أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - آية الله الشيخ إياد الركابي - النبوة (3)















المزيد.....

النبوة (3)


آية الله الشيخ إياد الركابي

الحوار المتمدن-العدد: 6090 - 2018 / 12 / 21 - 00:14
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    



في الحلقة الماضية إنتهينا  من القول بإن   : - شهادة  أن محمداً  رسول الله -   ،  ليس  شرطاً  في إسلامية المرء ولا هي واجبة في جعل  الإنسان مسلماً  ،  ذلك إن الإسلام   هو دين  الله الذي أرتضاه لعباده  وليس هو دين محمد  ،   قال تعالى : - [  إن الدين عند الله الإسلام ] – آل عمران 19  ،  وبهذا التعريف  كان  كل أنبياء الله من المسلمين  دون إستثناء ، وأما هذه الشهادة المتقدمة  فلا تعني شيئاً  سوى   : -    الإقرار والإعتراف  والقبول  بنبوة محمد بن عبدالله وبرسالته  وإمامته  -   ،  ومن يقر ويعترف  ويقبل  بذلك  فقد أعتبر  من   -  الذين آمنوا  -   ، أي  إنه يدخل في حيز ودائرة  تلك الجماعة التي ورد ذكرها في مقابل الجماعات الأخرى  :  [  كالذين هادوا والنصارى والصابئين ]  ، فهي إذن صفة تعريف لا صفة  تقرير ،  وهي هكذا وردت  في سياقات النصوص     .
ومادمنا  في سياق البحث  عن  النبوة  ،  فإننا نقول  : -  إن النبوة  جوهر مستقل بذاته  دال  على المعرفة  اليقينية  التي بُعث بها  النبي ليكون فاعلاً   -  ،  وهذا يعني : - إن جوهر النبوة  هو تلك  القدرة المودعة فيها موهبةً وإصطفاءاً  - ،  ويكون فعل النبي  من خلالها  في الطبيعة والواقع  مقيداً   بماهو ممكن  بذاته   ، وإذا كان ذلك كذلك  فهذا يعني  : - إن ما يحصل عليه النبي من معرفة  لا يدخل في باب القدوة والأسوة -  ، ولا يمكن تمثله  في الواقع  ،  لذلك لم يرد في شأنه  : -  ولكم في نبي الله  أسوة -  ،  بل ورد ذلك في شأن الرسول  قال تعالى  : - [  لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ] – الأحزاب 21    ،  ذلك  لأن  العلة المنتجة للنبوة هي غيرها التي أنتجت الرسالة  ،  ولذلك فهي  ليست  علة يمكن  التأسي بها والعمل بموجب قوانينها  ،  ولهذا  : -  تعلق التصديق بالنبوة لا بسبب علتها المنتجة بل بسبب  فعلها في الواقع   -  ، والخطاب الموجه للنبي متضمن في العادة أسماء وصفات وأفعال  ، تتعلق  بالواقع وبالتاريخ   وبالغيب   ،  وما يتعلق بالتاريخ والغيب  هي تجليات تظهر له بالكشف  الغير مألوف    ، وليس بالكشوفات العادية  .
  وهنا ندخل بموضوعة  هامة  ألاَّ  وهي  علم الغيب  أو عالم الغيب  : -  وهل النبي يعلم ذلك   ؟    .
ننطلق  هنا أولاً  من تعريف الغيب  كما ورد في اللسان  العربي  الذي قال عنه     : [   إنه  كل ما غاب عنك  ]  فيُعدُ غيباً    ، ومن هنا ذهب  أهل  الميزان  لتبني  مفردتي  : -  الغيب  المادي  و الغيب  المعنوي  - ،  وعرفوا الغيب المادي  :  -  بأنه  ذلك  الشيء الذي يتعلق بالصورة والهيئة -  ،  وعرفوا الغيب المعنوي :  - بأنه ذلك الشيء  الخارج  عن عالمي الوجود والشهود  -     ،  ولكن  في الكتاب المجيد  جعل الغيب بمعناه  المطلق  هو لله  ومن الله  ،  قال تعالى : - [  فقل  إنما  الغيب لله ] – يونس 20  ، وأداة الحصر -  إنما -  قد جعلت الغيب ملكية خاصة به تعالى    ،  وبهذا الإعتبار يصح القول  :  إن علم ُ الغيب أو عالمُ  الغيب  دائرة مفاتحها  عند  الله  قال :  -  [  وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاَّ هو .. ]  -  الأنعام 59   ،   ولفظ  مفاتح  ليس  جمع مفتاح  أي الآلة  التي يفتح بها ما أغلق  ،   بل مفاتح  جمع مفتح  بمعنى  الخزائن  ،  ومعنى النص  : -  إن الله  عنده  خزائن الغيب  التي لا يعلمها  أحد سوآه  -  ،  أما قوله  تعالى  : -  [  عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد ]  -  الجن 26   ،  ففيه إطلاق لمفهوم -  عالم الغيب -  لكن ورود  التقييد اللاحق  بصيغة  الإستثناء  المنقطع   ، يدل على إمكانية  تزويد البعض  من الغيب  ،  يظهر ذلك  في قوله : [   إلاَّ من أرتضى من رسول ] -  الجن   27    ،  والضمير في عبارة  -   من أرتضى -   يعود  على الله   ، و التبعيض  والتنكير  في قوله    -  من  رسول  -  وردت  كدليل على من حمل الوحي  وجاء به  من عند  الله لمن أصطفاه من الأنبياء  
    وأداة الحصر أو الإستثناء  -  إلاَّ  -  إنما تتحدث  عن بعض الغيب  الذي يظهره الله لبعض رسله من ملائكته   ،  ويُفهم هذا  من إطلاق لفظ  -  أرتضى -  كونه مشعر بذلك  ،  وصيغة أرتضى  غير صيغة أصطفى الخاصة  بما يُناسب النبوة والأنبياء  ،  وجملة   - إلاَّ من أرتضى من  رسول  -  دالة على  الملاك  الذي أرتضاه  الله  ليكون  حاملاً  للوحي  ،  والجملة  لا تدل على  من يُبلغ وينفذ الأوامر والنواهي  والأحكام  ،  (   لأن  هذه  الجزئية ليست  من عالم الغيب الذي يتحدث عنه النص   )   ،  وكما قلنا : -  لا بد  أن يكون هذا الملاك  الذي  أرتضاه الله  ليخبر  النبي  قد  أطلعه الله  على هذا الغيب  -   ،   فمثلاً   قصة  إبراهيم   وقصة  لوط  وقصة  موسى أو قصة عيسى أو قصة  مريم وغيرها  ،  بُلغت  للنبي بواسطة هذا الرسول  الذي أرتضاه  الله  ، فأطلعه على ذلك   ،  ويجب أن نفهم   : -  إن  صيغة الإظهار أو الإطلاع  في هذا الباب  ،   (  هي  تجليات وإيحاءات  وليست حروفاً أو كلمات   )   -   ،  وهذا ظاهر في  قوله تعالى : -  [ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا *  ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا ]  -  الجن  27  ، 28   ،  وهذه الحتمية  أو قل هذه  الجبرية  تكون  مع الرسل  الغير مخيرين  والغير  مجتهدين   ،  الذين وصفهم الكتاب  بالقول : [  ..لا يعصون الله ما أمرهم  ويفعلون ما يؤمرون ] -  التحريم  6   (  وهذه  صفات  الملائكة )   .
  لكن  الرسول  الحاكم  الدنيوي  يكون  فعله  وعمله  قائماً  على الإجتهاد  والنظر  ،  وليس  فيه جبرا أو  تفويضا  ،  إنما فعله وعمله خاضعاً  للواقع ومتناسباً مع الطبيعة ،   بدليل قوله  : [  لا يكلف  الله نفسا إلاَّ وسعها ... ] – البقرة 286  ،  ويتعلق هذا  بالكيفية والطريقية في تنفيذ الأوامر والنواهي  ، ونعود  لنقول  : -  إن الإظهار  في معناه  يكون  على شكل وسيلة إيضاح  رمزية -   ،  ولكن  ماذا  نعني بذلك  ؟   ،  نعني به  إن فعل المضارع يسلك لما جيء به هاهنا  ،  أستخدم  كعامل  رصد ومتابعة   في طريقة فهم  الوحي  وإيصال  معناه  ، وفي هذا تكون الإشارة هنا بمثابة الضبط  والإحكام  في عملية الإبلاغ  الموكل  بنقلها الملائكة  للأنبياء  .
لذلك   قيل  :  - وهذا  فعل  وأداة مساعدة  في فهم النبي  جاء بها الوحي  -    ،   ولكن  كيف  وماهي لغة التخاطب بين الملاك والنبي  ؟ ، لغة التخاطب  مرتبطة  بحسب  طبيعة  وكيفية الوحي  ، ولايمكن الجزم بطبيعة لغة الملائكة    إذ  ليس هناك  لغة  معينة ومحددة  يمكننا وصفهم بها  ،  إنما اللغة التي نفهمها عنهم  هي عبارة عن   رموز وإشارات  (  إيحاءات )   تُحاكي عقل النبي ومُقدار فهمه   ،  ومن خلال  ذلك  تتم عملية إيصال المعنى المطلوب للنبي   ،  والنبي  مكلف بوضع هذه المعاني في قوالب لفظية دالة ومناسبة للمعنى المطلوب  ،   ويعني هذا  إن ما يحصل  عليه  النبي من الملائكة هو عبارة عن  معاني  وليست إلفاظاً  وكلمات   ، لكن النبي  فهم هذه المعاني بلغته  وصبها في قوالب لفظية مناسبة وبنفس السياقات المطلوبة  ،  وكأن  هناك تماهياً  وليس تخيلاً في المعاني والألفاظ  بين الملائكة والنبي      .
  يجري  هذا  وبنفس السياق  حتى في النصوص التي  نسمع  بها  انه قال  – إنني أنا الله -  ،   أو -  لاتخافي ولا تحزني -   ،   أو  -  قال إنما أنا رسول ربك -  ،   أو -  قالوا نحن رسل ربك -  ،  وكأن هذه الصيغ وغيرها  وردت بصيغة  كلمات  وحروف  ،  والحق إنها لم تكن كذلك  ،  أي إنها لم تكن كلمات وحروف  ومفردات لفظية  ،  إنما  كانت  معاني تصورها النبي  ووضعها  في قوالب لفظية  متناسبة معها   ،  وإلى ذلك يُشير صاحب الكفاية في قاعدة التناسب بين الحكم والموضوع  ،   تلك القاعدة  المضطردة  والتي  تجري في كل ماهو متصور وممكن    ،  وفي بيان ذلك والرد عليه  قال تعالى   : - [  وللبسنا عليهم ما يلبسون  ]  - الأنعام 9  ،  أي بالإستحالة  في  مستوى الهئية والصورة ،  وهذا القيد يسري حكمه  على كل الإطلاقات الواردة في الصيغ المتقدمة  (  سواء في حكاية إبراهيم  وقصة العجل الحنيذ أو لوط وقصة قومه الذين جاوءا يهرعون )    ،  والتي قد يفهم منها ذلك المعنى البعيد  .
  وبنفس الدليل  يمكننا القول  : إن لغة الله  غير قابلة للتصور ،  حين نفهم  أو نريد منها هذه الكلمات والحروف  ،  وحين يوصف  بالمتكلم  فالوصف  صفة بيان للمخاطب  لا تدل على الذات  ولا تخبر عنه   ،  وقد قلنا في غير مناسبة  (   إن  صفاته  غير ذاته )  ،  وللتوكيد  ورد القول التالي : - [  .. ليس كمثله شيء .. ] -  الشورى 11  والكلام عن الذات  .
ونعود للقول   : -  إن النبي  لا يعلم الغيب  -  ،  وأما ما يحصل عليه  من علم  فهو  معرفة  غير مسبوقة  يأتي بها  الوحي  ،  ومع العلم بهذه المعرفة تصبح حقيقة طبيعية أو علماً طبيعياً   ،   وكل  شيء  لا يُعلم  أو يكون مجهولاً  يُعدُ  غيباً  ،  ومع العلم به تنتفي عنه صفة الغيب ويصبح واقعاً  يُفهم من خلال علله   ،  التي تكون بالفعل قد أصبحت معلومة  [  ومن هنا نقول : - ليس في كتاب الله غيب  -  ]  ،  وقد دل على ذلك  ماقاله  الإمام علي  عن معنى الغيب في الكتاب  ،  نعم هناك إشارة للغيب  كما يظهر في قوله تعالى   : - [  1 – إن الله عنده  علم الساعة ، 2  -  وينزل الغيث  ، 3  -  ويعلم ما في الأرحام  ، 4  -  وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ، 5  -  وما تدري نفس بأي أرض تموت .. ]  -  لقمان  34  ،  وقد أختُلف  في معنى و مفهوم  - علم  الساعة –   ،  فمنهم  من أعتبر العلم بالساعة دليل على يوم القيامة  ،  والمُراد بيوم القيامة  هو   قيامة الإنسان  التي تكون  عند موته مباشرة   ، ومنهم من أعتبر العلم بالساعة  هو العلم بنهاية الكون   .
  وفي الحالة الأولى :  تكون الساعة أو العلم بالساعة حكاية عن موضوعة الموت عن الكيف وعن الزمن ، بمعنى إن العلم بكيفية الموت وزمن الموت  هو مما أختص الله بعلمه ،  وبما  إن الموت هو قيامة الكائن البشري ،  فيكون  العلم بالساعة بهذا المعنى هو العلم  بزمن الموت وكيفيته  ،  يعني العلم بقيامة الإنسان  .
  وفي الحالة الثانية :  يكون العلم بالساعة  هو  العلم بنهاية الكون  ،  ونهاية الكون مرتبطة  بمعرفة  العلل  المنتجة لهذا الكون ،  أي  العلم بالغاية من وجوده  ، وفي هذه الحالة  تنتفي الغاية  من وجود هذا الكون ،  فينتهي إلى زوال بعد أن يفقد مبررات وجوده  ، فيكون العلم بالساعة  بهذا اللحاظ  أيئذاناً بنهاية الكون  ، ولكي يكون ذلك ممكناً  لا بد من عمل وجهد يقوم به -  الراسخون في العلم  -  لمعرفة هذه العلل وغايات وجودها   ، وهؤلاء  وحدهم القادرون على تحليل الكون ومعرفة خفاياه ومعرفة العلة من وجوده   ،  هذه النقطة قال عنها الله إنها من علم الغيب الذي هو من أختصاصه    .
  والموضوعات الأربعة  الأخرى المذكورة في سورة لقمان   تقع في تلك  الدائرة  ،  أي في دائرة البحث  عن العلل  المؤدية  إليها ،  وكشف ذلك من مهمات  -  الراسخون في العلم  -  ، أعني  معرفة  تلك العلل   ممكن  في ظل  تطور أدوات وآليات البحث العلمي   .  
ولكن هل النبي  هو من  - الراسخون في العلم -  ؟   ،  في تعريفنا للراسخين في العلم  قلنا : إنهم  تلك الجماعة التي تعتمد في تحليل الموضوعات على البحث والإستقراء والبرهان  ،  وفي ذلك الطريق يستخدمون أدوات بحث علمية ومعرفية خالصة  ،  وبما إن النبي   ليس باحثاً  علمياً  أو يستخدم أدوات  البحث العلمي  ،  لذلك فهو بهذا اللحاظ ليس راسخاً في العلم   ،  إنما  هو  موجه  للعقل  لكي يستخدمه ويسخره  في المجال العلمي ،  وإخراجه  من دائرة الصمت إلى دائرة الحركة والبحث    ،  وإلى ذلك  أشار النص الآتي حين قال    : - [  إن أستطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلاَّ بسلطان ] – الرحمن 33  ، والكلام فيه  عن القابلية وعن الإمكانية  ودعوة  العقل  لإكتشاف المجهول  ،  عن طريق  البحث العلمي  والنظر من خلال  الآليات  و الأدوات   ،  والتي بها ومن خلالها يمكنه  النفاذ  والتحرك  ،  لمعرفة العلل الحاكمة لهذا الكون  ،  وقد أستخدم فعل الأمر  -  أنفذوا -  ولكن  بشرط  التمكن  من  معرفة  العلل  التي من خلالها يتم النفاذ  أو المساهمة في عملية النفاذ ،  وهذا  يعني  إدراك ما يوافق قانون  الطبيعة  و الوجود   .
يُميز  العرفاء في مقولاتهم  بين  الصورة اليقينية   و المعرفة اليقينية  ، كتلك التي يحصل عليها النبي عن طريق الوحي ، فالمعرفة  اليقينية  هي معرفة  بالرموز والإشارات  ( الإيحاءآت )  ،  والصورة اليقينية سابقة للمعرفة  وتظهر عند الكلام عن متلازمة  الوحي والنبوة   ،  والإيحاء أو الوحي  مشتق  في العهد القديم    من لفظ  -  روا  -  التي تدل على كلمة  -  روح  -  في العربية   ،  ومعناها    -  الريح -  ،  ولها إشتقاقات متعددة في اللغة  العبرية   ، منها الذي  :
1  -   ورد بمعنى   -  نسمه  -  كما في المزمور 135  النص  17  قوله (   وليس في أفواههم  نسمة )  .
2  -  ورد  بمعنى   - نفخ فيه -    كما في سفر صموائيل -  الأول 30 : 12 -  قوله  ( وعادت إليه روحه )  أي نُفخ فيه   .
3  - ورد  بمعنى   - قوة   -  كما في سفر يشوع ( 2: 11 )  قوله  (  ولم يبق في أحد روح )   -  .
4  - ورد  بمعنى  - صفة  للقدرة -   كما في سفر أيوب  (  32 : 8 )  قوله  -  لكن في البشر روحاً -  ،  أو كما قال في سفر العدد  (  26 : 18 )  -  إنه رجل فيه روح -  .
5  -  ورد  بمعنى   - رأي  -  كما في سفر العدد (  14 : 24  )  قوله  -  فيما أنه كان له روح آخر -   اي رأي آخر  أو فكرة أخرى  ، قال في الأمثال :  (  1 : 23 )   - فإني  أفيض عليكم  من روحي -  .
6  -  ورد  بمعنى  - نفس الإنسان  -  كما  في سفر الجامعة  (  3 : 19 )  ،  قوله -  ولكليهما روح واحد -  أي  نفس واحدة   .
7  -  ورد بمعنى   - جهات العالم  -  كما في سفر حزقيال  (  37 : 9  و42  )  ،  قال -  بسبب الرياح التي تهب منها -  .
وفي - أشعيا وروحكم نار تأكلكم  -   ،  إذن  فكلمة  (  روا )   العبرية التي مرت ترجمتها ، إنما  تعبر عن  الروح  في كل هذه المعاني  المتقدمة  ،  ويظهر ذلك  في شرح التوارة  البابلية  لمعنى  روا على أنها  الروح أو هي الروح   ، وبحسب المزمور السابع  فالروح ليست واحدة بل هي أرواح متنوعة  تكون بحسب الطبيعة  والوضع  ، فمنها العالية ومنها  الهابطة ومنها الشريرة ومنها الطيبة  ،  وهذا المعنى يقترب من المعنى الوارد في سورة الشمس  النص رقم  8  ،  قوله تعالى : -  (  ونفس وما سوآها فألهمها فجورها وتقوآها )     ،    ولابد من التذكير  هنا  بأن اللغة العبرية حين تستعمل المصدر ، تستخدمه  بصيغة الصفة   وهذا شائع جداً    ..
 ونعود لنقول : -   أن  لا  ملازمة  عقلية  بين صورة اليقين  ومعرفة اليقين  -  ، كذلك لا ملازمة  عقلية  بين المعرفة  وبين طبيعة  الذات   ،  ونقصد بالمعرفة  تلك  التي يحصل عليها النبي  بواسطة الوحي ،  وهذه  المعرفة  من صفاتها النسبية  والمحدودية  لكونها تتعلق  بموضوعات معينة   ،   ولهذا  لا يصدر عنها إلاَّ فعل مخصوص واحد ، وحتى يتمكن النبي   من هذه المعرفة  لا بد  أن يكون بينه  وبين  الملاك  شيء مشترك  ، وهذا الشيء  هو الذي يُسهل عليه  عملية الفهم  والإدراك   ،  ولولا ذلك الشيء المشترك بينهما   لما تمكن النبي من فهم إيحاءات الملكوت ورموزه وإشاراته ، ولولا ذلك أيضاً  لمتنع وجود المعاونة بينهما  ، ويدخل في ذلك  الشيء  المشترك  الغاية الفاعلة والغاية القابلة والغاية التامة ، وشرط وجود أياً من هذه الغايات   مرتبط بوجود علة من سنخها لا تنفك عنها ولا تحول  .
 وتكون النبوة بهذا الوصف معقولة لمن يؤمن بها ولمن هو شاك أو ناف لها ، لأن هذا يأتي  من طبيعتها أو من خلال ما تتم به في التتالي أو في التبدلات .
وقد أعتبرت  المباحث الكلامية  هذا الشيء  هو -  مبدأ اللطف  -  والذي يعني  :  -  إن وجود النبوة لطف من الله   -  ، وبما إنها كذلك  فهي  تنقسم  عندهم  إلى  ثلاث معان
أولها   :  أن يكون اللطف  بمعنى التفضل الدال على  التقدم على الغير ، كما نقول فلان فائز بتفضله على غيره .
وثانيها :  أن يكون اللطف  بمعنى  التفضل  أي (  الموهبة المجانية )  ،  كقولنا أنا أوليك هذه المكرمة .
وثالثها :  أن يكون اللطف   بمعنى التفضل  عرفان الجميل ، كقولنا  أنَّا نقابل الفضل بالنعمة .
وثاني هذه المعاني يتوقف على الأول ،  [  فإن هبة شيء ما إلى بعض الناس مجاناً  ]   ،  إنما ينشأ عن الحب الذي يظفر الموهوب إليه بحظوة عند الواهب  ،  والمعنى الثالث  يصدر عن المعنى الثاني ، فإن -  المنُ يتبع الصنيعة -  ،  وواضح إن الفضل بالمعنيين الأخيرين يوجب في مقابلها شيئاً ، وهو في الأول الموهبة المجانية ، وفي الثاني عرفان هذه الموهبة ، ولكن اللطف بالمعنى الأول فيه فرق بين لطف الله ولطف الإنسان ، إذ إن لطف الله بمعنى محبة الله الأزلية التي يحظى بها  من قد أصطفاه وقربه ، وهذا هو الذي يُبنى  على يقين خالص ..
آية الله الشيخ إياد الركابي
14 ربيع الآخر 1440





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,561,661,281
- النبوة الحلقة الثانية
- المفهوم الإفتراضي لمعنى قوله تعالى : [ فلا أقسمُ بالخنس ، ال ...
- تداعيات النص 40 من سورة التوبة
- المعجزة والتاريخ
- السُنة التاريخية و السُنة الطبيعية
- هل التاريخ يُعيد نفسه ؟
- ما الفرق بين بكة ومكة
- قول : ( في نسبية مفهومي الجنة والنار )
- خرافة عالم البرزخ
- - الخلل المفاهيمي في لغة النص : - القلب ، الفؤاد ، العقل .. ...
- في معنى قوله تعالى : [ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ، ولكن ...
- إشكالية الحكم في الإسلام
- تحرير العقل المسلم
- الإسلام والتشيع جدل اللفظ والمعنى
- السنٌة والشيعة ... إشكالية المفهوم والدلالة


المزيد.....




- هل يمكن للحيوانات معرفة الغيب والتنبؤ عن الزلازل؟ 5 خرافات ن ...
- 4 أمور انتبه لها باتفاق -تعليق- عمليات تركيا في سوريا بعد لق ...
- -إكسير الشباب- في أذربيجان فوائد صحية فريدة لا توفرها أي ميا ...
- قوات سوريا الديمقراطية تتعهد بالالتزام باتفاق وقف إطلاق النا ...
- ليلة ليلاء رابعة من الاشتباكات في برشلونة والحركة الانفصالية ...
- تجارة الإغواء: دورات عملية للإيقاع بالفتيات
- ليلة ليلاء رابعة من الاشتباكات في برشلونة والحركة الانفصالية ...
- فرنسا تعرض نقل معتقلي تنظيم الدولة بسوريا لمقاضاتهم في العرا ...
- امتحان لرئيس وزراء بريطانيا.. اتفاق بريكست الجديد يواجه معار ...
- ورد اسمه في إجراءات محاكمة ترامب.. استقالة وزير الطاقة الأمي ...


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - آية الله الشيخ إياد الركابي - النبوة (3)