أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الصراطُ متساقطاً: بقية فصل الختام















المزيد.....



الصراطُ متساقطاً: بقية فصل الختام


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 6124 - 2019 / 1 / 24 - 14:13
المحور: الادب والفن
    


18
" لقد أمضى ساعاتٍ في البحر، ومع ذلك يريد البقاء بالماء "
قالت امرأتي مشيرةً إلى ولدنا بنبرة شاكية. ثم أضافت، وهيَ تومئ هذه المرة إلى جهة الشاطئ الرمليّ: " سأذهب وأجلس مع الوالدة ". هذه الأخيرة، بدت لعيني عن بُعد مثل صرّة ملابس بيضاء ( بقجة ). اقتربتُ من ولدي، وكان يطلق صرخات مبتهجة كلما هاجمته موجة جديدة، مزبدة. ما لبثت إحدى الموجات، وكانت مرتدة بقوة، أن غمرت أقدامي حتى أعلى الركبتين مبللةً بنطالي القصير. صغرى خالات ابني، كان منوطاً بها مراقبته وهوَ يلهو في المياه الدافئة. تجاهلتُ وجودها، كعادتي حينما أشعر بأنني في مجال رؤية أشخاص آخرين.
من ناحيتها، راحت " لمى " تحوم حولي، مشاركةً الطفل اللهو بالمياه وقد لمعت أطرافها العارية تحت ضوء الشمس. حركاتها المرحة، كأنما كانت تبغي تخفيفَ وطأة حَرَج انفرادنا على أثر واقعة المقهى تلك، التي كادت أن تتفجر بفضيحة داوية. بيدَ أنني سرعانَ ما نحيتُ تحفظي جانباً، مدفوعاً بالذكرى ذاتها، ليغدوَ سلوكي على طبيعته. فأمسكتُ بيدَيّ ابني، طالباً من خالته أن تحذوَ حذوي، فتمسك بقدميه. هكذا راح الصغيرُ يتأرجحُ في الهواء، مقهقهاً بجذل كلما مسّ جسده سطحَ الماء. إلى أن تركناه، أخيراً، يسقط في العمق الهيّن. فلما انحنت خالته ببطء كي تلتقطه مجدداً، فإنني لحظتُ من انحسار البنطال عن ردفيها أنها كانت بلا لباس داخلي.
وأمضي بعيداً عن منطقة الجاذبية الجنسية، ناقلاً قدميّ فوق غرين الشاطئ نحوَ جهته المكتظة بالمستجمين، والمفتوحة على منظر المدينة بأسوارها وأبراجها ومرساها. فيما أترك ولدي يلهو مع الخالة الصغيرة، فكّرتُ بما سيكونه شعور " سلوى "، الجالسة على الرمال بالقرب من والدتها، وهي ترقبني أنأى بنفسي. إلا أنّ ذهني كان حينئذٍ مشغولاً بأمر آخر: كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة ظهراً، ومن المفترض أن يبدأ الشيف عمله في الثالثة. على الأثر، قررتُ الاتصال به عوضاً عن انتظار مكالمته. ردّ من فوره عليّ، ليقول بلهجة توحي بالانشغال: " كنتُ سأتصل معك في الحال، لأعتذر منك على تأخري. ما رأيك بتأجيل ذهابنا إلى المزرعة إلى منتصف نهار الغد؟ "
" حسناً، وفي الغد ليلاً نمضي أيضاً إلى لامار "، أجبته شاعراً بالارتياح.

***
لم يمض أربعة وعشرون ساعة على لقائي صديقة " حامي "، إلا ووصل الأمر لعلم امرأتي. ربما أنها شقيقتها الصغيرة، مَن نقل الخبر؛ كونها قد وضعتني، مذ ساعة وصولنا إلى الصويرة، هدفاً لتلسكوبها غير المرئي. فلعلها عمدت بالأمس إلى ترك الآخرين في المرسى، لتعود أدراجها إلى الساحة؛ ثمة، حيث المقهى الإيطالي.
وكما أن الجاسوسة الصغيرة لم تُظهر نفسها عندئذٍ، كذلك عمدت " سلوى " إلى أسلوب الإخبات دونَ أن توحي بإلمامها بالموضوع. إذ اكتفت بالقول، بينما تدس جسدها تحت غطاء السرير: " إذا صادفتَ مرةً أميرة، سواء في الغزوة أو المدينة، فعليك بتجاهلها وألا تعطيها فرصة التكلم معك. والدتي، أخبرت حامي بأن هذه الفتاة لا تصلح له كزوجة ". توغلت عيناها بعدئذٍ في عينيّ، لمحاولة معرفة تأثير جملتها التالية: " لقد تنقلت بين أحضان زملائه في العمل، واحداً بأثر الآخر، وكل منهم كان يهجرها بعدما يحصل منها على ما يريد. علاوة على سيرتها الشائنة، فإنها تكبر حامي بلا أقل من ثلاثة أعوام ". بلى، لا تثريب على الواحدة منهن لو ارتبطت برجلٍ أجنبي يبلغ عُمره ضعفي عمرها تقريباً.. بل ويعدُّون ذلك، إحدى السُنن النبوية.

***
وكنا قد انتقلنا إلى الشقة الرئيسة، مباشرةً بعد عودة أسرة " أنغام " إلى مراكش مع شقيقتها وامرأة شقيقها. على مألوف العادة، أفردوا لنا حجرة النوم الكبيرة. الحجرة الأخرى، كانت أصلاً من نصيب " حامي " بينما الصالة للأم وصغرى البنات. إلا أنّ ابنهم لم يأتِ إلى الشقة ليلاً، وقد فهمتُ من تلميحات النسوة صباحاً أنه نامَ في الشقة الأولى أو لدى صديقته. كان واضحاً، أنه قررَ تحدي إرادة الوالدة.

19
عصراً، عند اجتماعي مع " حامي " في المقهى لمتابعة مباراة لأحد النوادي الاسبانية، لمّحتُ لموضوع صديقته، متسائلاً ما إذا قطع علاقته معها انصياعاً لطلب الأم. فقال لي مبتسماً بمرارة: " رأي السيدة الوالدة، يمكن أن يتغير مع الأيام. ولكنها أم الفتاة، مَن تقول أنها ترفض مصاهرةَ أناسٍ يخجلون من لغتهم الأمازيغية! ". كنتُ أعلم أن صديقته من إقليم السوس ( المنتمية إليه أمه أيضاً )؛ وهوَ إحدى البؤر البربرية، المناوئة لسياسة التعريب والاندماج الثقافي. متوقعاً أن يكون قد علِمَ بلقائي صديقته، سواءً على لسان صغرى البنات أو غيرها، لم أجد بداً من مصارحة " حامي " بالأمر. بدأت القول في غير قليل من الحَرَج: " صادفتُ أمس في المقهى، أميرة "
" آه، كان ثمة سوء تفاهم بيننا، وأظنها تطرقت إلى ذلك معك؟ "
" نعم، لمّحتْ للموضوع، كونها تعتبرني أقربَ الأصدقاء لك "، أجبته بطريقة ملتوية. غير أنّ ملامحه بقيت على صفائها، ولم تكن تشي بأيّ ريبة. مع أنني، بأي حال، لم أكن الملوم في ذلك الأمر.

***
" سلوى "، دأبت على الشكوى من الوحدة في بلد المهجر، وأنني حتى حينَ أكون معها فإنها لا تشعر بوجودي. وأعترفُ أن جزءاً من قولها كان ينطق بالحقيقة، وأني كففت منذ زمن عن إسماعها كلمات الغزل. كلانا كان يعوض وضعه العائليّ، المأزوم، بالانكباب على الكتب. ولكنها كتبٌ مدرسية، تلك التي تنهمك المرأة الملولة في مطالعتها. وإنها مجّدة في الدراسة، مع أنّ خاتمتها ستكون في خدمة عجائز مسنين، أضاع أكثرهم ذاكرته وبات في حاجة لمن يساعده بكل ضروريات البقاء على الحياة. مع ذلك، تجد كثيرات من مواطناتها، بمن فيهن شقيقاتها، يحسدنها على نعمة العيش في بلدٍ أوروبيّ شماليّ؛ هن مَن يحصلن على اللقمة بشق النفس، ناهيك عن إهدار الكرامة. بلى، إنّ العيش مع رجل أجنبيّ ( حتى لو كان متقدماً في السّن )، لهوَ أرحم بالنسبة إليهن من قضاء العُمر في ظلال الحاجة.. بله أن يكون الرجلُ شبيهاً بأبطال المسلسلات التركية، الذين يتكلمون باللهجة السورية الجميلة!
بيد أنها رومانسية، مثيرة حقاً للضحك، ما لو وضعناها على محك التجربة. لقد سبقَ أن قرأتم فيما مضى، كيف كنت أنسج علاقات واهية مع فتيات الشوارع وذلك بهدف إطلاق ألسنتهن ومن ثم نقل كلامهن إلى الورق. مرات عدة، كان الأمر يتعلق أيضاً بفتيات مستورات، ومنهن طالبات مدارس ثانوية ومعاهد جامعية. بالرغم من أنني عنكبوتٌ كسول، فإن الفريسة كانت تقع في شباكي بسهولة ويسر. الطبع الخجول، المتحفظ، يجذب إليه الفتيات العذراوات أكثر مما يفعله نقيضه الجسور، المنطلق. هذا مع تشديدي، بأنني لم أكن أذكر أبداً أمرَ اهتماماتي الأدبية أو تابعيتي الأوروبية. بحَسَب نتائج أبحاثي تلك، وأكثرها موثق على الورق لديّ في أرشيفي، في الوسع التأكيد على أنّ همّ غالبية الفتيات، كان معرفة ما إذا كان جليسها لديه مشروع استثماريّ في المغرب أو في موطنه الأصليّ. إحداهن، وكانت سمراءَ بملامح متناسقة وجسمٍ رشيق، اتسعت حدقتا عينيها حينَ أخرجتُ، تلقائياً، جهازَ الهاتف المحمول من جيبي على أثر صدور رنينه. إذ كان موديل الجهاز قد بطل في كل مكان بالعالم، اللهم إلا لو أراد المرء الحصول عليه من رصيف الأشياء المستعملة. ولكن الفتاة ابتسمت في ارتياح، لما قلت لها كاذباً: " أتعمّدُ حملَ هذا الموبايل القديم، بهدف تضليل اللصوص المتربصين! ".

***
ربما كنتُ وصلتُ بأفكاري إلى حَدَث الموبايل، آنف الذكر، آنَ بدأ هذا بإطلاق لحنه المميز. كان " سيمو " على الخط الآخر، يسألني لو كنتُ مستعداً لمرافقته إلى المزرعة المهجورة. فأجبته، بأنني سأكون عنده خلال نصف ساعة بالكثير. خطواتي، كانت إذاك قد قربتني من المدينة. فارتأيتُ أن من الأجدى عدم العودة إلى الشاطئ والاكتفاء بإعلام امرأتي، هاتفياً، عن ضرورة ذهابي إلى الغزوة. قالت لي، مستاءة: " ولكننا كنا نود المرورَ على المرسى، لشراء الحوت والكروفيت؟ ". فطلبت منها أن تشتري هنالك ما تريد، وألا تحسب حساباً للنقود.
فضّلتُ أن أستقل عربة أجرة من جانب الكورنيش، لأوفر عليّ الوقت اللازم للوصول إلى الغزوة. إذ يبدأ الشيف دوامه بالفندق في تمام الثالثة عصراً، وكانت الوقت الآنَ قد قاربَ منتصف النهار. سائق العربة، عبّرَ عن امتعاضه لما طلبتُ منه الذهاب إلى الضاحية: " الشرطي، هنالك عند حاجز التفتيش، سينتزع مني نصفَ الأجرة في طريق العودة، كون خط الغزوة مخصصاً للسرفيس لا للتاكسي! "، أوضحَ الرجلُ جليّةَ الأمر. بهدف تخليصه من ورطته، تنازلتُ عن حقي بالركوب وحيداً. شكرني الرجل، وما لبثَ أن ألتقط من الطريق راكبين آخرين. عند ذلك، تكلمتُ مع " سيمو " لأخبره أنني سأكون بانتظاره عند مدخل أسواق السلام.

20
وصلنا للمكان، الشيف وأنا، في وقت واحد تقريباً. رفع " سيمو " يده بالتحية، وهوَ منتصبٌ على طرف الطريق الرئيس، ثم ما عتمَ أن خطى باتجاهي ليتلقاني بقبلة على وجنتي على عادة مواطنيه. كما اليوم البارح، كان متأنقاً بسترة سبور وكأنه ذاهبٌ إلى حفلة وليسَ إلى العمل. قال لي في حيوية: " سنأخذُ دربَ الفيلات، ولن يستغرق وصولنا للمزرعة سوى عشرين دقيقة "
" أخشى أن تتأخر عن عملك بسببي، كونك أتيتَ بدون سيارتك "
" لا، سينتظرني يونس في السيارة حال فراغنا من معاينة المزرعة. أنت تعرفه، يونس ذاك، هه؟ "
" بلى، لقد التقيتُ معه أكثر من مرة عند أصدقاء حامي "، أجبته ضاحكاً. شاركني الرجلُ شعورَ المرح، بأن كشّرَ عن أسنانه الناصعة البياض. فمجرد ذكر اسم " يونس "، كان كافٍ ليثير ذلك الشعور لدى مَن يعرفه. فقد كان شاباً معرَّفاً بين الأصدقاء بطرافة حركاته ولذعات كلامه. في المقابل، كانت حياته الأسرية آيلة للانهيار بسبب ما يُقال عن ابتلائه بزوجة عَسِرة ومتطلّبة. راتبه كان زهيداً، مما أضطره لترك أسرته في مراكش. إذ على الرغم من شهادته الجامعية، باختصاص طاهٍ، فإنهم أوكلوا إليه في الفندق العملَ بجلي الأطباق.
إلا أنّ داعي ضحكتي، في حقيقة الأمر، كان على خلفية لقائي أمس مع الشاب في المقهى صُحبة " حامي ". كان قد فاجأني بالقول، راسما على ملامحه علامات السخرية: " تعرّفتَ على الشيف سيمو؟ هوَ أخبرني بالأمر، متبجحاً أنه يمدك بالمعلومات المفيدة لكتاب تزمع وضعه عن مراكش. ولكن إياك أن تحمل أياً من أقواله على محمل الجد، فإنه معروفٌ لدينا بلقب الكذّاب! ".

***
هكذا سرتُ مع " سيمو " باتجاه المزرعة المهجورة، وقد امتلأ داخلي غبطةً بقرب إنهاء المهمة الأدبية، الموكلة إليّ من لدُن ناشر هذه السيرة. وكانت ظهيرة يوم معتدل، تزين سماءه الشمسُ كما تفعل وردة صفراء على صدر غادةٍ فتيّة. النورس، كان يحلق في عين الشمس، وكما لو أنه تاه عن أماكن صيده البحريّ. زقزقة العصافير، صارت تتناهى من بعيد، مبشرةً بقرب وصولنا إلى حي الفيلات بحدائقه وعَرَصاته الخضراء. كنا نمشي بإزاء الطريق العام، حيث تتبدى القرية القديمة بمساكنها وحقولها المعفرة بالغبار والأتربة، فيما البيوت الحديثة، وأغلبها فيلات، تتناثر في مقدمة المشهد مع أسوارها المشغولة من المعدن أو القصب. تذكرتُ إذاك حينا الدمشقيّ، وكان في بداية تأسيسه ملحقاً بضاحية الصالحية، التي أسسها أسلافنا من بني أيوب: منذ بداية الثمانينات، أي بعد ثمانية قرون بالتمام، اختفت أغلب منازل الحارة ومعالمها الأثرية، بعدما حل نوعٌ جديد من الجشع بين الأهالي، غُذيَ من لدُن متعهدي الأبنية الحديثة.
تجاوزنا مسجد الضاحية الكبير ذي المنارة الشاهقة والأنيقة، لننعطف إلى ناحية اليمين؛ أين حي الفيلات الرئيس، وكنتُ مررت عبره أكثر من مرة في السابق. شأن المناطق التي تتوزع فيها مساكن الضاحية ذات الأدوار العديدة، كان الحي مقسوماً بين شوارع فسيحة يضم كل منها مجموعة فيلات على حدة، يجمعها نمط عمارة مشترك. على الرغم من وفرة الأراضي هناك، فلم تستأثر أيّ فيلا بقطعة أرض ملحقة بها. فاكتفيَ لكل منها بحديقة داخلية صغيرة، تتطاول منها شجيرات الليمون والزيتون والرمان، فيما عرائش المجنونة بألوانها المتعددة تغطي واجهة البناء الرئيسة.
على خلاف ذلك تماماً، بدت مزرعة " مسيو جاك "، التي تحيط بالفيلا ويصل سياجها المعدنيّ، المتهتك، إلى مشارف الوادي. النهر، وكان يشق طريقه خِلَل الوادي، ما يفتأ جافاً تقريباً على أثر انقضاء الصيف. على ذلك، كان منظرُ أرض المزرعة، المتصحرة، منسجماً مع جارها الوادي. ثم وقفنا قبالة مرسم الفنان الفرنسيّ، المنتصب وحيداً وسط القحط المحيط به من كل جانب، والذي كان فيما مضى أشبه بالجنّة بحَسَب مدونات سيرتنا. لقد تداعى سقف المرسم، وكذلك تشققت جدرانه وتعفنت بفعل رطوبة البحر والشمس الأفريقية اللاهبة. البناء الرئيس للفيلا، لم يكن أحسن حالاً. بينما كان مرافقي يلقي نظراتٍ غير مكترثة على المرسم والفيلا، فإن داخلي فاضَ بالغم الملازم لكل فنانٍ، يشعُر بفداحة إهمال ترميم الأماكن ذات القيمة الثقافية.

21
" أنتَ زرت المزرعة قبلاً؛ فهل كانت دائماً بهذا الشكل القبيح؟ "
سألتُ الشيف بنبرة المتألم. ربما أحسّ بمشاعري، سواءً من ملامح سحنتي أو صوتي. إلا أن شكله، المذكّر بالثور، سيكون متناقضاً لو تنكّرَ بالرقة. هوَ ذا يتفحصني بعينيه القاتمتين، المائلتين قليلاً شأن بني جلدته، قبل أن يجيب: " نعم، إذا كان قصدك زيارتي لها بعد وفاة مَن ورثها؛ أي ذاك اليهوديّ؟ "
" وزكرياء هذا، ألم يكن له ورثة.. زوجة وأولاد؟ "
" لم يتزوج، أبداً. عرفتُ الرجل عن طريق مخدومه، مسيو جاك. كانت علاقتهما حميمة، لدرجة شيوع شائعات مغرضة بحقهما. ولقد صدقَ المغرضون، بعدما عُلِمَ أن المسيو أوصى لليهوديّ بمزرعته فضلاً عن محل لبيع اللوحات "
" لو صدقت الشائعاتُ حقاً، فلا بد أن المستخدَمَ كان هوَ المثليّ السلبيّ؟ "، تساءلتُ ببساطة كي أضفي جواً من عدم التكلف على حديثنا.. لقد أردته، مثلما نوهت من قبل مراراً، حديثَ مكاشفة. ضحك " سيمو " من تعبيري المتفاصح، وأكّد كلامي وفق اللفظ المغربيّ: " زامل؛ بلى، كان زكرياء كذلك في حقيقة الحال "
" وماذا عن علاقته المزعومة بخادمة المسيو؛ كان اسمها نفيسة، على ما أذكر؟ "، ضغطت على اسم حماته، ولو أنني نطقت السؤالَ بشيء من الاستحياء. أدهشني حينَ ضحك ثانيةً. مطأطئاً رأسه قليلاً، رد قائلاً: " أنت تملك الكثير من المعلومات، وهذا دلالة على أنك كاتبٌ مجدّ! لا تستغرب من كلامي، فأثناء سنوات سجني قرأتُ الكثير من الكتب.. وكان بينها كتب محمد شكري. هل تعرفت عليه؟ "
" لا، لقد أتيت للمغرب أول مرة بعد وفاته بعامين "
" آه، لقد مات إذاً؟ خسارة! "، قالها بطريقة أثارت ابتسامتي. لم يبدُ الانزعاج على وجهه، حينَ مد يده إلى جيب سترته ليُخرج علبة السجائر مع الولاعة. قلتُ له خِلَل دخان السحبة الأولى من التبغ الفاخر، المشتعل: " يا لها من مصادفة طريفة، أن أقرأ بدَوري ‘ الخبز الحافي ‘ لأجد على جلد الغلاف الداخليّ، الأخير، جملةً تقول: إذا كنتَ في المغرب، فلا تستغرب! ". ثم مضيتُ موضحاً: " من سجّل الملاحظة، وضع اسمه الأول مع تاريخ قراءته للكتاب وأنه يقبع في السجن. مما يعني أنه طلبَ استعارة الكتاب من مكتبة مدينتنا السويدية، وهوَ يقضي حكماً جنائياً ما ". لم يعلق الشيف على الموضوع، بل فاجأني بسؤال غير متوقع وهوَ يتفرسُ فيّ من جديد: " أعذرني لو سألتك، ما لو سيكون كتابك على غرار كتاب محمد شكري؛ قصصاً حقيقية لأناس عرفتهم هنا؟ ". قال ذلك، مضيقاً عينيه. لاحَ أنه توجّسَ من مغبّة إقحام اسمه في الكتاب. ما سيجعلُ استنطاقه شاقاً عليّ، إذا لم أعمد لطمأنته. هكذا أجبته بعد لحظة تفكير، متكلفاً لهجة رزينة: " لا، بل هوَ كتابٌ أكثر مرحاً! أعني، سيكون بمثابة تعريف بمراكش من خلال وصف أهلها وعاداتهم وحضارة المدينة "
" إيه، هكذا تشجع السياحة أيضاً! "، نطق جملته بارتياح. ولكن يبدو أنه آبَ إلى حالة القلق، لما تذكّر أن عليه إجابة سؤالي بخصوص حماته الراحلة. ذلك أنني عدت وكررت السؤال، محاولاً ما أمكن اتخاذ صفة الشخص الفضوليّ. أجابني ورنة غريبة من الحزن تطفو على كلماته: " رحمها الله، وغفر لها. لحُسن حظ خَجي، أنها لم تكن تحت يد جدتها القاسية في أثناء الطفولة. لا أدري، ما لو كنتَ تعلم أن للمرحومة ابناً معاقاً؟ بلى، لقد مات قبلها بأعوام عديدة، وربما من قلة التغذية علاوة على سوء المعاملة "
" ابنها..؟ "، تساءلت ثم واصلتُ بسرعة: " سمعت عن الغلام المسكين من سيامند، ولكنه ربما لم يعلم بموته ". وكان الشيف قد رفع حاجبيه لدى نطقي سؤالي تلقائياً، ودون وعي. إلا أنه، على الأغلب، لم ينتبه لما وراء الأكمة.

***
ضربَ " سيمو " يده على جبينه وهوَ يضحك، قائلاً: " لقد نسيتُ أنك سألتني، عن علاقة نفيسة باليهودي؟ أنت أيضاً، مثلي، يبدو أنّ لك عادة الاستطراد بالكلام! ". شاركته الضحك، ولو بفتور. ولكنني، في المقابل، استمعت باهتمام إلى رده على سؤالي الأول: " لا أبغي ظلمَ المخلوقة وربما تسمعنا الآن، وهيَ بين يديّ ربها. على أيّ حال، يقال أنها كانت لها علاقات مع غير زكرياء. والغريب، أن الآخرين كانوا كذلك شاذين جنسياً؛ كمسيو جاك ومسيو غوستاف "
" والضابط؛ هل كانت له علاقة مع المرحومة؟ قصدي، ذلك الجنرال وأظنهم كانوا يدعونه بالعُرْبي؟ "
" لا أدري، في الحقيقة. إنما يقال أنها كانت تعمل لحساب العُرْبي في تهريب المخدرات إلى اسبانيا عن طريق منفذ سبتة. لقد ترحّمَ هوَ الآخرُ، وكان ذلك بحادث سيارة. حصل الأمر في أواخر عهد مولانا الحسن، رحمه الله. ويقال أيضاً، أنه كان حادثاً مدبراً، كون الجنرال جعبة ضخمة من المعلومات عن ذلك العهد؛ وبالأخص فيما يتعلق بالمعتقلين والمفقودين، سواء السياسيين أو الموالين المغضوب عليهم "
" لم يذكر لي سيامند شيئاً عن مصير الرجل، مع أنه كان قد شكّل ما يشبه الشركة معه ومع شخص ثالث، اسمه عبد الإله "
" عبد الإله..؟ ذلك الكذّاب! "، قالها ضاحكاً. وانفجرتُ أيضاً بالضحك، ولو كان لداعٍ ضافٍ. إذ تذكرتُ نفسَ الصفة، التي أطلقها على محدثي نفسه مرؤوسُهُ في العمل، " يونس ". ثم أردفَ صاحبُ الصفة المشنوعة، ووجهه ما ينفك متوهجاً بالمرح: " أظنه الآنَ في أحد دور العجزة بباريس، إذا لم يكن قد مات ". في الأثناء، كنا قد وجدنا أنفسنا في الصالة الرئيسة للفيلا دونما أن ننتبه؛ وذلك لاستغراقنا في الحديث.

22
مرقنا من مدخل الصالة الأرضية للفيلا ، المفتوح على المكتب. تهالك " سيمو " هنالك فوق مقعد قديم، فاحت رائحة جلده الممزق والحائل اللون. أرسل بصره في أنحاء الحجرة، حيث الرفوف خالية إلا من بعض الكتب الممزقة أو المتآكلة بفعل أسنان الفئران: " لقد نهبوا كل شيء، والعجيب أنهم تركوا هذا المقعد! "، قال ذلك وهوَ يضرب مسندي المقعد بيديه القويتين. وكان عابساً، كما لو أنه وارثٌ مصدوم. طاولة المكتب، ولعلها تركت بمكانها لثقلها الهائل، كانت بدَورها مجردة مما حفلت به يوماً من أشياء تخص عمل صاحب الفيلا فضلاً عن تحفه النادرة. ارتقيتُ فوق سطحها، لأقعد مقابلاً لمجلس مرافقي الملول. إذاك، تذكرتُ بعض المشاهد، المتواشجة مع موضوع السرقة: مصادفتي يوماً في المرسى لرجل مسنٍّ نوعاً، كان يقتلع قرميد الرصيف ويضعه في جوال. كان يفعل ذلك بكثير من الرضا والتأني، دونما خشية من مساءلة. في مراكش، عمدت السلطات إلى رفع الشبكات الحديدية، الموضوعة فوق أحواض أشجار الليمون المزينة الشوارع، بسبب قيام اللصوص بانتزاعها وبيعها كخردة. وهنا في ضاحية الغزوة، تقوم النسوة بمد حبال الغسيل قدام أبواب منازلهن لتعذر نشره على أسطح العمارات، خشيةً من سرقة الثياب والحوائج الأخرى!
" لحظتُ، يا صاحبي، أنك تستعمل اسمَ خجي لا خدّوج؟ "، استفهمتُ منه مسبغاً صفة الصداقة على خطابي. يبدو أن السؤال فاجأه. رمقني بنظرة حذرة، وكأنما ارتاب مما وراء السؤال. إلا أنه عقد يديه على صدره، معاوداً الابتسام، ليجيب في ثقة: " نعم، لقد أطلقوا عليها اسمَ ‘ خدوج الصغيرة ‘، بما أن صغرى أخواتي هيَ الكبيرة. مع حلول عمها سيامند في مراكش، ولحين مغادرته البلد نهائياً، صاروا ينادونها باسم خجي. وبالطبع، فانّ مصدرهما كلاهما هوَ اسم السيدة خديجة عليها السلام "
" والشريفة؛ أيّ من الاسمين كانت تُفضل أن تُدعى ابنتها؟ "، فجّرتُ أخيراً ذكرَ طليقته في مسمعه. لحظتُ أنه غرق أكثر في مقعده، متململاً مفكّراً. ولم يعمد هذه المرة إلى تصنّع هيئةٍ، أو نبرة، مخالفة لمشاعره. بيد أنه لم تنقصه الحيلة، للتملّص من شباك العنكبوت. نظرَ في ساعته، قائلاً بلهجة المعتذر: " مر الوقتُ بسرعة، وعليّ أن أكون في الخدمة بعد أقل من نصف ساعة. يمكننا مواصلة الحديث ليلاً، ثمة في لامار ".

***
وكما يحصل في المدن البحرية، بدأ الجو يتجهّم فجأة. عقبَ ذهاب " سيمو " بدقائق، اهتزت السماء من قصف الرعد. وكأنما ذلك مراسم، بهدف توديع الشيف مع طلقات المدفعية. عدلتُ عن العودة إلى المدينة، مقدّراً أن جماعتي سيهرعون تحت المطر إلى موقف سيارات الأجرة حتى بدون المرور على سوق السمك في المرسى. سرت نحو الشقة، وأنا نهبٌ لمشاعر شتى وغالبيتها تداور حول حديثي مع الشيف. لما اقتربت من شارعنا، كان الغيث يهطل ببطء ولكن بقطرات كبيرة. ثم بدأ المطر ينهمر بغزارة، ما جعلني أعدو ركضاً. إذ خرجتُ من المسكن صباحاً مرتدياً، حَسْب، قميصاً قصير الأكمام فوق بنطال الشورت. ما أن وصلت للبناية المطلوبة، حتى تهالكت في مدخلها فوق الدرجات السفلية. تشكلت بسرعة بقعة ماء عند الردهة السماوية للبناء، المظللة من الجانبين بأشجار مسك الليل، المنبثقة من حديقتي الشقتين الأرضيتين. النسخة الوحيدة من مفتاح الشقة، كانت مع جماعتي. بعد نحو نصف ساعة من مكوثي هنالك عند العتبة الداخلية، صرتُ كلما صدر صوتُ محرك سيارة، أتوقع وصول الجماعة. ثم غرقت مجدداً في أفكاري، إلى أن نبهني صوتُ خطوات متعجلة فوق الرصيف. وإذا هي " لمى "، تخطو إلى داخل المبنى بثوبها المبتل.

***
" تركتهم ثمة، عند موقف سرفيس باب دُكالة، يحاولون تأمينَ سيارة أجرة "
قالت " لمى " وهيَ واقفة فوق رأسي، وكانت ما تنفكّ تلهث. عندما لا تكون سيارة " بيير " تحتَ تصرفنا في الصويرة، نواجه دوماً هذه المشكلة: عددنا الكبير، يجعلنا نضطر غالباً إلى ركوب سيارات الأجرة بشكلٍ إفراديّ أو ثنائيّ. سألتُ قريبتي الصغيرة، عما لو كان مفتاح الشقة معها. فاكتفت بهز الرأس، ثم سارت أمامي تصعد الدرجات نحو الدور الأخير. ثوبها الراشح بالماء، شفّ عن عري كفلها الكبير؛ وكانت بلا لباس داخلي، مثلما جرت الإشارة سابقاً. لعنتها في سرّي، كونها ككل مرة تبلبل أفكاري بالإثارة المستهترة، فتسلمني لشعور تأنيب الذات. لولا أن المطر يهطل مدراراً، لتخلصت من المأزق متحججاً بضرورة ذهابي للدكان لشراء شيء ما. وظلت هذه العبارة، " ليتني فعلتُ ذلك "، تدوي في رأسي دوماً ـ كأنها قصفُ الرعد في تلك الظهيرة، الحافلة.

23
تركتُ صغرى البنات في صالة الشقة، تغلق النافذة المطلة على الطريق، لأتوجه إلى حجرة النوم كي أبدل ملابسي. كنتُ راقداً على السرير الفاره، مكتسياً الجلابة الخفيفة، عاقداً يدي خلف رأسي، حينَ اقتحمت الفتاة الطائشة الحجرة. قالت لي في رقة، وهيَ تهم بفتح باب خزانة الملابس، المصنوعة من خشبِ شجرةٍ ما: " سأغيّر ثوبي.. ". ثم إذا بها تخلع الثوب بحركة حاسمة، ليلمع جانبٌ من عري بدنها من وراء الدولاب. إذاك، كنتُ أهمّ باجتياز موقفها في طريقي إلى خارج الحجرة. فأمسكت عندئذٍ يدُها الطليقة بياقة جلبابي.
" لِمَ تتهرب مني، ككل مرة؟ "، قالتها هامسةً بنبرةٍ تحفلُ بالرجاء والأمل. مجفلاً، تراجعتُ أمام مفردات كلماتها وعريها الصارخ سواءً بسواء. فانشق قماشُ جلابتي في يدها، مصدراً صوتاً كأنه صدىً للرغبة المكبوتة.
" ولكن أرجوكِ، لمى! ما هذا منك؟ هل جننتِ؟ "
كرّت عبارتي وأنا غاية في اللهوجة، وكما لو كنتُ أجاهد للخلاص من براثن وحش مفترس. وكانت كذلك فعلاً، حيث ردت عليّ بتمزيق قميصي الداخلي هذه المرة: " آه، تسألني عن جنوني وأنتَ مَن سلبتَ عقلي مذ أن رأيتك في أول لقاء! "، قالتها ثم دفعتني إلى السرير مع لباسي المتهتك. انحنت فوقي بوجهها الكبير، الجميل مع ذلك بتقاطيعه المحددة، مضيفةً وهيَ منفعلة لاهثة: " ليلة الكريسماس تلك، تساءلتُ وأنا أهبك جسدي كي تفعل به ما يحلو لك: لِمَ خنّسَ تحتي، متصنعاً النومَ؟ "
" لمى.. فكّري بشقيقتك؛ وربما صارت الآنَ داخل العمارة مع أمك "
" إذا كان هذا هوَ ما يشغل بالك، فاعلم أنني أقفلتُ باب الشقة من الداخل..! ". لم أعُد أجادلها، ما دام كل شيء قد أختلط في ذهني؛ الشهقاتُ المرتعشة، المرتعدة، هديرُ الرعد وصدى العاصفة المحملة بالأمطار. مفردة مقتضبة، رددتها الفتاة الطائشة بعد دقائق، حينَ قبعَ جسدها تحتي، وكانت بالانكليزية: " فاك.. ". ربع ساعة على الأثر، وكان كلانا راقداً فوق السرير، يتحاشى النظرَ في وجه الآخر. رن موبايلي، فرأيتُ اسمَ امرأتي على شاشته المضيئة. نهضت بسرعة إلى الخزانة، فتناولت منها جلابة جديدة، لانزلق فيها دون أيّ لباس داخلي. فعلت ذلك، بينما كنتُ أحث " لمى " بعينيّ على مغادرة الغرفة. ثم ما عتم أن انبعث من الجهاز صوتُ امرأتي المألوف، الشاكي: " أنتَ في الدار؟ إذاً أنزل كي تعيننا في حمل الأغراض.. ".

***
لا أدري كم أستغرق رقادي على السرير، وأنا أهوّمُ بين الغفوة واليقظة. كنتُ كذلك، آنَ انتبهتُ إلى حلول الظلام والهدوء. ثم دخلت " سلوى " إلى الغرفة، ونادتني باسمي برفق معتقدة أنني ما زلتُ سادراً في الرقاد. سألتها عندئذٍ عن الوقت، فقالت أنه تمام الثامنة وأنني نمتُ أكثر من ثلاث ساعات. لحظتْ أنني ما أفتأ دون لباس تحت الجلابة، فبادرت للقول: " أفهمتك قبلاً، أن الغسيل يطول عدة أيام حتى يجف وذلك بسبب رطوبة البحر. كان عليك أن تشتري مزيداً من الألبسة الداخلية، عوضاً عن صرفَ النقود على الخمر والشيشة! ". ابتسمتُ في سري لسذاجتها. ولكنني أجبتها، مغيراً الحديث: " أنا مرهقٌ للغاية، وربما بسبب الكوابيس. لقد غفوتُ بعد الغداء مباشرةً، والسمك ثقيل على المعدة كما تعلمين "
" نعم. وما أعلمه أيضاً، أنك ستمضي عند منتصف الليل إلى البار مع زميل لحامي. فمتى سترجع، إذاً؟ "
" وما الفرق، إذا سهرت معه في شقته أو في البار؟ على أي حال، سنذهب في السيارة. ولا تنسي، أنني بحاجة لمعلومات الرجل من أجل كتابي المراكشيّ "
" أخشى، في خاتمة المطاف، ألا تجني فائدة من كتابك. مثلما فعلتَ حينَ توقفت عن الكتابة لذلك الموقع الخليجي، وكنت تحصّل منه ثمن مقالاتك بالدولار! "، قالتها بشيء من القنوط. هذه المرة، ضحكتُ ملء فمي لحديثها عن الفائدة، مستعيداً كذبة أخيها الكبير بشأن الإهداء الملكيّ. أما بخصوص الدولار، فإنّ الكذبة كانت من تأليفي واضطررت لها في أوان خطبتنا. فلا شيء أصعب من وضع الكاتب، عندما تؤكل حقوقه.. بله وهوَ أيضاً في بيئةٍ غير ثقافية، لا هم لها سوى المال.

24
كان ثمة متسع من الوقت، لحين انتهاء خدمة الشيف في الفندق. معاودتي الرقاد، كان له باعثٌ آخر؛ وهوَ عدم رغبتي المكوث مع " لمى "، هناك في الصالة. لا وجود لكتب جديدة في الشقة، مثلما أنني زهدتُ في أمر الذهاب إلى المقهى الحديث، الوحيد في الضاحية. المطر، كان قد سبقَ وانقطع مذ لحظة هجوم الصغيرة الطائشة على حجرة النوم هذه: كأنما صاحبُ العرش، المتربع على طبقة السماء السابعة، تعذرت عليه رؤية المشهد الآثم، المثير، فأمرَ الملاكَ المكلف بشؤون الطقس إيقاف العاصفة!
عدتُ إلى التهويم بعدما أمرتْ الرغبةُ، هذه المرة، إقحامَ ذلك المشهد، الآفل، في ظلام الغرفة: كيفَ هاجمتني القريبة الطائشة، مدفوعة بسعار لا يُقاوَم، متقطعة الأنفاس، لاهثة.. وكيفَ راحت، من ثم، تتقلب على السرير إلى أن حلقت فوق الذكر، المتوتر. وازع الذعر من فض الغشاء المقدس، كان الدافع إلى بطحها على بطنها. وربما فكّرتُ عندئذٍ بنوع من العقاب، يشكم رغبتها المجنونة أبداً. لدهشتي البالغة آنئذٍ، انقلبت الطائشة إلى الجانب الآخر، مرددةً تلك المفردة الانكليزية. بلى، لم تكن تلك اللجاجة الملحة، التي أجبرتني أن أكون طرفاً فيها كل حينٍ بحركات الإغراء والإغواء ـ لم تكن سوى احتجاج جسدها، المتعطش للجنس، والمعتاد عليه: تماماً كما حال الفتية المدمنين في شوارع مراكش، الذين يشحذون الدراهمَ من المارة كي يهرعوا من بعد إلى الدكان، لشراء نوعٍ رخيص من الغراء، يشمونه تعويضاً عن المخدرات الباهظة الثمن.

***
كذلك كنتُ، أهيم في خضم ذكرى الموقف الآثم، مرتعشاً من النسيم البحريّ المتسلل خِلَل النافذة، آنَ تردد في ظلام الغرفة لحنُ الهاتف الجوال. الشاشة المضيئة، أثارت استغرابي حينَ أظهرت سحنةَ الشيف الباسمة، ومَن راحَ يحثني على اللحاق به في الحي اليهوديّ. أقول له، محتجاً: " وما هوَ شغلنا في الملّاح، يا صاحبي؟ ". فلا يكون منه إلا إطلاق قهقهة عالية: " ألم تحضر من المدينة الحمراء، بهدف رؤية المرأة ذات الثوب الأحمر والبرّاق؟ فلو بقيتَ متمسكاً بهدفك، فانتظرني إذاً أمام مدخل الملّاح من جهة باب دُكالة "، قال ذلك ثم أقفل الخط. على الأثر، أجدني في سيارة أجرة، تضعني على جانب ساحة المدينة من جهة المرسى. ثم سيرٌ حثيث عبرَ الساحة المقفرة من الخلق، المتلاعبة في أنحائها الريحُ الباردة، المكتنزة رائحة رطوبة البحر وكائناته المتعفنة على أطراف سوق المرسى. أمضي من بعد مسرعاً باتجاه الملّاح، متخذاً طريقَ السوق الجديد. هنالك في نهاية السوق، برزت القنطرة المهيبة لباب دُكالة، ولاحَ صاحبُ جسم الثور هنالك كأنه خفيرٌ ليليّ. اكتفى الشيف بإيماءة من رأسه، فيما يسير على مهل منعطفاً إلى جهة مدخل الملاح، المحاذي للقنطرة. بقيَ صامتاً، حتى بعدما حاذته خطواتي المضطربة، المترنحة. ثم خرجنا من الممر إلى دربٍ سماويّ فسيح، يكتنفه السورُ البحريّ، المتآكل بفعل الرطوبة والإهمال. توقف الشيف على الأثر، فأشعل سيجارة وراح ينفث دخانها بمتعة. لم أشك أن لفافة التبغ مخلوطة بالكيف. خاطبني بصوتٍ هامس، وكأنه يخشى أن تكون الأشباحُ متواريةً في مكان ما: " ستمضي لوحدك، سالكاً دربَ الزنقة المفضية في نهايتها إلى ساحة الملّاح.. أنت تعرفها الساحة، هيه؟ حسناً، ما أن تخرج إلى الساحة حتى تجد منزلاً ذا بوابة كبيرة خشبية، مقوسة، عليها علامة الخميسة. أدفع الباب، وسينفتح على دهليز متصل بفناء المنزل. كان بودي أن أكون معك، ولكنّ الشريفة ستملأ الليل بالصراخ لو وقع بصرها عليّ. أمضِ، أسيدي، والله يكون في العون! ". ثم اختتم كلامه بانحناءة من رأسه في حركة تبجيل. أردتُ أن أقول شيئاً، إلا أنه أسرع بمغادرة المكان، وما لبثت العتمة أن ابتلعت جرمه الضخم. بدَوري، مضيتُ نحوَ الجهة المقصودة، متعثراً بذعرٍ خفيّ. فأغلب منازل الحي مهجورة، سبقَ لأصحابها أن هاجروا إلى أرض الميعاد. الجدران منخورة والأسقف متداعية، فكأنما المرء يخترق مجاهل كهف لا نهاية له. إلا أنّ الزقاق أفضى أخيراً إلى الساحة، وكان المنزل المطلوب هنالك، عليه رسم الكف الحامي من العين الشريرة. ما أن دفعتُ البوابة الكبيرة، المرقشة الإطار بمسامير زينة معدنية، إلا وجرذ كبير يُفاجأ بوجودي فيجري عبرَ الدهليز الغارق بالظلام. لم يكن صحن الدار أقل وحشة ورهبة، وقد انتصبت في وسطه شجرة زيتون هرمة. على حين غرة، اشتعلت أضواء لمبات صغيرة متدلية من أغصان الشجرة، فلحظت أن لكل منها ما يشبه علامة الخميسة. تمعنت عن قرب بتلك الرسوم، وإذا هي أسماء شخصيات السيرة المراكشية وقد تسلسلت على المصابيح من تحت لفوق بحسب قِدَمهم. فلما انتهيت من قراءة الاسم الأخير ( وكان، يا للعجب!، اسمي نفسه )، فإذا بالمكان يُضاء جميعاً بمصابيح مبهرة غير مرئية. ثم اندفع بعدئذٍ من مكانٍ ما في الدار جمعٌ من الناس، وعلى وجوههم أقنعة ذات أشكال مختلفة. أحاطوا فيّ ضمن حلقة، فتراجعتُ تلقائياً إلى موقع الشجرة أحمي ظهري بجذعها. فاصطدمَ رأسي بأحد المصابيح تلك، ما أدى لسقوطه على الأرض وتهشمه. ثم انشقت الحلقة بعيد لحظات، لتفسح المجال لامرأة شقراء مرتدية ثوباً أحمر براقاً. قالت لي من وراء القناع بصوتٍ يرتعش تأثراً: " كان ذلك هوَ المصباح الخاص بي؛ المصباح السحريّ.. فالويل لك! ". اختفت في الحال، فيما صدى صوتها يرج المكان وداخلي على السواء. ضاقت الحلقة وصارت تكتم أنفاسي، بينما همهمة أفرادها، الشبيهة بأزيز الجرذان، جعلت بدني يقشعر تقززاً واشمئزازاً.

25
لحنُ هاتفي المحمول، كان هوَ المتعهّد تخليصي من براثن الكابوس. مع أنني، حقاً، شعرتُ برعشةٍ آنَ صدرَ صوتُ الشيف؛ باعث ذلك الحلم المنحوس. وهوَ ذا يقول لي بلهجة احتفالية: " أخرج رأسك من النافذة، وستراني! ". أدركتُ أنه يقصد نافذة الصالة، المطلة على الطريق. أجبته كاذباً بعد وهلة تفكير: " العجوز، تطلب منك الصعود إلينا كي تشرب الشاي ريثما أرتدي ملابسي ". كنتُ أود حضوره، بغية إخفاء علامات اضطرابي في حضور شريكة الإثم. ولكن " عجوزتي " ما لبثت أن قرعت باب الحجرة، لتخاطبني بصوتٍ مستنكر: " الرجل بانتظارك في السيارة، وأنتَ ما زلت نائماً.. واه! ". لم يشأ الشيف تشريفنا، قائلاً أنه سيفعل ذلك في مناسبة أخرى، كذلك لم أتأخر عليه أكثر من عشر دقائق.

***
راحت السيارة تنهب دروب الضاحية، وصولاً إلى الطريق العام، المتصل مع مركز الصويرة. وقد وصلنا إلى مشارف المدينة بعد نحو خمس دقائق، وطبعاً بفضل السرعة الفائقة. هنالك، حال توقفنا في الكراج على طرف الساحة الرئيسة، استعدتُ خطواتِ الحلم المسائيّ، الذي آلَ إلى كابوس. قبل أن نترك السيارة ، مد " سيمو " يده إلى المقعد الخلفيّ ليتناول حافظة أوراق جلدية صغيرة، سوداء اللون. فكّرتُ، أنها ربما تحتوي على أوراق تخص عمله في الفندق. تمشينا بعدئذٍ باتجاه مدخل المِشْوَر، المحروس كلا جانبيه بمدفع بحريّ صغير الحجم. فكّرتُ أيضاً بالمنظر عن بعد، وأنه صورةٌ مزدوجة لعضو مذكر، قد ارتخى عقبَ الولوج. آه لمى.. لمى الجميلة، المسعورة!
تناهى سيرنا إلى وسط القصبة، المتراصّة أبنيتها الأثرية بحماية السور الداخليّ. كان الدرب مقفراً تقريباً من المارة، وذلك بسبب الوقت المتأخر. ولكن، ها همُ أولاء كائناتٌ بشرية، يفضح سحنَهم الكئيبة ضوءُ المصباح الكهربائيّ، المعتلي المدخل المقوس لمسجد القصبة. كانوا مواطنين من بلدي، مثلما بينت وجوههم الأليفة. إلا أنّ كرامتهم، ولا شك، منعتهم من حمل يافطةٍ مسجلٍ عليها بالعربية والفرنسية: " أسرة سورية تحتاج للمساعدة "..!
أدس ورقة نقدية في يد أصغرهم عُمراً، مغالباً دموعي ككل مرة يصدمني فيها مشهدٌ كهذا. لقد أضحينا، فوق ذلك، محض تسلية وسائل الإعلام العربية، التي تعرض يومياً مناظر مؤذية للمشاعر؛ مناظر لأسرٍ سوريّةٍ من الملتجئين لدول الجوار، وهم ينقضون على أرغفة الخبز المتطايرة في الهواء.
مع أنني عبرتُ دربَ القصبة عشرات المرات في خلال الأعوام المنصرمة، إلا أنه اليومَ كان له وقعٌ آخر في نفسي؛ أنا مَن قاربَ على إنهاء السيرة المراكشية. ففي وسط الدرب الفسيح، المؤدي إلى السقالة البحرية الشمالية، يشرأب برأسه المهيب " دارُ الكردي "؛ وكان كما علمنا بؤرة التذكرة الأولى من هذه السيرة.
في نهاية الدرب، ثمة دهليز مفتوح يُشكّل جداره الأيمن هيكل الواجهة الأمامية لمطعم/ بار " لامار ". اجتزنا بابه الخشبيّ الضيق، ثم ارتقينا الدرجات العديدة، المؤدية إلى الترّاس الأعلى. ثمة، ما أن جلسنا قليلاً، يصم سمعنا هدير البحر، إلا وشعرنا بلسعة البرد تخترق عظامنا. الشيف، وافق على اقتراحي بالانتقال للصالة الداخلية الرئيسة. وكنا قد عبرنا الصالة قبل قليل، حيث تناهت منها ألحان فرقة موسيقية محلية. شخصية الشيف، الاجتماعية، تجلت هنالك في العديد من التحيات التي تلقاها، سواءً من أفراد الفرقة أو المستخدمين. بل إنه رفع يده باتجاه مجموعة من الأجانب، كانت طاولتهم منزوية في المكان الأقرب لسدة الفرقة تلك.
" إنهم سياح أمريكان، حلوا في فندقنا منذ بضعة أيام "، قال لي موضحاً وهوَ يفرك يديه بانتعاش. إذ كان النادل نشيطاً، حيث وضع أمامنا زجاجة نبيذ فرنسيّ كنا طلبناها تواً. " بيير "، عديلي، سبقَ له أن أوصاني بتجربة هذا النوع من الشراب. ما أنّ صبّ النادل الكأسَ الأولى، حتى توهج الكريستال مثل انعكاس شعلة جبل الرب على سطح بحيرة وان؛ ثمة، أين وقعت أحداث ملحمة " مَمي آلان ".

***
" الحق أنني أجده سبباً غير مقنعٍ، انتحارُ آلان على خلفية زواج شقيقته من ثري خليجيّ عجوز "، بادرتُ جلّيسي مباشرةً عقبَ شربنا نخب الصداقة. ثم أضفت فوراً: " لذلك خيل إليّ أن انتحاره إنما هوَ نتيجةُ ثقلٍ لا يُطاق، جثمَ على ضميره؛ كأن يكون متورطاً بطريقة ما، بجريمة قتل ذلك العراقيّ "
" مراكش، هيَ مكانٌ مثاليّ للميتات الغامضة. طوال أربعين عاماً من حلولي في هذه المدينة، سمعتُ عن أمثال تلك الجريمة. بل وما هوَ أغرب أيضاً. كأن تضع إحداهن وصفة سحرية في طعام رجلها بشكل دوريّ، خشية أن يسجّل عقاراً باسم امرأته الجديدة؛ ولكن الوصفة، التي من المفترض أن تُبطِل تأثير الضرّة على الرجل، قتلته بسبب احتوائها على مادة سامة! "، قالها مبتسماً محدقاً في عينيّ. تساءلت عندئذٍ في سري: " أيمكن أنه ملمٌ بموضوع تسميم والد امرأتي، وما زُعِمَ عن تورط ابنته الكبيرة؟ ولكن، أمن المعقول أن يذكر ابنُ حَميّ لزميل في الخدمة هكذا موضوع عائليّ حسّاس؟ أم أن الموضوع وصل لمسامع سيمو عن طريق زميل آخر؟ ".

26
ابتعدتُ عن خط نظرات الشيف، بأن وجهتُ عينيّ نحو النافذة خلفي؛ أين ارتسم فيها مشهدٌ مثير للأمواج العملاقة، المتلاطمة، المتكسرة على صخور الشاطئ تحت القلعة البحرية تماماً. قال الشيف، رافعاً صوته مع كل نغمة عالية من جانب الفرقة الموسيقية: " بشأن مقتل العراقيّ، فأنا أجزمُ بأن لطليقته المغربية صلة مباشرة فيه. ربما لكونها على كرسيّ الإعاقة، فإن السلطات لم تهتم بالتحقيق معها. لعلهم فكّروا، في آخر المطاف، بأنّ القتيل كان مسبّبُ إعاقة مواطنتهم. ولو كان فرنسياً أصلياً، لحثت قنصلية بلاده سلطاتنا على إجراء تحقيقٍ جديّ "
" قصدك أنّ رفيق لم يكن كالقتيل الآخر، مسيو غوستاف، الفرنسيّ القح؟ "، جازفتُ بهذا السؤال على الرغم من معرفتي مسبقاً بمدى حساسيته بالنسبة لجليسي. ربما سيطر سؤالي على عقله، فشلّه بدَوره. إذ طفق صامتاً، ينهل الشرابَ بين فينة وأخرى. وما عتمَ أن أخرج لفافة، فأشعلها وأخذ يسحب منها أنفاساً عميقة. أخيراً، فتحَ فمه وهوَ يمد يده هذه المرة إلى كأس النبيذ: " مسيو غوستاف، كان قبل موته بزمن مديد مراقباً بشكل دائب من لدُن استخباراتنا. أما بالنسبة للفرنسيين، فإنهم اعتبروه مواطناً مغربياً طالما أنه أعلن إسلامه وفضل الاستقرار نهائياً في هذه البلاد. هؤلاء وأولئك، لم يكترثوا كثيراً للجريمة فاكتفوا بتحميل وزرها لمواطنتكم، شيرين، فأراحتهم حينَ عمدت للانتحار. ولعلمك، عُدّت الجريمةُ بالأساس حادثَ حريقٍ أدى بسبب سوء تصرف المعاونين لموت الفرنسيّ. على ذلك، كان في وسع شيرين المسكينة أن تخرج من السجن بنفس العفو السامي، الذي استفدت أنا منه "
" بلى، لمّحَ محامي شيرين إلى الأمر، وكان ذلك في رسالة بعثها لشقيقها عقبَ موتها "
" الانتحار، يلوح أنه خيارٌ سهل لديكم، معشر الكرد! إنني أفكّر ليس بشقيقها، حَسْب، بل وبالمسكين آلان، أيضاً. كذلك شهد العالمُ مذهولاً، قبل نحو دزينتين من الأعوام، قيام عشرات الكرد بحرق أنفسهم في دول عدة احتجاجاً على تسليم زعيمكم لتركيا "
" ولكن، كيفَ وصل لعلمك أمرُ أصل آلان؛ هوَ المغربيّ أباً عن جد جد؟ "، سألته باهتمام. لمحتُ عند ذلك ظل ابتسامة إشفاق، ترتسم على شفتي الشيف، قبل أن يجيبني بنبرة زهو: " أنتَ بحثتَ، فتوصلت إلى ما تريد من معلومات. بالنسبة لي، فإن المعلومات تصلني جاهزةً! دعنا من مسألة الأصل والفصل، فهل نمى إليك السببُ الحق لانتحاره؟ "
" أنتَ بنفسك مَن أكّد لي، أنه على خلفية تأثره بزواج شقيقته من عجوز خليجيّ.. "
" نعم، ولكنك لم تقتنع بهكذا تعليل.. أليسَ كذلك؟ "، قالها ثم واصل القول متدفقاً وكما لو أن النبيذ لعب بعقله لعبته بعقلي: " أولاً، على المرء أن يتساءل، لِمَ ابتعد سيامند عن زين فجأة مع أنه أحبها بجنون؛ ناهيك عما تملكه من مزايا الجمال ومستوى التعليم، فضلاً عن الوضع الاجتماعيّ الراقي؟ لقد ووري التراب على الحقيقة، حينَ تم دفن المسكين؛ حقيقة عشقه لشقيقته، ابنة أمه وأبيه! لقد أعترف بذلك لأختي خدّوج، وكانت تُعدّ زمناً خطيبته. كونها أصلاً متأزمة نفسياً، فإنها انهارت تماماً لما أعلن آلان سببَ عدم قدرته على حبها وجعلها زوجة. ثم فكّرْ أنتَ، يا صاحبي، بتصرف شقيقة المرحوم، زين هذه، آنَ مدت يدَ العون، بأريحية نادرة ولا مِراء، إلى فتاة غريبة تخلى عنها أقرب الناس إليها مدفوعين بالحرص والجشع. بلى، إن زين كانت تكفّر عن خطيئة فحش المحارم، لما أخذت على عاتقها نفقات علاج خدّوج؛ مَن أحبت شقيقها ومرضت بسبب رحيله.. أعني، بسبب علمها بدايةً بالحقيقة الشائنة! ". الرعدة، اجتاحت داخلي على أثر خطبة الشيف المطولة، بكل ما فيها من حقيقة أو اختلاق. ولكن، ما حاجته بتأليف حكايةٍ بهذه الغرابة، اللهم إلا أن يكون شخصاً دنيء النفس يبغي الانتقام من ذكرى الرجل الراحل؟ على أثر سيطرتي على نفسي، المنفلتة قليلاً بتأثير الشراب، سألتُ جلّيسي بنبرة لم أستطع تخليصها من التوجس: " وأنتَ، هل عرفتَ الراحل عن قرب؟ "
" التقيت معه مرات عدّة، ثمة في فيلا غيليز.. أعني في بيت أبي، السابق. إلا أننا لم نكن نتبادل سوى أحاديث عادية، وكذلك الأمر مع شقيقته. على فكرة، فإن ذلك الثري الخليجيّ، الشيخ منّاع، الذي خطبها آنذاك من شقيقها الكبير، كان لأبي علاقة عمل معه في مبتدأ حلوله بالمغرب. بل إن الشيخ منّاع تقرب آنذاك من والدي كصديق، وكان يدعوه للسهر في رياضه الفخم بمراكش. لقد جئتُ على ذكر تلك المعلومات في حضور زين، وذلك بعيدَ تعرفها على الخليجيّ بمنزل أخيها الكبير "
" في هذه الحالة، أجزمُ أن لديك معلومات أكيدة عن مصير امرأتك السابقة؟ "، سألته متعمداً بدَوري رسمَ ابتسامة ساخرة على فمي. إذ استعدتُ صفةَ الشيف، " الكذّاب "، المعرَّف بها بين زملائه في العمل. ولكنني استدركتُ القول بأسلوبٍ رقيق، موحٍ بتعليقي الأمل على خزانة معلوماته الغزيرة ـ كذا: " أنتَ وعدتني بالإجابة على أسئلتي عندما نسهر في لامار، وذلك حينَ استفهمتُ منك عن موضوع اسم خَجي؛ أو خدّوج الصغيرة؟ ". انتبهت إلى حركة أصابعه المرتعشة، وهيَ تداعب كأس النبيذ الفارغ، فعمدتُ إلى مساعدة معنوياته بصب المزيد من الشراب المعتق.

27
كأنما " سيمو " قد وقع بالفعل في قبضة ذكرى أليمة، وربما أن ما لمع من عرق على جبينه لم يكن وليدَ الجو المضغوط في الصالة. خيّل إليّ كذلك ( لاحظوا أنني بدأت ألجُ رويداً في بحران الثمالة! )، أن هدير الرعد الآتي من بعيد لم يكن على سبيل المصادفة. وهذا صوته يعلو قليلاً، مكتنفاً بنوع من الحدة ونفاد الصبر: " كنت مُدركاً، أن سؤالك الأول عن الشريفة، هناك في مزرعة الكَاوري، إن هو إلا مقدمة لسؤالك عن مصيرها. فاعلم إذاً، أنّ المرأة لاقت وجه ربها انتحاراً، وكان ذلك غبَّ هجر فرهاد لها "
" ماتت الشريفة، حقاً؟ "، استفهمت منه مبهوتاً. هذا الخبر، كان آخر شيء أتوقعه مذ فترة وقوع مذكرات " فرهاد " بيدي، عن طريق صديقته السويدية، قبل نحو عامين. متكلفاً الرصانة والوقار قدّام ذكرى امرأته الأولى ( لم يتزوج ثانيةً على أيّ حال! )، قال لي محدّثي: " لعلك لا تصدقني، كون أخ زوجها غير الشقيق، سيامند ذاك، هوَ من أشاع خبر مصادفته لها أكثر من مرة في أوان حلوله بمراكش؟ "
" ولكنني أعرفُ صديقة سويدية، رافقت سيامند في خلال شهر من وجودها في مراكش، وقد أكّدت لي بنفسها حكاية المرأة ذات الثوب الأحمر؟ "، سألته وكدتُ أن أخبره أيضاً بحكاية حلم المساء. لولا أنه فاجأني بضحكة غامرة، لفتت أنظار المحيطين بطاولتنا من مستخدمي المطعم والضيوف الأجانب على السواء. استعاد لهجته الرصينة، وما انفكت ملامحه تنطق بالمرح: " كذلك أجزمُ بأنك لن تصدقني لو قلتُ، بأنني أنا مَن دفع امرأة أعرفها، لتمثِّل دورَ الشريفة مع تقمص هيئتها وكذلك الثوب ذي اللون الأحمر البرّاق! بلى، فعلتُ ذلك لغاية وحيدة، وهيَ التسلي بالتفكّه على صاحبك المغرور، وكان يرفض حتى أن يمد يده لتحيتي في وقت مصادفتي له بالفيلا. ثم أردتُ أن ألقنه الدرسَ بشكل أقسى، بأن أحضر لمنزل أبي مصطحباً المرأة على أنها صديقتي! غيرَ أنّ الأمور صادفَ أن توترت هنالك، مع رجوع حالة المرض النفسيّ لأختي خدّوج ". في اللحظة تلك، أيقنتُ من كذبه؛ على الأقل، فيما يتعلق بحكاية المرأة ذات الثوب الأحمر: فإن هذه الأخيرة، كانت قد ظهرت وهوَ ما زال في السجن!
لم أشأ تكذيبَ الرجل، وكنتُ ما أنفكّ مؤملاً بالاستفادة من معلومات أخرى في حوزته. وهوَ ذا يمد يده إلى حافظة الأوراق، الموضوعة بجانبه على الطاولة، ليُخرج صحيفة محلية حائلة اللون: " هاكَ هذا الخبر عن العثور على جثة الشريفة، مع الصور أيضاً.. "، قالها عابساً وهوَ يناولني الجريدة. كان الخبرُ في صفحة الحوادث، مشفوعاً بصورتين؛ إحداهما لرجال أمن يحيطون بحفرة في أرض زراعية، والأخرى لجثة مغطاة بحرام صوف، يبدو أنها كانت ما تزال ملقاة أمام تلك الحفرة؛ والتي تبيّنَ من الخبر المُرفق أنها بئر قديم.
ثم قرأتُ في تفاصيل الخبر، كما أوردته الصحيفة: " عمال بناء يعثرون في بئر مهجور على جثة متحللة، ظهرَ أنها تعود لامرأة مجهولة ( يجري التأكد من هويتها )، حينَ كانوا يهمون بحفر أساسات بناء حديث في أرض زراعية بضاحية الغزوة في الصويرة.. "
" هنا، في الغزوة؟ "، هتفتُ مأخوذاً بالخبر ناقلاً عينيّ من نسخة الصحيفة إلى صاحبها. هز الشيفُ رأسه، قائلاً باقتضاب وبلهجة غامضة: " نعم، في نفس البئر؛ أينَ لقيَ والدها حتفه "
" ما أعلمه، أنّ الرجل سقط في بئر بالقرب من منزله في ضاحية الحميدية بمراكش؟ "
" لا، ربما التبسَ عليكَ الأمر بشأن اسم ومكان الضاحية "
" لا أستبعدُ ذلك، حقاً. وسأعود لتصويب معلوماتي، حينَ ألقي نظرة جديدة على مذكرات مسيو غوستاف "
" مذكرات مسيو غوستاف! "، ردد بدهشة وقد اتسعت حدقتا عينيه. ثم تساءل، متشككاً: " كيفَ وقعت المذكرات في يدك، مع علمي أنها أحرقت عقبَ موته؟ ". وكما لو أنني لم أسمع كلامه، عدتُ أسأله: " وهل تأكدوا من شخصية المرأة المجهولة، ومن تكون؟ ". فقال وهوَ يعيد نسخة الصحيفة إلى الحافظة: " لا، لم يكن يسيراً آنذاك كشف هويتها، وذلك لنقص الإمكانات المخبرية. وكذلك، لأن أحداً لم يكن قد تقدم للشرطة ببلاغ عن اختفاء الشريفة.. ولا حتى أمها الجشعة، التي استغلت غياب الابنة كي تبيع منزل الضاحية بثمن مرتفع لأخي حمو "
" بالمناسبة، ما هيَ أخبار أخيك؟ أسألُ عنه، كون سيامند أتى على ذكره مراتٍ أثناء زيارتي له في ألمانيا "، طرحتُ السؤال مشفوعاً بالضرب على وتر آخر. ألقى رأسه الحليق إلى الخلف، مرتاحاً لأنني غيّرتُ ذلك الحديث الحساس: " حمو يشارك الآنَ الكَاوري، زوج شقيقته، في مشروع استثمار رياض باب دُكالة. أظنك تعرف شيئاً عن الرياض ذاك، وأنه عاد إلى ملكية رجل أختنا بعد عرضه للبيع على أثر وفاة صاحبه، مسيو غوستاف "
" أخت امرأتي، وزوجها أيضاً فرنسيّ، قالت أنها تعرف أختك تلك. لم تلتقي بها منذ زمن، ولكنها سمعت مؤخراً برحيلها لفرنسا للمعالجة من سرطان الصدر "
" لا، أعتقد أنها خلطت بين أختي وامرأة حمو، التي توفيت قبل بضعة أعوام.. "
" آه، شيء مؤسف! لقد سمعت أن المرحومة كانت رسامة مُجيدة.. غزلان، أليسَ هذا اسمها؟ "، قلتها متأثراً بالخبر. وأسررتُ لنفسي، أنها ربما إحدى " الميتات الغامضة "؛ وفق تعبير شيفنا، العالم بكل شيء.

28
كأنما الرجل قرأ فكرتي، بشأن الرسامة الراحلة. فإنه أكمل القول، حول الخبر: " بلى، كانت غزلان رسامة كبيرة، رحمها الله وغفر لها. لقد لقيت مصرعها بحادث دراجة نارية، وكانت تمتطيها بسرعة كبيرة في أحد شوارع مراكش وكأنها تبتغي الانتحار "
" وإذاً، فإن الانتحارَ ليسَ مقتصراً على الكرد؛ إذا ما فكّرنا بالشريفة وغزلان؟ "
" كلتاهما كانت على علاقة وثيقة بأشخاص من بني قومكم، بشكل أو بآخر، فانتقلت العدوى إليها! "، أجابني ضاحكاً. استبعدتُ أن يكون قصده، موجهاً إلى " سيامند "؛ الذي ارتبط مع الرسامة الراحلة بعلاقة سرية. إلا أنني بقيتُ واجماً، مصدوماً حقاً بالخبر وكأنني كنتُ على معرفة بالمرأة المسكينة: ربما أنها كانت تذكّرني بالعشيقتين، اللتين كانتا من نصيبي؛ كون " غزلان " كانت تجمعُ، معاً، موهبتَيّ الرسم والكتابة.
" وغني، ابن أختك الكبيرة، ما هيَ أوضاعه؟ "، ندّ عني السؤال تلقائياً. ثم انتبهتُ إلى نفسي، كون ربطي علامة الاستفهام الأخيرة بما سبقها حول الرسامة الراحلة، كان لا بد أن يثير انتباه " العالم "؛ هوَ مَن تكلم قبل قليل عن هتك المحارم. تحت إلحاح نظرة الرجل، أعقبتُ بالقول مُداوراً: " كما تعلم، كان غني صديقاً مقرباً من سيامند.. ". فقطع كلامي، قائلاً بضيق: " نعم، شهدت بنفسي نقاشهما في أمور سياسية، وكانا كلاهما على السوية نفسها من التشدد الفكري. غني هاجر إلى اسبانيا، بعد أعوام قليلة من سفر سيامند. وما أعلمه، أن ابن شقيقتي يشارك الآن في نشاطات جماعة تدعو لإعادة الهوية الأمازيغية للمغرب.. بل ولشمال أفريقيا كله. وعلى الأرجح، أن الاستخبارات الجزائرية هيَ من تدعم الجماعة، بشكل خفيّ بالطبع! "
" وأنتَ، يا الشيف، ألم تكتب شيئاً عن الأحداث العاصفة، التي شهدتها في خلال ربع القرن الأخير؟ "، تركت شفتيّ تنطقان المفردات بنبرة جدية، بينما داخلي يتفكّه ويتسلى ـ بحَسَب تعبير المعنيّ نفسه!
" الكثير من الأسئلة، ربما وجدتَ أجوبتها في أوراق مسيو غوستاف. أما بشأن تقصيك عن أمور مواطنيك السوريين، الذين ارتبطتُ أنا معهم بالخدمة في خلال فترة زمنية، فإنني أحتفظ بأوراق فيها بعض تفاصيل عنهم. الأوراق، هيَ عبارة عن يوميات كتبتها في السجن وذلك لقتل الوقت "، شدد على مفردة " القتل " نافخاً دخان سيجارته بشيء من الانفعال. في الأثناء، تقدم نادل آخر مع عربة عليها طبق سلطة. بنفس الانفعال، خاطبَ " سيمو " النادلَ في جفاء: " لقد تعشينا قبل المجيء للمطعم، فلا تضع شيئاً على الطاولة إلا إذا طلبناه ". تراجع الرجلُ مع عربته، وكانت على ملامحه سمة الخذلان. إذ لحظ الشيفُ دهشتي، فإنه أوضح ضاحكاً عن أسنانه الناصعة: " بسبب صحن السلطة ذاك، لن يتحرج معلمه الحقير عن إجبارك على دفع ضعف الفاتورة. ولن ينفع احتجاجنا بشيء، حتى ولو كان جلالة الملك جالساً في تلك الزاوية مع أولئك الأمريكان! "
" نعم، ولا تجبرني بدَورك على أن أقص عليك حكايات المقالب، التي أكلتها بعد كل وجبة في أحد مطاعم هذه البلاد "، علّقتُ وأنا أشاركه الضحك. منتهزاً شعورَ المرح، المسيطر على جلّيسي، قلت له بعدما شربنا ضاحكين نخبَ ذلك الخادم المخذول: " ولكن، ألم يصل لعلمك أن المرحوم آلان قد ترك وصية ما؛ أوراق أو رسالة؟ "
" لا، إلا لو كان أهله قد قاموا بإخفاء ذلك "
" على أيّ حال، أملي بوصول أوراق من سيامند، وعدني بها لما زرته في ألمانيا. أما بخصوص أوراقك، فأنت حرّ في موضوع تسليمها لي.. لقراءتها بالقليل؟ "
" هيَ ذي هنا، في الحافظة. ولقد أتيتُ بها خصيصاً لك، كي تقرأها وتصوّب أسلوبها الأدبيّ! "، قالها بجدية كبيرة قبل أن يستدرك مقهقهاً: " ولكن ليسَ بدون ثمن، على أي حال. فعليك دعوة ذلك النادل المسكين، كي يجلب زجاجة أخرى من هذا النبيذ الرائع "
" تكرم، يا صاحبي.. "، قلتها ثم أشرت للنادل بالحضور. عاد الرجلُ مع شقيقة للزجاجة الفارغة، ليفتحها وفق نفس التقليد المعمول به في المطاعم الراقية: أي أن يصب النادل قليلاً من الشراب في قدح الزبون، فينتظر إلى أن يبدي هذا الأخير رضاه!
على أثر رفع النخب مجدداً، سألت الشيف عن " أميرة " تلك؛ وهيَ، كما علمنا، زميلته في الخدمة. قال لي بنبرة حذرة، وعلى الرغم من ثقل لسانه: " آه، خطيبة قريبك! نعم، عرفتها تقريباً مذ بداية خدمتي بالفندق قبل حوالي ثلاث سنين. إنها فتاة لطيفة، وللحق كان كثر يتمنون الزواج بها لجمالها وراتبها الجيد! "
" ولكنّ ابنَ حميّ مغرمٌ حقاً بها، على الرغم من سوء التفاهم بينهما أحياناً "
" لا تظن أنني غير مطلع على ذلك الموضوع.. أقصد، سبب خلافهما. ولعلها التفتت إليكَ، مؤخراً، لتطلب معونتك لإصلاح ذات البين مع صديقها. حامي، شاب جيد. ولكنه مثل أغلب جماعتنا، الشلوح، يحب المال أكثر من أيّ شيء آخر في العالم! "، قال ذلك مقهقهاً. فرحاً بهدية الشيف، عقبتُ بذات اللهجة المرحة: " أكثر حتى من أوراق المذكرات، المصاغة بأسلوبكَ الأدبيّ؟ "
" نعم، نعم..! "، ردد وهوَ ما انفكّ في نوبة ضحكه.

29
لما سنحت لي فرصة الانفراد بالعشيقة الصغيرة، بعيد عودتنا من الصويرة، فإنها أدهشتني بمعلومة تخص زميلتها السابقة: " ظلت تتمسح فيّ إلى أن جعلتُها نجيّة، أبثها ما يعتمل في قلبي. أعني.. بشأن ميلي إليك ". وسكتت عند الجملة الأخيرة، خافضةً بصرها. أدركتُ أنها خجلت من استعمال كلمة " الحب "، مع أنها لم تتحرج من التصريح بخيانتها لزوجها أمام فتاة بالكاد كانت قد تعرّفت عليها. ثم تابعت " حسنة " الكلامَ، مغيّرةً النبرة مع تقليب شفتيها كالمتقززة: " ما أن أمسكت أميرة بسرّي، إلا وراحت تعرفني على موظفين في الفندق، وَصَفتهم بالمتنفذين.. "
" هل عرّفتكِ على الشيف سيمو؛ وهو أيضاً يخدم مع حامي؟ "، أوقفتها مقاطعاً وقد أثار حديثها اهتمامي بقدر اشمئزازي. فقالت دون أن يبدو عليها ملاحظة التأثر في ملامحي: " لا، ولكنها حدثتني مرة عن أحدهم، ويُدعى الشيف سيمو. لقد قالت عنه أنه شخص عنّين، ويقوم بدَور القوّاد للكَوَر.. "
" أعرف ما يُشاع عنه، اللعنة عليه! ولكن ألم تحاول أميرة الضغط عليكِ، بشكل من الأشكال، كي تقيمي علاقات مع أولئك الموظفين؟ "، سألتها دونَ وعي مدفوعاً بشعور الحنق. هزّت " حسنة " رأسها نفياً، ثم تمتمت ببطء وهيَ تحدجني بنظرة تأنيب: " لا أحد حصّل مني شيئاً، البتة. وأنتَ خيرُ من يعلم، بأنني في خلال ساعة الغداء، أو عند الانصراف باكراً، لم أكن ألتقي غيرك ". بدت عندئذٍ مثل طفلة، توشك على الانفجار بالبكاء.

***
وأنا بعيدٌ عن تلك البلاد، أسجّلُ على الورق ما يخصّني من السيرة، أتذكّرُ " حسنة " في ذاك الموقف المؤثر، رقيقة جريحة الفؤاد، تنهي حديثها بوضع رأسها على كتفي فيغطي شعرها الناعم الجميل جانبَ وجهي.. أتذكّرها، وأنا أكاد أنشقّ قهراً، كوني لم أستطع إنقاذها من وضعها البائس؛ ولم أشأ، بالأحرى، حتى لو كان ذلك في وسعي: متوهماً بإمكانية ترميم حياتي العائلية، ضحيتُ بالإنسانة الوحيدة، التي شعرتُ نحوها بالحب الحقيقي في مراكش؛ في المدينة الحمراء، التي لا تعرف الحب إلا وهوَ مربوط بسلسلة المصلحة والمنفعة.

***
ومن أواخر الخريف إلى بداية الشتاء، وفق التقويم الرسميّ، المتنكر له طقسُ المدينة الحمراء، الفريد. أجدني في حجرة الصالة العلوية، راقداً فوق السرير الكبير، تحيطني الكتب من كل جانب. ربما أشرتُ في مكان ما من السيرة، إلى أن حجرة نومي مفصولة عن بقية الصالة بقوس منحوت من الجبس، تُسدل من جانبيه العلويين إلى الأرض ستارةٌ ثقيلة من القماش الأصفر اللون. عادة، حينَ كنتُ أعطي دروسَ الرسم للعشيقة الأولى، كنا نجلس على الأريكة في ذلك الجانب وقد اختفى السرير وراء الستارة. " لويزة "، وقد خابَ أملها مني على مرجوح التأويل، عادت إلى إنعاش موهبتها في زرع الفتن. كونها، فوق ذلك، فطنت إلى علاقتي السرية مع امرأة عمها الصغيرة، فلم يكن منها إلا الجهر عند الأقارب بأن الأخيرة تعامل بشكل سيء من قبل الحماة. وبالطبع، هُرع بعضُ أولئك المستمعين إلى نقل كلام المرأة المحبطة إلى المعنية مباشرةً.
" الله يعطيها المسخ! "، ابتدأت والدة امرأتي الكلامَ بالتعبير المحليّ الطريف. ثم تابعت، منفعلة بشدة على غير مألوف طبيعتها: " لا بل وتمضي الخنزيرة، العاقة، إلى القول أنني أعامل حسنة مثلما كنتُ أعامل امرأة ربيبي إدريس. وأمها، قبل الجميع، تعلم كيف كنتُ أفضلها حتى على أولادي لما كانت تقيم في منزلنا ". عندئذٍ، دبّت النخوة بالابن البكر، " لوحا "، فأعلن على رؤوس الأشهاد أن منزلَ أبيه محرمٌ على " تلك الخنزيرة العاقة! ". من ناحيتي، كنتُ أتمنى لو أن المعركة تأخرت قليلاً كي أراقب بانتباه ملامح كلّ من المتخاصمَيْن الأخيرين؛ أي العم وابنة أخيه. مع أنني كنتُ أثق بخلق " حسنة "، بالأخص لناحية الصدق، فقد فضّلتُ أن أعاين بنفسي ما سبقَ أن أكّدته لي، حينَ كنا في الصويرة: " لويزة تدس نفسها الآنَ في فراشي، فاتحةً رجليها لرَجُلي! ".

***
في عام أسبق، آنَ ارتفعت وتيرة احتكاك ( كدتُ أن أقول: تحرّش! ) صغرى البنات فيّ، تهيأ لها أنها أمسكتني يوماً بالجرم المشهود. اندفعت عندئذٍ إلى امرأتي، لتقول لها بنبرة صارمة: " حالما فتحتُ الصفحة الأخيرة، المستعملة في النت، أظهرت موقعاً إباحياً ". وبالطبع، كانت تقصدني، طالما أنّ " سلوى " بنفسها أخذت مني صباحاً جهاز الكومبيوتر المحمول كي تعيده للمنافحة عن الأخلاق الحميدة. لقد أشرتُ قبلاً للواقعة، وكيفَ أوضحتُ لامرأتي بأن تلك كانت صفحة تواصل اجتماعي، وأنها من ضمن دراساتي الخاصّة لعقلية الجيل الجديد.
استعدتُ تلك الواقعة، إذاً، فيما كنتُ أقلّب الفكر في موضوع الفضيحة المستترة، الشاهد عليها منزل الأسرة في خلال ذلك الخريف المنقضي. وليست معلومة مجهولة، القول بأن أبحاثي تلك في صفحات النت العربية، المشابهة، بيّنت حقيقة مرعبة؛ وهيَ أن تسعين في المائة من مستعملي الصفحات يفضلون متابعة أبواب هتك المحارم.

***
بمحض الاتفاق، كنتُ عائداً في مساء أحد تلك الأيام إلى المنزل في سيارة أجرة، قادماً من مقهى للشيشة في غيليز. مقدّم أخبار النشرة المحلية، بثَ نبأ الحكم بالسجن عاماً واحداً على رجل أتهم بممارسة الجنس مع ابنة أخيه. عند ذلك، هتف الراكب الجالس بجانب السائق: " مُعدّ الأخبار، هوَ ولد حرام أكثر من ذلك العم الفاجر! ". فأيده السائق، قائلاً وقد فهمَ مقصده: " بلى، فالحديث الشريف يقول: إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا "
" ولكن الشريعة تعاقب الزنا العادي بالرجم، فكيف من الممكن أن تتغاضى عن زنا المحارم وهوَ أشدّ هولاً وضرراً من الناحية الأخلاقية والاجتماعية؟ "، عقّبتُ بدوري. ربما لكون النقاش قاربَ حقل الألغام، فما كان من رفيق السائق إلا الالتفات نحوي كي يسألني مغيراً الحديث: " السيّد من سورية؟ ". لما رديتُ بالإيجاب، تطلع السائقُ بدَوره إليّ من خلال المرآة الصغيرة، ليقول بنبرة ألم: " الله يكون في العون؛ فالموت يلاحقكم بقصف الطائرات، وأيضاً عند ركوب قوارب اللاجئين، المتجهة إلى أوروبا "
" أخشى أن يلاحقني أيضاً في سيارتك، يا صاحبي، إذا لم تنتبه للطريق! "، قالت له ضاحكاً. وقد شاركني كلاهما شعور المرح، ورحنا على الأثر نثرثر في موضوع الحرب السورية.

30
نحوَ عام على أثر سفرة الصويرة، سألتقي مجدداً مع " أميرة "؛ وهذه المرة، في مدينة الجديدة. كانت الرحلة إلى المدينة البحرية بمثابة " شهر عسل "، أقترحها شقيق امرأتي عقب عقد قرانه على زميلته في العمل. لقد تذللت أمامهما عقبات الأهل، وها هما سعيدان للغاية بحيث طلبا مني مشاركتهما في الرحلة. موقفٌ لافت، كان قد سبق ذلك. فقبل حفل الزفاف بساعات، ارتقيتُ إلى سدّة العريسين بهدف المباركة وأخذ صورٍ تذكارية. شدّت " أميرة " عندئذٍ على يدي بحرارة، وكأنما تعبّر عن امتنانها لتكتمي على أقوالها بحق العريس العتيد. ما أدهشني، أنها عمدت أثناء الحقل، أكثر من مرة، إلى الغمز لي بعينيها؛ وربما على سبيل التحبب وتأكيد الود. على ذلك، قبلتُ دعوة الرحلة شاكراً، طالما أنها ستتيح لابني الصغير فرصة للاستجمام بعيداً عن حر الصيف المراكشيّ الملتهب. والدته، كان من المفترض أن تلحق بنا من السويد، في نهاية الصيف، وذلك بسبب خدمتها في المستشفى. مسلك العروس، كان طوال أيام الرحلة متحفظاً، وفي التالي، خالٍ من أيّ شبهة.
في مقابل ذلك، بدت " لمى " في حالةٍ شبيهة بما سبقَ أن عرفتها فيه أيام رحلة الصويرة؛ أي طائشة، متعطشة للوصال بأيّ ثمن. ففي أول العام ذاته، كان قد كُتبَ كتابها على شاب يقاربها في السن، فضلاً عن أنه وسيمُ الملامح ورشيق القوام. مرة واحدة، جعلتها هدفاً للّمز الجنسيّ، حينما سألتها مُداعباً وبالطبع بعيداً عن أسماع الآخرين: " هل قام عريسك بواجبه، أم أنك اضطررتِ لتمزيق ثيابه؟ "
" لم يصبح عريساً بعد، وقد اتفقنا على فض البكارة في ليلة الدخلة! "، أجابتني بجسارة وهيَ تقهقه.
كانت قد تعرفت على الشاب، واسمه " مصطفى "، قبل حوالي عامين وذلك في مطعم للوجبات السريعة، يخدم فيه على أثر إنهائه تحصيله الجامعيّ في مجال السياحة. منذئذٍ، وإلى عقد القران، اتسمت علاقتهما بالتوتر تارة، والصفاء تارة أخرى. بحَسَب أقوال امرأتي لاحقاً، فهمتُ أن شقيقتها هذه، كانت تمنّي نفسها بعريس قادم من أوروبا فوق حصان أبيض من فصيلة بوينغ 774!

***
" لمى "، سيتغيّر مسلكها جذرياً بعدما رزقت بطفل في بداية العام التالي. في الأثناء، كانت صلتي برجلها قد تعززت وغدونا أصدقاء. أكثر من مرة، دعيت مع الأسرة لزيارتهم وكنا أحياناً نمكث عندهم ليلاً. لقد كانت ابنتهم محظوظة، ولا ريب، بذلك الشاب اللطيف والكريم. وليست كذلك، " أميرة "، التي عادت إلى الشكوى من جشع رجلها وأنه يستولي على راتبها بالكامل بحجّة تخطيطه لمشروعٍ استثماريّ. " إدريس "، وكان قد علّق على الموضوع في خلال زيارتي لمسكنه في الضاحية: " لو اقتصدا راتبيهما العُمر كله، فلن يكون كافٍ لتمويل مشروعٍ صغير في مراكش! ".
هكذا، وبينما كان كلا ابنَيّ حَميّ يُشرع ببناء أسرة، كانت حياتي العائلية تؤول إلى الانهيار. الأمر نفسه، مثلما علمنا من قبل، كانت تعاني منه " حسنة " المسكينة. في شأن علاقتي بامرأتي، أضحت غيرتها سبباً للمشاكل بالرغم من جهلها لمغامراتي مع نسوة أسرتها: " أنتَ لا تحبني، بل تحب المغرب! "، كانت تقول أحياناً. وذات مرة تساءلت: " أحقاً أنها الكتابة، أم فتاة ما، التي تجعلك تفضل البقاء في مراكش أشهراً كل عام؟ ".
كانت ترتاب بامرأة " حامي "، وذلك نتيجة ما كان يُزعم عن علاقاتها العديدة بالرجال قبل زواجها. فبعد عرس شقيقها بأسبوعين لا غير، كانت " سلوى " قد سألتني بلهجة مترعة بسوء الطوية: " هل تزور شقة حامي، أحياناً؟ ". أجبتها بنبرة غير مكترثة: " حصل ذلك مرة واحدة ليلاً، لما أركبني شقيقك خلفه على الدراجة النارية كي يجلب غرضاً نسيه في الشقة، وكنا آنذاك عائدَيْن من مقهى الشيشة ". زمّت شفتيها، ثم لزمت الصمتَ.
كنتُ أدرك ما وراء سؤالها، بناءً على حدثٍ سابق: قبل ذلك ببضعة أيام، بوغتُّ بإحداهن تتصل على موبايلي وكنتُ خارجاً عند العصر من جنان الحارثي. لما استفهمتُ منها عمن تكون، وكيف حصلت على رقم هاتفي، أجابتني بنبرة مستهترة: " اسمي أميرة، أما رقم هاتفك فحصلت عليه بالطبع من صديقك..! ". فلما قلت لها، أنني سأقفل الموبايل إذا لم تذكر من تكون حقاً، فإنها سألتني: " هل لديك واطس آب، كي تعلم من أنا؟ ".

***
بعيداً عن تلك الأعوام، وبينما أنا محصورٌ داخل شرنقتي، السويدية، أفكّر بتلك العلاقات العجيبة، التي نُسجت خيوطها في المدينة الحمراء.. أفكّرُ بالتاجر " جانكو "، الذي استقر في القصبة المراكشية على أثر قدومه أولاً للصويرة ( موغادور ) في منتصف القرن التاسع عشر.. بأخلافه ومواطنيه، المتآلفين ضمن ظروف لا يُمكن وجودها سوى في عمل روائيّ خياليّ ـ كما كان حالُ تلك المرأة الغامضة، صاحبة الثوب الأحمر البرّاق!
وكان ثمة في مراكش، منذ منتصف القرن العشرين، أجانب من بلاد الفرنجة؛ مثل الرسام الفرنسيّ ومواطنه، الشاعر المستثمر. في بداية القرن الواحد والعشرين، حينما غابَ أغلب أولئك الأسلاف والأغراب، جئتُ أنا للمدينة الحمراء كي أنهي هذه السيرة بتذكرتي، التي بين أيديكم.
الغريب، أن أغلب أبطال السيرة كانوا قد وجدوا أنفسهم في المغرب بعيدَ شهودهم لحروب في بلدانهم الأصلية أو كانوا على صلة بها بشكل من الأشكال: حرب القرم؛ الحرب العالمية الثانية؛ حرب الكويت ثم غزو بغداد.. أفكّر كذلك بعلاقاتي النسائية، الغريبة عن طبعي ومسلكي؛ فلعلها كانت إحدى نتائج التأثر بالحرب السورية، غير المنتهية بعد؛ الحرب، التي تبادل فيها الجميعُ أدوارَ الخيانة والغدر!

***
ثلاثة أعوام، مضت على ذلك اللقاء بالشيف " سيمو "، ولقد حانَ الآنَ وقتُ الحديث عن أوراقه. وفي صراحةٍ، فإنني لم أجد فيها شيئاً جديداً يُمكن أن يضاف لمعلوماتٍ سبقَ أن قرأتموها في أجزاء السيرة المنشورة قبلاً.
على المنقلب الآخر، وكما جرى الحديث عنه أيضاً، كنتُ قد أقنعتُ " سوسن خانم " بتسليمي الفصل المفقود من مذكرات المسيو الفرنسيّ. ومع أنني لم أتعهد لها، قطعاً، بعدم نشر ذاك الفصل مثلما كانت رغبتها، أجدني متحرراً من أيّ التزام وأنا أضع الفصل بين يديكم ـ كملحق، أختتم به هذا الجزء الأخير من السيرة المراكشية:





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,520,847,401
- الصراطُ متساقطاً: تتمة فصل الختام
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 14
- عصيرُ الحصرم ( سيرة أُخرى ): 71
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 13
- الشرفة
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 12
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 11
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 10
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 9
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 8
- إحسان عبد القدوس؛ الصورة النمطية للكاتب/ 2
- إحسان عبد القدوس؛ الصورة النمطية للكاتب
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 7
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 6
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 5
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 4
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 3
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 2
- الصراطُ متساقطاً: فصل الختام 1
- شيرين وفرهاد: الفصل السابع 5


المزيد.....




- مثقفون تونسيون في انتخابات الرئاسة.. إشادة بالديمقراطية وتبا ...
- فيلم كارتوني روسي مرشح لنيل جائزة في مهرجان سينمائي أمريكي
- رئيس بلدية فرنسية يصدر مرسوما لإجبار السكان على الفرح ومنع ا ...
- رئيس بلدية فرنسية يصدر مرسوما لإجبار السكان على الفرح ومنع ا ...
- فنانة كويتية تحدث ضجة بسبب فيديو -التدرب مع رجل-
- شاهد: يورونيوز تلتقي عددا من النجوم المشاركين في مهرجان الجو ...
- شاهد: يورونيوز تلتقي عددا من النجوم المشاركين في مهرجان الجو ...
- تأهل الفنان اليمني هشام توفيق للمرحلة الثانية على برنامج The ...
- مصر.. رانيا يوسف تثير الجدل بفستان جريء على السجادة الحمراء ...
- فيلم وثائقي «ألماني - فرنسي» حول دور قطر في دعم الإسلام السي ...


المزيد.....

- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام
- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الصراطُ متساقطاً: بقية فصل الختام