أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سليم نصر الرقعي - آفات الديموقراطية االخمس!؟















المزيد.....


آفات الديموقراطية االخمس!؟


سليم نصر الرقعي

الحوار المتمدن-العدد: 6104 - 2019 / 1 / 4 - 05:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الآفات الخمس التي تهدد المسار الديموقراطي في أي بلد وتدفع في اتجاه اضمحلال الحياة الديموقراطية وبالتالي عودة الديكتاتورية أو حتى قيام دولة جبرية شمولية!!
****************
عبارة (آفات الشيء) تعني العيوب والنقائص والأمراض التي تصيبه من خارجه أو داخله كالصدأ الذي يصيب المعادن، أو التسوس الذي يصيب الأسنان أو الأثاث!، أو الفيروسات والديدان التي تتطفل على جسم الانسان وتصيبه بالأمراض العابرة أو القاتلة!.. فالآفات التي تعتري الأشياء أو الأنظمة والأجهزة الطبيعية أو الإجتماعية هي مسببات المرض والضعف والتحلل والاضمحلال التي تصيبها بضعف أو خلل في أداء مهمتها ووظيفتها أو ربما تؤدي في بعض الحالات إلى قتلها أو وفاتها بشكل طبيعي بسبب ضعفها وضمورها أو شيخوختها وعجزها عن التجدد!..... ومن تأملاتي الفكرية الخاصة في مسألة الديموقراطية من حيث النظرية والتطبيق، فإنني أعتقد أن أكثر ما يُؤثر في سير ومستوى الديموقراطية بشكل سلبي هي خمس آفات أساسية كالتالي:

الآفة الأولى: الانحطاط الاخلاقي العام في المجتمع وخصوصًا عند النخب السياسية!
***************************
أي وجود حالة من تراجع منظومة قيم العدالة والصدق والأمانة والتسامح لدى الشعب عمومًا والنخب السياسية بوجه خاص!.. فلا شك أن هذا سيُلقي بكلكه على سير الديموقراطية، وربما ابتداءً من طريقة الدعايات الحزبية والانتخابية لكل فريق سياسي والتي قد تلجأ للاكاذيب والاساليب (السافلة) كالتركيز على الفضائح الجنسية لتشويه صورة وسمعة خصومها السياسيين!.. فهذا دليل على افلاس أخلاقي كبير!.. وكذلك فإن الانحطاط والضمور الاخلاقي في المجتمع سيلقي بظلاله على سير صحة ونزاهة وشفافية الانتخابات أو حتى سير القضاء والعدالة!... ولا شك أن المجتمعات الغربية حاليًا تعاني من ظهور أعراض هذا المرض الخطير والقاتل للحياة الديموقراطية الراقية والرشيدة!.. وإذا لم تعمل هذه المجتمعات على معالجة هذا المرض الفتّاك فهو سيقضي على ديموقراطيتها الليبرالية بالنهاية بل وربما سيقضي على حضارتها أيضًا فلا يمكن لحضارة أن تسمو وتزدهر بدون مستوى من القيم الاخلاقية!.
***

الآفة الثانية: تراجع الإيمان بالديموقراطية عند الشعب كطريقةٍ للأدارة السياسية الرشيدة التي تحقق مصالح وتطلعات جمهور الأمة!
********
وهذا أمر نلاحظ ظهور بوادره في الغرب!... فالكثير من المواطنين من الناخبين يعزفون عن المشاركة السياسية في الحياة العامة حتى في أدنى مستوياتها أي في ميدان التصويت والمشاركة في الانتخابات!... وهذا ناتج عن ملل الناس من النخب السياسية والاحزاب التقليدية الحالية!.. واعتقاد الكثير من الناس أن هذه النخب السياسية - في الحكم والمعارضة - تعاني من حالة افلاس من الناحية الاخلاقية والفكرية، فمثلًا أنا المواطن البريطاني (المتجنس) أشارك في الانتخابات بشكل دائم، أما جاراي (الانجليزان الأصليان) اللذان عن يمين ويسار منزلي فإنني أكتشفتُ أنهما لا يشاركان في التصويت هما وزوجتاهما (4 أصوات)!، وكذلك المهندس المختص بصيانة التدفئة المركزية في منزلي فمن خلال محادثة دارت بيننا أنه يشارك فقط في الانتخابات البلدية المحلية أما الانتخابات على المستوى الوطني أي انتخاب البرلمان فإنه لا يشارك فيها!.. وكانت حجة هؤلاء جميعًا في سبب هذا العزوف العتيد هو أن كل المرشحين وكل الاحزاب وجوه مختلفة لشيء واحد!!.. "كلهم مثل بعضهم"!.. هكذا قال لي أحدهم باختصار!.
***
الآفة الثالثة: عزوف أغلبية الشعب (المواطنين) بل أغلبية (الناخبين) عن المشاركة السياسية ولو في حدها الأدنى أي التصويت!.
****************************
وهذه الآفة بلا شك تبدو كما لو أنا نتيجة طبيعية وحتمية للآفاتين السابقتين، فحينما يضمر الحس الاخلاقي في المجتمع يضعف احساس المواطنين بمسؤوليتهم الفردية عن ضرورة الاهتمام بالشأن العام ومحاولة المساهمة في اصلاح وتحسين الأحوال العامة، وعندما يضعف إيمان الناس بالديموقراطية كطريقة سياسية رشيدة تحقق إرادة الشعب أو يضعف ايمانهم بالقادة والفرقاء السياسيين في الحكم والمعارضة تكون النتيجة هي الملل من الساسة ربما إلى درجة القرف وبالتالي العزوف عن المشاركة في هذه اللعبة السياسية (المُقْرفة) التي تحدث داخل ملعب الديموقراطية!.. وهكذا وجدنا أن ظاهرة العزوف عن المشاركة السياسية حتى في حدها الأدنى أي التصويت تأخذ في الزيادة والاتساع في المجتمعات الغربية، هذا العزوف الذي نتج عن ضمور الاخلاقيات العامة من جهة ومن جهة عن ضعف الإيمان بالديموقراطية أو بالنخب السياسية والاعتقاد [ان الاحزاب التقليدية سواء كانت ليبرالية أو يسارية تعاني من افلاس فكري واخلاقي!.. وهذا العزوف الكبير للمواطنين عن المشاركة في صناعة القرار والاتجاه السياسي العام للدولة يعني عمليًا وواقعيًا أمرين:

(1) سيؤدي في البداية إلى أن (الاقلية الذكية والقوية والمنظمة) ذات المطالب الاقتصادية أو الفئوية والاجتماعية يمكنها أن تتحكم في المسار والقرار الديموقراطي لصالحها في بعض النواحي!.. كما حصل على سبيل المثال مع جماعات الضغط للمثليين في عدة دول أوروبية، فهم قطعًا لا يشكلون موقف ورأي أغلبية المجتمع من (المثلية) هنا في الغرب، فالحقيقة أن أغلبية الشعب لا يوافقون على إباحة المثلية التي وصلت إلى حد تشريع زواج المثليين عام 2014!.. هو أمر تمجه القيم الاجتماعية والاخلاقية والثقافية لهذه المجتمعات ويعتبرونه نوعًا من الشذوذ الجنسي ولكن لأن جماعات الضغط المثلية كانت تتمتع بسلاح التنظيم والنشاط والفاعلية والمال وبسبب نشاطها الاعلامي المكثف ونشاطها السياسي المستمر بالاتصال بصناع القرار في المجالس التشريعية بل ووضعها أصوات المثليين لصالح بعض النواب (المثليين) في مجلس الحكم فإنها تمكنت - من خلال اللعبة الديموقراطية وفي غياب وعزوف أغلبية الشعب - من فرض أجندتها بمنح المثليين المشروعية القانونية وهو أمر في تقديري وحسب معاينتي لكثير من الوقائع هنا في بريطانيا لم ينل رضا أغلبية الناس الحقيقيين والطبيعيين الذين يعيشون في البيوت ويمشون في الاسواق والعازفين عن المشاركة السياسية ولو في حدها الأدنى أي الادلاء بأصواتهم!.. فهذه احدى آفات الديموقراطية وهي أنها في حال عزوف الأغلبية الحقيقية الطبيعية من الشعب بل ومن الناخبين أي من يحق لهم ويجب عليهم التصويت فإن الديموقراطية تصبح أداة لتحقيق رغبات الأقليات المتصارعة وتمرير أجندات جماعات الضغط بصورها المختلفة، في حال غياب الأغلبية العازفة عن المشاركة والحضور!، أي كما نقول في المثل الشعبي الليبي: (الغايب كشيكه معلّق!) أي أن من يتغيب عن الوليمة ستظل مِلْعقته مُعلقةً على جدار المطبخ وبالتالي فإن (الشطار) ممن يحضرون الوليمة سيحلون محله في تناول الطعام والفوز بقطعة اللحم المخصصة له!!.

(2) وثانيًا فإن تمادي الأقليات والنخب السياسية وجماعات الضغط إلى اقرار قوانين وسياسات لا ترضى عنها (الأغلبية الغائبة والصامتة) سيؤدي بالمحصلة إلى ظهور التوجهات الجماعية الشعبوية ذات الطابع الوطني أو الديني أو القومي كتعبير عن ذلك الرفض الصامت الذي لم يعبر عن نفسه لفترة طويلة واختار أن يدير ظهره للنخب السياسية ولكن وقد بدأت الآثار السلبية للسياسات الليبرالية المتطرفة تظهر وتعود بالضرر والضيق على هذه الأغلبية الصامتة والعازفة عن حضور اللعبة الديموقراطية فإن اصحاب التوجهات السياسية ذات الطابع الوطني والقومي والديني من اليمين الوسط أو اليمين المتطرف سيبدأون في التحرك الشعبوي التعبوي لتحريك تلك الاغلبية الصامتة والسلبية لصالح مشروعهم الداعي إلى ايقاف هذه السياسات الليبرالية أو الرأسمالية أو الاباحية أو المخالفة للثوابت والقيم الاجتماعية والمهددة للهوية عند حدها ولسان حال هذه الحركات الجماعية الشعبوية يقول: ((لقد تجاوزتم الحدود أيها الليبراليون!.. وقد بلغ السيل الزبى))!
***
الآفة الرابعة: تراجع القيم الليبرالية التي تقدس حقوق الافراد (الشخصية) باعتبارهم أساس المجتمع والدولة لصالح صعود القيم الجماعية الشعبوية!؟
******************************
فلا شك أن هذا الأمر أيضًا أمر ملحوظ حاليًا في المجتمعات الغربية، فالقيم الليبرالية تتقهقر يومًا بعد يوم لصالح القيم (الجماعية الشمولية والشعبوية) والتي تتجسم خلال هذه الحقبة في (الاتجاهات الوطنية والقومية المتشددة) والتي يغلب عليها طابع المعاداة للاجانب القادمين للاستيطان في هذه المجتمعات والتجنس بجنسيتها، والمعادية أيضًا للغلو والتمادي في الليبرالية ويعتبرون (المثلية) دليلًا على هذا التمادي والغلو!.. كما أنهم ينفرون من (العولمة) وينظرون للاتحاد الأوروبي كمشروع امبراطوري يهدد هويتهم الوطنية والقومية .. وهذا الاتجاه الجماعي الوطني والقومي الشعبوي في تقديري جاء بالفعل كرد فعل طبيعي وحتمي على عملية التمادي و الغلو في الليبرالية بالفعل.. هذا الغلو الليبرالي في تقديس الجانب (الانساني والفرداني) على حساب الجانب (الوطني والقومي والجماعي) إلى حد بات معه يعود بالضرر على المجتمع الوطني ككل ويهدد خصوصياته وقيمه المجتمعية وهويته الوطنية والدينية والقومية!.. فهذا المد القوموي والوطني الشعبوي والتعبوي الذي قد يصل أحيانًا إلى حد العنصرية و(الكراهية) للاجانب هو رد فعل (طبيعي) على هذا هذا التفسخ الهوياتي والتحلل الاجتماعي الذي تسبب فيه الغلو والتطرف الليبرالي غير الحميد وغير الطبيعي، أي أنه نتج على طريقة القاعدة التي تقول: (كل مازاد عن الحد انقلب إلى الضد)!.
****
الآفة الخامسة: تغول الرأسماليين وشركاتهم العملاقة وتغلغلهم (الناعم) في جسم الجهاز السياسي الديموقراطي وبالتالي تسخيره لصالحها!
******************************
وتغول القوى الرأسمالية وتغلغلها حدث في اتجاهين بغرض فرض أجندتهم ومصالحهم الرأسمالية والتجارية بطريقة ناعمة من خلال (اللعبة الديموقراطية) ذاتها :
(1) الاتجاه الأول: تغلغلهم في المؤسسات الاعلامية الكبرى من أجل التأثير على الرأي العام وعقول ونفوس الناس في اتجاه ما يحقق مصالح هؤلاء الرأسماليين!.
(2) والاتجاه الثاني تغلغلهم في أجهزة ورجال صناعة القرار السياسي في مجلس الحكم أي السلطة التشريعية أو في أجهزة السلطة التنفيذية (الادارة) بإقامة علاقات خاصة معهم لكسب تأييدهم في اقرار قوانين تخدم مصالح القوى الرأسمالية!
وهكذا فإن الثقل الرأسمالي و(المال السياسي) يلقي بكلكله وثقله على الديموقراطية ويوجهها إلى تحقيق مصالحه!.. بل وصل الأمر أحيانًا بالقوى الرأسمالية أن تبلغ في درجة الجشع والأنانية إلى عدم مبالاتها بالحاق الضرر بصحة الناس (المستهلكين) أو سلامة البيئة (أمنا الطبيعة)!، فهم غرضهم (الربح) حيث أن الغاية عندهم تبرر الوسيلة!... وبعض الشركات الرأسمالية في سبيل تحقيق المزيد من الارباح المالية أو المحافظة على معدل أرباحها السالفة يمكن أن تتلاعب من وراء الكواليس حتى بميدان (البحوث العلمية الطبية)!!... فلو خرجتْ بعض البحوث الطبية التي تؤكد أن (الشكولاتة) مثلًا أو (اللحوم الحمراء والمقددة وخصوصًا لحم الخنزير) تلحق الضرر بصحة الانسان فستتحرك الشركات الرأسمالية التي ستتضرر من نتائج وتقارير هكذا بحوث طبية لإستخراج (بحوث طبية) أخرى مضادة تؤكد أن البحوث السابقة غير صحيحة وغير مؤكدة وأنها مجرد نظريات وفرضيات لم تثبت بشكل قطعي وتجريبي!... بل وقد تتهم هذه الشركات شركات منافسة أخرى بأنها هي وراء ذلك البحث الطبي الذي يسيء لسمعة البضاعة والسلعة التي تنتجها هذه الشركة التي تبيع الشكولاتة أو اللحوم المقددة!... وهكذا فإن القوى الرأسمالية التي لم تتورع على أن تُلقي بثقلها المالي في ميدان البحوث العلمية الطبية هل ستتورع في الدخول بقوتها المالية وأذرعتها الاعلامية إلى كواليس اللعبة الديموقراطية!؟؟
***
وهكذا فإن هذه الآفات الخمسة هي أخطر التحديات التي تواجه (الديموقراطية الليبرالية) وقد تؤدي إلى ضمورها بشكل تدريجي لصالح حُكم شمولي شعبوي مع مرور الزمن أو ربما تؤدي إذا استفحلت خصوصًا في الدول الديموقراطيىة الناشئة والنامية إلى قتلها بشكل فوري مفاجئ عن طريق ثورة شعبية شعبوية أو انقلاب عسكري!.

والسؤال هنا مع استعراض كل هذه الآفات التي تصيب النظم والتجارب الديموقراطية الليبرالية بالأمراض أو العيوب سيكون كالتالي: إذن ما هو الحل!؟
هل نتخلى عن الديموقراطية الليبرالية!؟؟ هل نجردها من الفلسفة الليبرالية ذات الطابع الانساني والفرداني ونحل محلها فلسفة جماعية ووطنية وقومية !؟؟.. هل نخلصها من الرأسمالية بشكل جذري ونقيمها على أساس شيوعي؟؟ هل نخلصها من التمثيل النيابي وحكم وسيطرة (النُخب والاحزاب السياسية) ونقيمها على أساس شعبي شعبوي جماهيري بحيث يحكم الشعب فيها نفسه بنفسه بشكل مباشر عن طريق مجالس شعبية في كل مدينة أو كل حي!؟؟
وجوابي : لا قطعًا ... فليس هذا هو المطلوب ولا هذا هو الحل العقلاني والواقعي الرشيد والمفيد!... الحل يتمثل في المحافظة على الديموقراطية الليبرالية من حيث الأساس كطريقة سياسية واقعية عقلانية للتداول السلمي للسلطة وفق ارادة جمهور الأمة مع السماح للاقلية السياسية بالمعارضة... نُبقي عليها ونعمل على اصلاحها وتهذيبها ومكافحة الآفات التي تقلل من كفاءتها وفاعليتها وجودتها أو تهدد بإفسادها وافشالها وخنقها وقتلها!... وكذلك الحال بالنسبة للرأسمالية كوجهٍ اقتصادي للفلسفة الليبرالية وكقوة طبيعية لتنشيط وتنمية الاقتصاد وبالتالي تحفيز التقدم العلمي والتقني والعمراني والحضاري، لإإنه يجب علينا المحافظة عليها من حيث الأصل وعلى نظام السوق الحرة ولكن لابد من العمل على ضبطها وتهذيبها بحيث لا تقع الرأسمالة في الشطط وتتحول إلى قوة متوحشة ومدمرة للمجتمع أو حتى لذاتها!ـ بل نهذبها ونضبطها بالقانون والأخلاق العامة والاخلاق المهنية والتجارية لكي تظل تؤدي دورها ووظيفتها كقوةٍ بنَّاءة ومُحفزة للتقدم الاقتصادي والزراعي والصناعي والتجاري والعلمي والتقني والعمراني بل والتقدم الفني والأدبي والثقافي!.... نحافظ عليها ونضبطها ونهذبها بانعاش القيم الاخلاقية العامة من جهة ومن جهة بالقوانين الصارمة والحاكمة التي تحد من تغولها وتغلغلها في المؤسسة السياسية ومحاولة السيطرة عليها إلى أن يأتي الوقت - ربما - بعد قرون عديدة ومديدة قد يصبح وجود هذه (الرأسمالية) غير ضروري حيث تستنفد اغراضها ويحل محلها اقتصاد كوني عالمي دولي انساني تديره الآلات القوية والذكية سواء في جانب الجانب التنظيمي والفني والاداري من الانتاج والتوزيع، أو في الجانب الانتاجي العملي الزراعي والصناعي ... فالآلات الفائقة المستقبلية والتي ستكون بالغة القدرة والمهارة والذكاء ستتولى أمر الاقتصاد وتحل محل القوى الرأسمالية والعمالية البشرية!.. أما في عالمنا الحالي فإن الحاجة للرأسمالية لازالت قائمةً مع ضرورة ضبطها قانونيًا وتهذيبها أخلاقيًا أي أنسنتها ومنعها من الانزلاق نحو التوحش!.
وكذلك الحال مع الفلسفة الليبرالية كأساس للديموقراطية وللرأسمالية فهي من حيث المبدأ صحيحة وهي الأقرب لحقائق الواقع وطبائع البشر لكن حالها حال أي فكرة أو عقيدة صحيحة ومفيدة بما فيها العقائد الدينية (الروحانية) قد تنزلق نحو الغلو والتطرف في لحظات عاطفية تفقد العقول اتزانها، فتؤدي إلى عكس المأمول منها... كحال تعسف المرء في استعمال حقوقه المشروعة والذي قد ينقلب إلى ظلم يلحق الضرر بالآخرين!.. فمن حيث المبدأ يحق لكل انسان أن يمارس حقوقه الفردية والشخصية وحق الملكية، فهذا عين العدل ولكن مع (العدل) لابد من (الاعتدال) أي عدم التعسف في استعمال الحقوق الفردية بحيث نلحق الضرر بالافراد الآخرين أو نلحق الضرر بالكيان الاجتماعي والوطني والقومي والسياسي للأمة ككل!... ((لا ضرر ولا ضِرار))(*) ، فالأمر يحتاج إلى موازنات عقلانية وواقعية ومعادلات ذكية ومعتدلة تحقق خير الافراد وخير الجماعة ككل وخير الجنس البشري بشكل عام!
***
وأخيرًا فلو تأملنا كل هذه الآفات التي قد تعتري الديموقراطية فتتسبب في ضعف أدائها وتدني مستواها أو اصابتها بالمرض والخلل أو حتى الشلل أو حتى تعرضها للوفاة أو القتل وحلول الديكتاتورية محلها أو حتى الدولة الجبرية الشمولية فإننا نرى أن الآفة الأولى والثانية هما السبب الرئيسي في بقية الآفات!
ومن هنا فعلى الذين يبحثون عن اقامة نظام ديموقراطي ليبرالي سليم في أي بلد، الاهتمام بمعالجة هذه الآفات والاشكاليات والتخفيف قدر الإمكان من آثارها السلبية على المسار الديموقراطي، وفي بلادنا المسلمة كما يجب علينا الحذر من الغلو الأصولي الديني كتهديد للديموقراطية وللقدر اللازم من الليبرالية فإنه يجب علينا الحذر من الغلو الراديكالي العلماني الذي يتسربل بالحداثة والذي في تقديري أنه هو أكثر ما يستفز الروح المحافظة في المجتمع مما يدفع الناس للتمترس والاحتماء بالدين بأعتباره حصنها الحصين، فلكل فعل رد فعل معاكس له في الاتجاه ومساو له في المقدار أو أزيد منه في المقدار بكثير(**)، فتستغل الجماعات الاصولية الدينية ذات الطموح السياسي السلطوي هذه الحالة الاجتماعية العامة لتتقدم باتجاه استلام زمام الحكم والسلطان في الدولة!.... لابد من العدل والاعتدال والاتزان والموازنات والتسويات والمعادلات الذكية لنجاح أي ديموقراطية وهذا يتطلب أن تتحلى النخب السياسية سواء في الحكم أو المعارضة بالقدر الكافي من الوطنية والتسامح والقدر الكافي من الواقعية والعقلانية السياسية!.. فهل النخب السياسية العربية وغير العربية الحالية في منطقتنا ومنها النخب في بلادنا ليبيا كذلك!؟؟.. هل تتحلى بالروح التسامح والوطنية والقدر الكافي من الواقعية السياسية والعقلانية!؟؟؟
******
سليم نصر الرقعي 2018
(*) حول الموازنة بين حقوق ومصالح الأفراد وحق ومصلحة الجماعة أي الأمة والمجتمع الوطني ورد في كتاب صحيح البخاري حديث عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا ".. ومفهوم هذا الحديث هو أننا حيال ((مثال حسي عملي)) ضربه النبي (محمد) لمن حوله لبيان ضرورة الموازنة حقوق الافراد وحقوق المجتمع الوطني، فالسفينة هنا بمثابة الوطن!، فالحديث تحدث عن أن هذه سفينة يشترك في ملكيتها ركابها والعاملون فيها، فلكل منهم سهم في ملكيتها، فهي ملكية بالمساهمة أي هي شركة، وهكذا الأوطان فهي في حقيقتها شركة اجتماعية اقتصادية سياسية وطنية لكل فرد فيها سهم وحق معلوم!... فهذا المقصود بالسفينة في المثال الذي ضربه النبي (محمد) لأصحابه إذ تلك السفينة على ما يبدو كان أصحابها يستخدمونها في الصيد أو النقل عبر النهر أو حتى كمقر للسكنى كلها احتمالات واردة!، وكان لبعضهم نصيبٌ في أعلاها وبعضهم نصيبٌ في أسفلها، فكان الذين في الاسفل إذا ارادوا الحصول على الماء - أو ربما حتى للتخلص من فضلاتهم بالقائها في النهر كما يفعل البحارة - فإنهم يضطرون للصعود إلى أعلى السفينة الذي يطل على النهر!، فقال بعضهم بعد فترة مقترحًا حلًا لهذه الاشكالية: "لماذا لا نثقب في الجزء السفلي الخاص بنا والذي نعيش فيه من السفينة ثقبًا نحصل منه على الماء، بدلًا من أن نصعد في كل مرة نحتاج فيها للماء إلى الاعلى ونزعج اخواننا أصحاب ذلك الجزء من السفينة!؟"... هكذا اقترح أحدهم!!.. وهنا يقول محمد : فلو وافق أصحاب الجزء العلوي على هذا المقترح وتركوا اصحاب الجزء السفلي يطبقون فكرتهم التي ظاهرها الرحمة والنبل وعدم اقلاق الآخرين، بل ولو بدعوى أن التصرف في الملكية حق مكفول لصاحبها وهو حق طبيعي وعرفي ودستوري!، فإن هذا الأمر - أي السماح لهم بتطبيق فكرتهم وخرق ثقبًا في أسفل السفينة - سينتهي إلى غرق السفينة وهلاكهم جميعًا، وأما إن منعوهم - ولو بالقوة - فإنهم سينجون جميعًا من الكارثة المحتومة التي ستحدث بسبب تنفيذ هذه الفكرة!.. ينجون جميعًا سواء سكان الجزء العلوي والجزء السفلي!!.. ففي هذه القصة التمثيلية الواردة في كتب أحاديث النبي (محمد) عبرةٌ واقرار بضرورة الموازنة بين حقوق الافراد وحقوق الجماعة ككل، فكما لا يجوز للجماعة أن تطغى على حقوق الافراد وتلغيها، فكذلك يجب على الأفراد احترام حقوق الجماعة!.. وهكذا فلكل حق حد لا يجاوز لصاحب الحق أن يتجاوزه، إذ أن تجاوز الحدود، حتى لو بدعوى ممارسة الحقوق، هو أمر يؤدي إلى الفوضى والظلم والعدوان والطغيان، وأما احترام هذه الحدود فهو - حسب فلسفة الاسلام - احترام لحدود الله، فمن يسرق حق انسان آخر يكون بمثابة من تعدى على حدود الله سواء سرق ملكية هذا الانسان أو حتى سرق جهده وعرقه!.. فكلها سرقة وعدوان وتعدي للحدود.

(**) قولهم (لكل فعل رد فعل مضاد له في الاتجاه ومساو له في المقدار) هذا ينطبق على الفيزياء فقط أما في عالم الاحياء وخصوصًا البشر فإن هذا التفسير أو القانون الطبيعي المادي قد لا يعمل بنفس الصورة والكيفية، فمثلًا رد الفعل قد يكون أقل بكثير في المقدار أو أكثر بكثير جدًا من مقدار الفعل وربما يتجاوز الرد على الصاع بصاعين إلى الصاع بمائة صاع!.. فالانسان لا يمكن التنبؤ بشكل دقيق بإتجاه وشدة ردود أفعاله !!





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,609,144,447
- تجربة سلطة الشعب في ليبيا في الميزان!؟
- تجربة عبد الناصر والقذافي الاشتراكية الشعبية، الفروق والمواف ...
- حول مشكلة غناء الفنانة (ماجدة الرومي) في المدينة المنورة !؟
- توسيع مبدأ الفصل بين السلطات يغنينا عن العلمانية!؟
- رحلتي من الأصولية إلى الليبرالية !؟
- الفرق بين المثليين والمولودين بالتباس جنسي عضوي!؟
- الإيمان ورهان باسكال!!؟؟
- سألني هل رأيت الله رأي العين حتى آمنت به؟ فأجبت!
- المثلية أم الشذوذ الجنسي؟ محاولة للفهم!؟
- تعدد الزوجات وزواج الصغيرات!. محاولة للتفسير لا للتبرير!؟
- الرجال ومرحلة فقدان خصائص الذكورة!؟
- هل ستتم إعادة الاستفتاء في بريطانيا؟ وما التداعيات؟
- ماهي الليبرالية؟ وهل تتناقض جوهريًا مع الاسلام!؟
- نظرية المؤامرة والكُتب المُؤسَّسة لها!؟؟
- لماذا فرنسا بالذات !؟؟
- حوار مع رفيقي المُلحد!؟
- الإلحاد!.. محاولة للفهم!؟
- من سيحصد ثمار حركة السترات الصفراء يا تُرى!؟؟
- هل ستتحول السترات الصفراء إلى سترات حمراء!؟
- الجزيرة. هل هي قناة اعلامية حرة ومستقلة ومحايدة!؟


المزيد.....




- نجاة سائقة وشرطيين بأعجوبة من تزحلق شاحنة
- احذر.. علاقتك السيئة مع عائلتك المقربة قد تسبب لك المرض
- العراق: -الوثائق المسربة لم تضف جديدا لما يعرفه العراقيون-
- هونغ كونغ: قوات الأمن تواصل حصارها لليوم الثالث لعشرات المحت ...
- روحاني أثناء استقباله سفير صنعاء: ندعمكم في زمن الحرب والسلم ...
- علماء يكشفون سر لياقة بعض البدناء دون غيرهم!
- الخارجية الروسية: إعلان بومبيو بشأن المستوطنات خطوة جديدة ته ...
- نساء الفيزازي وحجاب صابرين وجيل الضباع
- شاهد: الشرطة الجورجية تتصدى لمحتجين حاولوا اقتحام البرلمان
- دراسة أممية: ملايين الأطفال في العالم محرومون من الحرية والو ...


المزيد.....

- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر
- عرج الجوى / آرام كرابيت
- تأثير إعلام الفصائل على قيم المواطنة لدى الشباب الفلسطيني (د ... / هشام رمضان عبد الرحمن الجعب
- توقيعات في دفتر الثورة السودانية / د. أحمد عثمان عمر
- كَلاَمُ أَفْلاَطُونْ فِي اُلْجَمَاعِيِّةِ وَ التَغَلُّبِيِّة ... / لطفي خير الله
- الديموقراطية بين فكري سبينوزا و علال الفاسي / الفرفار العياشي
- المسار- العدد 33 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سليم نصر الرقعي - آفات الديموقراطية االخمس!؟