أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوال السعداوي - عنب لذيذ فى احتفال العام الجديد














المزيد.....

عنب لذيذ فى احتفال العام الجديد


نوال السعداوي
(Nawal El Saadawi)


الحوار المتمدن-العدد: 6102 - 2019 / 1 / 2 - 15:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



دعتنى صديقة العمر للاحتفال بالعام الجديد، 2019، فى بيتها الفاخر بالقطامية الجديدة، التى نزح إليها بعض الأثرياء الجدد، هربوا بعائلاتهم بعيدا عن فقراء إمبابة والكيت كات، وسكان المقابر تحت سفح المقطم، أصحاب البلايين، نساء ورجال البزنيس والانفتاح، يملكون المصانع المحلية وتوكيلات الشركات الأجنبية، يتحكمون فيما نأكل من خضراوات وفاكهة، أصبحت مثل جلد الأحذية، يلوثون مياه النيل بفضلات مخلفاتهم الصناعية، لنشرب الماء من الزجاجات البلاستيك، وقد نزح معهم أصحاب المهن الحرة الكبار، منهم الأطباء الأساتذة، يتحكمون فى صحتنا ومرضنا، وحياتنا وموتنا، يملكون العيادات والمستشفيات الاستثمارية، لا يمكن، لأمثالى من سكان شبرا، أن يقتربوا منها.

لم أعد أملك ثمن الكشف الطبى لنزلة برد طارئة، فما بال السرطان أو السكتة القلبية أو الجزام، لم أعد أشارك فى الاحتفالات بالسنة الجديدة أو القديمة، يسقط عيد ميلادى من ذاكرتى ، وأنسى أعياد ميلاد الأنبياء والأولياء الصالحين، تغيرت الدنيا وأصبح الصالح طالحا، وأنا تغيرت أيضا، لم تعد الأنوار تبهرني، ولا المهرجانات والجوائز، ولا الفساتين المكشوفة أو الشوارب المفتولة، لم يعد المديح يسعدني، ولا الشتائم تؤلمني، أفرح بفنجان شاى له طعم الشاى الحقيقي، وحبة عنب لها طعم العنب، أو قطعة طماطم لها طعم الطماطم، أو إنسان له طعم الإنسان، لم يعد لأى شيء فى حياتنا طعمه الحقيقي، حتى الإنسان والصداقة والحب والوفاء بالوعد.

لم أعد الفتاة الممشوقة، التى تسبح فى البحر وتصعد فوق الأمواج، أصبحت أجلس على الشط، أمد ساقى بحرص فى الماء، وأسحبها بسرعة، قبل أن تجرفنى الموجة، أمشى بحذر فوق الأرض، أتأكد من صلابتها تحت قدمي، أخشى التعثر فى طوبة، أو السقوط فى حفرة ، أو بالوعة مجاري، كنت أصحو مع شروق الشمس أغنى كالعصافير، وأطير للحب والصداقات، كان الحب يحوطني، والصداقات تغرقني، والأمل يملؤني، والطريق للسماء مفتوحا على مصراعيه أمامي.

كنت أتأمل نفسى فى المرآة، فأدرك من حيث لا أدرى أننى أذكى وأجمل البشر، النساء والرجال، على السواء، أهمس لنفسي: لم يخلق العالم الذى يستحقك يا نوال، ولا الإنسان الذى يروقك، ما هذه الثقة الطاغية فى قوة جسمى وعقلي؟ كان يمكن أن أضرب الجدار بقبضة يدى ليسقط، لا ينحنى رأسى للريح، ولا تنكسر عينى أمام الجبابرة، كانت جدتى تحملق فى النار المشتعلة فى حدقتي، وتقول لأمي: هذه البنت، لو عاشت يا زينب، فلن يهزمها شيء، انحفرت كلماتها فى عقلي، فأصبحت أتحدى الكون، دون أن يرف لى جفن.

قالت صديقتي: لماذا ترفضين دعوتى يا نوال؟ سأرسل إليك السيارة وعندى لك مفاجأة، قادرة دائما على إغرائي، رائحة الثراء والراحة، جسمى مرهق بالعمل الدائب وسوء التغذية، ونزلات الحر والبرد دون علاج، تحركت السيارة بلا صوت، كسفينة تمشى فى بحيرة ساكنة، أو تنزلق فى الهواء، عيناى تنفذان خلال الزجاج المزدوج المحكم الإغلاق، لأرى عالم الأشباح، كنت أنتمى لهذا العالم منذ لحظات، كتل البشر الواقفة أمام الشبابيك بالقضبان الحديد، الأيادى المعروقة الممدودة فى الهواء، وجوه الأطفال المتغضنة كالعجائز، أجسام النساء كالرجال داخل الجلاليب الكالحة، رءوسهن ملفوفة بالحجاب أو النقاب، مد طفل ذراعه كالعصا الخشبية ليمسح زجاج السيارة بفوطة صفراء، فانتفض السائق بحركة الأسد فى عرينه، الأنوار تزين الشوارع الواسعة على جانبيها الأشجار، الأحياء الراقية تتهادى مع النسمة الناعمة، المحال الفاخرة تتكدس بالحلوى والمشهيات، والفاكهة ولعب الأطفال والمشويات، وفساتين النساء وبدل الرجال، الزحام على الشراء والإنفاق والاستهلاك، المرأة بطفلها الرضيع ترقد فوق الرصيف، قد يدوس على قدمها حذاء جديد سعيد بالعيد.

فى الفيلا الفاخرة كانت صديقتى تتألق فى فستان يلمع تحت الأضواء، من حولها نخبة القوم، كبار الأطباء والمفكربن والأدباء والوزراء والمهن الحرة، المائدة ممدودة بكل ما تشتهيه الأنفس والموسيقى تعزف، الشباب يرقص، الشيوخ يرشفون من كئوس من البللور، تصطك فيها قطع الثلج، تتطاير الضحكات والقفشات فوق دخان السيجار والبايب. تكدس صديقتى الطعام فى صحني، والحلوى والفاكهة، أقضم بأسنانى على حبة عنب لذيذة وأسألها: من أين تشترى العنب يا صديقة؟





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,524,047,900
- الديمقراطية الرأسمالية تتهاوى فى فرنسا
- القانون والنقاب
- الأم الكبرى للعلم والفن
- وزراء الصحة وعمليات الختان
- كم من كاتبة مبدعة تحمل لقب الشيطان؟
- وزيرة الصحة وطبيبات معهد ناصر
- العاطلون والعاطلات عن العمل المنتج
- لماذا تفشل الثورات بقيادة النخب؟
- أم إبراهيم والوزيرة غادة والى
- الصراع فى مجلس النواب ومجلس العائلة
- الجينات الأنانية والكتابة
- البحث عن مأوى بالليل أم نسيم البحر؟
- قانون مدنى واحد لجميع المصريين
- قوة الفكر فى المستقبل القريب
- البحث عن فيلم سينمائى جيد
- تحرير النساء وقضية الاشتراكية
- من أجل ما نفعل؟ أو من أجل ما نكون؟
- إبداع المرأة وسجن اللاوعى
- ما يفوق العمر والأنوثة والرجولة
- السنوات المسروقة من العمر


المزيد.....




- مقتل 40 مدنيًا في هجوم على زفاف بأفغانستان وسقوط 22 من طالبا ...
- حشد واشنطن ضد طهران.. المساعي والفرص
- تونس: مقتل شرطي وجرح آخر في عملية طعن في بنزرت
- مطارد الأعاصير.. أولبنسكي يروي مغامراته بمطاردة المخاطر
- ما الصفات التي يرثها الطفل عن والدته؟
- طالبوا بولاة مدنيين.. مظاهرات الخبز تتصاعد في نيالا غربي الس ...
- لأنها للبنانيين فقط.. نبش قبر طفل سوري و-طرد- جثمانه خارج ال ...
- مصرية استنجدت بالسيسي فواجهت اتهاما بإثارة الفوضى
- طهران تعلن أن ناقلة النفط البريطانية المحتجزة يمكنها المغادر ...
- -فيفو- تكشف عن هاتفها الجديد بإمكانيات -خارقة-... فيديو


المزيد.....

- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثامنة: القطاع ... / غازي الصوراني
- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا
- حول دور البروليتاريا المنحدرة من الريف في ثقافة المدن. -3- ا ... / فلاح علوان
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- إيران والخليج ..تحديات وعقبات / سامح عسكر
- رواية " المعتزِل الرهباني " / السعيد عبدالغني
- الردة في الإسلام / حسن خليل غريب
- انواع الشخصيات السردية / د. جعفر جمعة زبون علي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوال السعداوي - عنب لذيذ فى احتفال العام الجديد