أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رولا حسينات - على الضفة الأخرى حكاية















المزيد.....

على الضفة الأخرى حكاية


رولا حسينات
(Rula Hessinat)


الحوار المتمدن-العدد: 6101 - 2019 / 1 / 1 - 06:00
المحور: الادب والفن
    



توفي جدي لأبي وأنا في العاشرة وجدي لأمي وأنا في السابعة عشر..وأما جدتي لأمي وأنا في الثلاثين..كان جدي قويا صلدا كما الصخر..عهدته بملامحه وكأنه نبت عليها منذ ألف عام ! كنت صغيرة عندما عايدته في عليته المشرفة على معظم بيادر قريتنا وكأنه نصب تذكاري..لم يكن لدي سوى الصمت وقد تقلصت على الرغم من صغري بكرسي جلدي أخضر عتيق..لم أكن لأطرق ببصري تفاصيل جدي..وهو على عرشه ونحن له ساجدين..غائضا في لحية كثة بيضاء وعينين خرزيتتن، امتثلت أصفادها إلى المثول منحنية على الجنبين..كانت يد أمي تلوح لنا والأوامر تتقافز من فمها :جدكم يمقت الصغار..ولكن أخي في نصوص ذكرياته يسرد تفاصيل ولع جده بالحديث بتفاصيل الحضارة حضارته هو، كيف حارب الأتراك..؟على الرغم من اقتياد عمي إلى سفربرلك وعودته بعد عقود زمنية أورثت فيه القسوة وبان شعره الحناوي فضيا يفيض خجلا على الجنبين، جدي كان مقاتلا شرسا لو عرفته داعش اليوم لقصفته (بالأربي جيه) فور إعلانه استقلال مملكته، هكتار من الأرض الزراعية كان يحكم قبضته عليها..يديم أيامه في بناء السناسل الحجرية (وهي مصفوفات يُستخدم فيها الحجارة المتوسطة ويُزاد في عدد المصفوفات لتأمين منعتها من الانجراف أو الإزالة).. وجدي بين كر وفر مع حامية الأتراك يغيرون نهارا يزعزعون مصفوفاته ويرشقونه بالنيران ..لكنه فطن حذر، جعل على يمينه ويساره أطنان من الحصى الصغيرة التي أغلب تصويبها بين العينين.. لقد عاش جدي صقرا لم يهن يوما ..مات وهو قديس، تلك الأمتار التي أفنى عمره يدافع عنها منحها لأيتام.. نعم، رغم أنه كان مزواجا لكنه ما انتقى جاهلات ولكنه كان يؤوي الثكالى والأرامل وأغدق عليهم بالأمتار..على الرغم مما قيل عن قسوته فهو كبير في عينيّ.. سني عمره قضاها في الحفاظ عن إرث وثقّه بالطابو العثماني..وجدي لأمي أفنى عمره بشراء الأمتار كلاهما عاش الاقطاعية من أوسع أبوابها، غير أن جدي لأمي عاشر الإنجليز أيضا.. وعمل معهم مترجما وموجها في وزارة المعارف، متنقلا كنورس بين الشواطئ الغريبة وبين دكة بيته الممتد على مئات الأمتار ليقيم مدرسة ابتدائية في قسمها السفلي..تربعت على عرش وسلطان.وقد اكتفى وعائلته بالقسم العلوي المكون من عدد قليل من الحجرات.."جدي إنجليزي" كنا نتهامس ونحن صغار.. شعره أشقر وعيناه زرقاوين وبشرته جبنة بيضاء..وطويل طويل..كان يتقن اللهجات من الجنوب إلى الشمال بل بات له العديد من الاصدقاء والأحبة في كل نواحي فلسطين..كان جدي إنجليزيا مستعربا.. هكذا كنت انصت لحكايانا البلهاء.. لكني أتقنت الانجليزية وكأني ولدت من رحم هو كذلك..لم أكن أعرف أن لي أكثر من جدة عن دون قريناتي لي ثلاث..جدتي لأبي أذكرها كتلة من السواد ما تبينها من ثوبها الأسود والشنبر والعرجة السوداء هي عند كل النساء أرض بيضاء توشحها قناديل سوداء إلاها هي، عندما صببت جل غضبي يوما بين إخوتي على بند ما قالت لي أمي غاضبة: أنت مثل جدتك مغرّقة بالعطاء، ليس بيدها قرش للغد. لقد رفعت عمامتي البيضاء حينها وقلت: ومالي بالغد وإطراحي لحرامه بزهادة وما أنا من المخلدين..وبات سرها الدفين في قلبي..كلما رأيت قرشا يتلاعب بين يدي أحترقت أناملي فأودعه عند ضعيف أو مسكين في خدره..ينتظر رحمة السماء...
لم تكمل أمي السابعة عشر حتى جابت مشارق الأرض ومغاربها، كانت البنت الوحيدة لإخوة اثنين من أم واحدة وهي جدتي، لكنها تملك بحسبها ونسبها أخوة وأخوات كثر من أم أخرى، تلك قسمتها .
حين دنوت من فراشها الأبيض وجلست وزوجي بدأت تسرد أسرارها العتيقة وهي تمج الأشجان شهوة، تضع طرف وشاحها وقد خاطته من طيف الحور العين، على فمها حياء المرأة، وإن كانت على مشارف الموت، يصابحها ويماسيها على استحياء تارة وجهارا تارة أخرى.
تبدأ أهازيجها بترنيمة المجون العائم بين شدقيها وتلك التجاعيد ما واراها غير صفق الوجه والعينين الخضراوين، وقد تقلصتا في نبع قد تخمض ماؤه" جوزي أتجوز عليّ وأنا الحنة بيديا" وتتلوى أشباح الدموع أسرابا هاربة في فضاء ليس مؤمله العودة، هي ذاتها جدتي مذ كنت صغيرة فارعة الطول تغربل شعرها عند حافة شباك بيتها العتيق، تدلك أشعة الشمس خصلاتها الذهبية وتضع قبلة على وجنتيها فتحمرا خجلا، بيضاء سكينتها.
كنت أعشق سحرها وهي تضع الكولونيا على وجهها وعنقها الندي رغم كبر سنها، لكنها كانت تمضي تسير وإياي مسير ساعات تتبضع من الطبيعة أطيابها وجنين خضرتها، زند جدتي لولبي سمين تأسره أسورة ذهبية تزيده لمعانا، كم كنت أمني النفس خلسة :"لو كان لدي ذاك الزند لكنت أجمل فتاة."
ولكنني هزيلة مطوية الكتفين، قد حط الليل غُسلتَه على جسدي وما أمتعني بنور الصباح،عندما قبضت جدتي على حفنة الخبيزة، كانت أمي مع جدي في السلط وقد نادتها النسوة عند نزلة السلالم، حينها كان الوهج يتناثر من تحت القدر العظيم وفقاعات الماء تتطاير تهتك ستر حبات القمح الذهبية المكتنزة، تتذلل أمامها رفيع الجباه.
كل ثلاثاء كانت رائحة هباله تطوي السلط وحاراتها وأدراجها العتيقة إلى ثنيّاتها القدور، وتمضي ترمقها أعين الشبان.
كان لطلاق جدتي ما يزيد عن ست عشرة سنة، فقد تلقفت جدتي خبر طلاقها من مصلحة السجل المدني، وسميت فيما بعد بدائرة الأحوال المدنية، تسربلت السماء بقوافل الشفق الأحمر المهاجرة واستحالت القمر سحابة السواد، حين كتمت الصرخة المسمومة في جسدها النضر ابنة العشرين، لكنها أدركت تحضير عشاء المرابعية عند بيت أبيها الشيخ فزاع، فالحقيقة المرة لا تطفئها الدموع بل نيران من مشاق الحياة، أطفالها الثلاث بينهم رضيعة أوت بهم إلى بيت يسترها في بعاد الزوج كثير الترحال، لم يشفع لابنة الأرياف سفور المخاوف من جدران المدينة القاسية.
عندما قفلنا راجعتين من خدر الطبيعة، بدأت جدتي تحوس الخبيزة على نار هادئة، وقد عرت رأسا نحاسيا صارخ البياض، لكن ذاك الجمال ذبح أدمعا لتسيل من مآقيها، أخذنا نتضاحك جدتي كريمة معطاءة ومدبرة مثالية للدار، كنت أسرح ناظريّ أتأمل المرطبانات الملونة في مطبخها الفضفاض بأرضيته الإسمنتية الزرقاء اللامعة.
" سلمى عندما تكبرين يا جدة كوني ست الدار."علمتني أن قشور الباذنجان لها مذاق شهي مع القطر وأن قشر البطيخ مربى أحمر كالورد الخجل، كان لجدتي كتاب في الطبخ خلدته في رأسها ودفن معها، تزوج جدي بأخرى والأخرى لا ترضى ببنت الشيخ شريك فابنة الراعي لا تحب أن تقارن بنت الشيخ، حين قدم جدي السياق لجدتي بالعصملي كان مهر الأخرى سداد دين من تبن، لم تنفعه علومه ودرايته باحتكاكه مع الإنجليز ومع حكومة الإمارة ثم حكومة الاستقلال، كل هذا ضرب به عرض الحائط ، فقد حكم الأخ الأكبر لجدي بهذا الزواج لينهيّ أسطورة الخلافات التي أكل الزمان عليها وشرب، وأسر جدتي بطلقاتها الثلاث آن أوانه وقت تصفية الحسابات، بوكالة إلى هذا الأخ غيابيا، واستبدل الثريا بالثرى!
حين استشرى المرض الخبيث في جسده لم تشفع له قدور السمن البلدي ولا حليب الأبقار ولا قطوف التمر المجندلة شيئا، كانت تلك خطيئة الزوجة الساحرة التي سرت مع دماءه حتى تعفن جسده من مفتتا جبروته بإحقاق مصيرها.
ما كان لبقاء أولادها معها أي معنى بعد أن تزوجها طاعن في السن، وعادوا والرضيعة إلى حضن الأب، وكفلتهم زوجته ذات العينين البراقة بصاع من حنان بحضرته وحفنة من أسواط بغيابه وكبروا وتألّه كل منهم بوظيفة ملكية، فقد كان المعلم ملكا بالميري.
وبقيت تلك الصبية متمسكة بتلابيب أبيها عقودا من الزمن ..
ذبالتي المنطفئة داعبتها أرياح ساكنة، فبات الليل يناكح أسرار الماضي العتيق ..وربما للحديث بقية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,475,105,840
- الخاشقجي وابن المقفع والجدل السياسي
- ملحمة الرأي الآخر
- من عرس الباقورة إلى فاجعة البحر الميت
- مناورة السبع دقائق...
- بين الاحتيال والاحتيال هناك شرفاء أبطال
- بين المحار والغنتنامو الروسي
- سلامه
- فتاة المومياء
- الكاتبة امال الفتلاوي: (حقوق الحب محفوطة للكفيل)
- هدنة مع الجان
- كيمياء الحب
- حمى البحث عن الذهب في الأردن هوس بلا حدود...
- فريق تعافي لا نهوض
- كما تكونوا...
- حكومة أميرية في الوقت الصعب.... الأردن أولاً...
- محمد صلاح في ظل الأزمة
- حواديت حواء..الكتاب الإلكتروني للفائزات في مسابقة الأديبة ال ...
- العدوان الثلاثي بين عام 56 وعام 2018
- وكانت مريم
- قارب ورقي


المزيد.....




- هل يكتب عنوان أحدث أفلام -جيمس بوند- كلمة النهاية لأشهر عميل ...
- جمعية جهنم بيروت.. التجوال الثاني للروائي راوي الحاج بالحرب ...
- الأرميتاج الروسي يعرض خدماته لترميم متحف تدمر السوري
- بهذه الأفلام ناصرت السينما الوقوف في وجه العبودية
- بالفيديو... تفاعل نسائي في حفل كاظم الساهر في أبها بالسعودية ...
- الجزائر.. مطالبات بإقالة وزيرة الثقافة على خلفية حادثة حفل س ...
- بداية متواضعة لفيلم -Viy 2-.. شركة روسية تقاضي جاكي شان وشوا ...
- قتلى ومصابون في تدافع بحفل لموسيقى الراب في الجزائر العاصمة ...
- قتلى وجرحى جراء حادث تدافع بحفل موسيقي لمغني الراب -سولكينغ- ...
- مجلس الحكومة يصادق على مشروع قانون يتعلق بالتمويل التعاوني


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رولا حسينات - على الضفة الأخرى حكاية