أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - إدريس سالم - «بافي بروسك» مثقّف ليبرالي علماني ومُخلص في المسار القومي والإنساني















المزيد.....



«بافي بروسك» مثقّف ليبرالي علماني ومُخلص في المسار القومي والإنساني


إدريس سالم

الحوار المتمدن-العدد: 6104 - 2019 / 1 / 4 - 23:42
المحور: مقابلات و حوارات
    


قبل الثورة السورية، كان عنوان أحد أصدقائي كالتالي: (الجمهورية العربية السورية – محافظة حلب – مدينة عين العرب – شارع الوحدة العربية)، بعد الاستقرار المبني على التفاهمات، أتوقّع بل أجزم أن العنوان سيصبح كالتالي: (الجمهورية السورية – إقليم كوردستان سوريا – مدينة كوباني – شارع الشهداء). هكذا كان يحلم أحد الأراعيل والقامات الكوردية في غربي كوردستان، يحلم في أن تزيل عواصف الثورة وربيعها كلّ غبار الاستبداد وجنون الدكتاتورية والفكر العفلقي، حلم راوده منذ أن بدأ العمل السياسي.

أبٌ روحي، مُخلص في المسار القومي، مناصر ومؤيّد للحقّ، لا يعرف علوّ منزلته وشرف نضاله وسعة حكمته وحُسن تصرّفه إلا مَن قرأ صفحات مسيرته, وتتبّع حياته. مثقّف ليبرالي علماني. مليء بالعطاءات النضالية الوطنية والقومية والإنسانية. هادئ بطبعه، متواضع في علاقاته، متابع دائم لمسيرة وهموم مجتمعه وشعبه. أوصاه والده الراحل في ألا يخون رفاقه، وأن يحافظ على الشرف وشرف مَن يأويه، وأن يقول الحقّ ولو على رقبته، وأن يكون في المقدّمة عند مواجهة الصعاب.

ناشد أديان العالم، عدا الدين الإسلامي، لإنقاذ كوباني من بَرَابرة العصر، وكأيّ كوردي يغادر مدينته، يترك خلفه كتبه ومكتبته ومذكّراته وذكرياته ونبيذه، بلمح البصر اختفى كلّ شيء حوله، النبيذ الذي شربه، والأرمن الذين أحبّهم. رفض البقاء بعيداً عن أزهار قريته، فعاد إليها وحيداً عندما قُرِعت أجراس العودة، بعد انتهاء قيامة كوباني البربرية الشرسة والانتصار على دُعاة الله عام 2014، ليجد له صديق أو صديقين، هُنا وهناك، وليزور أصدقائه الآخرين في مقابر المدينة، لتكون الحياة بالنسبة له مجرّد مادّة أولية للذكريات.

خُضِع لعملية قلب مفتوح في مدينة رُها الكوردستانية، فأبى أن يغادر الحياة، ليقاومها ويعود إلى قريته. يرى أن الاختيار الحرّ هو أساس الشرف، وعدا ذلك ما هو إلا سفاسف وعادات غرائزية مفروضة، وأن الكوردي وعبر تاريخه، يبحث دوماً عن أداة قاطعة، ليمزّق بها جسد أخيه الآخر. رفض وحارب العقلية البدوية الصحراوية، التي تعشعش في رؤؤس غالبية النخب العربية – يميناً ويساراً – تمنعهم من قبول وجود اﻵخر، وما يتمخّض عن ذلك من مشاركة في السلطة والثروة، ولو في أدنى المستويات، غير أن كلّ ذلك ﻻ يعني أن يرتمي الكوردي (عاطفياً) بين براثن مَن هم (عملياً) جنود تحت الطلب، وإجراء لدى الآخرين، بثمن حزبوي بخس.

من وجهة نظره النقدية المُحايدة، يرى أن الإسلام كان ولا يزال حاملاً للعروبة، على كافة مستوياتها العنصرية الصحراوية، بينما يعتبر ذلك الدين الطارئ على الأمم الأخرى احتلالاً فكرياً ليس إلا، مسح كافة الطقوس والأديان المتوارثة لدى تلك الشعوب، ليحلّ محلّها ويلعب بعد ذلك دور الاستلاب؛ إذ أصبحت تلك الأمم الخاضعة للاحتلال رافعة لبيارق ذلك الدين الطارئ وناشرة له بحرارة وحماس الجنود العقائديين.

إن المشكلة الرئيسية في المجتمع الكوردي الحالي، تكمن في نظرة أفرادها الأحادية للأشياء، ولا شكّ أن هذه الأحادية أتت مع الاحتلال الإسلامي لبلاد الكورد – قائد أوحد، معبود أوحد، مثال مطلق أوحد – بينما الحقائق العلمية تقول غير ذلك، فالثنائية هي أساس الحياة، فلولا ثنائية الذكر والأنثى لما كان استمرار النسل، ولولا السالب والموجب لما كانت الطاقة الكهربائية، ولولا الخَلَاء والمَلَاء لما كانت الحركة.

لعلّ مفكّرينا الأوائل أدركوا هذه الثنائية، من خلال مراقبتهم للطبيعة وما يطرأ عليها من متغيّرات دورية، إذ يعتبر الفيلسوف زرادشت خير مَن جسّد ثنائية الخلق والوجود، فنراه يقول: "هناك صراع دائم بين الخير والشرّ، بين إله الخير (آهورا مَزدا) وإله الشرّ (أهريمان)، ينتهي الصراع بانتصار الخير على الشرّ، وبذلك تنتهي الحياة" هذا ما يقوله بافي بروسك عن مشكلة العقل الكوردي.

يقرأ الواقع السياسي السوري المستقبلي بطريقة عقلية حكيمة، فطالما بقيت العقلية البدوية المتخلفة (أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب)، مسيطرة على واضعي الدساتير لسوريا الغد، وما دامت تلك الدساتير مقبولة من قبل أكثرية الرُّعاع المُصفّقين، فلن تخرج سوريا من جملة مآسيها، إلا لتقع في مهاوي عميقة معقّدة، فهو يرى أن لا سلام نسبياً، وأن لا استقرار في سوريا الغد، ما لم تكن اتحادية فيدرالية، يفصل فيها الدين عن الدولة.

يؤكد أن هناك خطّان سياسيان يتحكّمان بالواقع السياسي الكوردي، أولهما يتمثّل بالتحالف الدولي بقيادة أمريكا، والذي أصبح غربي كوردستان بفضل إقليم كوردستان العراق لاعباً أساسياً فيه، وفي المنطقة، وباتت نجاحاته بادية للعيّان، لذلك ينبغي على الوطنيين الكورد الساعيين للتحرّر الوطني والقومي، أن يعملوا جاهدين لإنجاح هذا المحور، فيما الخطّ الثاني، هو خطّ الممانعة، الذي تقوده روسيا الحالمة بإعادة إمبراطوريتها السوفيتية، وتسعى لعرقلة وفرملة الخطّ الأول، وبالتالي هناك الكثير ممَن يرون مصلحتهم في ذلك، دولياً وإقليمياً أو كوردستانياً، بحسب اللقاء الذي أجراه الصحفي الكوردي عقيل صفر معه، ونشره في وكالة "رحاب" الإعلامية.

رفض تحويل ثلاثة أجزاء من كوباني إلى متحف، فهو يرى أن تجربة البعثيين المنهزمين أمام إسرائيل, واعتبارهم مدينة القنيطرة متحفاً على همجية الدولة الإسرائيلية باءت بالفشل الذريع، وأن تقليد البعثيين في ذلك الأمر مُعيب؛ لأن المدينة لأصحابها، وليست مشروعاً لأحد، وبالتالي الموافقة الخلبية الافتراضية التي جاز عليها رفاق حزب الاتحاد الديمقراطي في الإدارة الذاتية ليست سوى كذبة فادحة.

في قصّة طريفة معبّرة فيها الكثير من الحكمة يقول بافي بروسك: "قال لي والدي المرحوم، بينما كان المغنّي الكبير (مشّو بَكَه بُور) البرازي، يغنّي لروّاد مضافة ضيعتنا ملحمة "مَمْ وزين" التراجيدية، عطس أحد الحاضرين بقوّة وفي الوقت نفسه نهق حمار مربوط في الجوار؛ توقف عزيز النفس (مشّو) عن الغناء نهائياً، وهو في ذروة الملحمة – لقاء العاشقين على نبع القساطل – قائلاً: (ها قد أصبحنا ثلاثة.. يردّ أحدنا على الآخر)".

في منشور له على صفحته في الفيس بوك يقول: "عندما أستمع إلى القارئ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، وهو يرتّل القرآن بصوته الرخيم، وفق فنّ التجويد البليغ، أتذكّر معاصريه من الفنّانين العِظام، أمثال عبد الوهاب وأم كلثوم...، فأحلّق إلى السماء بخيالي ودون أجنحة أو وسائل ركوب، أما عندما أستمع إلى صوت مؤذّن حارتنا البائس، أتذكّر لا شعورياً جحيم الكوميدية الإلهية للشاعر الإيطالي "دانتي أليغييري"، وكأنني هابط إليه، فتنتابني القشعريرة والكوابيس من هذا النشاز المزعج".
فيردّ عليه الموسيقار والفنّان رشيد صوفي ضاحكاً: "باڤي بروسك، وأنا أشعر ذات الشعور، وخصوصاً عند آذان الفجر، حيث الصوت مَدَاه يتّسع مع الصدى، وكأني أسمع موّال كوردي بشكل نشاز".

كتب في وفاة ابن كوباني وابن قريته، الفنّان الخلوق آزاد عارف مسي، إثر جلطة دماغية قاتلة:
وداعـاً أيّها الفتى الجميل
وداعـاً أيّها المغنّي الحزين
وداعـاً أيّها العاشق لكلّ ما هو جميل
وداعـاً أيّها الحالم بغدٍ أفضل
وداعـاً أيّها القنديل المضيء الذي انطفئ فجأة
هيّا يا فراشتي الجنة (سيمار وروسيم) لتستقبلا روح والدكما ضيفاً عزيزاً.

في موقف أقلّ ما يقال عنه بأنه موقف شجاع وجريء ونبيل، عاشته روجين مصطفى، مع والدها بافي بروسك، وهي في مقتبل السابعة عشر من العمر، حيث تقول: "في عام 2007 اعتقل الأمن السوري مجموعة من الشباب الكورد في مدينة حلب، وكنت أعرف أكثريتهم، حيث عذّبهم الأمن بطريقة وحشية، ليستشهد أحد الشباب حينها، فاعتصم أبي مع مجموعة من أصدقائه ورفاق حزبه في مدينة دمشق، تنديداً بممارسات القمع والاضطهاد ومطالبةً بالإفراج عن المعتقلين الشباب، فحدّثته عن نيتي للمشاركة في الاعتصام، فوافق وأخذني معه، وعندما وقفنا في ساحة الاعتصام وأمام المحكمة كان المكان مطوّقاً بعناصر أمنية ومخابراتية، فأخبرني بأنه لن يحصل أيّ مكروه، إلا أنهم هاجموا المعتصمين كما لو أنهم في حالة حرب مع الأعداء، وضربوهم ودفعوهم بكلّ قوّة وإهانة، حيث ضربوا زوجة صديق أبي بشكل وحشي ومؤلم. وبارتباك وخوف كبير أخبرت أبي عن الوضع والضرب والأمن، فقال بأنه لن يتحرّك من مكانه، إلا أنهم اعتقلوه أمام عيني، فبكيت كثيراً، وكان موقفاً موثّراً، ما زلت أعيشه بذاكرتي".

وُلِـد مصطفى بكر، أو (بافي بروسك) كما يلّقب في الوسط الاجتماعي والسياسي، في قرية (قوله – Qule)، تموز 1951، والده "حسن بَك مسْك"، ووالدته "زركة إيبي أحمد" من قرية (زرافك – Ziravik)، جدّه من أمّه اسمه "إيبي أحمد". متزوّج، له سبعة أولاد، أربعة بنات وثلاثة صبيان. كان في السنّ السادسة عندما أخذه والده لأول مرّة إلى كوباني، ليسجّله المدعو "عثمان شيخ خضر" وهو كاتب للعرائض.

علّمه شيخ القرية جمال قره كيجي "جمال حمد مسلم" حفظ القرآن الكريم، لستّة أشهر، ثم درس المرحلة الابتدائية في قرية الشيوخ الفوقاني «الواقعة غربي كوباني مسافة 35 كم»، والإعدادية والأول الثانوي في مدينة منبج، والثانوية في المعرّي والمأمون والشهباء في حلب.

في مدرسة الشيوخ الفوقاني قيّمه المعلّم من خلال مستواه الذهني والتعليمي، فأخبره بأنه يستحقّ لأن يُنقل إلى الصفّ السادس، إلا أن والده كان يترجم له، لأنه لم يكن يجيد الحساب والكتابة والقراءة باللغة العربية جيداً، لذلك أخبروه بأنه سيكون في الصفّ الثاني.

عندما كان في المدرسة لم يكن يجيد اللغة العربية أساساً، فكان يجتمع حوله أطفال المدرسة ويسألونه عن اسمه وعنوانه وما إذا كان جائعاً أو عطِشاً، وهو كان يجيبهم بكلمة (إِيي)، لأنه كان يعرف الحرف (E) باللغة الإنكليزية، حتى عندما كانوا ينعتونه أو يشتمونه كان يجيب بذلك الحرف أو الكلمة، الذي يعني باللهجة الشاوية (نعم)، فكان الأطفال ينظرون إلى بعضهم ويضحكون، وعند توزيع جلاءات المدرسة في نهاية العام الدراسي خرج الأول في صفّه، فتعلّم اللغة العربية بشكل جيّد، وبعد انتهائه من المرحلة الابتدائية، ذهب إلى إعدادية مدينة منبج، فدرس في ثانوية البنين حتى عام 1970 أو 1971، كان دائماً الأول في صفّه، يهتمّ به المعلّمون وإدارة المدرسة.

في عام 1971 سافر إلى حلب، ليدرس الصفّ الحادي عشر العلمي، من المرحلة الثانية في مدرسة (المَعرّي)، كوّن علاقات زمالة وصداقة مع الطلاب الأرمن والمسيحيين السوريين وشباب جبل الكورد. بقي في حلب حتى البكالورية، حيث لم ينجح في الصفّ الثاني عشر الثانوي، لينتقل عام 1972 – 1973 من مدرسة (المَعرّي) إلى مدرسة (مأمون)، درس فيها عاماً واحداً، أيضاً لم ينجح، وفي عام 1973 – 1974 انتقل إلى مدرسة (الشهباء)، وغيّر فرعه العلمي إلى الفرع الأدبي، لينجح بعلامات جيدة، ويدخل كلية الآداب قسم اللغة الفرنسية، وفي السنة الرابعة من دراسته تدهور حالته الصحية، حيث عانى من الهشاشة الشعرية في عينه، ما أجبرته تلك الحالة لترك دراسته والسفر إلى إسبانيا، بقصد العلاج، ليعود بعدها إلى قريته.

مارس التدريس بصفة (مُكلّف) في مدارس صوران وإعزاز وأخترين وجورد عوّاد، ليساعد نفسه ووالده مالياً ومعيشياً، ليتزوّج في أواخر عام 1979، حيث خلّف سبعة أولاد، أربعة بنات وثلاثة صبيان، عاش حياة مناسبة، حيث تزوّج امرأة اقتنع بروحها وعقلها.

تعلّم الكثير من المفاهيم والدروس الأدبية من أساتذته الكبار والقديرين في ابتدائية الشيوخ الفوقاني وإعدادية مدينة منبج وثانويات حلب، الذين علّموه اللغة والفلسفة والتاريخ والجغرافية، فلم يستطع نسيان أفضالهم وتعاملهم معه، كأستاذ اللغة العربية برهان صدقي، وأستاذ اللغة الفرنسية رشاد يتيم ونائل محمود نديب، ومحمد ملا غزيل، وأستاذ اللغة العربية مصطفى قطيع من مدينة إدلب، وكرم بطل ومحمد خير حلواني من حلب، وأستاذ الفلسفة منان محمد العفريني الذي درّسه عام 1973 في ثانوية الشهباء.

مضافة قريته، كانت مركزاً ثقافياً تنويرياً له، استمدّ منها بشكل محدود العلم والمعرفة والأخبار، حيث كان يشاهد الفنّان باقي خضر وهو يغنّي في المضافة، وأيضاً يستمع إلى أسطوانات الفنّان محمد عارف جزراوي وفنّانين آخرين، ويتأمّل ويستمع إلى القصص وأخبار السياسة والحرب الباردة التي كانت مشتعلة بين حلف وارسو وحلف الناتو، ومشاكل المجتمعات، وثأر العشائر على الأراضي وخطف البنات ووأد حقوقهم وأرواحهم، كان يتحمّل ويقبل الجلوس بين أحذية الضيوف، ويتعب من كثر سقاية الذين يزورون ويداومون في المضافة، فقط ليزوّد نفسه بالأدب والعلم والمعرفة والفنّ.

كان سعيداً ومُرتاحاً في أن سمّى أولاده بأسماء كوردية، (ميديا، بروسك، ريبر، شاهناز، بيروز، روجين، كاميران)، ولم يسمّيهم بأسماء الذين مارسوا الظلم والاضطهاد والعنف ضدّ وطنه وقضيته، إذ أولاده يعيشون حياة مستقلة، ويعملون لأجل لقمة عيشهم.

في ثورة أيلول الكوردستانية المباركة، كان العرب الشوفينيون أمثال جمال عبد الناصر وميشيل عفلق وأكرم حوران يبصقون على نيران هذه الثورة الكبيرة، ويشتمون قائدها الراحل مصطفى ملا بارزاني، وقفوا ضدّ الفكر والثقافة الكوردايتية.

في أحد الأيام قام أحد الشباب العرب بشتم القائد مصطفى بارزاني، فلم يتمالك شقيقه محمود بكر نفسه، فردّ عليه بقوّة ودافع عن بارزاني، وفي اليوم الثاني اشتكى ذاك الشابّ لدى أساتذة مدرسة الشيوخ عام 1964 عنه، فعاقبوه بالفلقة أمام جميع الطلاب والأساتذة، فكان يوماً أسوداً، ولا يزال ينخر في ذاكرته.

قدّم أواخر عام 1966 امتحانات الصفّ السادس في المدرسة السوداء (Reş) في مدينة كوباني، تعرّف هناك على أصدقاء من قرية القملق ومن كوباني نفسها، وبعدها بمدّة زمنية ظهرت النتائج، كان هناك مستخدم للمدرسة السوداء يدّعي (محمد أدّو)، بشّره بنجاحه، وحصوله على شهادة "سرتفيكا"، فكافئ والده حسن مستخدم المدرسة، وأهداه (25) ليرة سورية.

سافر عام 1967 – 1968 إلى مدينة منبج، لإكمال تعليمه الإعدادي، كانت شعبة اللغة الإنكليزية مليئة بالطلاب، حيث درس الأول الإعدادي في شعبة الفرنسي المحدثة، وفي ربيع ذلك العام كان المرحوم مصطفى بَك نادي يدرس في مدينة حلب في ثانوية (المعرفة) مع مصطفى جمعة وحسين محمد علي من حلنج ومحمد دابان، زار بَك نادي شقيقه الذي كان يدرس مع بافي بروسك، في بيتهم المستأجر للدراسة، تحدّث معه عن حزب اليسار الكوردي في سوريا بقيادة الراحل أوصمان صبري، أحضر له البرنامج السياسي، وقرأ له شفوياً النظام الداخلي للحزب، لم يكن بافي بروسك وقتها ملمّاً بالسياسة، فتعلّق بهذا الخطّ والمنهج السياسي النضالي، خاصّة وأنه كان يدعم ثورة أيلول الكوردستانية المباركة، فأصبح عضواً في الحزب اليسار الكوردي، وفي الصيف عرّفه بَك نادي على مصطفى جمعة، القيادي الحالي في الحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا.

في بداية تعليمه في ثانوية المعرّي بحلب بين عامي 1970 – 1971، أتى رفاق من القيادة المرحلية وتواصلوا معه، وأخبروه بأنهم عقدوا مؤتمرهم التوحيدي في إقليم كوردستان، فبقي على تواصل مع هذه القيادة، وعمل معها، وكان أصدقائه اليساريين بهجت ملا محمد ودرويش ملا سليمان، ومن جبل الكورد رفعت عثمان، وفي أيلول من عام 1972 سافر مع أعضاء المؤتمر وبشكل سرّي إلى إقليم كوردستان، تحديداً قرية (الداودية) الكلدانية التابعة لناحية (بامرني) في محافظة دهوك.

كانوا قرابة (70) عضواً، انطلقوا في المساء من قرية (موزلان) ووصلوا إلى دجلة قبل شروق الشمس، مشياً على الأقدام باستثناء دهام ميرو ومصطفى بَك ديار بكرلي، فقد كانا راكبين على جوادين، يرافقهم عناصر من قوّات البيشمركة مرسلين من قبل الحزب الديمقراطي الكوردستاني (PDK)، إذ أوصلهم بقوارب صغيرة إلى الطرف الآخر من نهر دجلة، أخذوا الاستراحة والراحة في قرى مسيحية كلدانية وآشورية، أكلوا الغداء هناك، بعدها اجتمعوا وتوجّهوا نحو مكان انعقاد المؤتمر، مرّوا أثناء رحلتهم في العديد من القرى المسيحية الجميلة مثل (كاميش، سوارتوكا، سرسينغ، بامرلي)، كان بعض الكويتيين والسعوديين يقضون الصيف في فنادق تلك القرى.

في كوباني كان هناك ثلاثة أعضاء، ممَن شاركوا في المؤتمر، وهم مصطفى بكر بافي بروسك ومصطفى إبراهيم وبكر قادر شدّو، حيث استمرّ المؤتمر خمسة أيام، بقيادة رشيد سندي ممثّل عن البيشمركة وعلي شنكالي ممثّل عن البارتي، وبإشراف ومباركة من المرحوم الجنرال أسعد خوشه وي، أحد أصدقاء الراحل مصطفى ملا بارزاني، ممّاً كانوا معه في مشروع جمهورية مهاباد والذهاب إلى السوفييت، وولده البيشمركة سليم خوشه وي وملا حمدي.

كان بافي بروسك سعيداً في المؤتمر، لكنه بعد المؤتمر لم يكتب الله له موعداً، لأن يلتقي بالبيشمركة والقائد ملا مصطفى بارزاني، الذي كان متواجداً في ناحية كلالة بقضاء جومان بمحافظة هولير «هُنا بافي بروسك، وفي تسجيله الصوتي عن هذا الموعد يبكي بصدق وعمق كبير لهذا الهمّ والحسرة، في عدم تمكّنه من لقاء الرئيس مسعود بارزاني»، وتأسّف كثيراً على ذلك الحدث، وذلك بسبب قرب افتتاح المدارس.

انتخب في المؤتمر دهام ميرو سكرتيراً للبارتي، ومن القياديين الذين أفرزهم المؤتمر حميد سينو من الجزيرة، ومصطفى إبراهيم من كوباني، وكنعان عكيد وزكريا مصطفى من جبل الكورد، وهوريك أبو أحمد وأمين كولين وشيخ نظمي كولين ونذير مصطفى، وعبد الرحمن أحمد مرشحاً للمركزية، وفي دمشق كان هناك عضوين مرشّحين لمنصب اللجنة المركزية وهما عبد الكريم الأيوبي (أبو عناد) وسورو، وبعدها بفترة أصبح المحامي نذير شمس الدين مصطفى من ديرك سكرتيراً للحزب.

بعد العودة إلى حلب، وبدء العام الدراسي الجديد في 1972 – 1973، عقد في منزل بافي بروسك بحيّ الحميدية العديد من الاجتماعات الحزبية والسياسية، زاره العديد من القيادات الكوردية، أكثرهم من جبل الكورد، أصدروا وقتها في حلب مجلة كوردية باسم (Azadî)، طبعوها من خلال أوراق الحرير، في منزل درويش ملا سليمان، بحيّ الكلّاسة، ليرسب بافي بروسك عامين متتالين في الشهادة الثانوية، نتيجة عطاءاته ونشاطاته السياسية وتمسّكه بقضيته الكوردية، لدرجة أن الحزب أصدر قراراً بعدم زيارة أيّ عضو حزبي لمنزله، وذلك ليكمل تعليمه الثانوي.

بقي يناضل في البارتي حتى عام 1975، وفي نفس العام حصلت خلافات ومشاكل في الحزب، كان قد تم اعتقال العديد من أعضاء القيادة المرحلية في عام 1973، لتتفاقم أزمة خلافات عقيمة في الحزب، فعقد قسم من قيادة الحزب كونفرانساً في دمشق بقيادة شيخ محمد شيخ باقي (أبو جمال)، منهم عبد المطلب شقيق دهام ميرو وسورو وأبو عناد، فأصبح مصطفى إبراهيم سكرتيراً للحزب عقب اعتقال دهام ميرو ورفاقه.

عرض عليه صديقه أحمد بكي من قرية تل غزال في أن يزور هو وبعض رفاقه قرية عليلور، ويتعرّف على الشاب عبدي نعسان بعد أن تخرّج من إحدى الجامعات التركية، فزاره مع أحمد بكي ومحمد علي ناركو من قرية جيلك، ومن الجلسة واللقاء الأول، أحبّ وتعلق بعبدي قادر، لصدقه وروحه الثورية وجرأته وصلابته، الذي أخبرهم بأنه عندما ذهب للدراسة في اسطنبول كان قد أخذ معه سجّادة للصلاة وكتاب القرآن الكريم، على أن يحضر معه عند التخرّج مجلدات لينين وماركس.

معرفته بالصيدلي الشهيد عبدي نعسان كانت في عام 1971م، عندما زاره في قريته علبلور، إذ يرى أن عبدي من عائلة اجتماعية بسيطة متواضعة، عرفه صديقاً مخلصاً بكلّ معاني الكلمة، وأنه يمارس السياسة بأخلاق الثوّار العقلاء والأبطال المخلصين، ويسلك السبل الشريفة للوصول إلى أهداف صحيحة ناجحة، إذ كان شعار عبدي في الحياة "العمل المنظّم المستمرّ والعلم".

صيدليته كانت عبارة عن جمعية صغيرة للفقراء والمحتاجين، وذلك من خلال تقديم الأدوية لهم دون أيّ مقابل مادي، وكان الجميع ينادونه (عبدي صيدلي)، وذلك لحبّه واحترامه واهتمامه بزبائنه والفقراء والأصدقاء، إضافة إلى أن الصيدلية كانت عبارة عن مكتب سياسي للقياديين الكورد.

ترك بافي بروسك العمل السياسي حتى ربيع 1979، فزاره عبدي نعسان مع مجموعة من رفاقه، وطلب منه العودة إلى العمل والنضال في الحزب الذي لم يكن سكرتيره صلاح بدر الدين، بل عصمت فتح الله، فعاد إلى حزب اليسار، وعمل فيه مع أصدقائه.

وفي خريف عام 1979 عقد مؤتمر حزبي، حضره مع صديقه عبدي نعسان، فأصبحا عضوين في اللجنة المركزية لحزب اليسار بقيادة عصمت فتح الله، فعمل مع عبدي نعسان وعبد الباسط سيدا وأوسب ديبو وصالح عبدو وشيخ موسى وصديق شرنخي وصبغت سيدا.. بجهود جبّارة، إلى أواخر عام 1981، حيث لم يستطيعوا إكمال مسيرة العمل، فتوقّف عبدي وصبغت عن النضال، وأخذ الحزب لاحقاً قراراً بحقّ بافي بروسك وعبد الباسط سيدا بتوقّفهما عن العمل، مدّة ستة أشهر، وطالبهما الحزب بتعديل سلوكهما الحزبي – لشغبهما ومشاكساتهما – أو سيتوقّفان حتى المؤتمر، فتضامن معهما أعضاء كثيرين في الحزب، بعضهم طالب بعقد مؤتمر استثنائي، وبعضهم رفض ذلك.

في نهاية 1982 عقدوا مؤتمراً في منزل الشهيد عبدي قادر نعسان في قرية علبلور بكوباني، بحضور أعضاء من كوباني والجزيرة ودمشق، أصدروا عدّة قرارات حاسمة، منها أن المؤتمر خرج باسم الحزب الجديد وهو حزب "الشغيلة الكوردي"، إلا أن عبدي نعسان وعبد الباسط سيدا طالبا بألا يكون الاسم حزبياً بل يكون على شكل رابطة أو منظمة أو جمعية، إلا أن بافي بروسك وصبغت رفضا ذلك، وأكدا أن النضال السياسي يجب أن يكون استمراراً وامتداداً لنضال الحزب الديمقراطي الكوردي 1957.

لم يكن لحزب الشغيلة منصب السكرتارية بل القيادة كانت على شكل هيئة جماعية، إلا أن صبغت سيدا كان حكيماً ومرشداً ومرجعاً لكلّ مواقف وقرارات الحزب، وبعدها صدر للحزب نشرات ثقافية ولغوية وجريدة سياسية، وكان من شروط قبول العضو في الحزب أن يكون المنتسب ملمّاً بالتاريخ والجغرافية الكوردستانية، وأن يتعلّم الأفكار الماركسية – اللينينية، والشرط الأخير تعليم اللغة الكوردية نسبياً، وهذا الامتحان كان محدّداً بستة أشهر.

بين عامي 1982 وحتى 1987 عمل حزب الشغيلة على فتح علاقات اجتماعية وثورية وسياسية ودبلوماسية مع العديد من الأحزاب السياسية والقومية، كإقامة علاقة دبلوماسية مع الحزب الشيوعي السوري، وذلك للتشابه المشترك بين فكر وثقافة الحزبين، مع ملاحظات وانتقادات على تعاملهم القومي الشوفيني، وبعد قطع منظمات القاعدة علاقاتها مع الحزب الشيوعي السوري قويت علاقة الشغيلة معهم بشكل كبير، فعملوا مع مراد يوسف سكرتير الحزب الشيوعي الذي كان مناصراً لحقوق الأقليات والقوميات بصفته الشخصية وليست القيادية، وأيضاً مع عدنان السباعي ووحيد محمود ومروان أبو حسن.

في عام 1987 اعتقله الأمن السياسي السوري مدّة ثلاثة أشهر، وهو يحمل جرائد حزب الشغيلة، بعد مراقبته مراقبة حثيثة ودقيقة من عملاء النظام السوري، وسوقه إلى سجن حلب والتحقيق معه، وفي أواخر عام 1987 لم يستطع الاستمرار في عمل الحزب، فأخبر قيادة الحزب حول نيته الخروج من سوريا والسفر إلى أوروبا، أو الذهاب للعيش في دمشق، إلا أن قيادة الحزب نصحوه بأن يريح ويراجع نفسه لفترة من الزمن؛ إلى أن يصل إلى قرار ما، ومن ناحية أخرى أخبروه بكلّ عقلانية وعمق اجتماعي عن نتائج وحيثيات سفره إلى دمشق أو لجوئه إلى أوروبا.

بعد استشهاد عبدي نعسان في 5 أيار عام 1985م؛ وبعد تركه للعمل السياسي بقي صبغة فتح الله لوحده في الحزب، فيما وصف عبد الباسط سيدا بالانتهازية، فأسّس لاحقاً حزباً موحّداً من مجموعة من الأعضاء ومن عدّة أحزاب سياسية، فأطلقوا على الحزب الجديد "حزب الشغيلة الديمقراطي"، الذي بقي مستمراً بقيادة جيل من الشباب، وفي عام 1989م تم حوار الحزب ومجموعة من قواعد التقدمي وكان يرأسهم شخص يدعى رجب أبو جوان، وتم عقد المؤتمر التوحيدي في العام نفسه وأعلن حزب الشغيلة الديمقراطي الكوردي في سوريا.

أصبح عضواً في المجلس الاستشاري لمجموعة الأحزاب الكوردية عام 2000م مع بعض من رفاقه، كأبي آزاد شيخ حيدري وعادل أبو عادل وشيخ نبي أمين وأحمد بكي، وفي أواخر عام 2002م عقد مؤتمر في مدينة قامشلو، وهناك ندّد – من خلالهم – سكرتير حزب الديمقراطي التقدمي الكوردي عبد الحميد حاج درويش حول وقوف حزب يكيتي الكوردي أمام البرلمان السوري بتاريخ 10 ديسمبر 2002م في يوم العالمي لحقوق الإنسان، وهو أول اعتصام مناهض لسياسة النظام السوري ضد الشعب الكوردي، فردّ عليه كلّ من مصطفى بكر وعادل أبو عادل: "إن كنتم لا تستطيعون فعل شيء إيجابي وهادف، فلا تمنعوا غيركم من فعله!! هذا التنديد معيب بحقّ القضية الكوردية".

عندما عاد إلى كوباني، التقى بمنظمة حزب يكيتي الكوردي، التي كانت في طور التأسيس، ليخبرهم عن رأيه وموقفه حول وقوفهم أمام البرلمان السوري، وأنه عمل شجاع وخطوة مهمة، لدرجة أن إحدى الصحف الدولية عنونت إحدى موادّها "للمرّة الأولى أكراد سوريا يهدمون جدار الخوف"، وطلب منهم في أن يعمل معم سياسياً، وحضر مؤتمر الحزب الرابع نهاية عام 2003م كضيف دون يكون له حق التصويت والترشيح، ليزوره بعد ذلك كلّ من شمس الدين حمو وويسو أوسك بيري والقيادي الراحل إسماعيل حمي، فأخبروه بأن يقرأ أمامهم طلب الانضمام الشفهي للحزب، وذلك لمعرفتهم الكاملة بدوره السياسي ونشاطاته السرّية في خدمة القضية الكوردية، ليصبح – بعد التدريج الزمني – مسؤولاً تنظيمياً في كوباني عام 2004م بعد انتفاضة قامشلو في أول كونفرانس الفرع بعد المرتمر، وبعد ثلاث سنوات في المؤتمر الخامس للحزب الذي عقد في نهاية عام 2006م انتخب عضواً في المكتب السياسي لحزب يكيتي الكوردي.

في نهاية الشهر الثالث عام 2013م عقد مؤتمر لحزب يكيتي الكوردي في مدينة عامودا، فناقش الأعضاء مؤسّساتية الحزب، أيّ أن يكون حزب يكيتي حزباً مؤسّساتياً، وهو دعوة كلّ الأحزاب الكوردية في غربي كوردستان، إلا أنه لم يطبّق أيّ حزب فكرة المؤسّساتية داخل منظماته، سوى حزب يكيتي، إلا أنها مؤسّساتية معاقة؛ لمحافظته على التوازنات المصلحية، فتمّ تنصيب إبراهيم برو سكرتيراً للحزب، فحصلت كوباني وعفرين والرقة على "الكوتا" الحزبية، فمنحوا عفرين والرقة عضوية في المكتب السياسي، لكلّ مدينة عضوية، فيما كوباني حصلت على عضويتين سياسيتين، وأن هذه العضويات الثلاث يجب أن تنتخب في الكونفرانسات، فاحتجّ على هذا القرار، معتبراً بأنه خرق للنظام الداخلي، فتوقف عن العمل معهم، إلا أنه عاد إلى الحزب بعد حرب داعش ضدّ كوباني وموجة النزوح، وهو يعمل الآن عضواً في اللجنة المنطقية بمنظمة كوباني.

عرف في حياته الكثير من الشخصيات السياسية والقيادية والمجتمعية البارزة، كنور الدين ديرسمي، والفنّان والنحّات التشكيلي الفلسطيني مصطفى الحلاج، ولؤي كيّالي، والشاعر الكوردي حامد بدرخان (الذي أخذ أذناً من آل بدرخان ليسمّي نفسه على اسم عائلتهم، واسمه الحقيقي حميد كُتُو)، والشاعر أوسب برازي، والتقى أيضاً بالشاعر الكوردي جيكر خوين عام 1979م، الذي سأل بافي بروسك عمّا إذا كان برازياً أم لا، فيجيبه بأنه من عشيرة "كيتكان"، وقبل رحيله وسفره إلى السويد قال لبافي بروسك كلاماً مهمّاً: "عندما كان بوزان بَك وشقيقه حرجو بَك، أولاد شاهين بَك أعضاءً في البرلمان السوري، أخبرت حرجو الذي كان قريباً مني على عكس بوزان الذي كان ميّالاً للفكر الارستقراطي عن سبب عدم فتحهم للمدارس في كوباني، فردّ عليه حرجو بأنه يريد ذلك، وبأن شقيقه بوزان لا يقبل، معلّلاً السبب بأن أولاد بقية العشائر وأولاد شاهين بَك سيصبحون في نفس المكانة اجتماعياً وعشائرياً وثقافياً".

وجهت له سؤالين، الأول: "لو أتيحت لك فرصة في مخاطبة الرئيس مسعود بارزاني، ماذا ستقول له؟"، والثاني: "لو قابلت بشار الأسد.. فماذا ستقول له؟"، فأجاب والمَأَقَة والإرْنان تصرخان من صدره: "إن التقيت بالقائد والبيشمركة مسعود بارزاني فسيكون ذلك شرفاً كبيراً وعظيماً، وسأطالبه بأن يستمرّ على خطاه وخطا والده الراحل مصطفى بارزاني، فالكورداياتي أفضل وأعظم لي من المناصب، هو رجل كبير ومناضل شهم، أما بشار الأسد فأنا لا أخاطبه بشيء، فكرامتي وكرامة شعبي خطّ أحمر، فليس لديه شيء ما يقدّمه للكورد، فهو ليس بصاحب قرار، فسبق وأن طلب منّا لقاء في دمشق، والحركة الكوردية رفضت، والسبب هو أنه لا يملك شيئاً ليمنحه للكورد، بل على العكس فهو كان سيدعم الكورد في سبيل أن يكونوا له يداً ملطّخة بالدماء والسلاح، وأن يقفوا في وجه العشائر العربية، تماماً كقضية ومجزرة الأرمن التي ارتكبها الأنظمة التركية، ووضعها في رقاب كوردنا الأغبياء والبسطاء في شمالي كوردستان".

ينصح الشباب الكوردي، في الخارج والداخل، في أن يعودوا لأنفسهم، ويسمعوا بعضهم، ويتقبّلوا النقد البنّاء، وأن يتسلّحوا بالعلم والمعرفة، ليكرّر نصيحته بصرخة كبيرة ويشدّد على أهمية العلم.

لم يكن يريد الحديث كثيراً حول حادثة قدوم عبد الله أوجلان إلى سوريا، إلا أنه أراد توضيح بعض المسائل الهامة التي تتعلّق بتفاصيل عبوره من تركيا إلى سوريا، فيقول: "دخل عبد الله أوجلان إلى سوريا في خريف عام 1979م، كنّا نناضل في اليسار، فقد دخل سوريا باسم مستعار (إسماعيل)، بمساعدة عارف قادر شدّو، كنا على علم بأن قيادياً في حزب العمال الكوردستاني كان سيأتي، فعبر الحدود عن طريق المهرّب (Hespo) وجاء إلى منزل عبدي نعسان في قرية علبلور، بقي هناك أسبوعاً، ثم انتقل إلى منزلي، وبقي ضيفاً عندي لمدة واحد وعشرين يوماً، بسبب بعض مشاكل الثأر العشائرية التي كان يعاني منها عائلة عبدي، ولمراقبة الأمن السوري للقرية، ناقشناه كثيراً، في أسهل الأمور وأصعبها، لم يكن شخصية سياسية مثقّفة، مثلما يُشاع اليوم بين مريديه بأنه فيلسوف وقائد كوردي، بل كان عصبياً سريع الثوران، في النقاش كان يلجأ لحركات عيونه وأصابعه ورأسه، للتعبير عن نفسه، قليل التحمّل والصبر، كان مهمتنا تتركّز في أن نُخرِج له ورقة عدم التعرّض من الأمن العسكري عن طريق مكتب للاتحاد الوطني الكوردستاني في قامشلو، وإيصاله إلى مخيّم فلسطين بدمشق، ومن هناك إلى الجبهة الديمقراطية برئاسة نائف الحواتمة".

ويوضّح بافي بروسك حقيقة ما يُشاع على لسان عائلة عبدي نعسان، التي تقول بأن عبدي وعبد الله أوجلان كانا يدرسا معاً في مدينة اسطنبول، فيؤكّد: "عبدي نعسان كان يدرس في مدينة اسطنبول وتخرّج من الجامعة صيدلياً، أما أوجلان فقد كان يدرس في أنقرة، ولم يحصل على الشهادة، وعدم حصوله على الشهادة التعليمية لم يكن لأسباب أمنية أو سياسية أو لعمله في الحزب، فأنا وعبدي كنّا كأخين توأمين، ولو كان يعرف أوجلان لكان أخبرني".

أخيراً، وقبل ختام السيرة الذاتية لهذا المحارب الشجاع والمثقّف والمعروف بحبّه للكوردايتية، أرِدْ هنا آراء ومواقف بعض من المثقّفين والسياسيين والإعلاميين الكورد، الذين عرفوه في الحياة الاجتماعية والنضال السياسي، وكانوا معه في السرّاء والضرّاء:

القيادي الكوردي نجم الدين كيّاض:
أحد رموز الفكر القومي والتاريخي للحركة الكوردية، الذين كان لهم الدور الأكبر في توعية المجتمع وزرع الروح القومية والوطنية في مقارعة الظلم والاضطهاد والتخلف والعشائرية والأمّية ومحاربة الفكر الشوفيني، بكلّ تياراته، بالعلم والمعرفة، هو من أحد الأقطاب القيادية في حزب "يكيتي" الكوردي، والمرجعية الأساسية لرفاقه. له وزنه وثقله السياسي والفكري بين رفاقه والمجتمع، إذ يفرض احترامه على الجميع.
محبّ للعمل الجماعي، متواضع، محاور بارع، ومستمع ممتاز، نزيه، شفّاف، مخلص، مضحّي، يضع مصلحة القضية فوق مصلحته الشخصية، مواقفه السياسية تنبع من حبّه للإنسان وحقوقه والقضية الكوردية، مع كلّ ما عاناه صحياً وأمنياً بقي صامداً يملك إرادة قوية في مواجهة كلّ التحدّيات والمصاعب، يمتلك القدرة والشجاعة والجرأة في توصيف الحدث ورؤيته الثاقبة للأمور والقضايا السياسية والاجتماعية. مدافع قوي عن مبادئه أينما كان، دون أن يلبس قفازات كما حالة البعض، لديه التركيز على جانب الوعي الاجتماعي وتسلّح المجتمع بالعلم والمعرفة، وبأنه السبيل الوحيد لتحقيق العدالة الإنسانية والاجتماعية، وهو سلاح ذو حدّين لمواجهة كلّ أشكال التخلّف والجهل، لتحرّر المجتمعات من التبعية والاضطهاد، إلى جانب تركيزه دائماً على خطورة التطرّف الديني والفكري والسياسي والقومي، وضرورة اجتثاثه.

المحامي صالح عيسى:
مثقّف ومناضل مخلص لفكره وقضيته العادلة، ناضل بعيداً عن الأضواء، سخر حياته الخاصّة في خدمة القضية الكوردية دون كلل أو ملل، يحمل بين أضلعه قلباً أبيضاً كقلب طفل، حيث البراءة والحنّية، صلب في مواجهة خصومه، ومرن مع ناسه ومنافسيه، لا يعرف الحسد أو الاتّكالية، بل يجاهد بنفسه لنفسه ولشعبه، عصامي في كلّ شيء، هو من الرعيل الأول في السياسة، ومن الأوائل الذين زرعوا بذرة الشعور القومي في كوباني.
يمتاز بسعة صدره، إذ يستمع لمحدّثه بكلّ هدوء، ويوجز الحديث بأسلوبه الدبلوماسي المحنّك، عاصرناه بأحلك الظروف. عانى الكثير في حياته، لجرأة مواقفه، حيث الملاحقة والاعتقال والتعذيب، على يد جلاوزة النظام، الذي خلق له عاهات مستديمة في جسمه، ومنها ضعف النظر. كان يشرف على كافة الاجتماعات الحزبية بنفسه، بل ويزور الكوادر الحزبية لإعطائهم روحاً ثورياً.
لا أنسى هندامه الروسي المميز (المعطف، والقبّعة)، كان يزورنا في مدينة جرابلس نهاية كلّ شهر، لعقد الاجتماع الاعتيادي لنا، أنا ورفيقي (ع . ح . ط)، ونتيجة قلّة المواصلات آنذاك كان يأخذ لنا الإذن من مدير المدرسة، كونه أحد أقربائنا.

المحامي حسن نبو:
مناضل ينتمي إلى جيل الوسط في الحركة الكوردية، انتسب منذ بداية شبابه إلى صفوف الحركة الكوردية، وظلّ منتسباً إليها حتى هذه اللحظة، رغم المرض الذي هاجمه منذ شبابه ومازال يتعشعش في جسده. عرفته محبّاً لقضيته ورفاقه، ومنتقداً للكثير من الجوانب السلبية في الحياة الحزبية الكوردية في سوريا. وعلى الصعيد الشخصي عرفته كريماً في بيته، ومتواضعاً وخلوقاً مع الناس، ما يؤلمه هو عدم قدرته على المطالعة بشكل جيّد منذ سنوات، لضعف حاسّة البصر لديه، لدرجة كبيرة.

المُدرّس محمود بكر (شقيق مصطفى بكر):
إنسان كوردي، قبل أن يكون سياسياً أو قيادياً، ناضل في صفوف الحركة التحرّرية الكوردية منذ ستينات القرن الماضي بكلّ جرأة وشجاعة، جندي مجهول ناضل بدأب وحيوية ونشاط، همّه خدمة القضية الكوردية، بعيداً عن التحزّب والأنانية، لم يكن في قاموسه السياسي منذ بدايات نشاطه السياسي وإلى اليوم سوى الكوردايتي وتفعيلها وتقدّمها، مناضل بكلّ معنى الكلمة، لم يراعِ حالته الصحّية ولا وضعه المادي، الذي كان في أغلب الأحوال تحت خطّ الفقر. كان وما يزال كتلة متفاعلة مع قضايا شعبنا الكوردي، الذي وصل إلى وضع مزري مأساوي، للأنانيات الحزبية الضيّقة وأجنداتها، التي رفعت مصالحها فوق مصلحة القضية الكوردية.

الشاعر والكاتب خالد إبراهيم:
جمعتني به روح القومية وحبّ الناس والبساطة، لم أقرأ في تفاصيل حياته إلا القوّة والمتانة، رغم صعوبة ظروفه المادية. عزيز النفس والخلق، بإمكانه أن يضحّي في سبيل قوميته وحزبه، وشجاعته تشهد له، ربّما لم أستطع أن أعطيه حقّه الذي يليق به، فهو لم ولن يساوم على مبادئهم، يتحلّى بالشجاعة والصبر والإصرار، جندي مجهول خلف الكواليس.

روجين مصطفى بكر (ابنة بافي بروسك):
لا يمكنني أن أصفه بكلمات أو أسطر، ليس لأنه أبي؛ بل لأنه إنسان شجاع وجريء، وشخصية سياسية قوية، ومثقّف علماني، ناضل من أجل قضيته وناسه، وضحّى بالكثير من روحه وجسده؛ لم يتخلَّ عن مبادئه وقناعاته يوماً، كان مدرّساً لمدّه (15) عاماً، حيث تعرّض للاعتقال، ينطق بالحقّ دائماً. روحه مرحة، يحبّ الحياة بكلّ قساوتها. أب حنون وصديق وَفي، يشجّعني في أن أكمل دراستي، إنسان كوردي قبل أن يكون سياسياً أو قيادياً، عشت معه تجارباً ومواقفاً جعلتني أحترمه وأفتخر به.

الفنّان والموسيقار رشيد صوفي:
صداقتي معه متينة، لكن ليست صداقة سياسية، كوني لا أتعاطى في السياسة، لكني لا أشكّ بوطنية بافي بروسك ونضاله، وعلاوة على هذا إنه إنسان مثقّف ومطلع ويقرأ ورأسه مزدحم بالأفكار، يعطي حقّ الجلسة بين الساسة والمثقّفين، حيث زرته ذات يوم في قريته، وقضينا وقتاً ممتعاً.



حوار وبحث وتوثيق: إدريس سالم





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,425,183,316
- لن يتّحد الكورد في غربي كوردستان
- غريق يستنجد بغريق
- رقصة الفيل الأمريكي
- مضمون تغريدة ترامب
- محمد رمو: الحرب إن لم تصنع منك كاتباً فأنا أشكّ بشعورك وعمل ...
- الرجل الناقص في المكان الكامل
- نقاط المراقبة في شرقي الفرات.. مَن يراقب مَن؟!
- لهذا دعمت السعودية الأكراد.. وهكذا سترد تركيا
- أوكِ كوكل
- الكورد في سوريا.. أمريكياً وروسياً
- ريزان صالح إيبو: ابتكرت أبجدية كوردية بطريقة «برايل»، والإعل ...
- سوبر كلاسيكو.. بوكا للفقراء وريفر للأغنياء
- ناقدون رُعاع.. واستئسادٌ فيسبوكي
- أيتام الصفحات الوهمية بين التخوين وغياب العقل
- الكوميديا السوداء في شرقي الفرات
- المخرج السينمائي يلماز المحمد علي: السينما ليست وسيلة للتعبي ...
- المجلس الوطني الكوردي ليس مجلساً -جزراوياً-
- أسطورتا التهديف.. وصراع الكلاسيكو
- ظاهرة البثّ المباشر في الشرق الأوسط
- خاشقجي.. كوردياً وسورياً


المزيد.....




- تيلغراف: بريطانيا تخطط لاستهداف النظام الإيراني بعقوبات بعد ...
- الولايات المتحدة: ارتفاع درجات الحرارة بشكل مذهل في بعض المن ...
- الولايات المتحدة: ارتفاع درجات الحرارة بشكل مذهل في بعض المن ...
- خيرت الشاطر شخصية الأسبوع واتفاق السودان حدثه الأبرز
- -أنصار الله-: السيطرة على موقع في جيزان وقنص جندي سعودي
- بريطانيا تحذر رعاياها في مصر من -هجمات إرهابية محتملة-
- سلطات كردستان العراق تلقي القبض على متهمين باغتيال الدبلوماس ...
- الخطوط الجوية الألمانية -لوفتهانزا- تعلن وقفا فوريا لرحلاتها ...
- تعرف على Mi A3 المنافس وقدرات تصويره الفائقة!
- بعد أن حاربت في صفوف -داعش-.. بريطانية تنشط في مكافحة التطرف ...


المزيد.....

- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- «صفقة القرن» حل أميركي وإقليمي لتصفية القضية والحقوق الوطنية ... / نايف حواتمة
- الجماهير العربية تبحث عن بطل ديمقراطي / جلبير الأشقر
- من اختلس مليارات دول الخليج التي دفعت إلى فرنسا بعد تحرير ال ... / موريس صليبا
- أفكار صاخبة / ريبر هبون
- معرفيون ومعرفيات / ريبر هبون
- اليسار الفلسطيني تيار ديمقراطي موجود في صفوف شعبنا وفي الميد ... / نايف حواتمة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - إدريس سالم - «بافي بروسك» مثقّف ليبرالي علماني ومُخلص في المسار القومي والإنساني