أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - احمد ارحموش - الأسس التشريعية الأمازيغية الضامن لمحاربة الفساد والإستبداد















المزيد.....


الأسس التشريعية الأمازيغية الضامن لمحاربة الفساد والإستبداد


احمد ارحموش

الحوار المتمدن-العدد: 6100 - 2018 / 12 / 31 - 01:18
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


الأسس التشريعية الأمازيغية الضامن لمحاربة الفساد والإستبداد
من إعداد : أحمد ارحموش
مقدمــــــــــة:
استقطبت التشريعات الأمازيغية في القرن الماضي اهتماما اكاديميا وسياسيا عند بعض الباحثين الأجانب والمغاربة، واعتبرت في العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرون من جهة أخرى من بين القضايا الآنية التي أثارت عدة نقاشات سواء فكرية أو سياسية، تروم في شق كبير منها ملحاحيةالإعتراف السياسي والدستوري بالموروث القانونيالأمازيغي وبالنتيجة حمايته والنهوض به، عبر إعمالجوانبه المشرقة.
وقد أسست الخلفية الفلسفية لهذه الغاية المتوخاة على عناصر تاريخية وواقعية في نفس الوقت ومنها:
1- كون الحضارة الأمازيغية طيلة القرون العشرة الأخيرة، بمنطقتي جنوب المغرب ووسطه تزخر بتجارب هامة جدا في مجال صياغة ووضع القانون الذي كانت الساكنة في حاجة إليه،
2- كون الموروث التشريعي الأمازيغي، كان رافعة لبناء مؤسسات متينة ومرنة، تبنى من الأسفل للأعلى، وهو ما يجعلها في موقع متميز يخول لها الإشراف على وضع الأسس النظرية والعملية للتشريع، وتعديله او نسخه او تغييره وذلك تبعا لتطور أساليب عيش الساكنة ومستلزمات أمنها وسلامتها. و قد ساهمت سلاسة المساطر المعتمدة لوضع النص القانوني، في تطوير المدونات تبعا لتطور الحاجة وتطور الإنسان.
ويلاحظ تبعا لذلك في هذا المجال، تبني "المشرع" لتشريعات، أعطت للقانون الوضعي الأمازيغي عناصر قوة لضمان ديمومته، حيث كرس في شق منه لقيام ما نسميه الآن ب"دولة الحق والقانون". دولة تستمد شرعيتها ومشروعيتها من الشعب واليه، وهو ما يستخلص من مدونات كثيرة ومنها مدونة ألواح كزولة، وتعقدين بآيت عطا، وزيان حيث خول اقتراح وضع القانون لما يسمى ب « ءينفلاس» "جمع إنفلاس " الذي يتولى أمر القبيلة أو القبائل في مجال اقتراح او وضع القوانين . كما يتولى النيابة عن القبيلة وعن كل فصيل منها "إيخس" في حضوره لاجتماعات باقي « ءينفلاس» الذي ينعقد في تجمع عام الذي هو بمثابة جهاز ( تشريعي). وكثيرا ما يكون الترشيح لمجلس « ءينفلاس» أحيانا بمبادرة من قبل السكان وليس بالترشح الإرادي الفردي. كما قد تضطر الجماعة أحيانا أخرى إلى إجبار أحد أفرادها لتمثيلها نظرا لإشعاعه وللقيم التي عرفت عنه كالاستقامة والجدية و الشفافية.
لكن وبالمقابل، وفي ظل ما تعرفه اليوم حياتنا السياسية والتشريعية من تراجعات، على مستوى قيم الديمقراطية والتعدد والتنوع و العدل والمساواة وسواسية المواطنين والمواطنات أمام القانون...، ليحل محلها نقيضها، المكرس للكراهية واللاتسامح والعنصرية، وفي ظل استمرار إشعاع بعض الرؤى التي لا ترى في قيمنا الأصيلة إلا نقيضها، فإن السؤال الذي لا زال حاضرا يتطلب المزيد من النقاش العمومي هو:ما هي الأسس التشريعية للقانون الأمازيغي المكرسة لإستراتيجية بناء الدولة الحديثة، دولة الحق والقانون،؟ وكيف ساهم هذا التشريع في بناء التوازنات بين العدالة الاجتماعية والأمن العام؟.
جوابا على هذه الأسئلة سأحاول ان اتناول الموضوع في محورين:
المحور الأول :آليات تدبير الشأن العام ومبدأ فصل السلط، "الشعب مصدر السلطة"
لاشك في أن أي ديمقراطية محلية تستلزم بالضرورة مشاركة جميع المواطنين مشاركة حقيقية في العمليات السياسية التي تجري في جماعاتهم، والمشاركة في القرارات التي تؤثر في حياتهم. كما أنه لاشك أيضا في أن أي تنظيم قانوني كبنية فوقية لأي مجتمع، ناتج بالضرورة عن طبيعة علاقة الإنتاج السائدة، ولا بد ان يكون في جميع الأحوال صورة واضحة للحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية السائدة. ويمكن استخلاص ذلك من أن أول ما يمكن ملاحظته ببعض القوانين الأمازيغية هو كون تحرير "اللوح" أو "تعقدين" أو "أزرف" أو غيرها من التسميات، يتم كما سنرى تحت إشراف سكان أو أعضاء الجماعة. و ذلك مباشرة في اجتماع عام، ينعقد إما في مدرسة القبيلة أو في الموسم أو في الأسواق الأسبوعية التي يحضرها سكان القبيلة أو الجماعة بعد الإعلان عن ذلك بواسطة ما يسمى "بالبراح". والغاية من هذا التجمع، هو وضع القانون أو تجديده أو تعديله أو إضافة فصول أخرى استدعتها الضرورة و متطلبات تطور المجتمع. ويلاحظ أن ما يزكي هذا القول، هو من جهة، أن مجمل القوانين تذيل بأسماء ممثلي "إنفلاس" الأسرة أو الدواوير المنتدبة لتمثيلها لدى مؤسسات الجماعة1، ومن جهة أخرى أن معظم المدونات القانونية الوضعية الأمازيغية، تبدأ بديباجة تعتمد صيغة "اتفقت الجماعة"، أو "اتفقت القبيلة" الفلانية، أو "اتفقت عامة جماعة". ويتم التنصيص والتأكيد على أن جميع بنود المدونات قابلة للتغيير أو الإضافة حسب التحولات الحاصلة في المجتمع، وهو ما أكدت عليه كمثال المادة 50 من "تعقدين" (آيتخباش) بكونفدرالية آيت عطا، التي تحتوي على 50 فصلا ومن بين ما جاء فيها " إذا رأى ضرورة تعديل بعض الأحكام أو إضافة أخرى جديدة بإمكانهم القيام بذلك"، لكن شريطة حضور نائبين عن كل "إخس" ويعني "عظم"، قصد التدارس أو الإضافة والاتفاق على التعديلات .
وتلعب الأسرة والدوار، كبنيات هيكلية تحتية بمندوبيها دورا محوريا في مجمل المؤسسات المكلفة بتدبير الشأن العام. فهي من يتولى تعيين من هو أهل لتمثيلها بالجماعة، وهي في نفس الوقت من يتولى وضع التشريع. ويلاحظ في هذا السياق أن مجمل النصوص القانونية سـواء منها المنظمة لمنطقـة كزوالـة أو زمور أو زيان أو آيت عطا أو آيتباعمران كلها تبدأ بجملة" اتفقت الجماعة"، أو "هذه شروط أهل ..... اتفقوا على ......"، أو " هذا ما كانوا في قبيلة أهل ......." " وهذا ما كانوا يفاصل في آيت ......"، أو " اتفقت عامة جماعة بني أو آيت ...." .
ويظهر أن الصيغ التي يتم اعتمادها للوصول الى الاتفاق الواردة بهذه النصوص كنماذج تعكس قوتها، وتستمد شرعيتها ومشروعيتها من الامتداد الشعبي لمندوبي أو ممثلي الأسر والدواوير بالجماعة "إنفلاس" . فلهؤلاء مسؤوليتان: الأولى في علاقة بالجماعة المنتخبة، والثانية في علاقتهم بمن انتخبهم. فالناخب يعي انه يَصْعُبُ أويستحيلُ نقض ما يوافق عليه مندوبهما أو ممثلهما.
ويبدو أن اعتماد نظام التعيين للممثل أو للمندوب بدل نظام الترشيح يعتبر عنصر قوة، كما أن عملية التعيين من قبل الاسر والدواوير (في حالة التمثيلية على مستوى الجماعة) او من قبل أعضاء الجماعة( في حالة التمثيلية على مستوى الكونفدرالية) تتطلب وقتاً طويلا حتى توافق الهيئة الناخبة على الشخص المناسب لتولي مهام الانتداب. ويعتبر معيارا النزاهة والمصداقية عنصرين حاسمين في اختيار الشخص الذي سيتم انتدابه بالانتخاب وبالإجماع، في حين يلاحظ في حالات أخرى أن الشخص المختار قد يكون من بين أفراد القبيلة الأكثر إشعاعا.
يتضح من خلال أنظمة الإنتداب المعتمدة أن انتخاب المكلفين بتدبير الشأن العام يتم من خلال مرحلة واحدة وذلك بشكل مباشر. أما المسؤوليات الأخرى على مستوى الجماعة او على مستوى الكونفدرالية فإنه يتم إعتمادا على نظام الانتخابات غير المباشرة، وهو مسألة طبيعية بالنظر الى المعمول به سواء في الدول ذات الأنظمة الرئاسية أو الأنظمة البرلمانية.
فأعضاء الجماعة أو القبيلة (الكتلة)، تعلم أن ممثلها المنتخب له عدة مسؤوليات، وتراهن على ان يلعب دوره في ضمان أمن وسلامة منخبيه. وتعلم أيضا انه يتمتع بصلاحيات سياسية وأمنية كبيرة، خصوصا اذا ما تم انتخابه من قبل الجماعة، لتمثيلها في إطار الكونفيدرالية. وفي هذه الحالة فإنه يمكنه الالتزام باسم الجماعة أولا، وباسم القبيلة وأعضائها ثانيا، بعقد الهناء "الصلح" مع الأجانب، بما فيه المسؤوليات على مستوى السلط المركزية. ويمكن ملاحظة ذلك مثلا، فيما جاء بلوح في شأن كيفية تفصيل الهناء( الصلح) بين قبائل آيتباعمران والمخزن. ويشمل هذا الهناء حسب اللوح كافة قبائل آيتباعمران، ماعدا أهل الساحل الذين هم في المنطقة "الرنسوية". وبمقتضى هذا "اللوح" " تلتزم قبائل آيتباعمران - وهي في المنطقة الاسبانية أيام الاستعمار الإسباني -جنوب المغرب- بتجهيز الهناء والصلح في جميع الأحوال فيما بينها وبين المخزن، والمصارفة معه بالاحسان، كما تلتزم بأن تخرج من بلادها جميع القبائل التي هي عاصية للمخزن، خصوصا أيتحربيلوآيتخباش ويمنعونها من السكن في بلادها".
وبالمقابل يلتزم المخزن بان لايدخل ايت باعمران - التي هي بدورها منطقة تابعة لنفود الاستعمار الاسباني، - كما اتفق الطرفان - أي ممثل قبائل ايت باعمران والسلطات المركزية الفرنسية- بالسماح لايت باعمران بالمرور في منطقته، ويتسوقون أسواقها.
يتضح مما سبق أن نظام الإنتداب المعتمد في انتخاب ممثلي السكان على مستوى الجماعة، أو ممثلي الجماعات بمؤسسات محلية او مؤسسات جهوية (كونفدرالية)، يتطابق في شق كبير منه مع ما بعض ما تنص عليه وتستدعيه معايير ضمان حق المشاركة في الحياة السياسية المقررة بالمادة الأولى من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، التي تؤكد وتدعو الدول الى ضرورة العمل على احترام حرية الشعوب وضمان مشاركتها في الحياة العامة السياسية منها والإقتصاديةوالإجتماعية والثقافية عبر اعتماد أنظمة انتخابية مباشرة تمكن من التداول على السلطة.
المحور الثاني : بناء التوازنات بين العدالة الاجتماعية والأمن العام.
من الطبيعي القول بان المصلحة العامة والأمن العام قد يتصادمان في بعض الحالات مع ما تستدعيه الضرورة من حتمية إقرار آليات لضمان قيم العدالة الإجتماعية، كما يمكن في نفس الوقت أن تتعارض أحيانا أخرى المصلحة العامة مع المصالح الفردية لمكونات الجماعة والقبيلة. لذلك إضطرت بعض المجتمعات البشرية الى العمل على نهج أسلوب توافقي لخلق من جهة، نوع من التوازن بين المصلحتين، ومن جهة أخرى، لتفادي أي اضطراب محتمل في استقرارها. ذلك ما لمسناه من خلال المدونات القانونية موضوع هذا البحث.
فالتعارض الذي يصل أحيانا إلى حد التناقض بين المصلحة العامة والمصلحة الفردية، وبين الأمن العام والأمن الخاص، يستمد شرعيته في نظري، من تضحية الجماعة بالمصلحة الفردية لفائدة المصلحة العامة، ضمانا للتوازنات المطلوبة لإحقاق العدالة الإجتماعية، وقد بينت سابقا بعض تجليات ذلك عند تناولي لكيفية تنظيم المجتمعات الأمازيغية لمسألة ملكية الأراضي والحق في الإنتفاع والحقوق الفردية وبالأخص الحق في المعتقد. ويرجع سبب ذلك في نظري بالأساس إلى العلاقة الناظمة بين مكونات الجماعة، باعتبارها علاقة أساسها الملكية الجماعية لأهم وسائل الإنتاج (الأراضي الزراعية والموارد المائية والمجال الرعوي)، في إطار اقتصاد يعتمد بشكل واضح ما يشبه نظام التأميم الحالي (المعروف في عصرنا الراهن)، كوسيلة لتجاوز المشاكل والعقبات الطبيعية التي تلازم النشاط الفلاحي عادة. وقد ساهم هذا النوع من التنظيم من جهة، في منع وجود الحوافز المؤدية الى الطموح الفردي والرقي الاجتماعي، ومن جهة أخرى، في سيادة ثقافة مفادها ارتهان وجود الفرد بوجود الجماعة. فمن خلال سيادة هذه الثقافة، يدرك الأفراد أهمية الجماعة، وبالتالي يدركون أهمية المصلحة العامة والأمن العام، في إطار احترام مبدأ المساواة كمعيار من معايير العدالة الاجتماعية التي يسهر عليها الجهاز الحاكم والذي يستهدف خدمة مصالح الجماعة.
و يمكن الاستدلال في هذا السياق مثلا بما جاء بالمادة 54 من "أزرف قصر طاوز"( انظر الملحق 17 )، الذي جاء فيه ما معناه: " إن كل من يتوصل باستدعاء لحضور الجمعية العامة للجماعة، وتخلف عن ذلك بدون سبب، فانه يغرم بغرامة قدرها مثقال واحد".
وضمانا للتوازنات المذكورة وسريان مفعول مبدأ المصلحة العامة، فقد أبدعت الجماعات والقبائل أنظمة قانونية مختلفة منها:
- نظام "رنصاف"(ransaf) وهو تعاقد على تنظيمالأشغال الفلاحية، عبر الامتناع عن القيام بأي عمل مثل:جني الزيتون و اللوز أو الحصاد، الى أن تعلن الجماعة رسميا انتهاء مدة هذا المنع. وهو نظام لازال ساري المفعول وعايناه جنوب المغرب وبالأخص بجماعة تنالت عمالة اشتوكاآيت باها، وكذلك بآيتوادريموإداوكنظيف بنفس العمالة خلال الموسم الفلاحي يناير 2009. ويسمى هذا النظام عندهم بنظام" تافكورت" كنظام قديم متوارث يتم بموجبه تشكيل خلية للرقابة تتكون من ممثلي القبائل المشكلة للجماعة، ويتولون بمقتضى هذا النظام بحراسة ومراقبة الأراضي المزروعة التي طالها المنع" ءيكاليونكدلنين"، وعادة ما يشمل هذا المنع الأراضي المغروسة بالمزروعات الفلاحية الموسمية في فترة نموها ونضجها، عبر تحريم أي إعتداء أو إختراق أو جني لمنتوجها من قبل السكان، بمن فيهم من له الحق في الانتفاع. وقد أقرت بعض المدونات الأمازيغية عقوبات مالية في حق كل من ضبط في حالة تلبس، وهو يقوم بجني الثمار او إفسادها أو قطعها. وخول للخلية المذكورة أن تقرر في الغرامة التي يجب الحكم بها على مرتكب الفعل اذا كان راشدا، وفي حالة ما إذا كان قاصرا فإن على ولي أمره أداء هذه الغرامة، أما إذا كان يتيما فإن أهل الدوار هم من يتولى جمع مساهماتهم لأدائها.
- نظام "أذوار"Adwar) ) وهو نظام للتآزر والتضامن الجماعي، يقتضي تبادلالدواب يوميا بالتناوب أثناء الحرث، وخصوصا عند الفلاحين الفقراء الذين لا يتوفرونعلى زوج من الحمير أو البغال للحرث أو للدرس.
- نظام" أكشوظ"(Akchudd) وهو نظام يروم ضمان المساواة لتفادي كل ما من شأنه أن يعرقل العلاقات الطبيعية بين الافراد، وهو ما يعرفبالقرعة للفصل في القضايا بصفة عادلة دون إنحياز لطرف أو لآخر، عبر الاحتكام طبعا إلى نتائج القرعة.
- نظام "أنقار" (anqar) ويسمى في جنوب المغرب ب "ءاسينفل-asinfel -" وهو نظام لتبادل القطعالأرضية لوجود مصالح مشتركة بين المتبادلين، من أجل الاقتراب من مكان الإقامة أو من أجل البناء أو من أجل منافع أخرى. والغاية منه هو خلق آليات التعاون بين أعضاء الجماعة ضمانا لتماسكهم في إطار وحدة متضامنة.
- نظام ثويزا (thwiza) أو " تيويزيtiwizi -"و هو التعاونوالعمل المشترك بالتناوب يوميا بين واحد أو أكثر من الفلاحين أو غيرهم، وذلك لإنجاز الحرث أوالحصاد أو جمع مختلف أنواع الغللالفلاحية مثل الزيتون واللوز. و قد تكون"ثويزا" في البناء أو في شق الطرق أو في إصلاحمنابع و سواقي الماء. ويعتبر نظام "تويزة- تيويزي" عملا جماعيا، الهدف منه مؤازرة المحتاج، وتضافر الجهود لإنجاز عمل ما بين أفراد القبيلة أو الجماعة .
ويبدو أن إعتماد الجماعات لهذه الأنظمة الواردة على سبيل المثال أعلاه، كان ضرورة حتمية، مردها كما سبق وأن رأينا، العلاقة الناظمة بين مكونات الجماعة، باعتبارها علاقة أساسها الملكية الجماعية لأهم وسائل الإنتاج ( الأراضي الزراعية و الموارد المائية و المجال الرعوي). وقد مكنها ذلك من ضمان حق الانتفاع و بقاء تلاحم القبيلة و الجماعة ومنع تعرض الملكية الجماعية للأراضي للتصرف ووقف أي جنوح لبيع العقارات للأجانب.
وقد استمر العمل بهذه العلاقة التي أساسها الملكية الجماعية لأهم وسائل الإنتاج في المجتمعات الأمازيغية الى حين دخول الاستعمار الفرنسي للمغرب، وهيمنته على مجمل هذه الوسائل، و نزعه للأراضي من السكان الأصليين، حيث قام بوضع قانون جديد منظم لما يسمى بأراضي (الجموع) بمقتضى القانون المؤرخ في 27 أبريل 1919، والذي قضى في فصله الثالث بوضع هذه الأراضي (السلالية أو الجموع ) تحت وصاية السلطة المركزية، وتركت للمالكين فقط إمكانية الانتفاع والاستغلال بشروط .
ويمكن لأي متتبع للمسار القانوني المغربي في هذا المجال أن يلاحظ ان القانون الوضعي الأمازيغي، وعلى خلاف ما جاء به القانون المؤرخ في 27 ابريل 1919، كان حريصا على تبني مقاربة اجتماعية متوازنة بين مبدأ المصلحة العامة للجماعة والقبيلة وبين الحقوق الخاصة. ويمكن أن نلمس ذلك على سبيل المثال فيما جاء بالفصل 60 من المدونة العقارية لكونفدرالية آيت عطا، والتي نصت على ما يلي" من باع حقلا أو أرضا لأجنبي عن الجماعة أو القبيلة (آيتاونبكي)، يعتبر بيعه لاغيا ويؤدي غرامة قدرها 50 "مثقال"، وبيع المنفعة والإستغلاللايسري مفعوله إلا بين أعضاء الجماعة أو ابنائها وسلالاتها".
وبالنسبة لقانون كونفدرالية زمور فيمكن أن نقتبس منه، في علاقة بالأمن العام والمصلحة العامة، ما يتعلق بأسلوب معالجة جرائم القتل والضرب والجرح، لما لها من أثر على الإستقرار والسلم والأمن العام. وقد تناول هذا القانون حالة القتل العمد، حيث يلاحظ في المجال المتعلق بالجزاءات الجنائية، أن مرتكبها يعاقب إما بالتعويض، وإعلان المتهم للندم، لكن شريطة قبول أسرة الضحية بذلك وفي حالة رفضها لهذا الخيار، فإن مرتكب الجريمة يعاقب بالتغريب "أزواك" لمدة سنة أو سنتين، وذلك حسب عمر الضحية ومستوى تأثر أسرته بموته. وعموما فإن أسرة المتهم هي من تتولى أداء الغرامة والتعويض لفائدة الجماعة ولفائدة ذوي الحقوق في نفس الوقت، وهو نفس المنحى الذي سارت فيه تقريبا المادة 21 من ازرف نتمگيسن،
أما في قضايا الضرب والجرح، الذي يخلف مثلا عاهة مستديمة كعدم القدرة على العمل مستقبلا، ويمنع الجماعة من الإنتفاع بمجهودات الضحية، فإن المتهم يؤدي "الديت" (غرامة) تقدر بنصف تلك التي يؤديها مرتكب جريمة القتل، أما إذا نتج عنه عجز قابل للشفاء فان المتهم يحكم عليه بالتكفل بمعاش الضحية إلى حين شفائه .
وتزخر القوانين الوضعية بعدة ضوابط ومقتضيات قانونية تنظم مجمل المجالات ذات الصلة بمحور هذا الفرع، حيث نصت على عقوبات في مختلف الجرائم الممكن ارتكابها، حفاظا على الاستقرار وعلى الأمن والطمأنينة. وفي هذا السياق، فقد جاء في دستور قبيلة ماست بجنوب المغرب: " إن من فعل شيئا، من سرق أو هجم على حرمات ال ماست .......... ومرابطهم وسوقهم .... فعليه خمسون مثقالات، وطرقات سوقهم يوم الاثنين والاربعاء ...".
كما جاء في نفس الدستور أيضا : " إن من اطلع الزناد في السوق فعليه عشرة مثاقيل أنصافه ومن ضرب بالمكحولة ..... فعليه خمسون مثقالا وعليه مبائة القبيلة ومن ضرب بالحجارة في السوق وسمع به فعليه عشرة مثاقيل .....".
يبدوا من خلال ما ذكر في هذا الفرع، أن أبسط الأشياء التي يمكن أن نتصورها في عالمنا اليوم، محاطة بقيود زجرية تلاحق الفاعل بقوة الجماعة والتحامها، من دون أن تكون هذه الأخيرة في حاجة إلى اعتماد أنظمة الشرطة القضائية أو الإدارية المعمول بها حاليا.
فالعديد من مقتضيات ألواح كزولة، أو مدونة آيت عطا الجنائية، أو دستور ماست وغيرها من المدونات موضوع البحث، تعاقب على أي مساس بالأمن أو الاستقرار الأمني والسياسي للقبائل والجماعات، ضمانا للعدالة الاجتماعية التي يمكن أن تتوتر بمجرد قيام أي إخلال ما بهذه المجالات، كما أن القضايا التي لا يجوز أن تكون فيها الأسرة الواحدة أو الدوار الواحد مسؤولا لوحده عنها، فإنها تلقى على عاتق الجماعة أو القبيلة، فالضيوف مثلا تتحمل أعباءهم مؤسسة الجماعة، والتناوب عن الحراسة يكون بالتناوب بين الرجال أعضاء القبيلة.
وهكذا يتضح مما سبق، الأهمية التي أولاها واضعو القوانين الوضعية الأمازيغية لموضوع الأمن العام ومبدأ المصلحة العامة، والتي يمليها أسلوب تشكل الجماعة أو القبيلة الأمازيغية، إضافة إلى ما تستدعيه الظروف الطبيعية من شروط خاصة تتطلب الحيطة والحذر تفاديا من جهة، لوقوع أزمات تخص الأمن والسلم والاستقرار إما في حالات الجفاف أو في حالات شبيهة، ومن جهة أخرى، من أجل توفير شروط رد الفعل السريع ضد كل خطر داهم محتمل.
وهذا الهدف، هو نفسه الذي يدل عليه اسم " ءازرف" حسب ما أورده الكاتب" دوفوكو" في معجمه، من أنه " يعني تقوية بئر من الداخل بالاحجار أو الخشب ، ويسمى بالتقوية من الداخل". و يتقرر تقوية هذا الداخل عبر تشكيل أحلاف مع جماعات أخرى أو قبائل اخرى، كلما كان هناك إحساس بما يهدد التآزر والتضامن الحاصل بين الجماعات والقبائل،
خلاصات:
ويسجل العديد من المتتبعين لمسارات الحياة الثقافية المغربية، انه بالرغم مما تزخر به هذه التشريعات من قيم حضارية وحداثية، فإن مسلسل التهميش القائم حاليا مرده عدة أسباب. أهمها الاندثار والانمحاء الناتج عن عملية الاقتلاع و التثاقف الإجباري، وتدخل الدولة المركزية لوحدها بشكل لم يسبق له مثيل في إنتاج القوانين، والتحكم في الآلة التشريعية إسوة بجاذبية النموذج اليعقوبي، المؤسس على ضرورة بناء سلطة مركزية تتحكم في القانون" .
وقد ساهمت الفلسفة التي اسس عليه التشريع الأمازيغي في نبذ كل ما يمكن أن يمس بحق المشاركة في تسيير الشؤون العامة، عبر ضمان، من جهة، حق الترشح أو الترشيح لتحمل المسؤوليات بالأجهزة النيابية في حدود دورات محددة، وحق التناوب على الرئاسة، ومن جهة أخرى ضمان حق أعضاء الجماعات المنتخبين، في انتخاب أعضاء سلطة الكونفدرالية واختيار رئيس الاتحاد/ الحلف « TADA » "امغار نوفلا".
وهنا في نظري، يبرز دور القانون الأمازيغي، وما يمثله في الثقافة المغربية الأصيلة كما وحجما، كان الغرض منه، وكباقي المقتضيات القانونية في جميع المجتمعات الحديثة، السعي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية و سد الفراغات التي يمكن ان تتسرب منه مؤشرات الإستبداد والفساد.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,363,761,836
- الأسس التشريعية الأمازيغية الضامن لمحاربة الفساد والإستبداد


المزيد.....




- الأوروبيون يصوتون لانتخاب برلمانهم وسط توقع صعود الأحزاب الم ...
- واشنطن تجد من يحفظ ماء وجهها في فنزويلا
- نصيحة أمريكية للصين بشأن التيبت
- هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مرابض طائرات حربية في السعودية
- فرنسا تنتخب ممثليها في البرلمان الأوروبي اليوم
- أغلى المدن للقاءات الرومانسية
- حفتر: ما تحدث عنه سلامة ويريده خصومنا لن يحدث ما دمت حيا
- لبنان يقبل وساطة واشنطن في ترسيم الحدود مع إسرائيل بشروطه
- ترامب وآبي يلعبان الغولف
- نواب إيرانيون يطالبون خامنئي بإجراءات ضد -إساءة- التلفزيون ل ...


المزيد.....

- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل / هشام حتاته
- اللسانيات التوليدية من النموذج ما قبل المعيار إلى البرنامج ا ... / مصطفى غلفان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - احمد ارحموش - الأسس التشريعية الأمازيغية الضامن لمحاربة الفساد والإستبداد