلى الأفواه التى تكرعها مع استقبال العام الجديد، كنت أخاصر هايدرون وأهمس لها: حبيبتي، أتمنى لك سنة جديدة سعيدة. وحين سألتني عن نواياي الحسنة للعام القادم، رحت أسلسل لها: أول ما أنويه هو أن أمضي معك إجازة دافئة في فندق رومانسي في جبال النمسا والثلج من حولنا، وحالما نعود سألتقي مع محاميتي لتكتب لي رسالة قانونية لإعلام أزيتا بانفصالي الرسمي عنها ورسالة ثانية لمساعدتي على فك عقد السكن في ستراسبورغ، ثانياً سـأجهز مع سكرتيرتي حفل توقيع كتابي "قاموس الجرائم الاقتصادية"، ثالثاً سأبدأ بمراسلاتي وتحضير أوراقي للترشح لأصير بروفيسوراً دائماً في جامعة كارلسروه أو آخن أو هانوفر، فكما أخبرتك سابقاً فإن البروفيسورية التي مُنِحَت لي من الشركة لها مدة زمنية محددة، خمس سنوات، رابعاً سأسعى بكل جهدي للتخلُّص نهائياً من ورطتي مع أزيتا والتي تثقل كاهلي، خامساً وأخيراً أريد أن أخطط معك إجازتنا الصيفية، أريد أن نسافر إلى طهران كي أفهم نفسية الإيراني ثم نعود لنعيش سوية، سأهدم الجدار الفاصل بين شقتي وشقتك. ما أن أنهيت كلامي حتى استفسرت هايدرون عن السبب الذي دفعني لاختيار هذه الجامعات دون غيرها، أجبتها: الأمر لا يتعلق بي وإنما بالمكان الذي سيكون شاغراً في الفترة القادمة وكما علمت فإن الأساتذة العاملين في مجال اختصاصي هناك سيتقاعدون عمّا قريب. عندما سألتها عن نواياها أجابتني: سأفعل المستحيل لأساعدك وأكون إلى جانبك في تحقيق نواياك، أحبك ياكوب.

في اليوم الأول من شهر شباط لعام 1979، الذي وصل فيه قائد الثورة الشيعية الإيرانية روح الله الخميني إلى مطار مطار مهرآباد في طهران قادماً من المنفى، وصلتني رسالة من مديرية شرطة كارلسروه، لمّا فضضت غلافها علمت بأنني مطلوب للتحقيق في قضية اعتداء جسديّ وانتهاك الحرية الشخصية لزوجتي أزيتا بختيار، كانت أزيتا قد ادّعت عليّ في قسم الشرطة بتشجيع من المؤجِّرة إنغيبورغ، نصيرة المرأة المظلومة، حدث هذا صباح يوم الثلاثاء، في السادس عشر من شهر كانون الثاني، في اليوم الذي تصادف مع مغادرة الشاه محمد رضا بهلوي إلى المنفى بعد انتصار الثورة الإيرانية.

لن أُتعب رؤوسكم المرهقة سلفاً بتفاصيل الدعوى الجنائية التي نفذتها أزيتا برعاية إثنين من المحامين المخضرمين ضدي، أحدهما فرنسي الجنسية من أصول إيرانية والآخر ألماني، ولا بسيرورة دفاعي عن التهمة التي كادت تكلفني مستقبلي الجامعي بإشراف محاميتي الألمانية الراقية ومساندة صديقتي هايدرون وشهادتها التاريخية بأنني كنت معها خارج البيت حين وقع الاعتداء على زوجتي الهبلاء أزيتا وبأنها ربما كانت تحت تأثير الحشيش الذي شرعت بتعاطيه مع عشيقها المغربي.

لن أخبركم كم كلفتني تلك الدعوى من نقود وحزن ومزاج سيء وضياع للوقت ولن أخوض هنا قطعاً في الحديث عن محاولات عائلة بختيار النيل من كرامتي والإضرار بي والثأر لابنتهم، خاصة بعد أن قويت شوكتهم بوصول أهم رجل في عائلتهم شابور بختيار إلى باريس، الرجل الذي شغل منصب رئيس وزراء إيران تحت حكم الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي.

لن أحكي لكم حرفياً كل ما فعلته أزيتا بي وإلا سأضطر لكتابة رواية، إليكم هذه الحادثة على سبيل المثال لا أكثر: كنت قد أقمت حفلة صغيرة في جامعة فرانكفورت بمناسبة توقيع كتابي "قاموس الجرائم الاقتصادية" الذي كان له صداه الطيب في المؤتمرات والأوساط العلمية في حقل الاختصاص، بينما وأنا أُلقي كلمة الترحيب بالقاعة التي تطل بنوافذه الواسعة على حديقة الجامعة والتي اكتظت بالحضور المختلط لشخصيات أكاديمية واقتصادية وقانونية، ظهرت في الخارج مجموعة من النساء بأعمار وأشكال وملامح متباينة وعلى رأسهم تقف زوجتي المحترمة أزيتا وقد رفعن لافتات كُتب عليها "ياكوب قاتل النساء"، "مكافحة جرائم النساء قبل جرائم الاقتصاد"، "لا مكان للساديين في الجامعات"، "من لا يحترم زوجته لن يحترم طالباته". يومها أبلغ رئيس الجامعة مدير الشرطة شخصياً للتدُّخل وحمايتي قبل وقوع كارثة غير متوقعة، في اليوم التالي رفعت رئاسة الجامعة قضية ضد زوجتي بسبب اعتدائها على الحرم الجامعي وتشهيرها الباطل بأحد أساتذتها. لكن القضية بقيت معلقة ولم تحسم لصالح أي من الطرفين.

لن أُرهق رؤوسكم بتفاصيل القضايا القانونية التي رفعتها أزيتا ضدي حين اقتربت نهاية الفترة الزمنية المحدَّدة بمدة سنة، ينفصل خلالها المتزوجان عن بعضهما البعض بكل شيء كما يشترط قانون الأحوال الشخصية الألماني، عملياً وبعد انقضاء مهلة السنة يحق لي التقدُّم بدعوى الطلاق منها بشكلٍ رسمي. ما أن رفعتُ الدعوى ووصلتها نسخة من المحكمة حتى فقدت صوابها، راحت ترتكب بحقي الإساءة تلو الأخرى عن طريق مماطلات ومزيد من الادعاءات الكاذبة. ولأنها لم تكن تعمل فقد كنت مجبراً قانونياً على دفع حتى تكاليف محامييها اللذان يدافعان عنها ويتبنيان كل ما تقوله حتى لو كان زائفاً. تخيلوا يا أصدقائي أنني مجبر على دفع المال كي أسمح للآخر بمحاربتي قانونياً تحت ما يسمى "ديمقراطية غربية".

سأقول لكم باختصار أني اضطررت لبيع شقتي التي أحب بالمزاد العلني كي أتمكن من تسديد مصاريف المحامين ودفع مستحقات العاهرة أزيتا دون أن أفلح بتطليقها بالسرعة التي كنت أتمناها. بقيت بعد خسارتي في شقتي الصغيرة في فرانكفورت، كنت في العطل الأسبوعية أسافر إلى كارلسروه لأمضي الوقت مع هايدرون.

في يوم الجمعة، الثامن عشر من شهر كانون الأول لعام 1981، أي بعد حوالي السنة والنصف من تهرب أزيتا ورفضها المثول أمام المحكمة لوضع النقط على الحروف بقضية طلاقنا، وبينما الناس منهمكة في التحضيرات لاحتفالات عيد الميلاد ورأس السنة وأنا بدوري أستعد للسفر إلى شقة هايدرون لقضاء عطلة الميلاد الطويلة معها، وصلتني رسالة من محكمة كارلسروه عن طريق محاميتي، جاء فيها ما معناه أن أزيتا إيهامي بختيار قد اختفت فجأة منذ أكثر من شهر دون أن يعثر محامياها على أثر لها، كما أن تحريات الشرطة عنها واستجواب والديها وبعض المقربين ضمن وسطها الاجتماعي والصداقي لم تجلب أية نتيجة.

مؤجِّرتي اللئيمة إنغيبورغ، كما جاء في تقرير الشرطة كانت آخر شخص شاهدها في محطة قطارات ستراسبورغ، كانت أزيتا قد وصلت لتوّها قادمة من كارلسروه، تبادلا التحية والعناق، ولأن قطار إنغيبورغ المسافر إلى باريس كان قد دخل المحطة فلم يكن بوسعهما تطوير الحديث، اعتذرت أزيتا منها إذ كانت بدورها أيضاً على عجلة من أمرها ومشت باتجاه باب الخروج الرئيسي من المحطة.

لم يغمض لي جفن في ذلك المساء فأنا لم ألتقيها وجهاً لوجه منذ أكثر من سنة ونصف على الأقل. سألت نفسي مراراً: هل تعني هذه الرسالة أن هناك من يُحمّلني ضمنياً مسؤولية إختفائها!؟ ولولا مواساة هايدرون لي ووقوفها إلى جانبي لحظة بلحظة وتخفيفها لهمومي، لكنت قد أمضيت الليل حتماً في قسم الإسعافات.

حين انبلج الصّبح وتعب الجسد والعقل سقطت في النوم، حلمت بأشياء كابوسية مرعبة، سمعت أزيتا في الحلم تصرخ مستجدية: أرجوكم بلا أذية، بلا دماء، دعوني أحيّا، ماذا ستفعلون بعد أن يتصَدَّع حائط الإنسانية في قلوبكم؟ وسمعت أصوات وهمهمات بعيدة تقول: لا تخافي يا صغيرتي، سنتبرَّع ببعض أعضاء جسدك الجميل للفقراء المحتاجين في إيران. أزيتا تستغيث بي وتقول: حبيبي ياكوب، قل لهم أن يبعدوا المثقب اليدوي عن صدغي، رأسي يتفجَّر. كنزي الوحيد ياكوب، ألا تراهم كيف يهشِّمون بمطارقهم الحديدية فقراتي القطنية كأنها حطب يابس؟ ياكوب، المنشار ينهش من ظهري وأطرافي، قل لهم أن يبعدوه عن لحمي وعظامي، أنا متعبة، إني أموت، أريد أن أعيش كغيري، ما الذي جنيته عليكم كي تعاقبونني بالقتل تقطيعاً؟ سمعتُ من جديد تلك الأصوات الغرائبية تجيبها بكرهٍ وتشفٍ: دروليري ملعونة، توقفي عن الصراخ في آخر الليل يا قبيحة، إذا دُفِنت روحك الآثمة مع بقايا جسدك في مقبرة الخائنين ولم تر أحداً حقَّت لك العودة.

حلمت أني اشتريت شقة صغيرة في بناية طابقية حديثة، جاءني الدور لأدعو زملاء العمل إلى بيتي، ولأن عددهم قد فاق الأربعين، قسّمتهم في مخيلتي إلى مجموعات، ودعوتهم مجموعة تلو الأخرى. حين بدأوا بالتوافد إليّ اكتشفت أن تجهيزات مطبخي وحمّامي ومرحاضي غير جاهزة بعد، ما زال الرمل والحصى وأدوات العمل في كل مكان، مازالت الأرضية دون بلاط والجدران دون طلاء. جلست مجموعة منهم في الحمّام، مجموعتان في المطبخ، مجموعة رابعة في المرحاض والمجموعة الأخيرة على البلكون الضيق المطل على المطبخ والزقاق. جلس الزملاء يتسامرون بينما أنا وأزيتا نقوم على خدمتهم.

مع مرور الدقائق راح الضيوف يستخدمون المياه في الحمّام لغسل أياديهم والمرحاض لقضاء حاجتهم، مع مرور الدقائق صرت أكتشف أن ثمة سائل أسود اللون بدأ يطفو في أرضية الحمّام والمرحاض، احترت في أمره، علامات الانزعاج بدت واضحة على وجوه الضيوف، الرائحة لا تطاق، شرع بعض الضيوف بالتهرُّب من البقاء بذرائع مختلفة للمغادرة، مع رحيل الضيف الأخير دأبت أبحث عن حل للمعضلة الكبيرة، كنت قد دفعت كل ما أملكه ثمناً لهذه الشقة غير الجاهزة بعد، لا مال لديّ لإكمالها، خاطبت نفسي: أينبغي عليّ إعادة تركيب التمديدات الصحية؟

ها هو وجه أخي المتوفي منذ زمن بعيد ينبثق فجأة في المشهد الحزين، يجلس في الحمّام والماء القذر يختلط مع الرمل والحصى، البراز يطفو بقطع يابسة تشبه قطع الكعك القديم أو الخبز اليابس، ها هو أخي يتكرَّم ويمدّ يده إلى المصفاة، يمسك براحة كفه القوية القطعة تلو الأخرى، يضعها جانباً آملاً أن ينفتح الأنبوب الهابط إلى المجرور الصحي في الزقاق، بعد عناء قطعنا الأمل بتصليح الخلل، ها نحن، أزيتا وأخي وأنا، نفك الأنابيب البلاستيكية ونبعدها عن بعض، ثمة أوساخ فيها لكنها ليست بالكثيفة كي تتسبّب في تسكير الدرب أمام مرور الفضلات، وقفت على البلكون ونظرت إلى الجهة الأخرى، ثمة مقهى متواضع جلس أمامه أربعة رجال من بلدان المغرب العربي، يشربون الشاي ويأكلون اللبن من علب صغيرة، أنزل إلى الشارع ممسكاً أحد الأنابيب بيدي، أحدهم يخاطبني بودّ: هل أستطيع مساعدتك يا جاري؟ لقد عملت في هذا المجال لفترة من الزمن. أجيبه من غير استحياء: لا مال لدي يا أخي كي أشتري قطع الغيار أو لأدفع لك أتعابك.

أستيقظ من تعبي وحلمي وسرابي، أستيقظ مع هايدرون في الفراش نفسه، دون أطفال أو ضوضاء أو مفاجآت، كما لم يحدث معي يوم تمنيت أن أستيقظ مع أزيتا في الفراش نفسه بمناسبة عيد زواجنا الثالث دون أن أفعل، بعد أن فاجأني عشيقها مازيغ، الرجل الحر.

عزيزتي هايدرون، هل قُتِلَت أزيتا حقاً؟
هل أنا من قتلها؟
لا أذكر أني قتلتها إلا في قلبي ورأسي.
هل يحاسب القانون على هذا النوع من القتل؟
هايدرون، هل تعلمين شيئاً عن مصيرها؟
هل اغتالها حرَّاس الثورة الإسلامية لانحرافها الأخلاقي؟
من منكم يعلم شيئاً عن مصير أزيتا بختيار؟
إن كانت قد قُتِلَت فعلاً، من هو الجاني؟ كيف قتلها وأين؟

***
النهاية





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,556,642,111
- جريمة في ستراسبورغ - 9 - النهاية
- جريمة في ستراسبورغ - 8 -
- جريمة في ستراسبورغ - 7 -
- جريمة في ستراسبورغ - 6 -
- جريمة في ستراسبورغ - 5 -
- جريمة في ستراسبورغ - 4 -
- جريمة في ستراسبورغ -3-
- جريمة في ستراسبورغ -2-
- جريمة في ستراسبورغ -1-
- والعالم يتغير من حولي
- والفوضى نصفها الآخر
- بئر حسن
- بستان الريحان
- دواليب
- خمرة معتّقة في قوارير جديدة
- رحلة إبداع بالعلم والأدب
- أوس أسعد يكتب عن: من الرّفش إلى العرشِ
- أوس أسعد يكتب عن: اعتقال الفصول الأربعة
- سأشتري شقتها قريباً
- مركز البحوث العلمية -9- المقطع الأخير


المزيد.....




- فنانة مصرية تكشف للمرة الأولى حالة عادل إمام الصحية (فيديو) ...
- صور لسعاد حسني وصباح وعمر الشريف وغيرهم تُعيد إحياء أجمل مشا ...
- وزارة الداخلية: اللائحة المتداولة لعقوبات تأديبية في حق رجال ...
- مشروع فني يُعيد إحياء أجمل مشاهد الأفلام وأبرز نجوم السينما ...
- جائزة البوكر: 7 نصائح تحسن مهارتك في الكتابة
- مارغريت آتوود وبرناردين إيفاريستو تتقاسمان جائزة بوكر
- خنازير عملاقة في الصين.. كيف تنبأ فيلم -أوكجا- بالمستقبل؟
- تطبيقات مجانية للأفلام الرقمية والموسيقى والكتب الإلكترونية ...
- بالفيديو... فنانة خليجية تصدم جمهورها بمظهرها الجديد
- هذا ما ابلغه العثماني للنقابات والباطرونا


المزيد.....

- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - جريمة في ستراسبورغ - فلم كامل