أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - تيسير عبدالجبار الآلوسي - رواية حسن متعب (شجرة المر) قراءة تمهيدية أولى















المزيد.....



رواية حسن متعب (شجرة المر) قراءة تمهيدية أولى


تيسير عبدالجبار الآلوسي
(Tayseer A. Al Alousi)


الحوار المتمدن-العدد: 6094 - 2018 / 12 / 25 - 20:10
المحور: الادب والفن
    


مقتبس من المعالجة:”شجرة المر عنوان من نبع القضية العراقية يتحدث بأدوات تعبير جمالي أدبي مسبوكة كصياغة الحلى الذهبية مع أنها تعالج أوضاعاً تراجيدية بالغة الحزن والفجيعة. إنها قطعة تنويرية بمساريها التعبيري الجمالي والمضموني الموضوعي.. نداء لاستحقاق أن نتوقف مرات ومرات أمامها. فهلا تنبهنا عليها!؟“



***
توكيد بأن القراءة الأولية يستتبعها استكمال لعله لن يكون بعيدا فشكرا لما سيأتينا في الحوار النقدي الجمالي والمضموني فيها فهي رواية مهمة وسجل أدبي وموضع خطير في وجود العراق واهله…فـ “شجرة المر عنوان من نبع القضية العراقية يتحدث بأدوات تعبير جمالي أدبي مسبوكة كصياغة الحلى الذهبية مع أنها تعالج أوضاعاً تراجيدية بالغة الحزن والفجيعة. إنها قطعة تنويرية بمساريها التعبيري الجمالي والمضموني الموضوعي.. نداء لاستحقاق أن نتوقف مرات ومرات أمامها. فهلا تنبهنا عليها!؟” وتحية لأحبتي في تنضيج ما سيجدونه بنص قراءتي الأولية المتواضعة وتحايانا جميعا لكاتبنا الكبير دكتور حسن متعب في منجزه فهو إشراقة ساطعة بهية مستحقة
***


الواقع الإنساني ومجريات ولادة وعي البشرية، أفضت إلى خط موازٍ تجسَّد بولادة التعبير الجمالي الأدبي.. وقد كان ذياك التعبير مؤتلفاً مع كل مرحلة تطور للعقل البشري ومنجزه بوساطة (شكل) تعبيري بعينه. وبشأن الأدب فإنَّ أشكالا ثلاثة عامة غنية المضمون هي التي شخصّها غوتة عندما حصرها بثلاثية: الأدبين الملحمي والدرامي وبالشعر الغنائي؛ تلك التي أفرزت أيضاً أجناساً واصنافاً أخرى وحتى الأعمال ذات التفرد المخصوص، لكن من دون التوقف كثيراً عند حالات ظهرت ويمكن أن تظهر لاحقا إلا بقصد ضبط القوانين العامة للأدب في إطارها الوجودي البنيوي. مع الانتباه على ولادات أدبية بخلطة من بين الأجناس والأنواع الأدبية، الأمر الذي لا تقبل الدراسات التاريخية النظرية للأدب ثباته واستقراره نوعياً صنفياً ما يسمح لنا التركيز على العام كما أكدنا للتو..

ما يثبت هنا، هو العلاقة الجدلية بين الحياة في الواقع المعاش والحياة في الأدب، بطريقة تمنحنا فرص التعامل مع المنجز بشروط الواقع الإنساني؛ وهنا تظهر قراءتان نقديتان واحدة تستطلع الجمالي في اكتناه الحقيقة بلغة الأدب ومضمون أشكاله وأخرى تزدري المنجز بخلفية متأتية من اشتراطات نقدية وًلِدت في مجتمعات أخرى بسلامة محددات العلاقة بين ذاك الواقع ومنجز الشكل الأدبي هناك. فكلما أراد نصٌ أدبي التعبير عنه وأوصله بدلالاته، هو المضمون الذي ظهر بشكل تعبيري بعينه هو النوع الأدبي المخصوص..

وهكذا، فنحن لا نأتي بمعاييرنا الخارجية وبمسطرة النقد وقوالبه لكي نضع العمل الأدبي تحتها؛ فنصف كل ما يخرج على تلك المقاييس بأنه زيادة من مثالب ونواقص وهفوات. بخلاف ذلك فإن ما يصلنا هو المضمون المحدِّد للبنية وقوانينها فإنْ تفرَّدت وجدنا لها معاييرها ليس بالضرورة تلك التي تدفع باتجاه ولادات أخرى ولكنها تلك التي تضفي لنا بعد قراءتها متعة الفائدة جمالياً مضمونياً بصورةٍ، علينا تطويعها بما يلائم حركة مستمرة للتطور الأدبي الذي ينعكس تنويرياً في تناولنا واقعنا بدافع من تلك القراءة الأدبية…



استندت حركة التنوير والتغيير في العراق باستمرار إلى خطاب الثقافة بعامة وإلى منجز الأدب والفن تحقيقاً للمهمة التنويرية بسبب قربها من الذهنية وظروف اشتغالها ومنطق نموها.. لهذا فإنّ أية قراءة في أيٍّ منهما لا بد أن تمر بنيوياً في الأخرى من حيث تبادل التأثير بين واقع العراقي ومنجزه الأدبي وعمق دلالاته الجمالية وغنى مضامينها


وبما شمل مجمل التنوير الأدبي، في إطار حركة التنوير والتقدم عراقياً احتقل النقد الأدبي بمنجز ثر، طوال قرن من وجود الدولة العراقية الحديثة. الأمر الذي سأحاول أن أتابعه، عبر قراءة بعض المنجزات نموذجاً من بوابة البحث عن قيم التنوير من جهة المساهمة الجمالية (الأدبية) تحديداً.

إنّ الميول العامة في المجتمع هي ما ضبط إيقاع الكتابة الأدبية. وهي غالباً ما كانت واقعية المنحى؛ صحيح أنها ليست بالضرورة مما يعبر بدرجة النضج والكمال في التطابق مع النوع الأدبي أو أيّ من أجناسه حصرياً إلا أن البُعد الفردي في التعبير حتى عندما لا يكون (متفرّداً) بمعنى إبداعي في صياغة أو سبك فإنّه يعكس مزاجاً عاماً بصورة من الصور يكون فيه التلقي منسجماً مع المنجز..

ولأخرج هنيهة عن الأدب وأذكّر بأن مجتمعاً معاصراً قد لا يستسيغ فن الأوبرا ولا يميل إليه ولكنه يطرب ويرقص لإيقاعات فولكلورية بعينها وبين الفطري والأوركسترالي في الفن مشتركات التعبير الفني؛ لكن مضمونيا أو بصيغة أخرى كل ما يخص طابع الارتباط فإن المضمون أو طابع ارتباط الأدبي بالحياتي إنما يحدده الرحم الذي وُلِد فيه الإبداع الجمالي نوعاً وصنفاً وبدقةٍ أكثر، يتحدد (المنجز) في الأداء أو الممارسة الطبيعية وميولها المشروطة روحياً انفعالياً..

هذا ما قصدت به في جانب من جوانب القراءة للاشتغالات التعبيرية الجمالية لشعبٍ. وبالعودة إلى العراق ومنجز الأدب فيه، أقرأ هنا نصاً للكاتب الدكتور حسن متعب، بعنوان (شجرة المرّ) إصدار 2011. لابد لي هنا وأنا أقرأ في النص، لابد لي من التوكيد على حقيقة أنني أقرأه بمقدار ما يمتلك من فضاءات تنوير بمجتمع ارتد في ظروف راهنية نحو أوضاع متردية في خطاباتها بتنوعاتها لجملة ظروف معروفة..

أما شجرة المرّ فهي بواقعية المنحى الذي اتخذته، أكدت مستوى المرحلة التي يمر بها المجتمع العراقي وجسدت طابع العلاقات المجتمعية في ضوء الظرف السياسي وتشكيلة النظام الذي تتقمص أحداثه… وسأتابع الرواية على وفق منطقها ذاك لا من مقارنة مع الأعمال الواقعية في الأدب العالمي بل بالارتباط مع الاشتراطات الأدبية للميل العام للقارئ العراقي وواقعه ومجريات متغيراته الراديكالية بسوداوية الطابع ومقدار تراجعاته..



خلط بعض النصوص بين الأنواع والأجناس الأدبية وكذلك بين اتجاهات مذاهبها، ليس بالضرورة مما يعني السلبية دائماً فقد يحدث بنائيا بصورة إيجابية تتجه لولادة أعمال تتسم بالتفرّد والخصوصية ومع ذلك فإن المحاولة النقدية الأنقى والأكثر دقة هي تلك التي لا تبحث عن تطبيق سمتري لمسطرة نقدية تبحث عن قوانين النوع والصنف لتضع درجة تقويمية بل تلك التي تبحث عن درجة الاتفاق بين النص وإمكانات التعبير عن الميل العام بصيغة تصنع أو تبدع قوانينها..


وإذا كان بعضهم سيقرأ الرواية من بوابة تابحث عن مقدار الخلط بين بعض أجناس السرد قصصي وروائي أو غيرهما ومن ربما (خلط) آخر بين المذاهب الأدبية؛ وهو ما ربما اتفق معه في المستوى النظري حيث رفض أطر الخلط النوعي والمذهبي في الإبداع الأدبي أو على أقل تقدير تجنب وضع تقويم سمتري في ضوء التضبيب التعبيري للخلط ولكن الاتفاق الأولي هذا نظرياً لا يمكن أن يلزمني (نقدياً) أن أقرّ سلامة التقويم الفوقي والخارجي ذاك؛ لأنَّ التفرد الجمالي، يمكن تلمسه بصواب وإيجابية من بوابة انعكاس المزاج - الميل العام ومقدار الاتفاق بين التعبير الأدبي وبين ذياك الميل..

فإذا ما طبّقنا هذي الفكرة على (شجرة المرّ) فإنها امتلكت قوانين بنيتها وسماتها من كونها تستقيها من الواقع التراجيدي للمجتمع العراقي سواء من مستوى الاستبداد نظاماً سياسياً أمنياً قمعياً أم من متغيرات الوضع القيمي اجتماعياً أخلاقيا بالمعنى الأوسع للمصطلح حيث يتحدد نسيج علاقاتها البنيوية وطابعها، من قبيل تشفير بعض الخطابات بما يوحي بالرمزية لكنها في الحقيقة واقعية صارمة، تتجسد بقوانين الواقع وقوانينه الصارمة وكثافة تعبيرات تلك القوانين وما تريد تمريره.

لهذا السبب، يباشر قارئ الرواية، المدخلَ بأجواءٍ تشوبها الإيحاءات الواقعة بين التشفير والرمزية وبين تقمص الحقيقة المعاشة.. فهناك تجنب لإيراد أسماء الشخصيات ثم تبادل نظرات التفحص والاستبيان المشوبة هي الأخرى بالشك والتحسس؛ كما أنَّ المكان المنتخب، لانطلاق السرد، هو مؤسسةٌ، سنتعرف إلى وظيفتها سريعاً… ولعلنا سنكتشف أنّ الحديث بكثافة سرعان ما يُعلن عنه.. وبهذا نؤكد أننا لسنا بصدد البحث عن تلمس (الروائي: قوانين الرواية) في هذا النصّ بقدر ما نتلمس أمراً أشمل وأعم ذلكم هو الميول الأساس بالمجتمع العراقي؛ أو لنقل: البحث عن هدف النص الذي اخترناه هنا، والقوانين والأعراف المتحكمة بخط مسار المتغيرات آنذاك، ما انعكس بوضوح في العمل الأدبي عينياً ومن ثمّ تكشَّف للقراءة النقدية هذه. هذا الاختيار يتأتى من بحثنا عن التنوير بين الأدب والحياة، التنوير حركة وفلسفة وآليات اشتغال بمجتمع تراجع حتى دخل منطقة الانهيار إن لم يجد استراتيجيات تتناسب ومهمة إزاحة الظلام واستعادة أنوار وجود إنساني تنتمي للعصر..



الرواية بهصوصية وجودها تجسد صورة للواقع الموضوعي وقوانينه رافضة الذاتي وحدوده الغنائية الفردية متحررة من تداعياته الذهنية الخاصة لتكون سجلا يوميا للذات الجمعي بتنوعات أبعاده واختلافها واصطراعها بما يولد الحركة الإنسانية سواء تراجعاً أم تقدماً ومن هنا تكون صورة الميل العام ظلامية انهيار قيمي أو تنويرية تقدم وتنمية تؤنسن الوجود الإنساني بعموميته.. ومقدار استيعاب الرواية لتلك القوانين ومعالجتها هو مقدار ما يظهر من جماليات تعبير وإبداع أدبي نتلمس بناه ونحلل أبعاد مكوناته


وبخلاف نظرية الأدب البرجوازية - المثالية؛ نؤكد أنها على الرغم من تركيزها على الفردي الأمر الذي قد يوهم بالحرية وبتبني التنوع إلا أنّ الحقيقة وجوهرها، تظل تلك النظرية تحكم الأدب بقوانين النوع جبرياً بالحتم والحسم الصارمين؛ بينما أركز هنا، على كون الفردي تعبيراً عن تطابقه مع الكاتب وتجربته عندما نشير لملخص النص بخصوصية بنيته لكن طبعاً بما يلخص الجمعي ويتبدى بصورة، يكون مجرد التعبير روائيا أمراً يؤكد حقيقة أن الواقع الموضوعي قد بات مستوعبا بإطار جديد تجاوز بساطة الغنائي للتعبير الشعري مثلما تجاوز تركيبية التعبير الدرامي للصراع، ليجسد الموضوعي بوساطة الكلمة عندما يتصدى الجمالي السردي لتقمص الواقع ومعالجة قضاياه بما سيستكمل الصورة بمنطقة التلقي أقصد بالضبط أن النجاح الذي أقرأه نقدياً هو ذاك الذي يفارق منطق التعبير الغنائي للفردي الذاتي المخصوص باتجاه اكتناه الجمعي بكل قوانينه…

فلنعاود مجدداً إلى حيث رواية شجرة المرّ، ما طبيعة الشخصية (…) اليوم؟ أليست هي تلك التي صنعت لها تاريخاً مجيداً فيما هي، هي تلك الخاوية أو المذبوحة بخلفية التناقض والتمزق والانهيار تحت مجنزرات النظام السياسي ومنظومة القيم المجتمعية المزيفة..؟ يقول البطل مطلع الرواية: “ترى هل نسي هذا الزائر المنكوب ما حدث بيننا؟.. ربما عليّ أن أؤمن بذلك.. إنه واحد منا، نحن الذين نسعى للنسيان دائما.. إن ذاكرتنا ممتلئة.. لم يعد ثمة مكان لتخزين ما هو جديد.. ولا أعتقد أن هناك فرصة في الذاكرة لحفظ ما يجري أو ما جرى في الماضي القريب أو الحاضر.. أحداث كثيرة.. تطورات وتغيرات.. مصائب وأهوال.. ليس من اليسير حتى على أعتى المؤرخين حفظها.. لو أراد أحدهم ذلك لاحتاج ربما إلى أطنان من الأوراق وأطنان من الأحبار ليسجل ما جرى ويجري.. إذن هو واحد آخر منا..“… أقتطع هذا النص لأشير بوضوح لذياك الربط سواء بالتشفير والترميز أم بتصوير حجم التكثيف الناجم عن السحق المهول وما احتفل به من هول الأحداث وتراكمها بمدة وجيزة… سنتابع أيضا مزيد تفصيل بعد هنيهة على وفق مسار الحدث ووقائع اشتغال شخصياته - أبطاله.

إن تلك الكثافة التي باتت الشخصية العراقية تحملها وشاب لها الرضيع؛ يؤسس لها النص الروائي بمقدمة فيها انقلاب أوضاع الشخصيات بين حاكم ومحكوم، غالب ومغلوب، فوق وتحت؛ بما يعيد تشكيل الأوضاع بطريقة جديدة تكتنز بتفاصيل الوقائع، كثافةً وتناسلا عددياً وحجم وجود. كما يعيد بناء شخصياته بتلك الأرضية وتقلباتها من جهة وبولوج منظومة قيمية جديدة..

لاحظ طريقة الانتقال من الفردي الخاص إلى الجمعي العام.. يقول الكاتب على لسان الشخصية: ” إنه نسي من أنا.. وحتى لو شك لحظة واحدة، فإنه لا يتوقع أن من وقعت عيناه عليه الآن هو ذات الشخص الذي كان يرتجف أمامه، خوفا وهلعا.. يجب أن لا نصدق العجائب.. ليس ثمة معجزة يمكن أن تحصل لتغير الحال على هذا المنوال.. أعتقد أنه سيقول ذلك لنفسه لو شك لحظة واحدة بي.. لذلك على أن أكون قويا.. على أن أنسى أمام هذا القادم من أكون حقيقة.. أنا الآن النقيب حازم عبد الإله في قوات وزارة الداخلية وانتهى الأمر.. وهو فليكن من يكون.. لعله قد تغير هو أيضا، لا يهم ذلك.. فأنا في موقع قوي.. وهو الآن ونظرا للموقف الذي هو فيه، إن عرفني فإن جل ما سيفعله هو تناسي الماضي طلبا في مساعدتي..” على أن الكاتب يريد تصوير علاقة من نوع ما، بين الماضي وتاثيراته وبنية السلوك عند شخصياته اليوم؛ فهي لم تنقطع بالتمام عن ذاك الماضي ولعل بعض ما يدور في خلدها هو من بقايا مازال لها بعض تأثير، يقول على لسان بطله: ” ومع ذلك فإن صراعي مع ذاتي هو بسبب تلك الكلمات الجميلة التي نطق بها الشيخ والده وهو يتحدث مع والدتي.. وأخيرا كرمه معها وموافقته على التنازل عن القضية ومن ثم إطلاق سراحي.. خصوصا وإني بحكم علاقاتي هنا، أعرف بالتحديد ما ستئول إليه نتيجة مقابلته للوزير حيث إن هذا هو سبب حضوره هنا اليوم..”

وبالعودة لصيغة الانتقال من الفردي إلى الجمعي وفي اكتناه العام عبر الخاص يصوّر الكاتب بطله ووضعه المخصوص عبر زيارة الوزير بقضية ستكشف لنا أوليات وصف الأوضاع العامة الجارية وما فيها من طابع ومن صراعات أو أزمات كما سنتلمس مواضع التتابع في الوقائع ومجرياتها وما يحكمها الأمر الذي يكشف فيه العام بالمقابل سمات الفردي الخاص؛ وبمتابعة النص يقول البطل: “سيقضي الوزير أول الأمر بعضا من الوقت كمستمع جيد إليه، ثم بعد ذلك سينظر إليه بعينين تبدوان مركزتين عليه، ولكن فكره وعقله سيكون مشغولا بأمور أخرى، أمور تتعلق برئيس الوزراء، بالحزب، بالصراعات السياسية.. هذه الأشياء هي الأمور الأهم في الوقت الحاضر، وليس قضية تافهة مثل قضية اعتقال مواطن من داره، ولا تزال عائلته بعد مضي شهر تقريبا تجهل مصيره.. إنها واحدة من القضايا التافهة الكثيرة التي تمر على الوزارة والوزير يوميا.. ثم يكتب الوزير على الملف أمامه.. (إجراء البحث والتقصي عن الحادث وإعلام صاحب الطلب بالنتيجة) ثم يقول له بإمكانك المراجعة بعد أسبوع إن لم نتصل بك لإعطائك الجواب..”.

وكيف يحمّل الكاتب صياغاته معانيها، فيصير الشكل السردي بمضمونه المقصود - المنشود.. نرى تلك الكيفية في عبارة بطله:” الوجوه تتشابه.. الناس تتشابه.. إننا نسخ منسوخة من بعضنا البعض.. كأننا تقليد لنموذج أولى، أشبه بالبضاعة الصينية التي تماثل الأصل الياباني أو الأوروبي في الشكل، إلا أن الجوهر مختلف..“. فلربما قال التعبير: إننا تحولنا من أصل ووجود إنساني طبيعي عادي إلى مجرد هياكل مستنسحة فارغة من عمقها ولربما أضاف الأمر إشارة ضمنية إلى ما ينتج عن مصادرة الشخصية الإنسانية في وجودها!

وبذات الطريقة التي افتتح بها منطقة السرد حيث قلب الأوضاع وتبادلها بين الشخصيات ومواضع أمكنتها موضوعيا وعلاقاتها، يوظف القانون البنائي ذاته مع أبطال روايته كما نرى الأمر هنا بهذي الفقرة: “أنا الآن شخص مختلف، عليه أن يصدق ذلك حتى وإن شك لحظة واحدة أنني ذات الشخص الذي عرفه قبل ثلاث سنوات.. إن ما تغير في كياني، هو أنني الآن ما أنا عليه فعلا، الآن أنا لست ذاك الشخص المزيف.. ولكن المشكلة تكمن، كيف بإمكانه أن يدرك ذلك، حيث الكل قد انقلب على ذاته، الكل يظهر الآن ماهو ليس بحقيقي داخل نفسه، كيف يمكنه، أن يصدق أنني الآن الشخص الحقيقي وليس الشخص المزيف ذاك.. إنه أمر صعب.. أنا نفسي حين أفكر في ذلك، أقول ربما لأني أريد أن أصدق ما أنا عليه..”.

وفي قراءة الشخصية المزيفة الجديدة، يقول البطل: “وأنا أقول: انتهزوا تعبيرا عن الانتهازية الحقيقية التي رافقت هذا التغيير، ليحصلوا على المكاسب، الوظائف الرنانة.. الأموال.. الجاه.. السلطان..“ص11… في هذه المنطقة السردية تنفتح سياقات وصف الحال من التناقضات والانقلابات بين الفوق والتحت لكشف طابع التغير الجاري في ظل منظومة قيمية منهارة بخلفية الاستبدالات التراجيدية…

وبطل الرواية حين يسترسل يتلمس تناقضات وجودية، ليرسل من خلال رصدها رسائل مضمونية عن طابع المنظومة القيمية وما وصل الوضع في البلاد إليه، ها هو يقول:”نحن الخونة ونحن القضاة.. نحن القانون والفوضى.. نحن كل أنواع المتناقضات، نحن الأضداد الغرباء الذين يشربون ذات الماء، ويرضعون ثدي ذات الأم.. نحن من يؤمن بذات الإله الواحد الأحد، المختلفون على تعاليمه ووصاياه وعلى أحداث مضت وانسحقت، نحن الذين نخلق كل يوم سببا للاختلاف..“ص12. لكن الأنكى أنه يسجل ظاهرة جلد الذات، تستبطن استمراء الأحزان والتلذذ بمشاهد الاسى وأحزانه..” حتى تلك اللحظات التي كنت أصطنعها في ما مضى، كانت تخبو لمجرد انتهاء اللحظة، قد يكون صحيحا أن الحزن يدوم أكثر من البهجة والفرح.. ولكن هذا لا يغير حقيقة أننا نحن من يجسد هذه الأشياء، نحن من ينقاد إلى تلك الهواجس والأحاسيس، أرواحنا التي لم تجرب البهجة ونشوة البهجة مثلما جربت ذروة الأحزان، أرواحنا تلك لا تعرف جدوى وجودها.. إننا الوعاء، الذي تنتهي فيه كل المآسي.. لكننا وعاء تالف، أتلفته تلك التكرارات للألم.. أصدأته تلك الأحزان.. نحن نجد جدوانا مع الألم، ونضيع ولا نعرف من نحن مع البهجة.. لا جدوى مطلقا لحياتنا، لم ولدنا؟ لم نموت هكذا أحيانا بأعنف الأساليب ولأتفه الأسباب.. نجلد أنفسنا، كما نجلد بعضنا.. نتلذذ في الحالتين..“. إن اجترار الماضي يملأ الحاضر بعوامل الانهزام والانتكاس والخسارة وبقيم قهرية من قبيل الشعور بالذنب والعيش على أعتابه علَّ الغفران يحلّ فينا عبر بوابة (خارج) وجودنا الفردي منه والجمعي؛ هذا ما استهلك طاقة الفعل والبناء وأية إمكانات للحراك أليست القضية هكذا يقرأها وعي أبطال الرواية على وفق رصد الكاتب!؟

إن النص يعيد توكيد حقيقة ميتافيزيقية من قبيل نحن القتلة! نحن المذنبين! ومن ثم علينا نحن أن نبحث عن الغفران بتقمص الندم وتقديم قرابين التوبة بجلد الذات والعيش حزانى الأمر الذي لا يقف عند الإشكالية الوجودية للإيمان الديني بل يتفشى في مجمل ممارساتنا وآليات عيشنا…



أنْ يكون امرئٌ قاتل آخر كان موجوداً قبله بألف عام أو أكثر أو أنْ يؤخذ بجريرة جريمة وقعت قبل وجوده فتلك ليست من الخرافة والاستحالة بل جزئية من إسقاط ميتافيزقي المنحى يجب الانتهاء عن الاستسلام له والخضوع لإفرازاته التي تعني تناسلالشعور بالإثم وتوارث جلد الذات بمنطق يتقاطع حتى مع أي شكل للإيمان والاعتقاد.. وتلك معضلة لابد من التوقف عندها ما لعل هذي الرواية تفعله بصورة ما….


ما يعنيني هنا هو أنَّ تتابع السرد لم يأت من فراغ ولا من تقمص التتابع الزمني ولا من صيغة بنيوية بعينها شكلاً وصياغة مما يُؤتى به من خارج التعبير الجمالي المحلي عراقياً بل تبنيه وقائع الفكر ويومياته، بطريقة المسخ والاستنساخ والتشوهات في الواقع الوجودي للإنسان هي ما يمتاح الشكل السردي منه انثيالاته بتداعيات ذهنية أشبه بتداعيات نفسية ولكنها المتمظهرة بوسائل وعي الواقع وطريقة قراءته…

عندما يقدم الكاتب بطله على لسان الشخصية نفسها، يقول:” هل سألت لصا عن مهنته فأجاب أنه لص؟.. لا أعتقد ذلك.. هل سألت عاهرة عن مهنتها فأجابت أنها عاهرة؟.. إن مهنتي مثل مهنتها أصعب ما يمكن أن يمتهنه المرء.. لأن الناس لو عرفوا ذلك لاحتقرونا.. ليس لأننا لصوص بل لأننا نكشف دواخلهم، نذكرهم بمهنتهم الأخرى المختبئة وراء أقنعة أولها الإيمان بالله ومخافته الشديدة، والصلوات القائمة.. لحى طويلة مخربشة، أو مؤنقة.. عمائم سود، بيض، أو خضر.. أقنعة”.. إن الشخصيات جميعا ومنها الضباط والشرطة ليست سوى قناع وظائف تغطي وظيفة ومن ثم فهم مجرد “سلطة وتفاهة“ص13 وذاك الخواء يعيد الاتزان له امرئا كبطل الرواية الذي كان يحترف السرقة لكن بلا إيذاء أو استهداف إلا لفئة التخمة المرضى؛ ووسط هذه الفئة عاش بطل الرواية تفاصيل وجوده الأولى لينتقل بانتهازية تلك الفئة من لص إلى ضابط شرطة اليوم بظلال نظام يُسمى الديموقراطية ولكنه نظام المافيوية التي تسهِّل انتهازية المرضى والأوباش عدا بطل روايتنا الذي يبرر للصوصيته ولانتقاله منها إلى سلطة الشرطة مثلما برر لاجتماع الأضداد في شخصه وفي بيئته وفي مسار النظام الجديد حتى تحولت فكرة التقاء الأضداد إلى نهج فكري سياسي والأمثلة شاخصة اليوم على ما أرادت الرواية التحدث عنه و-أو معالجته جماليا..

عندما تنتقل الرواية سرديا إلى ثاني اشتغالات فصولها، يأخذ البطل الآخر الدور في سرد الوقائع من حيث ينتهي أول فصولها على لسان بطلها الأول اللص الذي صار ضابط شرطة. وإذ يبدأ السرد هنا من بوابة الوزارة يكون البطل قد عرف صاحبه الذي توسط له يومها.. لكن المتابعة تقدم تعريفاً بالشيخ المفقود استكمالا لوقائع السرد السابقة. ليس بغاية تعريفية شخصية بقدر ما هي لمواصلة تقمص الدور الكاشف عن مجمل الأوضاع وقوانينها وطابع الأمور ومنظومتها القيمية الجمعية-المجتمعية…

” كان أقرباؤنا من الحلة والديوانية والنجف وكربلاء.. حين يقضون ليلتهم عندنا يكررون نفس الحكايات، كيف كانت زيارة كربلاء أو النجف هذا الأسبوع، وكيف أن الدنيا أوشكت على النهاية وأن علامات ظهور المهدي جلية لا ريب فيها وأنه سيظهر قريبا جدا كما أكد لهم السيد.. أما أصدقاء أبي من الغربية فكانوا يتكلمون عن رحلات الصيد في البرية وعن السيارات الفارهة الغالية بأحدث الموديلات التي اشتروها أو باعوها،..” هذا كشف مقصود ليس للطابع الفئوي الطبقي حسب بل لانعكاساته في بناء الشخصية واهتماماتها ومن ثم في مقدمات ما سيطفو بعد (التغيير) الراديكالي وطابع التفاعل معه…

وبسلاسة ذكية يعاود الكاتب نسج سرديته والانتقال من الجمعي إلى الفردي بل لنسج الفردي - الجمعي بطريقة التواتر وتبادل مواضع التتابع من دون فجاجة تركيب وصياغة، حيث يتمتع القارئ بتلك النقلات وإيحاءاتها المتبادلة وطابع التعاقب فيها…” كنت الأعزب الوحيد من أبناء الشيخ مزهر.. فقد تزوج شقيقاي اللذان يكبراني، وكذلك اثنتان من شقيقاتي اللواتي يكبرنني أيضا فيما بقيت واحدة بانتظار إكمال دراستها الثانوية وهي الأصغر فينا.. الجميع خضع لأوامر سيادة اللواء مزهر الحسين وتزوج إلا أنا، فقد أوشك على أن أكون الابن العاق له.. رغم أنه كان صبورا جدا معي.. وهو يذكرني دائما بأن شقيقي تزوجا وهما دون سني، وأنجبا له أحفادا كان يشمهم كل يوم، يأخذهم في أحضانه كلما رآهم وكأنه يراهم لأول مرة،” في هذه المنطقة ستظهر كما ستتكشف لاحقا أولى بذرات التفاعل بين الشخصيات بطريقة منطقية تجمعها معاً في سياق الحدث السردي…

ووصف العلاقات لا يقف عند تخيل العائلة التي ينتمي إليها البطل بل يتسع ليقرأ طابع العلاقة الهرمية بالإشارة إلى العشائر وتقسيماتها ثم منظومتها القيمية ومنها مكان ومكانة المرأة المرادفة لوجودها المجتمعي، عندما يُشار إلى أخوات البطل في عائلته وإلى سلوك الأب (الشيخ) وتعامله الأمر الذي يحيل إلى انتمائه أو اشتغاله برتبة لواء وإشغاله مهمة رئيس فخذ بعشيرته بعد تقاعده ومن ثمَّ وفي ضوء ذلك، ممارسته سلطة مركزية فوقية مع بيئته..

أما الراوي في هذا الفصل فإنه يكشف عن موقفه وشخصه عبر نظرته إلى نسوة العائلة بقوله:” وبعد شهر من الزفاف أنظر إلى كل منهن فأراهن مثل نعاج صغيرات، يتبعن راعيهن وراء الماء والكلأ، أولئك البنات الجميلات الحالمات اللواتي كن يملأن البيت حركة وبهجة صبيانية نزقة، أراهن الآن يقعين إلى جانب الجدران، يفترشن الأرض بهدوء، ليرضعن هذا أو يطعمن ذاك، انتهت الروح، وانتهت ذواتهن وأصبحن جزءا من وجود آخر، راضيات، ساكنات، ليس لأن هذا ما أردنه، لا يمكن على الإطلاق، بل لأنهن جزءا من لعبة الحياة والزمن الأغبر،…” إن الكاتب يتجنب وصف شخصياته مباشرة.. وهو كما المسرحي في نصه الدرامي يقدم الشخصية عبر الفعل، يقدم أبطاله هنا عبر اشتغالات السرد في نسيج العلاقات البنيوية بين الشخصيات فكأنه يدير حواراً بين عناصر بنيته، حواراً قائما على تجسيد لا الشخصية بمماثلة حسابية او مطابقة هندسية ولكن باكتناز دلالي يفضي إلى التعبير عن جملة إيحاءات معنوية ذات قيمة في بناء البعد الفلسفي للرواية أو الخطة الفكرية العامة المختفية وراء الحكاية وتفاصيلها السردية فضلا عن توكيد الموضوعي الملازم بنيويا لأي عمل روائي في تحقيق لقوانين النوع…

والحقيقة التعبيرية لم تقف عند إشارة إلى النسوة بل عبرتها إلى حيث الفلسفة الذكورية من غير مصطلحات علمية جافة تعبيرياً، كما أي مصطلحات سوسيوسايكولوجية أو سياسية، نرى هذا مثلا عندما يمر على المفاعلة بين الاجتماعي والسياسي في استعراض القيم بين السلطة السياسية وسلطة الرجل في العائلة التقليدية…

وهكذا فإنَّ اشتغال التعبير السردي الروائي وبحثها في الشخصية هذه المرة يسترسل ليكون هو الجامع بين مفردات السرد.. فيتحدث عن الهروب من جحيم الرتابة والملل لكن أباه ما يزال مركزا لا يسمح بذلك. فلقد اعتاد الجميع منطق الزنزانة؛ إذ المرء هنا يبقى مأسوراً داخل قمقم وجوده وخيالاته والعائلة بين جدران المنزل المعتقل والناس في السجن الكبير الوطن.

في هذا الموضع من الرواية، حيث اكتملت صورة البيئة التي أرادها الكاتب؛ أطلق لأول مرة بخلفية الطابع الدرامي للمشهد حواراً بين شخصياته التي ظلت تتكلم في صمت، في مونولوغات التعبير السردي، أو التعبير عن ذاتها برؤى وأفكار تدور في سجنها بمعتقلٍ عقلي سرمدي.. و ها نحن أمام تصاعد درامي أكثر منه تشابكا سردي المسار.. وفي الحوار بين الابن والأم والأب والقريب تتكشف مناطق جديدة لا تقع بصيغة الخلط بين الأنواع الأدبية وإنما بصيغة استنطاق قوانينها في التفرد القائم على الانتماء لوجود عراقي الهوية؛ يمنحنا شكلا سردياً تتفرد تداعيات هيكله وخصائص نسيجها..

في مدخل الفصل الثالث إذ يتبادل البطل مهمة الراوي، تتقلب أيضا المضامين وتتبادل الأدوار بين الحرام - الخطأ و الحلال - الصواب.. لكننا كالعادة نبدأ الفصل سردياً وعلى لسان الراوي مجددا وهو اللص - ضابط الشرطة وتبريراته للصوصية، الأمر الذي يجابه رفض والدته أخذ فلس منه لعدم معرفتها مصدر أمواله… وبنية السرد وحبكتها في الرواية، تقتضي وجود التفصيل الذي يظهر هنا مستثمراً هذه المنطقة من مناطق تسلسل السرد، ليرفق مع الوصف حوارا مع شخصية عابرة في البنية السردية، لكنها معبرة دالة تغني المسار عندما يتحدث حازم اللص - ضابط الشرطة عن صديق له ببيئته المخصوصة. وفي الحق فإنَّ السرد يتجه ليخلق سيناريو بتلك اللمحات التي يستخدم فيها آلية الاستعادة الفلاشباك وكأننا في فيلم عند لحظة صمت تغادر مكانها محلقة في الماضي الذي يراد من (استرجاعه) أن يساهم في التقدم بالمشهد..

وفي هذا التتابع سيبدا نسيج حبكة أكثر تقدما بلقاء تتم برمجته في محاولة حازم مساعدة أحمد وهما البطلان حتى الآن، بتبادلهما الأدوار في الاشتغال السردي.. بهذه المنطقة يبدأ الحوار الرئيس بين طرفي المعالجة الرواية وحبكتها وقد انقلبت الموازين، ففي الصفحة الأولى كان هناك وضوح وإجابة ومواقف نبيلة يمكن استنطاقها كما جرى فعليا وفي الصفحة الجديدة هناك اختفاء وضبابية وضياع حداً يخفي قطعيا ونهائيا وجود إنسان؛ كاختفاء الشيخ بعد اعتقاله أو اختطافه…

ولأنّ تبادل أدوار القص بات معتادا فإننا نلاحظ في كل فصل هذا الأمر وها هو الأمر، يعود هذه المرة بفصله الرابع لأحمد يبدأ السرد من حيث انتهى حواره مع حازم وأنا هنا أستخدمُ الاسمين هذه المرة توكيدا لما انتقلت الرواية وحبكتها السردية من مرحلة الابهام لمرحلة الوضوح ولكن ليس بأسماء العلم أو الشخصيات وإنما بجواهر تلك العوالم المتخفية (المشفرة) بقصدٍ من الكاتب..

إن أحداثا مثل وفاة الأم بوقت كان الشيخ مختفٍ، دفع الراوي أحمد للقول: إن إحساسا بانتهاء االأشياء قد تسرب إليهم ولكنه في هذه المنطقة السردية وحبكتها يطلق العنان لمناقشة في القضايا الجمعية من قبيل الاحتلال والأمريكان وتشكيل الأحزاب ومرجعياتها. فتتجه الرواية هنا إلى منطقة جدلية تُظهر بها شواخصها الفكرية السياسية عبر طَرْقِ سندان الواقع المأساوي وصراعاته الطائفية والتدخلات وبنية الشخصية المحلية ودرجة استعدادها؛ لكن طبعا كل ذلك يتم سرديا وإن كان بعمق درامي يعبر عن طابع الحدث واكتنازه بمنطق الصراع المفعم تأزماً واحتدام توتر…

إن الكاتب يحافظ على حبكته وسلامة نسجها بتبادل أدوار الروي - السرد بين بطليه، ولهذا تتبدى المعطيات الإنسانية للرواية؛ بمقدار العناية ببناء الشخصية وتسلسل تحولاتها وسط ضجيج الصراع ودراميته وتعقيد المناطق التي يتناولها الكاتب بأصوات أبطاله الذين اختارهم…

وفي الفصل الخامس، تحديداً بالعودة إلى دور حازم، تتبدى مشاعره وتحولاتها فهو ليس سطحيا أو مجرد لص خارج على القانون صار ضابطا وليس تقيا مؤمنا يحفظ الأخلاق والقيم ولكنه إنسان أوجدته قوانين المجتمع الذي عاشه ونما فيه… ها هي قصة حبه لأخت صديقه تتهادى بسمات الأنسنة بعيداً عن خطاب السياسة ونهج التسلط القيمي بمنظور متزمت أخلاقياً ولكنها (أي قصة الحب تلك) تأتينا بطاقة جذب مناسبة حتى أنها تصلح أن تنتقل إلى الدراما السينمائية بصيغة من صيغ المعالجة الملائمة..

إن قصة الحب تلك تشكل مدخلا أو إطارا للوحة سردية تحكي المجتمع في ضوء علاقات المرأة - الرجل وفي ضوء صورة المرأة وتفصيل مضاف بعلاقات من قبيل النسوة العواهر وتجارة الجنس لتتفرع عبرها حكاية البطل وتعاود تصحيح المسار بالتوجه إلى علاقة حب هي تلك التي أشرنا إليها للتو…



لكن بين علاقات الليل وغياب الوعي وعلاقات النهار وبروز العاطفة صحية صحيحة في منحاها، تتجه الشخصية لمصالحة مع الذات وربما مصالحة بين الأضداد عند الشخصية المرتبكة وسط تلاطم أوضاع المرحلة، تبرر حال المصالحة بين الأضداد سفسطة بلا لغة برهانية، طبعا مما لا تحتاجه الرواية بمنطقتها هذه..

فلنرصد من أجل ذلك، المونولوج الخاص بحازم: “كنا أيضا نتبادل المعلومات على شحتها عما يمكن عمله لمواصلة البحث عن الشيخ.. كان يهاتفني كل يوم تقريبا.. وإن تأخرت بزيارتهم يعتب كثيرا.. وآنذاك اعتراني نوع من التصالح مع ذاتي، الشخص الوحيد الذي ربما يعرف تاريخي قد تقبل وجودي الآن.. لم تعد ثمة مشكلة.. الخير والشر، ينسجمان أحيانا، لابد لي أن أراه فأتذكر ما أنا عليه، أما هو فأعتقد أنه يريد نسيان كل الشرور التي أحاطت به، نوع من التصالح بين الأضداد.. نوع من الرضوخ حيث لا توجد قوة للرفض.. قبول الواقع على ماهو عليه، مع الأمل الشيطاني باحتمالية التغيير، مبررات للقبول والخنوع، خضعت لشعوري بالدونية معه على أمل أنني أستطيع تغيير نظرته، ولكني نسيت أن ما مضى لن يتغير، وهو قد خضع لعلاقتي به، لأنه يرى من المآسي والآلام ما هو أكبر من تاريخي إذا كان واثقا منه ومن شخصيتي، مبررات من الوهم لتقبل آلام وجودنا..“.ص ص34-44.

“وفي إحدى المرات سمعت شيئا عن رغبتهم بالسفر والعيش خارج العراق.. ولكنه كان حديثا عابرا، ورغبة اجتاحت كل العراقيين، فلم أعلق على الموضوع ولكني داخل نفسي شعرت بضيق كبير..”… في هذه الإشكالية ، إشكالية السفر والرحيل لم يكن الضيق يعتريه لرفض الفكرة بقدر ما كانت بسببٍ آخر، ما يحيل إلى ضرورة الربط بين فقرة واخرى بمتابعة مجمل نسيج الحبكة. لا بأس من أن أذكر ارتباط ذلك بعلاقة الحب الوليدة متابعة لقراءة التسلسل السردي وحلقاته. وفي هذا الإطار ينتهي الفصل بطلب يد البنت بعد حوارات متداخلة بما يفي لتوكيد غنى الرواية فهي ليست شكلا فضفاضا فارغا بل نوعاً أدبياً يمتلئ بمخزون فلسفي فكري يتناول المجتمع بدراية بتفاصيل مجرياته وانحناءاته وتعرجات تقطعاته…



في الفصل السادس يبدأ النص بتلاشي البحث الجدي عن الشيخ المفقود وكأن الأوضاع وصلت إلى حال إقرار بواقع العراق المصادَر المسلوب ومرحلة اتسمت بالتفاعل سلبا مع المجريات… “لقد فهمت الآن ما كان يفكر فيه، كان يرى نفسه فينا كلنا بمجموعنا، ويفكر بعقولنا كلنا.. لقد تغلب على ذاته، وهو الأمر الذي لم يستطع أي منا أن يفهمه وأن يتصرف وفق هذا الفهم.. لقد ضحى الشيخ بكل بحياته وراحته وترفه، من أجل أن يبني عائلة تؤطرها روابط لا تنفصم.. ولكن بمجرد اختفائه.. اختفت كل تلك الأواصر.. وبعد أيام أو أشهر، أنا متأكد أن الحديث سيبدأ حول الميراث وكيف سنتقاسمه.. إن ذلك يوم آت لا ريب.. لم يكن أحفاد الشيخ من بناته وأولاده، يحسبون أنفسهم وهم يعيشون في هذه الدار الكبيرة أنهم أولاد أعمام أو أخوال لبعض.. لا.. كانوا يعيشون كإخوة لهم أب واحد هو الشيخ ذاته.. ولكنهم الآن تغيروا كما تغير آباؤهم..“ص49 قضية فقدان الشيخ الرمز بل الواقعة المباشرة، هي قضية اكبر من حدث عابر في ميدان التعميم والخروج من الفردي الخاص إلى الجمعي العام.. وبهذا التوجه يمكن تفسير مقتبسنا من الرواية كونه واحدة من البؤر الغنية الثرة في هذا العمل الأدبي (شجرة المر)؛ وبناء على ما رصدناه حتى الآن، يمكن ملاحظة حلقات السرد التالية وكأن الحوار يجري بين غرباء في اتخاذ قرار السفر أو إعلان القطيعة مع البيت - الوطن والهوية…

أما الرواية فعلي الرغم من طابع أحداثها الدرامية فإنها ليست قطعة سوداوية منقطعة على السلبية وسوداويتها التي قد يتوهمها بعضهم عند النظر للواقع العراقي، إذ يبقى للأمل فسحته مما قد تمرره الرواية بصورة بعينها أو بمواضع وإن تنحّت لأسباب منطقية.. لنقرأ أولا منطقا يشير إلى ما وصل إليه الوضع بعامة: “هل الذي حصل كان مفاجئ ا حقا؟.. لا.. لقد تفككنا خطوة خطوة.. تساقطت أوراقنا واحدة إثر أخرى.. تهدمنا واغتربنا وسقطنا في هاوية سحيقة لحظة إثر لحظة.. كنا نشاهد أنفسنا.. نراقب كل شيء، ولكننا كالمذهولين لا نعرف أي اتجاه نسلك، وأية فكرة هي السديدة.. وابتدأنا نتقبل ما نحن فيه على أمل أن كل شيء سيكون على مايرام.. ولكن ما الذي سيكون على مايرام؟.. هل سيعود الشيخ، هل ستعود أمي، هل سيعود ثائر وعائلته؟.. لقد انقضى الأمر.. لا رجعة إلى الوراء.. لن يعود الزمن بنا!!..”….

ومع كل القراءة وتفاصيلها التي باتت تختتم المشاهد جميعا، للتعبير عن واقع عراقي غريب، بكل أبعاده ومعانيه يجيب رفيق سفر : “- أنت تعلم أني فقدت زوجتي وأولادي.. كأشخاص نعم هم فقط.. ولكن كموضوع أبعد من ذلك أنا خسرت كل شيء.. لو سألتني الآن من أنا.. لاحترت في الإجابة.. من أكون.. تاريخي كله، آمالي كلها، أحلامي كلها، حبي وعواطفي، كرامتي كل ذلك سفح وهدر في منطقة الإسكندرية.. لا أريد أن أقول شرفي أيضا.. لم أشرح لك كل شيء بالتفصيل.. لم تستمع أنت وأولادك قربك إلى صرخات زوجتك في الغرفة الأخرى مستغيثة بك وهم يتناوبون عليها..”.

لنتساءل، هل كانت تلك الكلمات هو ما أرادت الرواية نقله بتعبيرها الأدبي ولن أقول هذه المرة الجمالي منعا للالتباس في فهم البعد النقدي…؟ لعل سبب توجه تلك الشخصية التي تمثل رمزياً أحد أصوات الهوية العراقية إلى أمريكا بعد فقد العائلة واغتصاب الزوجة، يفسر كيف قرأ أحدهم المشهد، أقصد الصوت الرمز لحالة عراقية، إذ نقرأ قوله:” أنا فقدت عائلتي بسبب أميركا.. وأنت فقدت أشخاصا أعزاء عليك بنفس السبب.. ما سنفعله على افتراض أنك ستكون معي هناك، أننا سنكون بدل العائلة عشرات.. وبدل الأولاد الأربعة الذين فقدتهم سأنجب أربعين.. سأتزوج في كل ولاية امرأة أميركية.. سأنجب من كل منهن.. بأي وسيلة وبأي ثمن.. وبقدر ما أستطيع، سيحمل هؤلاء الأولاد اسمي وسيتذكرون هم وأبناؤهم الذين سيكون عددهم لا محدود مع تقدم الزمن، على الدوام أن أصولهم عراقية.. هذا هو هدفي.. سأجعل من نفسي حيوانا مزواجا.. لقد هاجمتنا أميركا بالقنابل، وبالرصاص وبكل الأسلحة.. أما أنا فسأهاجمها بالحب.. الحب فقط.. دمرت أميركا بلدي.. ولكني سأبنيه من جديد بداخلها.. هل فهمتني..”.

لا أجدني وأنا أقرأ العبارة الأخيرة للرواية إلا أمام الصورة التي توصلت إليها بمعالجتي النقدية حيث تيه يلفّ الشخصية العراقية وردود فعل تنتمي إلى ثقافة بعينها وآلياتها سواء من ذلك ما مر بمنطق رد الفعل (الثأري) أم هنا عدم النضج في التمكن من مهمة فهم الواقع بنجاعة والعبارة هذه تشي ببعض مما أشير إليه: “إنني لم أعرف بعد حقيقة اختفاء والدي الشيخ وكذلك مصير أخي وعائلته.. تساءلت في داخلي: لم الظلم دائما أقوى وأعتى من العدل؟.. لم يجد الظلم دائما مناصريه بسهولة أكثر مما يجد العدل فيها مناصريه؟“

وحيث حطَّت طائرة الهارب، طالب اللجوء في مطار اسطنبول، محطة وسيطة لكنها طبعا تبقى مجرد إشارة تريد لكل من ينتهي من تلك السردية أن يدرك أنه مازال لم يستقر في منفاه وأنه مازال يستطيع اتخاذ قرار مختلف الأمر الذي أشرتُ إليه كونه كوّة أو نافذة لأمل مرتجى وتلكم ليست نهاية لا للرواية عملا أدبيا ولا لقراءتها جهداً نقدياً وإنما أوليات افتتاح الاشتغال النقدي الذي يحاول الارتقاء إلى مستوى المنجز …

ومن هنا فإنَّ قراءتي الأولية هذه، تعد باستكمال اشنغالها ببعض أوجهها البنيوية المستحقة.. وبهذا الموضع أوجه التحية مخصوصة لكاتبٍ قدير متمكن لم يكتب مقالة عابرة بين ركام ما يحلل ويستنتج في القضية العراقية بل مبدع قدَّم روايةً عميقة الاشتغال جماليا أدبيا مع غنى مضموني بلا منتهى.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,153,448,664
- هل نضجت الحركة الاحتجاجية العراقية لتتحول إلى حركة تنوير قاد ...
- ديموقراطيو الجالية العراقية في هولندا: الأمل والعمل؟
- أغنية -أنا وشادي-بصوت لؤلؤة فيروزية لبصرة بيادر الخير
- سبيلياتُ البصرة ميدانٌ لمسرحيةِ الحالة الإنسانية بعمقٍ فلسفي ...
- النسوة العراقيات وناشطاتهنّ لسن نعاجاُ في مذبح الوحشية الطائ ...
- إدانة جريمة اغتيال الناشطة سعاد العلي
- ماذا يفضح افتقاد السلم الأهلي في عراق اليوم؟ وما سُبل استعاد ...
- إدانة الاعتقالات العشوائية في البصرة
- المرجعيات وشروطها المخادعة على المتظاهرين واحتجاجهم!!؟
- عنف السلطة وميليشياتها وعنف الثورة السلمية
- حكومة الطائفية الكربتوقراطية المفسدة ببغداد تحظر زراعة محصول ...
- بين صواب مهمة التنويري وتعويل بعضهم على وهم تحالف الأضداد
- نداء لتأسيس الجبهة الشعبية والتعبئة لحراك التغيير والانتفاضة ...
- التغيير بين قوى التنوير وأوهام الإصلاح وقواه وأضاليلها
- كيف أهملنا جسور الاتصال بين أبناء الجاليات وآثار ذلك والحل ا ...
- إدانة مؤشرات الاعتداءات والانتهاكات بالحملة الانتخابية في ال ...
- انقذوا الشعب السوري بمشروعات السلام لا الحرب
- أيّ خطاب نختار تجاه المكونات العراقية بين حق احتفالها بأعياد ...
- المرأة العراقية في يومها العالمي: مآس ونكبات ومزيد تراجع بأو ...
- توضيح بشأن أطراف الحراك العلماني الديموقراطي ونزاهتهم وإدامة ...


المزيد.....




- بعد تأخير طال 20 سنة .. الجالية المغربية بإيطاليا تبدي ارتيا ...
- المتحف العراقي.. تاريخ عريق وحاضر حزين
- رفاق بنعبد الله يدعون حلفاءهم في الحكومة الاستجابة لمطلب الش ...
- -حمدة وفسيكرة-.. النسخة الخليجية من سندريلا
- لماذا استبدل كاريكاتير صحيفة سعودية كلمة في آية قرآنية بالري ...
- ال -فدش- تقصف الحكومة وتخرج في مسيرة وطنية
- حماة أنجلينا جولي: لا بد أن تدفع جولي الثمن!
- ريهانا تتهم والدها باستغلالها!
- فنان يُخلد هذه الأغنية الشهيرة عبر تشغيلها في صحراء ناميبيا ...
- بعد تحدي الـ10 سنوات.. فنانة مصرية تتمنى الحصول على جسم هيفا ...


المزيد.....

- عصيرُ الحصرم ( سيرة أُخرى ): 71 / دلور ميقري
- حكايات الشهيد / دكتور وليد برهام
- رغيف العاشقين / كريمة بنت المكي
- مفهوم القصة القصيرة / محمد بلقائد أمايور
- القضايا الفكرية في مسرحيات مصطفى محمود / سماح خميس أبو الخير
- دراسات في شعر جواد الحطاب - اكليل موسيقى نموذجا / د. خالدة خليل
- خرائط الشتات / رواية / محمد عبد حسن
- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - تيسير عبدالجبار الآلوسي - رواية حسن متعب (شجرة المر) قراءة تمهيدية أولى