أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - منير المجيد - القطط وأنا









المزيد.....

القطط وأنا


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 6099 - 2018 / 12 / 30 - 13:16
المحور: كتابات ساخرة
    


كنّا، صديقي وأنا، نحتسي الشاي، في أمسية قامشلاوية ماطرة، منتصف شهر فبراير وفي مطلع السبيعينات. المدفأة كانت ترسل نوراً أصفر مهتزاً واضحاً بالرغم من هباب الكربون الذي كان يُغطي معظم النافذة الزجاجية الصغيرة من الداخل.
قطّة صديقي كانت تحوم حولنا، وتتوّقف كل مرّة تسمع نداء قطّط وأصواتاً تشبه النحيب في هذه الفترة من السنة.
فجأة، جلست على بطنها ورفعت مؤخرتها في الهواء وهي تتغنج وتتلوى.
التقط صديقي عود ثقاب غير مستعمل، وبهدوء أدخله فيها من الخلف، فصارت تتغنّج أكثر وتخرخر.
بورنو قطة وبني آدم.
«تريدها عدّة مرات في اليوم». قال صديقي وهو يبتسم.
الرجل مولع بقطته، وهو، ببساطة شديدة، يمنعها من الخروج خارج غرفته لسببين، الأول أنه يغار عليها من قطط الحارة، والثاني أنه لا يريد لها أن تفرخ.

تفاصيل هذه القصة العجيبة، من عالم القطط وأصحابهم من فصيلتنا، ماتزال ماثلة في ذاكرتي، فكيف أنساها، وأنا الذي كان عندي دائماً قطة في فترة طفولتي وشبابي.
لم أكن أغار على قطتي، كما صديقي، بقدر ماكان يزعجني ما تتعرّض له من مشاقٍ على أسطح بيوتنا والجدران التي تفصلنا عن بقية الجيران، حينما يتبادل عليها قطط الحيّ واحداً تلو الآخر، مُصدرين أصواتاً مخيفة أحياناً.
موسم الجماع قد يستمّر لمدة أسبوعين، تعود بعدها قطتي نحيلة منهكة جائعة ومُغطّاة بالأطيان.
حسناً، كنت أشتمها أحياناً وأنعتها بالقحبة، حينما أراها في تلك الحالة المزرية.

حدث في أحد المواسم، وكان قطّ جيراني بطلها الرئيسي. القط ضخم الجثة، عديم الفروة في بعض المناطق، وخاصة رأسه، وبعين واحدة، كل ذلك بسبب أحجار الأطفال التي قصفته طيلة حياته القططية. حاول التودّد إلى قطتي ضمن مجموعة من ثلاثة ذكور، فكانت تحيد عنه. أحياناً كان يتعارك بعنف وصراخ مع القطّين الآخرين فيفرّان. قطتي كانت معجبة بواحد من هؤلاء لم أره قبل الآن. على الأرجح شاب على وشك خوض تجربته الجنسية الأولى.
في أحد الأيام، رأيت مشهداً آخر من عالم القطط، لا يمكن نسيانه. على الجدار الفاصل بين بيتنا وبيت الجيران رأيت القط الكبير الأعور يمتطي الذكر الشاب، بينما قطتي جلست تراقبهما على مقربة. القطّ الثالث لم يكن موجوداً لسبب ما لا يعرفه سوى القطط. في الأيام التالية انفرد الملوط به بقطتي، ولم يعجبني حينها أنها ستلد من مثليّ.
القطط أيضاً تتلاوط. يا له من عالم، عالم الحيوان!

كنّا أيضاً، بعد أن تفطم القطة فراخها ولا تريد التعامل معهم، نحبسهم في شوالٍ، وهم ينتفضون بعصبية، ونذهب إلى سوق الخضار واللحوم، ونطلق سراحهم هناك. لطالما أبكاني المشهد، فأنا، علاوة على أنني كنت قد تعلّقت بهم وأعتني بإزالة البراغيث من فروهم، كنت أخاف على مصيرهم في السوق المليئة بقطط هائمة وكلاب متوحشة. إلّا أن هذا الحل كان الأنسب في كل الأحوال. عائلتي لم توافق أبداً على إحتفاظي بأكثر من قطة واحدة، ورمي هؤلاء الفراخ في الشارع سيُعرّضهم إلى موت بائس وعذاب أليم على أيدى أطفال الحارة.

في الدانمارك اختلف علي عالم القطط تماماً.
الكلاب هم المُفضلون، وأنا لا أحبذهم. تماماً مثل الذي يستعمل نظام أپل ولا يستطيع أبداً إستعمال أنظمة ويندوز أو غيرها، فالذي يحب القطط لا يُريد الكلاب. والذين يُبقون كليهما يُعدّون أقلّية.
تروقني القطط لأنها تفخر بكرامتها واستقلاليتها. تأتي إليك حينما تشاء وليس لأنك تريد. تنتظر منك أن تُقدّم لها الأكل، لأنك تقوم بواجبك تجاهها. وهي تهتم بنظافتها الشخصية وما حولها، فمثلاً، حينما تتغوّط تحرص على تغطية مخلفاتها بالتراب، وداخل البيوت لديهم تواليتهم الخاص المكّون من صفيحة مليئة بالرمل. لاحظت أيضاً أن هناك عشرات الفيديوهات على اليوتيوب عن قطط تجلس على كرسي التواليت وتقضي حاجتها.
الكلب، بالمُقابل، يتودّد ويتمسّح بطريقة مُهينة تفتقد إلى الكرامة. يضرط كثيراً ولا يعتني بنظافته الشخصية، لأنه يتغوّط حال خروجه ويترك قذارته ويمضي. يحتاج إلى دراية وعناية، لأنك ستضطر إلى المشي معه، على الأقل مرتين في اليوم، بالإضافة إلى أنهم يُصابون كثيراً بشتى أنواع السرطان والروماتيزم.
ويجب أن لا أنسى أيضاً، أنك حينما تشْتم أحداً تقول له يا كلب، وليس يا قط، وحينما تقابل فتاة جميلة دلّوعة وشقيّة، تقول لها ياقطّة.

لدى جيراني، في قريتي هنا، كلاب وقطط. في البداية كانت الكلاب تنبح وتنظر إلي بغضب كلبي. هي تعوّدت على وجودي الآن وتتركني بحالي. بينما، حتى الآن، تعرّفت على ثلاث قطط. الأولى بيضاء وعليها بقع صغيرة برتقالية، تأتي دوماً حين أعمل في الحديقة، تُقرفص، تاركة مسافة جيدة بيني وبينها، وتراقبني. حاولت عدة مرّات الإقتراب منها، لكنها تتراجع. الثانية سوداء بالكامل لا تريد التعامل معي على الإطلاق. الثالثة، لا، الثالث، ذكر فخم الفرو ألوانه عديدة يغلب عليها البنيّ، كبير الحجم، جسمه ممتلئ دون أن يكون بديناً، وهو شديد الوسامة، عيونه خضراء مثل لون العشب الطازج، يُسارع إلى الترحيب بي والتمسّح بساقيّ، رافعاً ذنبه الثقيل إلى الأعلى ويدور حولي عدة مرات. «أليكس»، أسمه مكتوب على صفيحة معدنية حول رقبته، وهناك رقم هاتف أيضاً. القطط هنا تصيد للتريّض، تقتل وتأنف على أكل طريدتها. يُفضّلون صيد الطيور وفئران الحقول الصغيرة، ويخشون الجرذان.
أصحابهم يعرّضون بعضهم إلى العقم لدى الأطباء البيطريين، حاجبين عنهم الرذيلة التي ينساقون إليها في الشهر الثاني وتجنبهم النزاعات الدموية والصاخبة.
لهم فنادق إن لم يشأ أصحابهم أخذهم معهم على متن الطائرات المتجهة إلى رحلات الجنوب، ولهم صالونات التجميل والتشذيب والحلاقة. لهم مقابر بشواهد عباراتها تُبكي الأحجار التي كُتبت عليها، وورود مزروعة حولهم حين يموتون في أرذل العمر أو يمرضون بجديّة، بعد أن يتلقون حقنة مخدرة سامة من البيطري، وسط دموع ونحيب أفراد أسرهم. هذا عدا تلك التي تصير الوريثة الأولى لصاحبها الذي سبقها إلى الموت.

نحن، وحيواناتنا الداجنة والبيتية، نتبع شروط مواقعنا الجغرافية وأخلاقنا «الثقافية». أليس كذلك؟





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,398,403,000
- البيرة، وما أدراك!
- بعوض وحشرات اخرى
- عائلة سورية لاجئة في اليابان
- في ثقافة التواليت
- السريان، من القامشلي إلى السويد
- أوساكا (٣)، هم الذين يطلقون سراح الشمس
- كوبيه، هم الذين يطلقون سراح الشمس
- أوساكا (٢)، هم الذين يطلقون سراح الشمس
- أوساكا (١)، هم الذين يطلقون سراح الشمس
- نارا (٢)، هم الذين يطلقون سراح الشمس
- نارا (٣)، هم الذين يطلقون سراح الشمس
- نارا (١)، هم الذين يطلقون سراح الشمس
- الميلاد في الدانمارك ليس جورج مايكل فحسب
- كيوتو (٣)، هم الذين يطلقون سراح الشمس
- كيوتو (١)، هم الذين يطلقون سراح الشمس
- كيوتو (٢)، هم الذين يطلقون سراح الشمس
- طوكيو، هم الذين يطلقون سراح الشمس
- الشينكانسن، هم الذين يطلقون سراح الشمس
- قامشلو
- لا، هذا ليس رثاء يا أمي


المزيد.....




- يصدر قريبًا -سلاح الفرسان- لـ إسحاق بابل ترجمة يوسف نبيل
- متى بدأ البشر يتحدثون؟ ولماذا؟
- ثريا الصقلي تشدد على ضرورة توفير الحقوق الكاملة لمغاربة العا ...
- جلالة الملك يعين عددا من السفراء الجدد ويستقبل عددا من السفر ...
- الذكرى الحادية والعشرون لاغتيال معطوب لوناس.. وهل يموت الشاع ...
- سينما الزعتري للأطفال السوريين
- مصر.. وفاة مخرج فيلم -زمن حاتم زهران- إثر وعكة صحية مفاجئة
- مايكل جاكسون: كيف كان يومه الأخير؟
- زملاء ناجي العلي يوظفون الكاريكاتير لإسقاط ورشة البحرين وصفق ...
- مكتبة قطر الوطنية.. تواصل ثقافي مستمر في زمن الحصار


المزيد.....

- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم
- التكوين المغترب الفاشل / فري دوم ايزابل
- رواية ساخرة عن التأقبط في مصر بعنوان - البابا / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع
- رواية ساخرة عن التأسلم بعنوان - ناس أسمهان عزيز السريين / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - منير المجيد - القطط وأنا