أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد حبش كنو - الأزمة السورية وملاحم آخر الزمان















المزيد.....

الأزمة السورية وملاحم آخر الزمان


محمد حبش كنو

الحوار المتمدن-العدد: 6113 - 2019 / 1 / 13 - 15:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لكل مسألة أبعاد عدة وأسباب متشعبة تسمى أحيانا في علم التاريخ بالأسباب المباشرة والأسباب البعيدة ولأن الأزمة السورية من أكثر الأزمات تعقيدا في الوقت الراهن وربما أكثرها تعقيدا عبر التاريخ فمن الواجب دراستها من جميع أبعادها للوقوف على أسبابها ومحركاتها ودوافعها ووقودها ولعل من أهم هذه الأبعاد البعد الديني ودور المؤسسات الدينية في إشعال هذه الأزمة أو تحريك خفاياها ويشمل ذلك تنظيمات المذهب السني والشيعي وبعض التنظيمات المسيحية النافذة حول العالم ولعل أهم ما في الأمر أنهم جميعا قد ربطوا الأزمة بمعارك آخر الزمان حسب النبوءات الموجودة لدى كل طرف .

البعد الديني لم يتخذ شكل الدافع العقائدي فقط بل ارتبط بالبعد الجغرافي في المنطقة وهذه نقطة في غاية الأهمية يجب دراستها بدقة شديدة فالتنظيمات الإسلامية السنية اهتمت ببعض المناطق في الجغرافيا السورية مثل الغوطة ومرج دابق اعتمادا على نصوص دينية والتنظيمات الشيعية ربطت الأزمة بظهور المهدي في الشام اعتمادا أيضا على نصوص دينية كما أن بعض التنظيمات المسيحية حاولت التوغل داخل مناطق جغرافية معينة تعتبرها مقدسة عبر التاريخ أو راهنت هي أيضا على معركة آخر الزمان والتي تسمى في عقائدهم هرمجدون عند ظهور المسيح مرة أخرى .

على غرار مصطلح الجيوسياسي نستطيع اختراع مصطلح الجيوديني لأننا نلاحظ أن النصوص الدينية قد جعلت مجمل صراعات آخر الزمان تتركز في بلاد الشام قبل نهاية العالم مع ذكر مناطق محددة ضمن هذه الجغرافيا الشامية فأحاديث الرسول تدل دلالة واضحة باللجوء إلى الشام حين تحدث الفتن في آخر الزمان و أن الدجال والمسيح سيخرجان من الشام وكذلك المهدي المنتظر لدى كلا المذهبين السني والشيعي بينما يعتقد الأصوليون المسيحيون الإنجيليون أن معركة كبرى ستحدث في الشام وتسمى معركة هرمجدون و هي من معارك آخر الزمان .

في تحقيق نشرته وكالة رويترز في مارس 2014 أكد جميع المقاتلين الإسلاميين ممن شملهم التحقيق أنهم لم يأتوا إلى سوريا لمحاربة الأسد فقط بل من أجل شأن أكبر يتعلق بملاحم آخر الزمان ولذلك تمسك المقاتلون بشدة بالغوطة اعتمادا على حديث الرسول فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام و على نفس النهج تمسكت داعش بقرية دابق التي تقع شمال حلب بخمسة وأربعين كيلومترا بالقرب من أخترين حيث ورد فيها حديث لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق تحت ثمانين غاية تحت كل غاية إثنا عشر ألفا ثم يسترسل الحديث عن تفاصيل المعركة وكيف يعلن الروم انتصار الصليب ثم ينتصر عليهم المسلمون فيما بعد وكانت داعش تعتبر هذه الرايات الثمانين قوى التحالف الدولي التي تحشدت لقتاله وقد اتخذت داعش من هذه النبوءة النبوية وسيلة مهمة لحشد المقاتلين من جميع دول العالم .

في نفس الفترة مع تدفق مقاتلي الشيعة إلى سوريا صرح البرلماني الإيراني روح الله حسينيان لوكالة فارس للأنباء أن الإمام الصادق قال عندما يتقاتل ذوو الرايات الصفر مع أعداء الشيعة في دمشق وتنضم إليهم القوات الإيرانية سيكون ذلك تمهيدا لظهور المهدي ويقصد بذوي الرايات الصفر جماعة حزب الله وعلى هذا الأساس تم تجنيد الآلاف من شيعة أفغانستان وإيران وجنوب لبنان في الأزمة السورية .

يقول الكاتب اليهودي آرمين لانغر في مقالة لدويتشة فيلية بعنوان ترامب يحضر القدس لمعارك آخر الزمان بأنه لا يمكن إغفال البعد الديني لما يحدث من معارك وأزمات في الشرق الأوسط بل إنه يؤكد تأثير هذه الجماعات على مسار دول كبرى مثل أمريكا حيث يرى الكاتب أن محاولة ترامب نقل سفارته إلى القدس لا تأتي تأييدا لليهود بل تأييدا للأصوليين الإنجيليين في أمريكا والذين يحاولون توريط اليهود في معارك آخر الزمان لأنهم يعتبرون اليهود أصحاب عقيدة فاسدة وسيتحولون إلى الدين المسيحي بعد نزول المسيح في القدس في معارك آخر الزمان .

يضيف لانغر بأن يهود أمريكا والبالغ عددهم حوالي سبعة ملايين يهودي وهو أكبر تجمع يهودي في العالم لا يؤيدون نقل السفارة إلى القدس حسب استطلاع أجرته منظمة اللوبي اليهودي جي ستريت في عام 2014 و 2017 حيث تبين أن ثمانين بالمئة من اليهود يؤيدون حل الدولتين ويرفضون نقل السفارة إلى القدس لكن منظمة إنجيليين بلا حدود CUFI والبالغ عدد أعضائها مليوني عضو عدا عن الجمعيات الإنجيلية الأخرى تسعى بخطى حثيثة لتجميع يهود الشتات في فلسطين ثم زجهم في معارك آخر الزمان حسب النصوص التي وردت في الكتاب المقدس العهد الجديد .

حسب هذه الرؤيا من لانغر فإن ترامب يحاول توريط اليهود لا خدمتهم خاصة أنه يعتمد كثيرا على أصوات الإنجيليين البالغ عددهم حوالي 80 مليونا في أمريكا حسب بعض الإحصائيات و 285 مليونا حول العالم ولا غرابة في ذلك فالتنظيمات الأصولية الدينية كلها تدعم بعضها وتحاول توريط بعضها ومن مصلحة كل تنظيم أن يتضخم التنظيم الآخر لأن كل تنظيم يتغذى على الآخر ولذلك نرى إيران تدعم التنظيمات السنية كحركة حماس في فلسطين والإخوان المسلمين في مصر رغم اختلافها العقائدي معها وتسعى التنظيمات الإسلامية المتطرفة إلى دعم اليمين في الغرب عبر تنفيذ تفجيرات وأعمال إرهابية قبيل الإنتخابات في تلك الدول لزيادة فرص اليمين في الفوز لأن تضخم التطرف واليمين في الغرب يعطيها فرصا أكبر للبقاء حيث تعاضد التنظيمات الأصولية بعضها لأنها تنبع من مشكاة واحدة .

بهذه الطريقة تتم صناعة ما تسمى بالفوضى الخلاقة وللتنظيمات الدينية دور أكبر في صناعتها لأنها في عصر ما بعد العولمة أصبحت تمتلك أموالا كبيرة وشعبية واسعة وذلك لوجود النفط الذي يغذي التنظيمات السنية والشيعية في الشرق ووجود الضرائب والتبرعات التي تغذي المؤسسات اليهودية والمسيحية في الغرب و من هذا المنطلق نستطيع فهم تأييد بابا الفاتيكان لأرضوغان قبل احتلاله لعفرين حيث دعاه وباركه قبيل الإحتلال كدعم من المؤسسة الكاثوليكية لأن هذا الإحتلال سيخلق مزيدا من الأزمات والتوترات الدينية والعرقية في المنطقة .

أهمية منبج جيودينيا .

في الآونة الأخيرة احتدم الصراع حول منبج وتحشدت الجيوش على تخومها بعد قرار ترامب بالإنسحاب الأمريكي من سوريا حتى كادت تنذر بحرب عالمية بسبب شدة التنافس واليوم يتربص الجميع بمنبج ويحوم حول حماها وبات الجميع من نظام ومعارضة وروسيا وتركيا والتحالف يسير دوريات حولها ولكن ما هي أهمية منبج حتى تحوز كل هذا الإهتمام ..؟؟؟

بالمفاهيم العسكرية الحديثة وتطور التكنولوجيا العسكرية ليست هناك أهمية لمنبج فهي مجرد موقع كأي سهل آخر منبسط في سوريا ولا أهمية لها ضمن مناطق الطاقة والنفط أيضا لكن لها أهمية دينية تاريخية وهو ما يهمنا في بحثنا هذا فمدينة منبج تعتبر من أقدس المدن التاريخية سواء في المشهد الوثني أو المسيحي فيما بعد فحين بناها الحثيون وسموها مبوك أصبحت مركزا للإله حدد وما زال هناك جبل بإسمه حتى اليوم ( جبل أدد ) ثم أصبحت عاصمة للآراميين فبنوا فيها معبد المرمر لآلهة الخصب والمياه آتار تاغيس ثم أصبحت محجا للعالم القديم حيث كان الناس يفدون كل عام للتبرك بالمياه المقدسة وعبادة آتار تاغيس ومن هناك نقل الحجاج اليونانيون عبادة هذه الآلهة إلى جميع أنحاء أوروبا وغدت محجا ومقصدا للأوربيين .

بعد سيطرة الإغريق على منبج في عهد الإسكندر الأكبر أصبحت المدينة من أهم المدن الدينية وسميت هيرابوليس أي المدينة المقدسة وفي عام 64 قبل الميلاد سيطر عليها الرومان وأصبحت من أهم القواعد الدينية والعسكرية للرومان حتى أن أميرة من منبج هي تيودورا المنبجية أصبحت إمبراطورة بيزنطة في وقت من الأوقات و كان في منبج أجمل كنائس الأرض آنذاك ومنها الكنيسة الخشبية الفريدة من نوعها في العالم والتي لم يبق من أثرها شيئ اليوم و تعتبر منبج هي المركز الذي حمل منه الصليب المقدس إلى أنحاء أوروبا ولذلك تبقى مقدسة في وجدان الأصولية المسيحية حتى اليوم .

تعتبر الأصولية المسيحية أن الأتراك والمسلمين قد ورثوا إرث بيزنطة وأن الدول الحديثة المقسمة حسب سايكس بيكو قد ورثت إرث العثمانيين والدولة الإسلامية وبعد مرور مئة عام على هذه التقسيمات ترى الأصولية المسيحية والإسلامية أن الإرث يجب أن يقسم من جديد فروسيا والكنيسة الأرثوذكسية ترى نفسها أحق بإرث بيزنطة كما كانت تراه اليونان في بدايات القرن العشرين حين دخلت في حرب طاحنة مع تركيا و الكثير من الكنائس الإنجيلية ترى نفسها أحق بذلك و ترى تركيا أنها أحق بمنبج وحلب وأنها وريثة بيزنطة الوحيدة ولذلك يحتشد الجميع حول منبج بما فيها قوى التحالف وبضغط من المؤسسات المسيحية الغربية وحتى الشرقية فالمؤسسات السريانية ذات نفوذ كبير في الغرب وترى نفسها أحق بالمناطق الكردية وبعض المناطق العربية مثل منبج التي ترجع تسميتها أساسا للغة السريانية بعد أن استولوا عليها فترة طويلة من الوقت .

إهتمت الأصولية الإسلامية أيضا بهذه المناطق مثل كوباني ومنبج و التي لا تشكل بعدا دينيا في نصوصها كما هو حال الغوطة ودابق ولكن لعلمها باهتمام الأصولية المسيحية بها ربما عن طريق مخابرات بعض الدول الإقليمية التي تدعم هذه الجماعات ولذلك اهتمت داعش بالسيطرة على كوباني رغم أنها ليست منطقة غاز أو نفط وليست ممرا حيويا و نستطيع هنا أن نفهم لماذا سمتها بعين الإسلام وذلك لمعرفتها بأطماع الأصولية المسيحية فيها لأنها تعتبرها مدينة مسيحية بنيت على يد الأرمن وعرفت بكنيستين ويدعي الأرمن أنهم خرجوا من كوباني مضطهدين وتعتبر الجالية الأرمنية من جماعات الضغط الكبرى والمؤثرة في السياسة الأمريكية .

مع قوة نفوذ هذه الجماعات المسيحية الشرقية في الغرب من أرمن وسريان فإنهم يقفون دائما ضد قيام الدولة الكردية ويؤثرون على الكنائس الغربية وذلك لأنهم يعتبرون المناطق الكردية ميراث الدولة الآشورية والسريانية والأرمن بعتبرونها تاريخيا جزءا من أرمينيا الكبرى ولذلك وقفت الجماعات المسيحية الشرقية ضد استفتاء إقليم كردستان واستخدمت نفوذها بشكل مكثف في ذلك .

في المحصلة فإن البعد الديني ليس هو الشيئ الوحيد في هذه الأزمة ولكنه جزء مهم يضاف إلى الأبعاد السياسية والإقتصادية والإجتماعية فالمؤسسات الدينية في عصر ما بعد العولمة وتحكم الشركات في العالم أصبحت هي أيضا شركات مثلها مثل شركات السلاح وإعادة الإعمار التي تلعب دورا مهما في هذه الحروب وتكمل بعضها بعضا فلكل واحد أوانه ووقته و زمانه ومكانه .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,556,711,304
- معركة إدلب الكبرى بين الوهم والحقيقة
- حتى لا يتحول الكرد إلى السمكة الثالثة
- دراسة عن تنظيم القاعدة والعمال الكردستاني كنموذجين في الحرب ...
- تناقض الصراعات الداخلية الأمريكية تلقي بظلالها على مشاريعها ...
- وداوها بالتي كانت هي الداء .. عفرين وآخر أوراق الكرد
- ماذا وراء سقوط الطائرات في سوريا ..؟؟
- حين تلمع الفاتيكان وجه القاتل
- موناليزا الكرد بارين كوباني
- نواة الحماية الذاتية .. الإستراتيجية الرابعة لإقليم كردستان
- تصحيح مسار الإعلام .. الإستراتيجية الثالثة لإقليم كردستان
- إصلاح هيكلية البيشمركة .. الإستراتيجية الثانية لإقليم كردستا ...
- ليس للكردي إلا المكر والدهاء .. الإستراتيجية الأولى لإقليم ك ...
- حين سيطر الإخوان في غفلة من الزمن
- دراسة عن إستفتاء كردستان من وجهة نظر أعمق
- مئة عام تأخر الإستفتاء فمتى يكون وقته مناسبا ..؟؟
- هل خالفت تونس حقا شرع الله ..؟؟
- هل تستطيع الهروب من الله ..؟؟
- إنتهت الأزمة و هذا ما يلوح بالأفق في سوريا
- العرس في الرقة والطبل في عفرين .. ماذا تريد تركيا من عفرين . ...
- شريف باشا باق ويتمدد ..!!!


المزيد.....




- هجوم مضاد للأكراد على القوات التركية في رأس العين شمال شرق س ...
- شاهد: ساحرات يجدفن قبالة سواحل فلوريدا
- رئيس جنوب إفريقيا السابق يمثل أمام المحكمة بتهم تتعلق بالفسا ...
- آليات الإنصاف ورفع المظالم فى الرعاية الصحية
- شاهد: ساحرات يجدفن قبالة سواحل فلوريدا
- رئيس جنوب إفريقيا السابق يمثل أمام المحكمة بتهم تتعلق بالفسا ...
- ماذا تفعلين عندما لا يريد طفلك الذهاب إلى المدرسة؟
- خلال زيارته للرياض.. بوتين يبحث مع الملك سلمان بيع منظومة -أ ...
- مهاتير اطلع سابقا على القدرات التركية.. كوالالمبور وأنقرة بص ...
- هاجم الجامعة العربية.. أردوغان يتعهد بمنع فرار مقاتلي تنظيم ...


المزيد.....

- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثامنة: القطاع ... / غازي الصوراني
- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد حبش كنو - الأزمة السورية وملاحم آخر الزمان