أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - نادر عبدالحميد - کردستان العراق: الاوضاع السیاسیة، الاحتجاجات الإجتماعیة والآفاق السیاسیة المختلفة















المزيد.....


کردستان العراق: الاوضاع السیاسیة، الاحتجاجات الإجتماعیة والآفاق السیاسیة المختلفة


نادر عبدالحميد

الحوار المتمدن-العدد: 6082 - 2018 / 12 / 13 - 22:25
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


کردستان العراق: الاوضاع السیاسیة، الاحتجاجات الإجتماعیة والآفاق السیاسیة المختلفة
أولا: الوضع السياسي في كردستان هو امتداد للوضع السياسي في العراق
رغم کون کردستان العراق خارج سیطرة السلطة المرکزیة منذ عام (١٩٩١)، ورغم تطوره المستقل نسبیا عن عموم العراق من جمیع النواحي الاقتصادیة-الأجتماعیة والسیاسیة-الفکریة، إلا إنه ظل جزءًا غیر منفصل عن الوضع السياسي للعراق وامتدادا للتغیرات السیاسیة والاجتماعیة الحاصلة فيه.
إن الاوضاع السیاسیة الحالیة في کردستان العراق هي حصيلة مسيرة تاريخية للعقود الثلاثة الماضیة من التغیرات والتحولات التي مر بها العراق، بدأ من حرب الخليج الاولى (كانون الثاني ١٩٩١)، الانتفاضة الجماهيرية (آذار ١٩٩١) ومن ثم قرار فرض منطقة حظر الطيران (No Fly Zone) لقوات التحالف (بريطانيا، فرنسا والولايات المتحدة الامريكية). حرب الخليج الثانية، اسقاط النظام البعثي (نيسان ٢٠٠٣) واحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الامريكية وبدء حیاة سیاسیة جدیدة في المجتمع العراقي، ... وإنتهاء بدحر سیطرة "داعش" وطرده من الموصل (صیف ٢٠١٧)، واستعادة سیطرة الدولة المرکزیة علی مدینة (کرکوک) و "المناطق المتنازع علیها" بعد هزیمة قوات البيشمركة التابعة للحزبین الحاکمین في الاقلیم علی ید الجیش و میلیشیات "الحشد الشعبي" (تشرین الاول/اکتوبر ٢٠١٧).
هذه الاحداث والتغيرات التي حصلت في العراق، هي انعكاس لتمحور مصالح (الولايات المتحدة الامريكية) في العراق في نهایة عصر الحرب الباردة، وإثناء وبعد إنهیار الکتلة الشرقیة السوفیتیة، والتي أدت بدورها الى اضعاف حكومة البعث وبالتالي سقوط هذه السلطة باعتبارها سلطة الحركة القومية العربية، ومن ثم انهيار الدولة في العراق وانحلال لحمة المجتمع والتي أدت بالتالي الى ايجاد فراغ سياسي- اداري وأمني، وظهور الارهاب وتدخل دول الجوار في الشأن الداخلي، وكذلك تطور وتقوية تيارات الاسلام السياسي والحركة القومية الكردية ومشاركة هذين التيارين في اعادة ترسيم الدولة الجديدة في العراق.
هذه التغييرات، وفي بدایة الامر على صعيد کردستان، أدت الى الدفع بالأحزاب والقوى المختلفة للتيار القومي الكوردي الى نوع من التنسيق والتآلف (توحيد" البيت الكوردي ") بالأخص بعد سقوط "نظام البعث" والتي تبرز في الظواهر التالية:
تشغیل برلمان کردستان المعطل منذ سنة (١٩٩٤) من جدید، توحيد "ادارة السليمانية" و"ادارة أربيل" في حكومة مشتركة. التوقیع علی "الاتفاقیة الاستراتیجیة" او التحالف الاستراتیجي بين "الحزب الدمقراطي الکردستاني" و "الاتحاد الوطني الکردستاني" عام (٢٠٠٧) من أجل تقاسم المناصب والإدارة في الاقليم وفي المرکز (بغداد)، ولحاق الاحزاب والقوى الصغيرة بذيل هذين الحزبين، التحالف الكامل لهذه الجبهة القومية الکردیة مع الاسلام السياسي في كردستان، وبذلك، دفعت هذه التغيرات بأقليم کردستان نحو نوع من "التلاحم القومي" وتشكيل دولة محلية تحت اسم "حكومة إقليم کردستان" بعَلمها الخاص ضمن دولة العراق المنهارة.
هذه الظاهرة "حكومة أقليم کردستان" هي حصيلة فعالية ونشاط التيار القومي الكوردي في هذه الحقبة التأريخية، وبالاخص حصیلة ذیلیتە للسیاسات الأمبریالیة الأمریکیة في حربی الخلیج وإحتلال العراق وفي الفراغ السياسي الناجم عن إنهيار الدولة في العراق.
هذه الحكومة، رغم التسلط الأسري والعشائري، رغم التسلط الميليشياتي والأجهزة الأمنية للحزبين على مؤسساتها، تعمل کمٶسسة طبقية للبرجوازية الكوردية، للاستثمار الرأسمالي والإضطهاد الطبقي وقمع الإحتجاجات. تعتبر كذلك وسيلة للدفاع عن المصالح الستراتيجية للبرجوازية الكوردية بشكل عام في صراعها وتعاملاتها مع الدولة المركزية ودول المنطقة، و وسيلة لاعطاء الشرعیة القانونیة لعلاقاتها مع العالم الخارجي ومراکز القوی العالمیة کالاتحاد الاوربي والولایات المتحدة الامریکیة وروسیا.
هذه التغييرات دفعت بکردستان الى نوع من التطور الاجتماعي-السياسي والثقافي، مستقل الى حد ما، عن وسط وجنوب العراق، وكأقليم فدرالي اصبح واقعا سياسيا ودستوريا في العراق منذ سنة (٢٠٠٥).
وجود الأمن والأمان السياسي في الأقليم مقارنة بوسط وجنوب العراق بعد سقوط "نظام البعث"، مهد الطريق للرأسمال الخارجي كي يجعل من كردستان نقطة انطلاقه نحو السوق العراقية بشكل عام. ووفقاً لذلك، فأن دخول الرأسمال الخارجي وتوجه الشركات الأجنبية لداخل كردستان، بالتزامن مع الواردات الناجمة عن حصة الاقليم من ميزانية الدولة المركزية في السنوات العشرة الأولی (٢٠٠٣٢٠١٣) التي تلت سقوط "نظام البعث"، ادى الى نمو التجارة وتطور قطاع البناء والاعمار والارتقاء بالمستوى المعيشي والرفاهي، ومجيئ العمال الأجانب الى كردستان، مما أدى الى إنتعاشٍ وتطورٍ فكري، سياسي، أدبي وثقافي في الأقليم. بالتزامن مع هذا، برز فساد الى أبعد الحدود، رافقَ ذلك اعتراض جماهيري ضد انعدام الخدمات.
كلا الحزبين الكبيرين المنتميين الى التيار القومي الكوردي، وفي خضم هذه التغييرات، بادرا الى سلب ونهب واضح ومنقطع النظير للمال العام. خلال هذه العملية التاريخية أصبحا يمتلكان ثروة طائلة، فبدءا باستثمار هذه الثروة واحتكار السوق. حاليا، أصبح هذين الحزبين في كردستان، شركتين احتكاريتين لاقتصاد كردستان بالاخص بعد تقسيم حقول النفط في كردستان بينهما. عندما يلتفت "الاتحاد" الى مصالحه التنظيمية وموقعه كحزب سياسي في کردستان أمام "الدمقراطي"، ينتابه القلق من مستقبله، ولكن عندما ينظر الى مصالحه الاقتصادية، يضطر لتقوية تحالفه الستراتيجي مع هذا الحزب بأوثق ما يمكن. ان جوهر "الاتفاقیة الاستراتیجیة‌" او مایسمی بـ"التحالف الستراتيجي" بين هذين الحزبين، هو تأسيس كارتيل (Cartel) اقتصادي-سياسي قَـسّمَ سوق کردستان، و واردات المجتمع و السلطة بين هذين الشركتين ("الدمقراطي"و "الأتحاد") وفقا لحصة كل منهما.
ثانیا: ملف الحركة القومية الكردية
ان تيار الحركة القومية الكردية في کردستان العراق، رغم كل عشائريته وتخلفه الثقافي وانعدام الخبرة في تأمين متطلبات الرأسمال، الا انه يعتبر انعكاسا لتراكم الرأسمال وحركة الرأسمال في ميدان السياسة. خطی هذا التيار خطوات نحو سلخ جلده السابق والمزین بصورة الجبال والسلاح وكل ما كان يعتبره رمزا ونموذجا لـ"ثورته" و"ثوريته" و بدأ يحاول الظهور بجلد آخر، متمدن وحضاري وبتباهٍ ليبرالي. يحاول ان يحتل موقعه داخل الطبقة الرأسمالية في كردستان. يخطو، رغم خطواته السلحفاتية، كي يتمكن أن يصبح "سلطة رأسماليي" كردستان بالاضافة لكونه ممثلاُ "لسلطة الرأسمال". أي بمعنى آخر، توسيع رقعة البنية الطبقية عن طريق إشراك الشرائح المختلفة للبرجوازية على "المائدة" أي سوق الاستثمارات وكذلك في"صالة الاستقبال" أي البرلمان. إن المعارضة القومیة اللیبرالیة في کردستان هي قوة دافعة وضغط على الحزبین "الدمقراطي" و"الاتحاد" للاسراع بتلك الخطوات السلحفاتية في هذا الاتجاه.
رغم إن الحركة القومية الكوردية لم تتمكن من إقامة دولتها المستقلة، إلا انها استطاعت أن تتطور و تكتسب قوة كبيرة، وان تتقدم بجد وأن تُهَمّشَ بقية التيارات السياسية الأجتماعية الأخرى ومنها اليسار في کردستان حيث دفعت به الى حاشية المجتمع، وان تجعل من الأسلام السياسي حليفها وتضعها بین كفي كماشة كذلك. أصبح هذا التيار من أحد أعمدة وركائز السلطة داخل الدولة المركزية فى بغداد. کما وثَبّتَ هيمنته على كردستان، وله حكومته وبرلمانه. وأصبح إحدى عوامل متانة الحركة القومية الكوردية في الشرق الأوسط عموما، وعاملاً للحفاظ على أمن واستقرار المناطق الحدودية وقَبِلَتْ به أنظمة الدول المجاورة كأمر واقع. إکتسب مكانة في الأوساط الدولية كالأتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية. ومن الناحية الأقتصادية أصبح يمتلك الحقول النفطية و وقّعَ عقوداً نفطية مع کبری الشركات العالمية، الامریکیة، البریطانیة والروسیة.
إن اسلوب وطريقة الحركة القومية الكوردية للوقوف بوجه تطاولات وحملات الحكومة المركزية علی کردستان ونيل الحقوق القومية تمثلت في جمع القوى العشائرية والاقطاعيين في الماضي القریب، والاعتماد على الدول المجاورة والامبريالية الامريكية وجعل المسألة الكوردية لعبة بين الدول الامبريالية والقوى الأقلیمیة في المنطقة. اما على الصعيد الداخلي في العراق فتمثل في التحالف مع القوى والتيارات القومية والاسلامية والذين كانوا قوى المعارضة ضد النظام البعثي، من أجل تقسيم الدولة العراقية وصیاغتها على أساس المحاصصة والتوزيع القومي والديني، وليس على أساس المواطنة، مما ساهم في تعميق الهوة والخلافات القومية والدينية بين سكان العراق وكذلك ربط المسألة الكوردية وحقوق مواطني کردستان بالصراع على نيل الحصة الأكبر من الدولة العراقية من قبل كل من القوى القومية والدينية والطائفیة. لذا فأن جماهير کردستان العراق بالاضافة الى كونها ضحية مصالح الامبريالية تأریخیا والسياسات الفاشية للقوميين العرب، كانت ضحية السياسات الرجعية للقوميين الاكراد كذلك.
التيار القومي الكوردي كما هو الحال مع التيار القومي العربي له جوهر معادٍ للحرية. کان هذا التيار وطوال أکثر من نصف قرن عائقا بوجه صياغة الدولة العراقية على أساس المواطنة وتأمین الحقوق المدنیة للمواطنين. ان ماضيه كما هو الحال بالنسبة لحاضره لم يكن سوى السير في ركب الامبريالية والرجعية والتحالف مع أشرس القوى الدينية والقومية في العراق.
أما على صعيد کردستان، فأن الاحزاب المنتمية لهذا التيار لم تكن أيديهم فقط ملطخة بدماء "شيوعيي العراق" و" شيوعيي کردستان" والاحرار فحسب، بل انهم لم يترددوا حتى في قتل المسلحین والنشطاء السياسيين لبعضهم البعض، والتعاون مع الأجهزة الأستخباراتية لدول المنطقة من اجل إغتيال المعارضين أو للهجوم العسكري على الحركات القومية المسلحة للاجزاء الأخرى من کردستان.
بالاضافة الى ذلك فأن هذه الاحزاب الحاكمة تحاول في الوقت الحاضر ان تخنق أي صوت حداثوي حضاري وان كان منقوصاً، أي صوت علماني، أي فعل ذو طابع غربي للمثقفين الليبرالين في کردستان وذلك عن طريق وضع مختلف المطبوعات الصادرة من قبل "وزارة الثقافة" تحت رقابة "وزارة الأوقاف" في الاقلیم، هذا من جهة وتغض الطرف عن فتاوى أئمة المساجد من جهة اخری، والتي تهيء الأرضية لأعمال العنف وحتى الاغتيال بحق نشطاء حقوق المرأة، بحق الكتاب، والمثقفين التقدميين والعلمانیین الداعين الى التمدن والعصرنة. وليس من المستغرب، وطوال ربع قرن من حكم احزاب الحرکة القومیة الکردیة أن يكون عدد الضحايا من النساء اللواتي قُتِلنَ بحجة الدفاع عن الشرف أكثر من عدد ضحايا القصف الكيمياوي على مدينة حلبجة.
ان البرنامج الأقتصادي لكافة الاحزاب القومية في کردستان العراق، بصغيرها وكبيرها، بعشائريها وليبراليها، باسلامیها وعلمانیها، ببرلمانها وحكومتها المشتركة، هو انفتاح کردستان على الشركات العالمية و "خصصة الأقتصاد والسوق الحرة". وهذە الستراتیجیة الأقتصادیة النیولیبرالیة تعني حرمان العمال والكادحين في کردستان من الخدمات وسلب حقوقهم وجعل حياتهم رهناً بمٶشرات السوق من أجل حصول الرأسمالیین على اعلى قدر ممكن من الأرباح، تعني العمل الشاق والمظني واجور متدنية لا تكفي سوى لابقاء العمال أحياء، تعني حرمانهم من الضمانات الاجتماعية، تعني جعل كردستان حقلاً خصباً للنهب والسلب من قبل رأسماليي الداخل والخارج.
هذا الأضطهاد يستوجب القمع وحرمان هذه الطبقة من حرية التنظيم وحریة الاضراب والتظاهر، يستوجب حتى منع النشاط النقابي للدفاع عن مصالح العمال المهنية. ان ظروفاً اجتماعيةً - اقتصاديةً كهذه تحتاج لاستعمال "المقدسات" الدينية والقومیة كي تقف عائقاً بوجه مطالب وتوقعات الجماهير الرامية لخلق حياة عصرية، تحتاج الى فتاوى أئمة المساجد ضد المثقفين والكتاب والصحفيين لكتم أفواههم وخلق أجواء ثقافية مظلمة متخلفة، أجواء خانقة، أجواء تعتبر الأفضل لتستر الفساد و جني الارباح، بمعنى آخر فأن هذه الظروف لأضطهاد و حرمان عمال و کادحي کردستان ولسلب ونهب الاموال العامة تحتاج لسلطة بوليسية وحکومة من نوع الحكومات الأسرية لشيوخ السعودية والخليج.
ان مسار التغييرات في كردستان العراق بعد سقوط "نظام البعث"، كان تخبطاً للاحزاب القومية الصغيرة وانعزالها وصغر مكانتها في المعادلات السياسية في العراق وكردستان، مقابل تمحور كامل السلطة والاقتصاد في كردستان بيد هاتين القوتين الكبيرتين هذا من جهة، وتغيير ميزان القوى لصالح "الدیمقراطي" مقابل "الاتحاد" وازدياد نفوذه من جهة أخرى.
ان حزباً قادراً على أن يصبح حزباً بوليسياً قمعياً في کردستان وان يجمع کل اعمدة السلطة في ید أسرة واحدة، هو حزب "الدمقراطي". لأنه حزب متماسك منضبط داخلياً، والفضل يعود الى العلاقات الأجتماعية العشائرية السائدة فيه مثل الخضوع الأعمى لأوامر "القادة" و "الأسرة" والتي حوّلها هذا الحزب الى رمز قومي "مقدس" يتخذ منها وسيلة لقمع أي اعتراض بوجه سلطته، حزب يمتلك "قادة" و "أسرة" يربون ويهيئون من الآن ابناءهم وأحفادهم لتولى كرسي الحكم وقيادة الأقليم. هذه الخصوصية لـ"الدمقراطي" تعطيه الأمكانية كي يصبح مؤسسة قمعية للحفاظ على کردستان كمرتع خصب للاستثمار والاستغلال والنهب والسلب. كل ذلك جعل من هذا الحزب موضع ثقة وإطمئنان البرجوازية الكوردية. ان سر كسب القوة وعلو كعب "الدمقراطي" مقابل "الأتحاد" في الظروف الحالية لکردستان يكمن فيما ذكرناه، يكمن في الثقة والأطمئنان الذي أعطته البرجوازية الکردیة لـ"الدمقراطي". ان نمو وتراكم الرأسمال في کردستان يستوجب فرض الأستبداد البرجوازي على شاكلة سلطة ارستقراطية أسرية كما هو الحال مع آل سعود و آل قابوس ... کان ذلك هو بالذات سر سطوع نجم "رئيس الأقليم" وأسرة البارزاني حتی الأستفتاء العام في ایلول (٢٠١٧).
ثالثا: ولادة التیار الليبرالي-القومي
بدايات بروز هذا التيار كان ببروز جيش من حملة الأقلام خارج اطار الأحزاب، جيش منظم في عدة مراکز فكرية وأدبية ومتمحور حول الصحف الأهلية. ان تطور الرأسمالية والعلاقات الرأسمالية في کردستان يعتبر الأرضية المادية لبروز وتطور وخروج هذا التيار الليبرالي من رحم الحركة القومية الكوردية. تيار يسعى الى عصرنة هذه الحركة (كوردايەتي) وتطعيمها بأدبيات وفكر وثقافة اللیبرالیة السیاسیة العالمية، لکي تستجیب للتطورات الحاصلة في البنیة الاجتماعیة الطبقیة لمجتمع کردستان إثر تطور الراسمالية فیه. هذا التيار الجديد، التيار القومي-الليبرالي، قومي في الجوهر، وليبرالي في مساعيه ونشاطاته الفكرية والسياسية.
إنهم یریدون التخلص من إرث تأریخي دموي مشٶم و قذر لحركتهم القومية الكوردية، ویحاولون عصرنة حرکتهم واندماجها مع السیاسات الليبرالية العالمیة وإعادة صیاغتها کحرکة حضاریة وعصریة. هذا من جهة و من جهة اخری یسعون لقولبة آفاق الحرکات الاعتراضیة وقولبة الاسلوب الثوري لإبراز وجودهم لکي لا يخرجوا عن إطار الاصلاحات الاجتماعیة والسیاسیة.
رغم قصر عمر النقد الليبرالي في کردستان، الا انه استطاع خلال عشرین سنة الماضية (١٩٩٨٢٠١٨) ان يجمع حول الصحف الأهلية ووسائل الاعلام الحرة جيشاً من الصحفيين والاعلاميين خارج دائرة السلطة ويتحول الى نقد مهیمن في المجتمع. ان هيمنة النقد الليبرالي في أي مجتمع هو انعكاس للهيمنة الأجتماعية-السياسية والأقتصادية للطبقة البرجوازية. لم يأت هذا الجيش لإزاحة سلطة الحركة القومية الكوردية علی مصیر الجماهیر الکادحة في کردستان، بل جاء لوضع حد لفساد وعنجهیة حزبي هذە الحرکة وذلک لسد الطریق امام الانفجارات الثوریة الشعبیة ضد سلطتهما. جاء هذا الجیش لأشراك الشرائح الأخرى من البرجوازية في الحكم، وانتقال السلطة سلمیا بین الأحزاب عن طریق الانتخابات البرلمانیة، وتوسيع مائدة الرأسمالية لشرائح أخرى من الرأسماليين. هذا النقد تموضع في ميدان الأصلاحات الأجتماعية-السياسية والاقتصادية للحيلولة دون تجویع الشعب وتضييق حدود الحريات الفكرية والسياسية خوفاً من أن يؤدي الضغط المتزايد لهذه السلطة على الجماهير الكادحة والاحرار الى انحلال لحمة المجتمع وإسقاط سلطة البرجوازية بأكملها.
تشكيل حركة "التغيير" (٢٠٠٩) باعتبارها ركيزة سياسية "منظمة" كان نقطة انعطاف لهذا التيار الناقد كي يتمكن من ادامة حربه ضد الفساد وتضييق الحريات من موقع سياسي أعلى. التيار القومي-الليبرالي يمتلك قاعدة واسعة من المثقفين في كردستان بحيث ان الليبرالية الفكرية والأصلاحية لهولاء هي أكثر عمقا وتركيزا من حزب "التغيير"، لانه "حركة التغيير" تطغى فيه الروح القومية على الليبرالية والاصلاحية، لذا فهي موضع نقد المثقفين الليبراليين والاجنحة والمحاور الأخرى لنفس التيار القومي-الليبرالي. ان خروج هذا الحزب من رحم "الأتحاد" وتشكيلة قياداته من الكوادر السابقة ل"الأتحاد" يعني انه يحمل الكثير من الخصوصيات الأساسية من الحزب الأم. وبعد التجربة الفاشلة لحزب "التغییر" في مشارکته في مایسمی بـ"الحكومة ذات القاعدة العريضة" (٢٠١٤) مع "الدمقراطی" و "الأتحاد"، خرج الشغیلة والجماهیر الکادحة في کردستان عن سیطرة الافق السیاسي لهذا الحزب وذلک بتجربتهما الملموسة، مما ادی الی ظهور حزب "الجیل الجدید" في سنة (٢٠١٨)، وهو أکثر وضوحا في معارضتە وادعائاته اللیبرالیة وأکثر حزما في محاربتە لأحزاب السلطة.
ان الدور التأريخي لهذا التيار القومي- الليبرالي بالنسبة للبرجوازية الكوردية، تکمن في قولبة الافاق الثوریة للحرکات الاحتجاجیة.
رابعا: الأجواء السیاسیة الشبه مفتوحة
إن أجواءً مفتوحة، نوعاً ما، قد حلت في عموم العراق بعد سنة (٢٠٠٣)، بحيث وفرت هامشاً من الحرية الفكرية والنشاط السياسي للاحزاب والقوى السياسية، للنقابات المهنیة والاعلام الحر وکذلک لمنظمات المجتمع المدني.
هذا الهامش من الحرية والجو السياسي المفتوح نوعاًما، هو حصيلة هذا المسار التأريخي وتحولاته بعد سقوط نظام "البعث" (٢٠٠٣)، والفراغ السياسي الناجم عن إنهیار الدولة. هذه الأوضاع ليست ثابتة کما هي في دول الدمقراطیات الغربیة المستندة الى نوع من الاستقرار الاقتصادي-الاجتماعي والمؤسسات المدنية، المستندة الى الدستور والحقوق الفردية للافراد. إنها حالة زائلة، عكس إعتقاد المثقفين الليبراليين، إنها ليست فقط لا تسير نحو إيجاد "دمقراطية غربية"، بل وبالتزامن مع الثبات الهيكلي للدولة المركزية في بغداد أو حكومة إقليم کردستان، تسير نحو التقييد والإزالة ويحل محلها القمع السياسي والفكري، وقولبة الصحف الأهلية و "الأعلام الحر".
إن ضمان نمو وتراکم الرأسمال وکذلک الأبقاء علی وإدامة سلطة البرجوازیة یتطلبان إعادة إنتاج الفقر والحرمان والقمع الفکري والسیاسي علی صعید المجتمع. إن الرأسمالیة و سلطة البرجوازیة في عالمنا المعاصر متناقضة مع توفرالرفاه الأجتماعي والحریات العامة، هذە هي تجربة العمال و الکادحین في العالم وخاصة في منطقة الشرق الاوسط والعراق وکردستان بالذات، لذا فالنضال من اجل الأصلاحات الأجتماعیة والسیاسیة، مرهون بالنضال الأشتراکي ضد سلطة البرجوازیة وبتحدی الطبقة العاملة للنظام الرأسمالي.
إن بقاء وإطالة أمد هذا الهامش وذلك الجو الشبه منفتح، مرهون بالخلافات والصراعات بين القوى والتيارات المختلفة للحركة القومية العربية والأسلام السياسي والحركة القومية الكوردية مع بعضهم البعض أو داخل بعضهم البعض، هذا من جهة، ومن جهة أخرى مرهون بدفاع ومقاومة الجماهيرالتحررية، و نضالات العمال ومدی رص صفوفهم، ضد تطاولات هذه التيارات السياسية على الحقوق والحريات، وبالتحديد مرهون بنزول، حرکة تحرریة ثوریة منظمة، أي الحركة العمالية والشيوعية إلی میدان الصراع السیاسی وتحويل هذه الأوضاع لصالح الثورة الأشتراكية في العراق.
خامسا: الحرکات الأحتجاجیة للجماهیر الکادحة في کردستان. للموضوع تتمة ...
تشرین الاول/٢٠١٨





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,224,415,091
- في حاشیة الأجتماع الموسع الثالث و الثلاثین
- نحو المؤتمر السادس للحزب الشيوعي الكوردستاني
- نقد - التيار الديمقراطي - في العراق، تجربة الدنمرك أنموذجا
- اضواء على مؤتمر لندن.
- نحو إلغاء عقوبة الإعدام


المزيد.....




- موسكو تسخر من رد الناتو على رسالة بوتين
- -معاشات هتلر-..بعد مضي 78 عاما جنود سابقون لا يزالون يتلقونه ...
- آثار ليبيا نهب اللصوص!
- ناد فرنسي يلاحق أميرا سعوديا
- أربيل تحتفل بالثلج
- ربع مليون دولار لعائلة سورية خلال يوم واحد
- ألمانيا ترهن تصدير أسلحة للسعودية بالوضع في اليمن
- رغم اعتراض واشنطن.. تركيا تتسلم صواريخ -أس 400- الصيف المقبل ...
- كولونيل فنزويلي ينشق عن مادورو
- فئران صم تسمع مجددا بفضل العلاج الجيني


المزيد.....

- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - نادر عبدالحميد - کردستان العراق: الاوضاع السیاسیة، الاحتجاجات الإجتماعیة والآفاق السیاسیة المختلفة