أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبري يوسف - [43]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب حول تجربتها الأدبيّة والنّقديّة والتّرجمة والتَّشكيل الفنّي















المزيد.....

[43]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب حول تجربتها الأدبيّة والنّقديّة والتّرجمة والتَّشكيل الفنّي


صبري يوسف

الحوار المتمدن-العدد: 6119 - 2019 / 1 / 19 - 23:02
المحور: الادب والفن
    


صبري يوسف

43. في عام 2012 نقَلْتِ إلى اللّغة الإيطالية باقةً من النّصوص القصصيّة هي (العودة حقّ: من شباب فلسطين إلى شباب العالم)، هل يمكنكِ أن تُحدّثي قرّاءكِ الكرام عن هذه التّجربة الفريدة، لا سيّما وأنّ مُؤلّفي النّصوص هُم مجموعة من الأطفال الّذين بهروا الجمهور ببراعتهم السّرديّة وذكائهم الخلّاق بشكل منقطع النّظير؟!

د. أسماء غريب

هذا الكتاب هو ثمرة النُّصوص الفائزة بجوائز مسابقة القصّة القصيرة الّتي نظَّمَتْها سنة 2011 "جمعيّة القلم" الخيريّة تحت شعار "من شباب فلسطين إلى شباب العالم"، وذلك رغبة من رئيسها الدّكتور عبد السّلام خرما في تحفيز الأقلام الشَّابة الفلسطينيّة على التّواصل عبر الكلمة مع أصدقائهم وزملائهم في كلِّ أنحاء العالم بمن فيهم المقيمين والمتولِّدين بالدِّيار الإيطاليّة من أجل الكتابة لهم والحديث معهم عن "فلسطين" الأرض والوطن، وعن "فلسطين" الأمّ والحبيبة والجدّ والجدّة.
بعد الإعلان عن المسابقة توصَّلت الجمعيّة بما يناهز الثّلاثمائة وخمسين قصّة قرأتها اللّجنة المختصّة وانتقَت من بينها في المرحلة النِّهائيّة أحد عشر نصّاً. ثمّ تلا ذلك، تكريم وتسليم الجوائز للبراعم الكتّاب الفائزين في حفل راق أقيم بدمشق في المركز الثّقافي العربي بمخيَّم اليرموك. تسعة من بين الفائزين هم أطفال، وأصغرهم لا يتجاوز الإحدى عشر سنة، الشَّيء الَّذي يعني أنَّنا أمام نصوص مختلفة ومتميّزة يستعصي إدراجها أو تصنيفها تحت أيّ مسمّى أدبيّ خاص بالأطفال وسبب الاستعصاء هذا بسيط: نحن لسنا أمام أطفال بل أمام أساتذة اختاروا أن يقدّموا أنفسهم للقارئ في هيئة تلامذة مبتدئين.
قديماً كان اللّاتينيِّون يربطون مصطلح "الطّفولة" بعبارة "المتحدِّث الفصيح البليغ" أمّا الإغريقيِّون فكانوا يربطون هذه العبارة بمصطلح "النَّبيّ" أو الشَّخص الّذي يتحدَّث باسم كينونة أخرى أكثر سموّاً وشفافيِّةً، وهما معاً على حقّ، خاصّة وأنَّنا في مجموعتنا القصصيّة هذه نقف أمام أحد عشر تلميذاً، يتحدَّثون جميعهم باِسم شعب كامل، وبشكلٍ مدهش لا من حيث الفصاحة ولا من حيث البلاغة والبيان ممّا جعلهم قادرين على أن يفجّروا بين حروف وكلمات قصصهم سؤالاً تضرب مطارقه بإلحاح: "هل حقّا هُم من كتبوا قصصاً بهذه الرَّوعة والبيان كقصّة "كرم التِّين" و"سأظلُّ أنتظرك" و"ليمونة وأنا"؟".
صحيح أن كتّابنا صغار، إلّا أنّه صحيح أيضاً أن العُمر هنا ما هو إلّا صوريّ، لأنَّ الكُتّاب الفائزين أثبتوا لنا جميعا أنّهم أقلام توحّدها روح معلّم واحد قادم من أرض أسموها جميعاً بـ"جنّة عدن". فهُم لا يستطيعون أن يتحدّثوا للعالم بأسره إلّا عن الجنّة، لأنّ عيونهم لا ترى في هذه الحياة سواها حتّى وإن كان العالم من حولهم محاطاً بالقبح والشّرّ، ولا شيء يريدون من الحياة سوى العودة إلى جنّتهم: إلى كروم التّين والعنب واللَّيمون والزَّيتون، لأنّهم وبالرّغم من عدم ولادتهم هناك فإنّهم سكنوا منذ القدم هذه الجنّة عبر أرواح الآباء والأجداد وذكرياتهم الّتي تركوها هناك. جنّة هؤلاء الأطفال هي فلسطين وهي القدس المُوحِّدة والمؤمنة بالله وهم في هذه النّصوص أصبحوا كمثل عود اجتُثَّ جذره من أعماق حقل القصب الكبير فأصبح بعد مرور سنين الهجر والحرمان ناياً حزيناً يغنِّي لأرضه البعيدة، فهل تسمع أنت أيضاً أيُّها القارئ لحنه الحزين السَّعيد ونغمه الثَّمل اليقظ في الوقت ذاته؟ هل تقرأ بين سطور الإحدى عشر حكاية هذه المعزوفات الَّتي تروي قصّة نفي هذا النَّاي؟ فقط من اكتوى بنار العشق ونار الحرمان من حبيب الرّوح، يمكنه أن يفهم المعنى الحقيقيّ لألم الشَّوق لتوأم الرُّوح والقلب المغرق في البعد والاستحالة، لأجل هذا فإنَّ أنين هؤلاء الأطفال والشَّباب ليس مجرّد ريح تخرج من ثقوب ناي بسيط ولكنّها نار متوهِّجة داخل قلوب أطفال يتوشَّحون بالنّطق والصَّمت، أطفال كلمتهم من مصل ودم.
قد يبدو في الحديث عن المعلّم في ثوب تلميذ مبتدئ نوعاً من الاستفزاز لمشاعر البعض، لكن لا مفرّ لنا من حقيقة تاريخيّة كبرى حدَّثتنا عنها جميع الكتب المقدّسة: الأطفال هم كبار معلِّمي الإنسانيّة وشموعها المستنيرة، بل أنبياؤها مذ كانوا في المهد رضّعاً، ولا أحد من البالغين أو الرَّاشدين يمكنه أن ينازعهم في ذلك: الأطفال هم من أثبتوا عبر الزّمن والتَّاريخ أنَّ لهم القدرة على قول كلمة الحق في المكان والزّمان المناسب. مع فارق بسيط جدّاً، فأطفال هذه القصص ليسوا أنبياء يروون لنا حكايات من الكتب المقدّسة ولكنّهم أطفال بسطاء اختاروا بوعي عميق، وجدّيّة كبيرة أن يكتبوا لأصدقائهم في كلّ العالم عن فلسطين أرضهم الأمّ.
حتّى من النّاحية التّقنيّة الأدبيّة لم يتوانَ الكُتّاب الصِّغار منهم أو الشَّباب عن إدهاشنا ببراعتهم في نسج خيوط نصوصهم وفق ما سطّرته أصول النّقد العربيّ الخاصّة بالقصّة القصيرة، ولا أدلّ على هذا من قدرتهم على تحديد ميكانيزمات الكتابة الأدبيّة لنصٍّ قصصيّ ناجح معتمدين في هذا على تفادي ما قد يبدو نوعاً من الحشو أو الإطناب في طريقة السّرد، مدركين في الوقت ذاته بأنّ القصّة القصيرة بخلاف الرِّواية لا تتوفَّر على المساحة الكافية للتطرُّق بشكلٍ مسهب وطويل إلى كافّة المواضيع والتَّفاصيل والحيثيات.
في هذه المجموعة لم يركّز الكتّاب على مفهوم تزويد القارئ بأقصى كمّ من المعلومات، لأنّ هدفهم الأساس لم يكن الإخبار السَّرديّ ولكن التَّشويق والإمتاع مع الرّغبة في إدخال القارئ إلى عوالمهم الخضراء وحقولها وكرومها وطيورها ومفاتيحها وعبير ورودها وقهوتها وبخورها، بشكل يجعل من المتلقّي عند نهاية الرّحلة يتساءل في حيرة: "ترى ما الَّذي أراد أن يوصله إليّ كلّ كاتب من كتَّاب نصوص هذه المجموعة؟"
الجواب واحد: بغضّ النَّظر عن الوظيفة النَّفسيّة العلاجيّة لعمليّة الحكي والتَّنفيس عن الألم والتَّخلص من المشاعر السّلبيّة وعوارض الحزن والغضب فإنّ الكُتّاب البراعم من خلال نصوصهم هذه أرادوا أن يوصلوا لقرّائهم رسالة عالميّة قيمتها وأساسها السَّلام، هذا السَّلام الَّذي يتصوَّرون من خلاله شكلاً جديداً لعيش النَّاس بأرض فلسطين، شكلاً يقوم على الانسجام والتَّصالح والتَّسامح بين كافّة أبناء الدِّيانات السَّماويّة الثَّلاثة يهوداً كانوا أو مسيحيين أو مسلمين كما توضّحه هذه الأجزاء المقتبسة من نصَيّ سلاف المصلح وميس الكبرا: "كان أبي أمِّيّاً و لكنّه كان فطيناً كأمِّه وجميلاً كأبيه، كان يحبُّ الحياة، كيف لا وقد ولد قرب النّهر. أبي لا يعرف أنّه ولد قرب نهر الأردن في الزَّاوية الّتي تتجمَّع فيها مصائر ثلاث دول ولدت على عجل كالفطر. أبي لا يعرف سرّ المعموديّة. فهو ليس مسيحيّاً، ولكنّه يعرف بطبعه طعم نباتات الأرض. ويعرف أيضاً كيف يسوق الأغنام إلى المرعى، كما يعرف كيف يميِّز مشية الضَّبع قرب ظلال القصب، ويعرف كيف يهزمه. إنّه يعرف كيف يصل إلى مضارب البدو فهو واحد منهم، ويعرف بعض أسماء النُّجوم وبعضاً من حكاياتها. إنّه يعرف كيف يصنع القهوة وهذا أعظم ما فيه وأعظم ما في الحكاية. كان أبي أمِّيّاً ولكن لم يكُنْ غبيّاً. كان يعيش على الأرض ولم يكُنْ يسبح في الفضاء كما يدَّعون. كان يملك الأرض بقلب ثقيل كالجبال، ألمْ يعبر النّهر كما فعل السَّيِّد المسيح ولم يغرق، مع أنّه لم يكُنْ مسيحيّاً ولم يعرف ما هي المسيحيّة؟ ولم يكُنْ أيضاً يهوديّاً" (نصّ سلاف المصلح).
"ترجع وكما كنّا نعيش - كما قلت – مسلمين ومسيحيين، ممكن أن نعيش مسلمين ومسيحيِّين ويهود إذا قبلوا..... أتمنَّى يا جدَّتي أن يعمّ السَّلام العالم وأن تسود القوانين والدّساتير وأن تفرش الدِّيمقراطيّات والحرّيات أجنحتها وكأنَّ سكّان الأرض سكّان قرية واحدة، بعدهــــا نتخــــلَّص من الحروب ومآسيها، نتخلَّص من القتل الَّذي نشاهده على شاشات التّلفزيون الّذي يبدو أنّه أصبح عنوان حياتنا هذه. ننام على القتل ونستيقظ على القتل. حرام يا جدّتي أن تراق الدّماء ويــــسقــــط الضّحـــايا وتموت الأرواح البريئة" (نصّ ميس الكبرا).
كم يبدو أمراً صعباً ومستعصياً على البالغين الكبار الرَّاشدين أن يتحدَّثوا عن السَّلام، وإذا ما حدث ووجدوا أنفسهم مضطرِّين لمناقشة هذا السَّلام فإنَّ وجه سلامهم يكون دائماً محفوراً بتجاعيد المصالح المادِّية لا أقلّ ولا أكثر، لكن حينما يكون المرء ممّن يتمتَّع بروح طفوليّة وبقلب لم ينَل منه صدأ تجارب الحياة القطرانيّة، فإنَّ أوَّل ما سيكتشفه بأنَّ لا أحد سواه، ذاك المعلم الدَّاخلي الَّذي يهمس بقلوب الصِّغار ويوحي لهم بالكلمة الحق في المكان والزّمن الحق. علينا إذن أن نعمل جاهدين من أجل استرجاع طفولتنا الرُّوحية الأمّ، وأن نعي بأنّه كي نحقِّق هذا علينا أن نُعلّم عقولنا معنى التَّواضع وانكسار الأنا والغرور.
لن تتوقَّف معاناتك أيُّها الإنسان إلَّا إذا كنت طفلاً من الدَّاخل فوحدهم الأطفال المُعلّمون ينسون سريعاً آلامهم ومآسيهم ويعودون إلى ألعابهم وأفراحهم وضحكهم وضجيجهم، بل إلى شجاعتهم في الحلم بالمستحيل، الحلم بامتلاك القمر أو الشَّمس، مخرجين كما يفعل الرَّضيع الخنصر كي يدخلونه وسط قبضة أيادينا وكأنّهم الخالق بجلال قدسه الَّذي يتواضع بمحبّة عميقة ويمدّ إلينا يده كي نسمع كلمته ويملك بها قلوبنا إلى أبد الآبدين.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,283,578,757
- [42]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [41]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [40]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [39]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [38]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [37]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [36]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [35]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- 34. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ح ...
- [33]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [32. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [31]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [30]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [29]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [28]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [27]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [26]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [25]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [24]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [23]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...


المزيد.....




- وزير? ?الثقافة? ?المغربي?: ?قانون? ?الصناعة? ?السينمائية? ?ف ...
- شيرين عبد الوهاب تخرج عن -صمتها الإلكتروني-
- بنشماس من مكناس: - نخشى معاول الهدم من الداخل و على الحزب أن ...
- ندوة شعرية عن ديوان -حضن الريح- للشاعر الكبير محمد السخاوي
- باريس: احتفالية كبيرة بمناسبة مشاركة سلطنة عُمان كضيف خاص في ...
- غدا الأحد ، ندوة لمناقشة المجموعة القصصية (وكأنه هو) للكاتب ...
- شاهد.. من قصر لصدام في البصرة إلى متحف للحضارات
- بالكرم والضيافة.. الكشف عن تفاصيل تصميم متاجر متحف قطر الوطن ...
- لم يعرضوا من قبل في الخليج... 8 أفلام لأول مرة بالسعودية
- حقيقة ماجرى أمام البرلمان ليلة السبت/ الأحد


المزيد.....

- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر
- المسرح الشعبي في الوطن العربي / فاضل خليل
- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبري يوسف - [43]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب حول تجربتها الأدبيّة والنّقديّة والتّرجمة والتَّشكيل الفنّي