أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - أليس سيد درويش الامتداد الطبيعى لثورة برمهات/مارس1919؟















المزيد.....



أليس سيد درويش الامتداد الطبيعى لثورة برمهات/مارس1919؟


طلعت رضوان

الحوار المتمدن-العدد: 6118 - 2019 / 1 / 18 - 14:40
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


((الشعرجسم الوردة والموسيقى أريجها)) (الموسيقارالكبيرفاجنر)
يرتبط اسم الفنان المُـبدع الموهوب (سيد درويش) بالأحداث المصرية التى بدأتْ فى أواخرعام1918بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى، إلى أنْ انفجرتْ شرارة الثورة فى شهربرمهات/ مارس1919وبالتحديد يوم9مارس، وفق الرصد الدقيق لأحداث الثورة، الذى رواه المؤرخ الكبيرعبدالرحمن الرافعى..والذى ذكرأنّ الإنجليز(كعادتهم) تراجعوا عن وعدهم بالانسحاب من مصربعد إنتهاء الحرب. وأنّ اشتعال الثورة (العفوية) كان وقودها جماهيرالشعب المصرى من الفلاحين والعمال والموظفين..وذكرالرافعى أنّ تراجع الإنجليزعن وعدهم بالانسحاب من مصرأدّتْ إلى ((تذمرالشعب من الحالة السياسية..وتطلعه إلى ما كان يصبوإليه من حرية وجلاء قوات الاحتلال..واستقلال مصر..وردّ الرافعى على الكــُـتاب الذين حاولوا تشويه ثورة الجماهيربزعم أنّ السبب الرئيسى هوالنظام الاقتصادى..ومعاناة الشعب بسبب أوضاعه الاجتماعية..وكان من رأيه أنه إذا كان هذا الوضع الاقتصادى/ الاجتماعى حقيقة لايمكن إنكارها، فإنّ المحرّك الأول لثورة الجماهيركان وجود قوات الاحتلال الإنجليزى على أرض مصر(مصرالمجاهدة فى العصرالحديث- من الاحتلال إلى ثورة1919- طبعة دارالهلال- ط3- عام1990- من ص116- 132)
وذكرالرافعى ملحوظة غاية فى الأهمية وهى (وفق نص كلامه) فيما يتعلق بالفلاحين حيث قال ((لم يكن أحد يتوقع أنّ الفلاح (الموصوف بالسذاحة) والبعيد بفطرته الطبيعية عن غمارالسياسة وعواصفها، سوف يندمج فى الثورة، إلى درجة خلع قضبان السكك الحديدية..وقطع المواصلات..وبذل الروح فداءً للوطن)) وفى تعقيب آخرمنه أضاف الجملة التى تؤكد كيف ولماذا تفاعل الفنان الكبيرسيد درويش مع ثورة شعبنا عام1919، حيث قال الرافعى: وقد ظهرتْ نتائج تفاعل شتى طبقات الشعب ((فى كون الثورة قد لازمها شعوربالنبل والترفع عن الدنايا..وعن السلب والنهب، فكانت ثورة سياسية وطنية، بكل معنى الكلمة..ولم يشبها التعصب الدينى..ولا اتخذتْ طابعـًـا دينيـًـا..ولا انحدرتْ إلى الصراع الاجتماعى بين الطبقات (ولابين الأديان والمذاهب) بل كان رائدها الوحدة القومية، بين المسلمين والمسيحيين، أوبين طبقات المجتمع من أغنياء ومتوسطين وفقراء..ولم تــَـنــْـقضْ أى طبقة على طبقة أخرى..كما جرى فى كثيرمن الثورات الدموية فى فرنسا وروسيا..ومن مظاهرتقدم وعى الشعب، مساهمة المرأة فى الثورة..واشتراك النساء بأقلامهنّ وأفكارهنّ..وإذكاء الروح الوطنية فى نفوس المواطنين..وحثهم على التضحية للمشاركة فى المظاهرات..إلخ)) (المصدرالسابق- ص133، 134)
وأعتقد أنّ ما ذكره الرافعى فى تلك الفقرة يؤكد كيف تفاعل سيد درويش..وكيف تفاعل معه (كل) الشعراء الذين كتبوا كلمات أغانيه الوطنية التى عبــّـرتْ عن مكوّنات الثقافة القومية..وخصوصية الشخصية المصرية، التى يـُـسيطرعليها ذلك الحب الفطرى للوطن..وذلك الاعتزازبالانتماء للمكان الذى وُلد فيه وشرب من مائه، والأهم أنه شرب (والأدق رضع) تقاليده وفلسفته..كما تؤكد كتب علم المصريات عن مدى اعتزازالمصرى بوطنه.
وإذا كان من المرجــّـح (أومن المؤكد) أنّ درويش والشعراء الذين كتبوا أغانيه، لم يقرأوا ما كتبه الرافعى وغيره عن خصائص شعبنا..وخاصة تفاعل الفلاحين مع مجموع الشعب، فإنّ ما كتبوه وما غناه ولحنه درويش، كان الترجمة الطبيعية لما حدث عن بدايات الثورة، خاصة بعد نفى سعد زغلول..ولعلّ الأغنية التى فافتْ شهرتها معظم أغانى درويش (بلادى بلادى) أنْ تــُـقـدّم الدليل على عمق تأثردريش ومن كتبوا له بأحداث الثورة..والأهم- من وجهة نظرى- تأثيردرويش وأصدقائه من الشعراء فى الجماهيرأثناء المظاهرات..والدليل على ذلك ما ذكره أكثرمن مؤرخ فنى عن أنّ الجماهيركانت تــُـغنى أغانى درويش وهم فى الشوارع والميادين.
أشهرتلك الأغانى (بلادى بلادى) ومن يـُـراجع كلمات الأغنية..ويتأمل معانيها يتأكــّـد أنّ الشاعرالذى كتب ومبدع اللحن الذى غنى، كانا على درجة كبيرة من الوعى بأهمية الكلمة وأهمية اللحن وأهمية الأداء، للتعبيرعن أشواق الجماهير نحوالانعتاق والتحررمن قيود الاحتلال الأجنبى..وهوما انعكس فى كلمات الأغنية، ومخاطبة الوطن بأنّ الفداء من أجل مصرسيكون بتقديم القلب حيث قال الشاعر(لكى حبى وفؤادى) وأكد ذلك فى البيت التالى (أنتى غايتى والمراد) ولكى يــُـشحن جماهيرالمتظاهرين..ويـُـحرّك فيهم مشاعرالانتماء..كان لابد للشاعرأنْ يـُـذكرهم: من هى مصرالتى خرجوا للدفاع عنها..وطرد المحتل منها فقال: (مصرأنتى أغلى دره..فوق جبين الدهرغره) وبماذا يتمنى فى البيت التالى؟ قال (يا بلادى عيشى حره..واسعدى رغم الأعادى) وقد ذكرالمؤرخ الموسيقى د.محمود أحمد الحفنى أنّ كلمات الأغنية من تأليف سيد درويش وذلك فى كتابه (سيد درويش: حياته وآثار عبقريته) الصادرعن سلسلة أعلام العرب- العدد رقم7- عام1962وأعادتْ هيئة الكتاب المصرية طباعته عام1974- ص61) بينما يرى آخرون أنّ سيد درويش نقل ما يدورفى ذهنه عن المعانى التى تجيش فى صدره ومطلع الأغنية إلى بديع خيرى، الذى صاغ الكلمات بالكامل..وبغض النظرعن اسم مؤلف الأغنية (درويش أوبديع خيرى) فإنها أصبحتْ علامة بارزة فى تاريخ الفن المصرى..وارتباطها بثورة شعبنا فى برمهات/ مارس1919..ويكفى أنّ اللحن الذى ألــّـفه درويش صارهوالنشيد الوطنى طوال عشرات السنين..ومع ملاحظة التوزيع الموسيقى الجديد الذى أجراه محمد عبدالوهاب..وهويختلف عن اللحن الأصلى، الذى كان يـُـثيرالحماسة الوطنية..وتتغلغل تلك الحماسة داخل وجدان المستمع، بينما اختفتْ تلك الحماسة من التوزيع الجديد، الذى حدث فى عهد السادات.
تفاعل سيد درويش، الذى أطلق عليه من أرّخوا لحياته لقب (فنان الشعب) مع أحداث الثورة..فلحـّـن وغنى من كلمات بديع خيرى ((قوم يا مصرى..مصردايمًـا بتناديك..خد بنصرى..نصرى دين عليك.. يوم ما سعدى راح هدر..قدام عينيك..عـِدْ لى مجدى اللى ضيعته بإيديك..شوف جدودك فى قبورهم ليل نهار..من جمودك كل عضمه بتستجار..إلخ)) وهذه الأغنية عندما سمعها الشعب أخذ البيت الأول..وكانت جماهيرالشعب (وهم فى الشوارع اثناء المظاهرات) يـُـردّدون البيت الأول (فقط) نظرًا لطول كلمات الأغنية..خاصة وقد استحوذ على قلب الشعب، تلك البداية القوية، فى قول الشاعر(قوم يامصرى..مصردايما بتناديك)
ولم يكتف سيد درويش بالأغانى ذات الطابع الحماسى..والتى كانت تصلح لترديدها فى المظاهرات..وإنما لعمق إدراكه بالفرق بين امكانات قوات الاحتلال، وما فى أيديهم من سلاح، قتلوا به الكثيرين منذ بدء أحداث الثورة، بينما الشعب لايملك إلاّ صوته ويده والحجارة.. نظرًا لهذا الفروق، تذكــّـر(درويش) المثل الشعبى المصرى الشهير(الكتره تغلب الشجاعه) فأوحى له هذا المثل بمطلع أغنية..وبسرعة جرى ليقابل بديع خيرى..ونقل إليه ما يدورفى ذهنه..وإذا ببديع خيرى يتفاعل مع فكرة صديقه فكتب ضمن (مجموعة أغانى العمال) الأغنية التى كان مطلعها ((ما قلتْ لكش إنْ الكتره لابد تغلب الشجاعة؟ وأديك شفتْ كلام الأمرا..طلع تمام ولا فيهشى لواعه..غيرشى اللى كان هالك أبدانا..ومـِطلــّـع النجيل على عينينا.. إنْ فهمى يكره حنا..وإيش دخل دول يا ناس ف دينا؟!))
فى هذه الأغنية جمع بديع خيرى بين شيئيْن غاية فى الأهمية: الأول مقاومة الإنجليزبالرغم من أنّ امكانات الشعب وامكانات المحتل، غيرمتكافئة استنادًا إلى حكمة الأميين من شعبنا (الكتره تغلب الشجاعة) الشىء الثانى هومزج الكفاح ضد المحتل، بتجسيد الحقيقة الناصعة..ولها وضوح شمس بؤونه وحرارتها..وهى أنّ شعبنا من نسيج ثقافة قومية واحدة، لم تــُـفرّق بين أبناء الوطن الواحد لاعلى أساس العرق..ولاعلى أساس الدين..وذلك فى قوله ((غيرشى اللى هالك بدنا.... إنْ فهمى يكره حنا..وإيش دخل دول ياناس ف دينا؟ّ!)) وهكذا يتأكــّـد صدق تحليل المؤرخ الرافعى كما ذكرتُ فى بداية المقال..عن أنّ ثورة مارس1919 ((لم يشبها التعصب الدينى..ولا اتخذتْ طابعـًـا دينيـًـا.. بل كان رائدها الوحدة القومية بين المسلمين والمسيحيين)) كما أود لفت النظرإلى بلاغة بديع خيرى، عندما وصف جموع الشعب بتعبير(شفت كلام الأمرا) وسبب توقفى عند هذا التعبيرإننى خشيتُ أنْ يعتقد القارىء، أنّ المقصود بكلمة (الأمرا) أمراء القصورمن العائلة المالكة، بينما سياق كلمات الأغنية تؤكد على أنه يقصد جماهيرالشعب..وهوما يتأكد عندما نتذكرأنّ شعبنا يصف أى إنسان خدوم ((وبيعرف يعمل المعروف)) فيقول له ((والله إنت أميرالأمرا))
وكان تفاعل سيد درويش والشعراء الذين كتبوا أغانيه الوطنية، بسبب كثرة عدد الشهداء الذين قتلهم جنود الاحتلال، منذ اليوم الأول للثورة..والتى بدأتْ فى يوم9 مارس واستمرّتْ طوال هذا الشهروشهرإبريل.. ثم تجـدّدتْ فى شهورأكتوبر، نوفمبر، ديسمبرمن نفس العام1919..وذكرالمؤرخ الكبيرالرافعى أنه ليس ((من المُـستطاع إحصاء عدد من قــُـتلوا من المصريين فى أحداث الثورة..ولكن جاء فى خطبة المستر(هارمسورث) وكيل وزارة الخارجية البريطانية، فى مجلس العموم يوم15مايوسنة 1919، أنّ عدد من قــُـتل من المصريين بلغ حتى هذا التاريخ ألفــًـا (1000) وهذا الاحصاء لايتناول من استشهدوا بعد ذلك..وأضاف تعليقــًـا على هذا العدد: إنّ هذا شىء فظيع..وذكرأنه قــُـتل من الجنود البريطانيين سبعة وعشرون))
وذكرالرافعى أنه ((ورد فى تقريرالجنرال اللنبى فى مجلس العموم البريطانى يوم24يوليو1919، أنّ عدد ضحايا الثورة المصرية بلغ حتى تاريخ كتابة التقرير 800قتيل و1600جريح من المصريين و31قتيلا و25جريحًا من الأوروبيين و29 قتيلا و114جريحًا من الجنود البريطانيين..وأنّ عدد الذين حــُكم عليهم من الوطنيين المصريين على إثرالاضطرابات 3700 (ثلاثة آلاف وسبعمائة) وأنّ الأحكام كانت (خفيفة) على أكثرهم..ولكن صدرتْ أحكام على49 بالإعدام وعلى27 بالأشغال الشاقة المؤبدة..وكان تعقيب الرافعى أنّ تقرير(هارمسورث) وتقريراللورد اللنبى ((دون الحقيقة بكثيرلأنّ المصادرالبريطانية، كانت ترمى إلى التقليل من عددهم، تهوينــًـا من شأن الثورة..وأنّ الاحصاء الذى وصلنا إليه..وتحققناه أنّ عددهم طوال مدة الثورة لايقل عن ثلاثة آلاف قتيل، أستشهدوا فى سبيل أشرف هدف وأنبل غاية)) (الرافعى- مصدرسابق- ص143)
وأعتقد أنّ هذا العدد الكبيرمن شهداء ثورة1919كان أحد أهم الدوافع التى حرّكتْ وجدان الفنان درويش..وجعلته فى (وسط الأحداث) ليس بالمعنى المباشر، ولكن بمعناه المجازى..وكان سلاحه الكلمة واللحن والأداء..ويؤكد ذلك أنه (وبعد أنْ هدأتْ الأحداث) وبدأ فى تأليف ألحان المسرحيات والأوبريتات للفرق المسرحية العديدة، التى كان أصحابها يـُـصرون على أنْ يكون هوملحن كلمات الأغانى..ومن أمثلة ذلك اللحن الذى وضعه لمسرحية (الهلال) لفرقة على الكسار..وهذا اللحن أخذ عنوان (لحن الجنود) وكان مطلع الأغنية ((إحنا الجنود زى الأسود.. نموت ولا نبعشى الوطن.. بالروح نجود.. بالسيف نسود.. على العـِـدا طول الزمن.. نحفظ كرامة شعبنا.. بعزنا.. بدمّـنا..إلخ)) وكان تعقيب المؤرخ الموسيقى د. الحفنى ((هذا اللحن وكثيرمن ألحان الاستعراضات، انتهتْ بالختام الوطنى لثورة1919 ولكن هذه الألحان الوطنية استمرّتْ بعد الثورة، مما ينهض دليلا على مدى تفاعل الفنان سيد درويش بأحداث الثورة، سواء فى بدايتها أوفى غمارها أوحتى فى نهايتها)) (د. الحفنى- مصدرسابق- ص188، 189)
000
وكما وعى سيد درويش أهمية الكلمة واللحن والأداء من أجل تأجيج نارالحماسة داخل صدورشعبنا وهم يهتفون ضد قوات الاحتلال، كذلك وعى أهمية تكثيف وإلقاء الضوء على أنّ ثورة شعبنا فى1919 لم تــُـفرّق بين المسلم والمسيحى..وهوما جعله يساهم بأفكاره مع صديقه الأثير(بديع خيرى) وهويكتب كلمات أغنية (قوم يا مصرى) فهذه الأغنية تضمّـنتْ محورين: محورمقاومة الإنجليز..والمحورالثانى الوحدة الوطنية بغض النظرعن الانتماء الدينى..ولذلك جاء فى المقاطع الأخيرة ما يؤكد هذا المحورحيث كتب بديع وغنى درويش ((شـُـفتْ أى بلاد يا مصرى فى الجمال.. تيجى زى بلادك اللى ترابها مال.. نيلها ييجى السعد منه حلال زُلال..كل حى يفوز برزقه عيشته عال.. يوم مبارك تم ليك فيه السعود.. حـِـب جارك قبل ما تحب الوجود.. إيه نصارى ومسلمين.. دى العباره نسل واحد م الجدود))
والملفت للنظرأنّ الشاعروالفنان درويش أصرا على تكرارهذا المعنى فى المقطع التالى، مع تغييربسيط فى الكلمات، الأمرالذى يؤكد حرصهما على تأكيد المعنى أوكما (بلغة السينما) تكثيف وتركيزالضوء على منظربعينه Focus ونظرًا لأنّ ذلك قد تغلغل داخل وجدان سيد درويش..وما أدركه وشاهده بعينيه طوال أيام وشهورالثورة، لذلك غنى من كلمات بديع خيرى ((مصرأم الدنيا وتتقدم.. لاتقول نصرانى ولامسلم..ولايهودى يا شيخ اتعلم.. اللى أوطانهم تجمعهم.. عمرالأديان ما تفرّقهم))
وهذه الأغنية- بالذات- حصلتْ على إجماع المؤرخين الموسيقيين، الذين عاشوا فى فترة العشرينيات من القرن العشرين..وشاهدوا أحداث ثورة1919، وأنهم سمعوا الشعب يهتف فى المظاهرات ((اللى تجمعهم أوطانهم.. عمرالأديان ما تفرقهم)) وأنّ هذا الشعارالمأخوذ من الأغنية، ترادف مع شعار((الدين لله والوطن لكل المصريين))
وأعتقد أنّ الأغانى التى لحـّـنها وغناها سيد درويش وردّدها شعبنا فى المظاهرات، كانت أصدق تعبيرعن الحقيقة المُـتجذرة داخل الوجدان المصرى، منذ آلاف السنين، وهى الاعتزازبالوطن والانتماء إليه..والدفاع عنه..وهذا الاعتزاز صاغه أحمد لطفى السيد فى مجمل كتاباته (عن الخصوصية المُـميزة لكل شعب، وأنّ لشعبنا خصوصيته التى لخــّـصها فى تعبيرالقومية المصرية) وحتى المؤرخ عبد الرحمن الرافعى (صاحب الميول العربية والإسلامية) اعترف بأنّ أحداث ثورة1919وتطورها، حققتْ لمصرعدة مكاسب، من بينها ما جاء فى اتفاقية مونترو سنة1937، التى ((تــُـعد فوزًا كبيرًا لمصرإذْ أزالتْ بها الامتيازات الأجنبية، وانقرض بها نظام المحاكم المختلطة..وحققتْ مصر رسميًـا سيادتها على الأجانب فى التشريع والإدارة والقضاء..وهذا ولاشك كسب عظيم وفوزكبيرللقومية المصرية)) (الرافعى فى كتابه: مصربين ثورة1919ويوليو1952- مركزالنيل للإعلام- مطابع الشروق- عام1977- ص38)
000
وأنا كلــّـما جاءتْ سيرة سيد درويش، أواستمعتُ إلى صوته وألحانه، كلــّـما ربطتُ بينه وبين الفنان الكبيرمحمود مختار، فبعد أنْ ظنّ البعض..وبعد أنْ كتب البعض أنّ الحضارة المصرية (ماتت) فإذا بمختاريظهرليـُـكذب هذا الزعم، ظهركما لوكان أحد فنانى مصرالقديمة، نفض تراب مقبرته وأبدع تماثيله..ويقول (بلغة الفن) أنا حفيد جدودى المصريين الذين شيـّـدوا حضارة البناء والعمارة..وفن الرسم والنحت.
نفس الأمرينطبق على سيد درويش، فبعد سيطرتْ وانتشارظاهرة (التخت) بأغانيها الساذجة وألحانها السطحية، بهدف (التطريب) وليس تحريك الوجدان، وتعميق مشاعرالحس الإنسانى، كما فعل درويش الذى طوّرالموسيقى ونقلها نقلة حضارية بما أدخله عليها من تجديدات.
وعن التواصل الحضارى فى فن الموسيقى، كتب د.أحمد يوسف الطويل فى بحث مهم أثبتَ فيه تأثرمقرئى القرآن وملحنى الأغانى بالموسيقى القبطية (= المصرية) فكتب أنّ الملحن المشهور زكريا أحمد استلهم الألحان القبطية فى العديد من الأغانى التى غنــّــتها المطربة أم كلثوم مثل أعنية (إمتى الهوى) وأضاف ((تأثركبارموسيقينا المصريين بالألحان الكنسية، سواء فى صياغتهم للألحان أوفى طريقة الأداء..وكذلك مادة (الآهات) الموجودة فى قالب (الدورالمصرى) وبالاجمال هناك تشابه واضح بل اتفاق فى الغالب– بين الألحان القبطية والإسلامية الشعبية لاتــُخطئه الأذن..وذلك التشابه والاتفاق لايُـشيرفقط إلى علاقة تأثيروتأثرمُــتبادل، بل يـُـمكننا من خلاله إرجاع مصدرتلك الموسيقى إلى ناتج فكرإنسان مصرى، تحققتْ له ظروف معيشية واحدة ومناخ واحد..وثقافة واحدة وتكمن فى وجدان الفنان المصري، يستدعيها حين يُبدع، أوتظهربتلقائية حين ينفعل موسيقيًا، سواء من المسلم أوالمسيحى، بطابعها المصرى المُــتـفرّد)) (الموسيقى القبطية والموسيقى اليهودية فى أحضان النيل- هيئة قصورالثقافة- عام 2014- ص64،65)
وذكرالباحث– من خلال دراسة موثقة- مع نشرالنوتة الموسيقية لكل لحن– أنّ كثيرين من المُـلحنين المصريين تأثروا بالموسيقى الكنسية فى ألحانهم..ومن بينهم سيد درويش، محمد عبد الوهاب، رياض السنباطى، محمد فوزى، محمود الشريف وبليغ حمدى وغيرهم..ونفى تأثرهم بأى ألحان (يهودية) كما زعم بعض مؤلفى الموسيقى اليهود..وأنّ إسرائيل تحاول اختراق الفن المصرى والثقافة المصرية بأية صورة (انتحال، اقتباس وسطو) مثلما حدث مع لحن (رايح فين يا مسلينى) ولحن (قولولعين الشمس ما تحماشى) الذى تقدمه الإذاعة الإسرائيلية على أنه مقتبس من الملحن المصرى (داود حسنى) وأنّ المصريين استخدموه كثيرًا فى ألحانهم، كما جاء على لسان المذيع الإسرائيلى (أبوفريد) والمذيع الإسرائيلى إسحاق هاليفى، ولكنهما لم يذكرا أصل هذا اللحن، الذى استلهمه داود حسنى من نص شعرى يقول ((وجننتينى يا بت (= بنت) يا بيضه)) وهذا النص لحّـنه داود حسنى وغناه المطرب المصرى زكى مراد..وطــُـبع على اسطوانة من انتاج شركة جرامافون..ومُسجل بدارالكتب تحت رقم 870 ورقم 1207 من غناء المطربة (سهام) لحساب شركة جراماون..ولكن يجب ملاحظة أنّ لحن (قولولعين الشمس) له قصة تاريخبة ترجع إلى عام1910عندما أقدم الشاب إبراهيم الوردانى المُـتعصب دينـيــًـا على اغتيال بطرس باشا غالى (رئيس الوزراء) وبسبب العاطفة الدينية، خرج أفراد من الشعب لوداع الوردانى قبل تنفيذ حكم الاعدام، وكانوا أشبه بالكورس وهويغنى ((قولولعين الشمس ما تحماشى.. أحس غزال البرصابح ماشى)) وهذا اللحن استخدمه بليغ حمدى فى اللحن الذى كتبه للمطربة شادية من مقام (بياتى) عام 1966. وكتب الكلمات الشاعرمجدى نجيب الذى استلهم بدوره معانى الكلمات من نضال شعبنا ضد الإنجليز، من الأغانى مجهولة المؤلف التى غناها الأميون المصريون بعد أنْ خلع الإنجليزالخديوعباس حلمى الثانى عام1914..وعندما علم شعبنا بأنّ الحكومة المصرية المُــتواطئة مع الإنجليز، سوف تــُساعد بريطانيا فى (الحرب العالمية الأولى: من 1914- 18) وأنه سوف يتم الاستعانة بجنود من الجيش المصرى، فإنّ الشعب كان يُودّع الجنود المصريين وهويُـغنى بشجن حزين..وفيه الرجاء من الشمس أنْ تــُـلطــّـف من حدة حرارتها فغنوا لها ((قولولعين الشمس ما تحماشى..وحبيب القلب صابح ماشى.
وذكرد. سيد عويس ((لايمكن أنْ أنسى دراستى مع الموسيقى سليمان جميل، رحنا ندرس احتفالات الصوفيين..وجدنا وزيرًا سابقــًا وهذا عم فلان (بائع متجول) طوابيرفى الحضرة الصوفية..وجدنا الكلام أحدث من اللحن، اللحن كنسى والكلام إسلامى فى مدح الرسول والحسين والأولياء)) (أبعاد الشخصية المصرية بين الماضى والحاضر- مجموعة محاضرات- إعداد وتقديم طلعت رضوان- هيئة الكتاب المصرية- عام 1999- ص67، 85) وذكركثيرون من المتخصصين فى الموسيقى أنّ قــُـراء القرآن المصريين كانوا يُجوّدون تلاوتهم القرآنية بمقامات موسيقية، فكان الشيخ محمد رفعت (قيثارة السماء) يقرأ القرآن ويُجوّده من مقام (نهاوند ألفا) والشيخ مصطفى إسماعيل يُجوّد من مقام (بياتى– النوا– صول) والشيخ عبد الباسط عبد الصمد من مقام (صبا- النوا- صول) والشيخ صديق المنشاوى من مقام (سيكا- المى)
وبالرغم من أنّ هؤلاء الشيوخ أبناء القرن العشرين الميلادى، فإنّ ما ذكره الإمام القرطبى يؤكد وجود الظاهرة فى عصره (توفى عام 671هـ أى القرن الثانى عشرالميلادى) حيث كتب إدانة لتلك الظاهرة (من وجهة نظره) ووفق نص كلامه كتب ((قلتُ وهذا الخلاف إنما هوما لم يفهم معنى القرآن بترديد الأصوات وكثرة الترجيعات فإنْ زاد الأمرحتى لايُـفهم معناه، فذلك حرام باتفاق كما يفعل القــُـرّاء بالديارالمصرية، ضلّ سعيهم وخاب أملهم)) (تفسيرالقرطبى- طبعة مركزتحقيق التراث- ص16، 17)
000
سيد درويش (17مارس1892- 15سبتمبر1923) وكان يـُـفضل أنْ يـُـقال له (يا شيخ سيد) بالرغم من أنه أحدث طفرة كبيرة فى تطويرالموسيقى والتلحين والغناء فى الشرق كله وليس فى مصر(فقط) وبالرغم من وفاته المُـبكــّـرة حيث مات عن عمر31سنة..وإذا كان نبوغه الموسيقى بدأ سنة 1917فمعنى ذلك أنّ عمره الفنى الحقيقى خمس سنوات..وليس عشرسنوات كما كتب كثيرون..وكما جاء فى الموسوعة العربية الموسعة الصادرة عام1965- ص1047.
اسمه الحقيقى فى شهادة الميلاد (السيد درويش البحر) بينما اسمه الفنى الذى استقرّعليه النقاد والصحفيون (سيد) بدون الألف واللام..ومنذ طفولته كان يحب الاستماع إلى صوت الشيخ سلامة حجازى والشيخ حسن الأزهرى..والتحق بالمعهد الدينى بالإسكندرية عام1905..وجرّب الغناء فى المقاهى..واضطربسبب ظروفه المعيشية- إلى العمل مع عمال البناء..وكان أثناء العمل يرفع صوته بالغناء..والعمال (رغم مشقة صعود السقالة وعلى ظهورهم شيكارة الرمل) يـُـردّدون كلمات الأغنية وراءه..وتصادف وجود الأخويْن (سالم وأمين عطا الله) وهما من أشهر المُـشتغلين بالفن..وكانا يجلسان فى مقهى بالقرب من موقع العمل، فاسترعى انتباههما جمال صوت هذا العامل. تعارفا عليه واتفقا معه على أنْ يـُـرافقهما فى رحلة فنية إلى الشام..وكان ذلك فى نهاية عام1908..وعاد درويش إلى الشام مرة أخرى عام1912ومكث هناك حتى عام1914..وفى عام1917 انتقل إلى القاهرة..ومنذ ذلك التاريخ بدأ نجمه فى الصعود..حيث قام بالتلحين لمعظم الفرق المسرحية فى شارع عماد الدين، أمثال فرقة نجيب الريحانى..وفرقة جورج أبيض..وعلى الكسارإلخ.
من بين التطويرالذى أحدثه درويش على الموسيقى، أنه ولأول مرة فى مصر..وفى الشرق كله أدخل الأسلوب الهرمونى (متعدد الأصوات والنغمات) فى أوبريت (شهرزاد) وبعد أنْ غنى للعمال وللفلاحين..وبعد أنْ غنى أغانيه الوطنية (خاصة بعد ثورة شعبنا فى شهربرمهات/ مارس1919) وبعد أنْ غنى أغانيه العاطفية (خاصة زورونى كل سنه مره) بدأتْ شهرته تتسع بين جميع طوائف الشعب..ويـُـردّدون كلماتها ويترنــّـمون بألحانها فى خلواتهم.
وذكرمعظم من أرّخوا لحياته أنّ لكل أغنية من أغانيه (مناسبة خاصة) يتفاعل معها فتــُـوحى إليه بمطلع كلماتها مع الترنم باللحن..فيُـسارع بلقاء من يكتب الكلمات (خاصة بديع خيرى) ويشرح له الموقف..ومن أمثلة ذلك أغنية (زورونى كل سنه مره) سببها أنّ درويش أحبّ سيدة..وعندما اضطرتْ إلى السفرقالت له: ((ابقا زورنى يا شيخ سيد..ولوكل سنه مره)) ومن طرائف حياته أنه أحبّ سيدتيْن فى وقت واحد: الأولى اسمها (فردوس) والثانية اسمها (رضوان أورضوانه) وإذا تخاصم مع الأولى ذهب إلى الثانية..وحدث أنّ ذهب إلى فردوس فتمنــّـعتْ وتدلــّـلت عليه..وقالت له: إنت ما بتحبنيش..ولما أقسم لها بحبه قالت: لوبتحبى اذكرنى فى أغنيه. قال لها (عفوالخاطر) يا ناس أنا مُـتْ فى حبى..وجم الملايكه يحاسبونى..وقالولى آدى جنة رضوان..واخترت أنا جنة فردوس.
أول حفلة أقامها درويش فى القاهرة كانت فى مقهى الكونكورينا..وحضرها أكثرفنانى القاهرة..ومنهم ممثلون ومطربون..وعلى رأسهم إلياس نشاطى..وكان عدد الفنانين أكبرمن عدد الجمهور..وغنى درويش أغنية: الحبيب للهجرمايل..وكان اللحن غيرمألوف..ولم يتعوّد الجمهورعليه..ولذلك انسحب أغلبهم..وقالوا: هذه موسيقى كافره لأنها أجنبيه..والفن الجديد يـُـهدد القديم (الأصيل) ولكن الفنانين الموجودين لم ينسحبوا، لأنهم أدركوا أهمية التطويرالذى أدخله درويش على التلحين..هذا التطويرساعده على تلحين أوبريت (شهرزاد) وتلحين أوبريت (العشرة الطيبة) من تأليف محمود تيمور..وكتب أغانيها بديع خيرى..ولذلك كوّن (نجيب الريحانى) فرقة مسرحية برئاسة عزيزعيد لإخراجها..وكلــّـف درويش بتلحين أغانيها.
000
من حـُـسن حظى أننى- فى فترة شبابى كنتُ أحرص على اقتناء الإصدارات الصادرة فى فترة الستينيات..وكان من بينها سلسة أعلام العرب..وفرحتُ عندما وجدتُ كتاب (سيد درويش: حياته وآثارعبقريته) تأليف د.محمود أحمد الحفنى- العدد السابع- عام1962..ونظرًا لأهمية هذا الكتاب فإنّ هيئة الكتاب المصرية أعادتْ طباعته أكثرمن مرة..وكانت الطبعة الأولى عام1973..وترجع أهمية هذا الكتاب بمراعاة أنّ مؤلفه كان معاصرًا لسيد درويش..ومن هنا تكتسب المعلومات الواردة فى كتابه مصداقية، يصعب التشكيك فيها، خاصة بعد أنْ صاركتابه أحد أهم المصادرلجيل الشباب من المؤرخين الموسيقيين..كما أنّ الحفنى رصد بدايات درويش إلى لحظة الوفاة..وفى نفس الوقت هومن الدراسين لتاريخ الموسيقى، سواء فى العصورالقديمة أوالحديثة..ومن بين كتبه العديدة كتاب (موسيقى قدماء المصريين) وكتاب عن بيتهوفن، وكتاب غاية فى الأهمية بعنوان (الموسيقى فى الأمثال العامية) وكتاب (أشهرالأبريتات) إلخ.
ومما يؤكد ثقافته العميقة والمتنوعة أنه ذكرفى مقدمة كتابه عن درويش جملة الفيلسوف الصينى (كونفوسيوس) الخالدة ((إذا أرتَ أنْ تتعرف على بلد ومبلغ حظه من المدنية، فاسمع موسيقاه)) ولأنّ درويش أبدع (موسيقى تحريك الوجدان) فإنه لم يفعل ذلك إلاّبعد أنْ حرّرالموسيقى من الصيغ القديمة..ولم يبال بصيحات المُـتخلفين (ص13)
وذكر: أحسبنى أسعد حظــًـا من الكثيرين الذين تعرضوا للكتابة عن درويش لأسباب كثيرة منها: 1- طول ممارستى لهذا النوع من الكتابة 2- هوايتى الأولى للموسيقى منذ نشأتى 3- لقد تعرفتُ على درويش قبيل نهاية الحرب العالمية الأولى (عام1918) وبعد عودتى من أوروبا كان لى شرف الاشراف على أول حفل كبيرأقيم لذكراه فى سبتمبر1931بمسرح الأزبكية.
وساعد على معرفته بدرويش أنه كان على صلة وثيقة بالأسرة، وبصفة خاصة حسن درويش ومحمد البحراللذيْن ربط بينهما حب الفن..وذكرأنّ سيد درويش عانى كثيرًا فى شبابه، لدرجة أنه كان يتكسب رزقه من عمله فى طلاء جدران المنازل..وذلك قبل أنْ يتعرّف عليه سليم عطا الله واصطحابه معه إلى الشام..وذكرأنّ الفنان درويش كان من عشاق السيرفى الأحياء الشعبية..ويشعربالسعادة وهويزورالموالد والأضرحة..ويسمع أناشيد المنشدين..وكذلك كان يـُرهف السمع للأغانى والأهازيج العفوية فى الشوارع..وتزداد سعادته وهويستمع إلى نداءات الباعة..وهذا الولع بالاستماع لنداءات الباعة (المُنغمة) بدأ يتحوّل إلى (شغف وكأنه جزء من طبيعة تخصصه الفنى) ومن بين الطرائف أنه سمع- أثناء مروره بحى بولاق- نداء أحد الباعة من الصعيد وهوينادى على البلح بنداء مُنغم لفت انتباهه..وأنّ أسلوب النداء على البلح أوحى إليه بلحن جديد مُـبتكر..ونقل إعجابه بصوت البائع الصعيدى إلى صديقه (بديع خيرى) وطلب منه أنْ يكتب مقطوعة زجلية (على وزن النداء الذى سمعه، فكان ميلاد اللحن المشهور(مليحه جوى الجلل الجناوى) الذى كان أحد استعراضات أوبريت (قولوله) ومن بين أبيات الأغنية: خساره جرشك (قرشك) وحياة ولادك..على اللى ماهوش من طين بلادك..شوفوالبلاوى البنك ناوى..يرفع دعاوى عشان يتاوى فى فلوسنا وإحنا مجندلين (ص29، من138- 140)
وعندما انتقل درويش إلى حى عابدين، استمع فى (حارة السقايين) إلى نداء الباعة لبيع الماء الذى يحملونه فى قربهم الجلدية..وكان ذلك المشهد البداية التى انطلق منها وهويـُـبدع ألحانه فى المسرحيات الاستعراضية مثل: السقايين، الشيالين، الحشاشين، التحفجيه، الجزارين، الحمارين والعربجية..إلخ (ص140، 141) والثنائى الفنى (بديع خيرى ودرويش) نظرًا لوعيهما بعمق العلاقة التاريخية بين السودان ومصرلذلك أبدعا الأغنية الشهيرة ((دنجا دنجا.. جالت (قالت) هات لى أم أهمد (أحمد) كلمايه فى متلايه..سرجو(سرقو) السندوق يا مهمد (محمد) لكن مفتاحه مآيه (معايا) يا مصيبه وجانى من بدرى..زى الساروه (الصاروخ) فى ودانى..ما فيش هاجه (حاجه) اسمه مصرى..ولاهاجه اسمه سودانى.. نهرالنيل راسه فى ناهيه (ناحيه) رجليه فى الناهيه التانى)) (والأغنية طويلة فى ص115، 116)
وفى أوبريت العشرة الطيبة سخرهذا الثنائى البديع من الانتهازيين الذين لايهتمون بكرامتهم، فكان المشهد الذى كتبه بديع خيرى ولحنه درويش ومن بين أبياته: ((والله طيب يا زمان الخلطبيط.. آن الأوان يا حلو.. يا اللى تصلى ع النبى تكسب.. يا حلالك يا بلالك..عشان ما نعلا ونعلا.. لازم نطاطى نطاطى..هوّبعينه ومناخيره.. احنا الغجروانتوالحكام)) وتلك السخرية من الانتهازيين لها ارتباط عميق بحب الوطن..وهوما فعله درويش فى النشيد الذى كتب كلماته ولحنه وقال فيه: مصرنا وطننا سعدنا (إشارة إلى سعد زغلول) أملنا..كلنا جميعــًـا للوطن ضحية. أجمعتْ قلوبنا: هلالنا وصليبنا.. أنْ تعيش مصرعيشة هنيه.. يا مصربـَـعدك ما لناش سعاده.. لولا اعتقادنا (من العقيدة) بوجود إلهنا (يقصد وجود الإله) كنا عبدنا النيل عباده.
وهذا الثنائى الفنى (بديع خيرى ودرويش) ربطا حب الوطن بتاريخ مصرالحضارى، بالمفهوم العلمى للتعددية..وأنّ أبناء شعبنا (مصريون) بغض النظرعن معتقداتهم الدينية..وكل تلك المعانى فى نشيد (قوم يا مصرى) ومن بين كلماته: ((قوم يا مصرى مصردايما بتناديك.. خد بنصرى نصرى دين واجب عليك..شوف جدودك فى قبورهم ليل نهار..من جمودك كل عضمه بتستجار..صون آثارك يا اللى ضيعت الآثار..دول فاتولك مجد (خوفو) لك شعار..ليه يا مصرى كل أحوالك عجب..تشكى فقرك وانت ماشى فوق دهب..مصرجنه طول ما فيها انت يا نيل..عمرابنك لم يعش أبدا ذليل..يوم مبارك تم لك فيه السعود..حب جارك زى ما تحب الوجود..إيه نصارى ومسلمين؟ أخلص جنود للوطن..من نسل واحد م الجدود)) ولتعميق ذات المعنى قال فى استعراض (لحن العمال) مين قال إنْ ((محمد يكره حنا؟ ودَخــْـل دول إيه بس فى دينا؟))
كانت مفاجأة لى عندما قرأتُ نشيد (بلادى بلادى) فإذا كان السائد فى البيت الثانى (مصريا أم البلاد) فإنّ النص الأصلى (مصريا ست البلاد.. أنت غايتى والمراد) إلخ..وبحثتُ لكى أعرف سبب التغييرفلم أعثرعلى معلومة..ولكن يـُـحمد للدكتورالحفنى أنه ذكر(نوع المقامات) التى استخدمها درويش فى أغانيه وموشحاته..ومن أمثلة ذلك مقطوعة (يا ترى بعد البعاد) من (مقام راست) و(يا صاحب البحرالحلال) من (مقام حجازكار) و(يا اللى قوامك يعجبى) من (مقام تكريز) و(عشقتْ حـُـسنك) من (مقام بسته نكار) وهكذا..كما تميـّـزدرويش بأنه أبدع فى تلحينه الانتقال من مقام موسيقى إلى مقام آخربهدف التنوع من خلال (تعدد الأصوات) وبذلك أدخل (الهارمونى) فى ألحانه..ومعنى ذلك أنه استفاد من عباقرة الموسيقى الأوروبيين.
ونظرًا لأهمية التطويرالذى أدخله درويش على الموسيقى، فإنّ المفكرالكبيرد. حسين فوزى (موسوعى الثقافة..ودرس معظم مدارس كلاسيكيات الموسيقى فى العصرالحديث..وكان له برنامج ثابت فى الإذاعة شرح فيه سيمفونيات عباقرة الموسيقى الأوروبيين..ومن هنا تأتى أهمية كلمته التى ألقاها فى احتفال الاذاعة المصرية، بمناسبة ذكرى درويش يوم15سبتمبر 1949حيث قال: سيد درويش يـُـذكرنى فى تاريخ التطورالموسيقى بما قام به الفنان (جلوك) فى أواخرالقرن الثامن عشرحيث رفض أنْ تكون الموسيقى مجرد ألحان، لاتربطها بالكلمات أية رابطة..ورفض أنْ يكون المُغنى (مجرد مطرب) يلعلع بصوته على المسرح دون أنْ يُعبّراللحن عن معنى الكلمات التى يـُـغنيها..وأنه كان يؤلف اللحن ليؤدى إلى شىء أبعد وأعمق من مجرد الطرب..وذلك لأنّ ألحانه تــُـعبرعن المعانى أصدق تعبير..وقد تصل فى بعض الأحيان إلى إعطاء صورة واضحة للأشخاص..ويتبيـّـن ذلك فى أبسط ألحانه، تلك التى وضعها على ألسنة فئات شتى من الناس..كالسقايين والحشاشين والنشالين والفتوات..ومن منا لايذكرلحن (يا ما شا الله ع التحفجيه..أهل اللطافه والمفهوميه) لقد كان يستوحى (نغمة بسيطة) على ألسنة البسطاء ثم يجرى عليها من ضروب فنه بطريقته العجيبة..حتى يخرج اللحن شيئــًـا آخرغيرهذه النغمة البسيطة..وكان يقول (بنوع من التحدى) أنا أقدرألحن الجورنان..ولقد أتيح لى أنْ أحضرحفلا فى الإسكندرية..وسمعتُ فيه فاصلا موسيقيـًـا..وأنا أنصت حبست دموعى..ثـمّ ضحكتُ وطربتُ فى وقت واحد..وسبب الفرح لأنّ هذا المُـبدع مازال حيـًـا فى موسيقاه..وأنّ موسيقاه جديرة بالحياة..وأنه لم يهتم بتعليقات المثقفين المُتحذلقين..وأعطى أذنيه وحواسه للفلاحين ((وللهجاتهم الريفية)) (من ص142- 144)
لقد تعمّـدتُ ذكرالنص الكامل لكلمة د. حسين فوزى، بسبب مكانته الرفيعة..وما أضافه للثقافة المصرية..وكذلك بسبب دراساته العميقة عن الموسيقى العالمية..ولهذيْن السببيْن تكون أهمية كلامه عن الفنان سيد درويش.
000
لقد بدأتُ كلامى عن د.محمود أحمد الحفنى بأنه أحد المُـتخصصين فى دراسة الموسيقى (سواء الشرقية أوالغربية) وأود أنْ أنهى كلامى عنه بما يؤكد عمق وعيه بالحضارة المصرية، وعن الدورالرائد لجدودنا المصريين القدماء فى المجال الموسيقى، سواء من حيث صناعة معظم الآلات الموسيقية التى انتقلتْ إلى أوروبا وباقى قارات الكرة الأرضية..أومن حيث العزف كما هومرسوم على الجداريات..أومن حيث تدوين أول نوتة موسيقية فى العالم القديم. لكل هذه الأسباب كان من المهم الإشارة إلى المقال الذى كتبه د. الحفنى فى العدد الخامس من المجلة الموسيقية بتاريخ16يونيو1936بعنوان (أقدارالموسيقيين قديمًـا وحديثــًـا) ومن بين ما كتبه ((وبعد أنْ استعرضنا (تاريخ تطورالموسيقى) فمن المهم النظرإلى المدنية الفرعونية (يقصد المصرية) وكيف كانت تــُـحيط الموسيقى وأهلها بكل أنواع التجلة والاحترام..إلخ)) (ص220)
000
لم يكن تعاطف درويش مع البسطاء وجدانى (فقط) وإنما ربط ذلك بوعيه بخطورة سيطرة الأجانب على المرافق الحساسة المهمة فى حياة الجماهيرالشعبية..من ذلك أغنية السقايين (كلمات بديع خيرى) وقال فيها: ((يعوض الله.. يهوّن الله ع الساقيين..دول غلبانين متبهدلين م الكبانيه.. خواجاتها جونا دول بيرازونا..فى صنعة أبونا..ما تعبرونا يا خلايق))
بكلمات قليلة عبـّـربديع خيرى ولحن وغنى درويش، عن أهمية (حماية الباعة الشعبيين) من جشع المستثمرين..ونفس الشىء- كما كتب الباحث القديرمحمد شبانة- عن أغنية أخرى تناول فيها درويش وخيرى، المفهوم العلمى للرأسمالية الوطنية فقال إنّ بديع خيرى ودرويش طلبا فى إبداعهما ((دعوة رأس المال الوطنى إلى بناء الوطن والإسهام فى حل مشاكله الاقتصادية..وفى نفس الوقت التهكم على كثرة الأغنياء دون إسهام حقيقى..والدعوة إلى استثمارالمال الوطنى داخل مصرلخلق فرص عمل للمصريين)) وكان نص الأغنية ((الحق كله على الأغنيا.. إحم يا فرحتنا بشطارتهم..ملهيين فى روزا ومارينا..إمتا بقا نشوف قرش المصرى يفضل فى بلده ولايطلعشى..إنتوبمالكم واحنا بإيدينا دى الأيد لوحدها ما تسقفشى)) (مجلة الفنون الشعبية- هيئة الكتاب المصرية- عدد إبريل، مايو، يونيو2018)
ولتأكيد أنّ شعبنا ابن ثقافة قومية واحدة (بالرغم من تعدد المعتقدات الدينية) كتب بديع خيرى وغنى درويش ((مصرأم الدنيا وتتقدم ولاتقول نصرانى ولامسلم..ولايهودى يا شيخ اتعلم.. اللى أوطانهم تجمعهم عمرالأديان ما تفرقهم)) (المصدرالسابق)
***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,563,695,935
- دار الإفتاء ومياه المجارى
- هل سيقضى الفلسطينيون على قضيتهم؟
- الجامعة العربية بين الواقع والوهم
- مفهوم العروبة عند إحسان عبدالقدوس
- هل سيحذرالشعب السودانى العظيم خطأ ترك الميادين؟
- العالمانية (بالألف) وعلاقتها بالدين والسياسة
- علماء مصر: تراجيديا البقاء أوالهجرة
- اللغة العربية: بكاء لايتوقف
- هل آن أوان حذف خانة الديانة؟
- لماذا اختلفت البورجوازية الأوروبية عن المصرية؟
- الفتاة الفرنسية وعمق وعيها الاجتماعى
- ما سر ولع الأوروبيين بالحضارة المصرية؟
- أحفاد ثورة 1789 الفرنسية يواصلون النضال
- التواص الاجتماعى فى العصورالقديمة والحديثة
- فساد الأنظمة (العربية) ونهاية شعارات العروبة
- ماذا سيفعل العرب بعد جفاف آبارالبترول؟
- التقدم العلمى وهزيمة الثوابت التراثية
- الاستعمار الإيرانى للوطن الأحوازى
- أليست مساواة النساء بالرجال من حقوق الإنسان؟
- الوجه الآخرللولايات المتحدة الأمريكية


المزيد.....




- بعد استهداف معبد يهودي.. إجراءات بألمانيا لمواجهة -إرهاب أقص ...
- لجنة الشؤون الدينية في مجلس النواب المصري تضع 10 إجراءات لتج ...
- في أميركا.. التدين في تراجع حاد والإلحاد يزداد
- لماذا يتراجع عدد القساوسة بصورة مثيرة للقلق في إيرلندا؟
- الفارق بين -بني إسرائيل- و-اليهود- و-أصحاب السبت- و-الذين ها ...
- بسبب المخاوف الأمنية.. نيوزيلندا تسيّر دوريات مسلحة تجريبية ...
- مديرة مدرسة إسلامية غير مسجلة في بريطانيا تتحدى السلطات وتوا ...
- الفاتيكان يبتكر مسبحة صلاة إلكترونية بصليب ذكي
- الأردن يدين الانتهاكات الإسرائيلية في المسجد الأقصى
- ما هي أبعاد تبني تنظيم -الدولة الإسلامية- إطلاق سراح عدد من ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - أليس سيد درويش الامتداد الطبيعى لثورة برمهات/مارس1919؟