أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - لماذا اختلفت البورجوازية الأوروبية عن المصرية؟















المزيد.....


لماذا اختلفت البورجوازية الأوروبية عن المصرية؟


طلعت رضوان

الحوار المتمدن-العدد: 6081 - 2018 / 12 / 12 - 14:25
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لماذا اختلفت البورجوازية الأوروبية عن المصرية؟
طلعت رضوان
بدأ عصرما يـُـسمى البورجوازية الأوروبية، بعد القضاء على النظام الاقتصادى الاقطاعى، الذى كان هوالنمط السائد فى أوروبا طوال عدة عقود..ومن هنا كانت بداية نشأة الرأسمالية فى شكلها الجنينى..وبدأ عصرتراكم رأس المال، والتمهيد للنهضة الاقتصادية التنموية..والتى حقــّـقتْ (الثورة الصناعية)
ولايستطيع المؤرخ المنصف، أوأى باحث إنكارأنّ التراكم الرأسمالى..كان معظمه من نهب موارد الشعوب الأفريقية والآسيوية وأمريكا اللاتينية..وهذه حقيقة اعترف بها باحثون اقتصاديون أوروبيون، سواء فى كتبهم أوفى دراساتهم المنشورة فى المجلات الاقتصادية المُـتخصصة..وعن الكتب أذكر- على سبيل المثال- كتاب (نهب الفقراء) تأليف جون ماديلى- ترجمة بدرالرفاعى- الناشرالمركزالقومى للترجمة بمصر- عام2011..وكتاب (نهب موارد العالم الثالث) تأليف بييرجاله- ترجمة يوسف شقرا..إلخ..وأعتقد أنّ أهم الكتب التى ظهرتْ مؤخرًا كتاب (الاغتيال الاقتصادى للأمم) وعنوان جانبى (اعترافات قرصان اقتصادى) تأليف (جون بركنز) وهوعبارة عن مذكرات المؤلف الذى عمل بصندوق النقد الدولى..وذكرفيه تجربته..وكيف كانت تتم عمليات نهب موارد الأنظمة التابعة للمؤسسات المالية الدولية مثل الصندوق..والبنك الدولى..إلخ..وذلك من خلال الشروط التى يفرضها البنك أوالصندوق..كى يتم الموافقة على القرض..ومن بين تلك الشروط إلغاء دعم سلع الفقراء..وتخفيض ميزانية الصحة والتعليم..وفتح الباب أمام المستثمرين لإقامة المدارس والجامعات الخاصة، إلى آخرالاجراءات التى تصب- فى النهاية- لصالح أصحاب رؤوس الموال، سواء المحليين أوالأجانب..وكان المثال الأشهرهوالضغط على الأنظمة التابعة للرأسمالية العالمية لبيع شركات القطاع العام والتخلص من العمال والموظفين..إلخ..والكارثة الكبرى هى (سداد فوائد القرض) ليظل الأصل كما هولايتحرّك..وعند العجزعن الوفاء بأصل الدين، يتم الحجزعلى الموارد الطبيعية، مثل البترول أوالمعادن..أوهيئة حكومية مثل السكة الحديد..وذكرالمؤلف أنّ صندوق النقد حجزعلى موارد دولة فى أمريكا اللاتينية..وكان تقسيم العائد: 25% للدولة و75% للصندوق.
وبالرغم من هذه الحقائق التى صارتْ شائعة ومعروفة، لدى أصغرباحث فى علم الاقتصاد، فإنّ السؤال الذى تتجاهله أبواق الأنظمة التابعة للرأسمالية العالمية (من أجهزة الإعلام والباحثين الأكاديميين..إلخ) هوإذا كان الأمركذلك أى أنّ الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الاستعمارية اعتمدتْ على نهب موارد الشعوب التى أطلقتْ عليها (دول العالم الثالث) أوالدول النامية، فهل تلك الموارد ذهبتْ فى الانفاق الترفيهى (فقط)؟ أم تـمّ توظيف أغلبها فى تطويرمناهج البحث العلمى النظرى..وتطبيقاته التكنولوجية؟ ألم تتم أعظم إنجازات العصرالحديث على يد العلماء الأوروبيين؟ وهل كان بمقدورهؤلاء العلماء تحقيق إنجازاتهم بدون الانفاق على أبحاثهم..وتلبية كل مطالبهم من معدات وآلات..إلخ؟ وأليس هؤلاء العلماء (بفضل رعاية دولهم وتشجيعهم) هم الذين ساهموا فى القضاء على الكثيرمن الأمراض، التى كانت- حتى العصرالوسيط- تبدوأنها مستعصية على العلاج..وأنها ستظل مُـهـدّدة للبشر..وإلى الأبد؟ مثل شلل الأطفال والطاعون والكوليرا والجدرى؟
وإذا كان هذا فى مجال الطب (فقط) فإنّ المجالات الأخرى يصعب حصرها فى هذا الحيز(خاصة) أنّ أى إنسان عقلانى يعلم الانجازات العلمية فى العصرالحديث، من علم الفضاء الذى كان السبب فى (ثورة تكنولوجية) جعلت البشريتواصلون مع بعضهم ويفصل بينهم بحاروقارات ومحيطات..وهذا مثال واحد يـُـغنى عن ذكرغيره..ومع ملاحظة أنه لايكاد يمريوم- ولا أقول أسبوع- إلاّونقرأ عن اكتشاف جديد.
وخلاصة ما أود الوصول إليه هوأنّ البورجوازيين الأوروبيين (بالرغم من أنّ أنظمتهم اعتمدتْ على نهب موارد بعض الشعوب) استطاعوا أنْ يـُـقـدّموا للبشرية خدمات جليلة لايمكن إنكارها، أما على مستوى شعوبهم فإنه- أيضـًـا- لايستطيع أى عقلانى ومُـنصف إلاّ أنْ يعترف أنه بفضل العائد المادى من بيع التكنولوجيا لكافة دول العالم..كانت النتيجة تحقيق (مجتمع المستوى المعيشى الإنسانى) بل و(مجتمع الرفاهية) كما فى الدول الاسكندنافية، أى أنه مع حقيقة نهب موارد بعض الشعوب، فأنّ النتيجة تحقيق (مجتمع العدالة الاجتماعية) وحتى فى الدول الأوروبية الفقيرة (نسبيـًـا) مثل رومانيا بعد انتهاء النظام الاشتراكى، فإنها وفــّـرتْ لمواطنيها الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية..وليس لمواطنيها (فقط) بل أيضـًـا للأجانب المقيمين على أرضها ويعملون فى شركاتها ومصالحها الحكومية..كما حكى لى أفرد أسرة مصرية تعيش هناك.
000
السؤال الذى شغلنى طوال سنوات هو: لماذا لم تــُـحدث البورجوازية المصرية، ما أحدثته البورجوازية الأوروبية، من تطورفى كافة مجالات البنية الأساسية للمجتمع؟ هل السبب فى عجزالموارد المالية؟ الواقع ينفى هذا الاحتمال، بدليل أنّ باشوات العصرالملكى (منذ عهد محمد على عام1805) كانوا يمتلكون مئات الأفدنة، وبعضهم كان يـُـشارك فى بورصة القطن (مثل فرغلى باشا، الملقب بملك القطن) وبعضهم أنشأ المصانع والشركات فى مصروبريطانيا، لصناعة السفن والجسوروإنشاء الطرق..وشارك فى إنشاء سكة حديد بغداد وسوريا..ومن بين إنجازاته تمصيرشركة البواخر الخديوية، بعد أنْ امتلك معظم أسهمها..وكانت قبل ذلك فى قبضة الإنجليز..وهذه الشركة كانت من أقوى شركات الملاحة فى مصربما تملكه من أرصفة والأحواض الجافة فى الاسكندرية والسويس، إلى جانب الورش التابعتة لها..والتى كانت تــُـعتبرمدرسة لتخريج شباب مصرلصناعة بناء السفن.
أما محمد سيد ياسين فهومخترع مصرى..وأول من أنشأ المصانع لتصنيع كافة أشكال الاستخدامات: من أكواب وفازات ونجف وكريستال..إلخ..وكان أول انتاج (اللمبة الجاز) وبالرغم من الخسائرالتى تعرّض لها فى البداية..وبعد ما قـدّمه لمصر وقعتْ على رأسه (مقصلة التأميم الناصرية) وصدرقرارعبدالناصربتخصيص راتب شهرى عجز- بسبب ضآلته- عن الوفاء بمصاريف علاجه.
ومن بين هؤلاء الرأسماليين المصريين يبرزاسم عبد اللطيف أبورجليه الذى يـُـعتبرالرائد الأول فى إنشاء خطوط أتوبيسات (فى القاهرة كبداية) وفى خلال عاميْن وصل عدد الأتوبيسات إلى400فى القاهرة وحدها..وبين كل سيارة وأخرى ثلاث دقائق..وأنشأ عدة ورش لصيانة الأتوبيسات..وحين تولى أبورجيله رئاسة النادى الأهلى عام1956حصل النادى على بطولة الدورى لأول مرة منذ نشأته فى عام1911وارتفعتْ ميزانية النادى من 6000جنيه إلى18000جنيه..وبعد العدوان الثلاثى على مصرطلبتْ منه القوات المسلحة تمويل صفقة أسلحة، فلم يتأخرودفع الملغ المطلوب منه..كما أنه وضع سيارات شركته تحت تصرف القوات المسلحة، مع دفع أجورالسائقين..وبالرغم من هذا الدورالوطنى لشخصية عظيمة، نزلتْ على رأسه (مقصلة التأميمات) فعاش أبورجيله بقية حياته حزينــًـا..وهويرى الخراب الذى حلّ بمؤسسة النقل العام بعد التأميم الناصرى.
ويجب التذكيربدورعبود باشا (ملك صناعة قصب السكر) بعد تمصيرتلك الصناعة التى كانت حكرًا على الدول الأجنبية..وذلك بالرغم من أنه بدأ من الصفرأى ينطبق عليه مصطلح (رأسمالى عصامى)
000
وأعتتقد أنه لابد من ذكرالدورالذى أدّاه محمد على وباقى أسرته (وبصفة خاصة الخديوإسماعيل) فى إنشاء الكثيرمن المنشآت التى ساعدتْ على تحقيق النهضة التنموية، مثل إقامة المصانع الصغيرة..والورش لتدريب الحرفيين على الصناعات المتوارثة عن جدودهم المصريين القدماء..وهذه الورش كانت المدارس التى تخرّج منها العمال فى المصانع مثل مصانع الغزل والنسيج..وأكد كثيرمن الباحثين أنّ الصناعة المصرية كانت متأخرة فى القرن الثامن عشر، وعندما وصل محمد على إلى الحكم عام1805كان الحرفيون هدفــًـا من أهدافه. وعمل على إحداث تغييرات جذرية فى مجال الانتاج الحرفى والصناعى. وفى الفترة من1818- 1830بدأتْ مرحلة التصنيع الكبرى، وبرزفيها صناعة الغزل والنسيج. وكذلك تشجيع الأهالى على تطويرخبرتهم فى تربية (دودة القز) لصناعة الحرير..وفتح الباب لكل من يـُـريد تعلم صناعة الغزل والنسيج.
وحيث أنّ حرفة صناعة النسيج تــُـعتبرمن أقدم الحرف المصرية، وانتشرتْ فى دمياط والمحلة الكبرى، لذلك وُجدتْ طائفة للنساجين فى كل مدينة، يرعاها أحد كبارأسطواتها، المُـنتخب من كبارالسن..وأنشئتْ طوائف لصناعة الصوف فى المناطق بين القاهرة والفيوم.
وأمرمحمد على بمعاقبة المخبرين الذين يستغلون رؤساء الطوائف ويبتذونهم للحصول على الرشاوى بعد تلفيق التهم لهم..وبذلك ثبت أنّ محمد على كان يـُـشرف على طوائف الحرفيين.. وفى 25أغسطس1835 أصدرمحمد على لائحة الصيارفة (ضمن نظام الطوائف)
وعندما أسّـس محمد طلعت حرب بنك مصركان من بين الشركات التى أنشأها شركة مصرللغزل والنسيج عام1927برأسمال قدره ثلاثمائة ألف جنيه..وبدأ الانتاج الفعلى سنة1930 وكان عدد المغازل إثنى عشرألف و200مغزل.
000
من هذا العرض المُـختصريتبيـّـن أنّ الرأسماليين المصريين فى الفترة من1805- 1952 شهدتْ جنين مجتمع رأسمالى أنشأ بنية نهضة أشبه بالبنية التى حققها البورجوازيون الأوروبيون. فلماذا لم يحدث التراكم فى التجربة المصرية..كما حدث فى التجربة الأوروبية؟ وهل السبب أنّ البنية العقلية للرأسماليين المصريين، مختلفة عن البنية العقلية للأوروبيين؟ أم أنّ السبب هوما حدث بعد يوليو1952وبصفة خاصة قرارات تأميم شركات ومصانع أصحاب رؤوس الأموال..وليت عبدالناصراكتفى بتأميم الشركات الكبيرة..وإنما امتـدّتْ القرارات لتصل إلى أصحاب رؤوس الأموال الضعيفة جدًا مثل أصحاب الأقران والمطاحن..وهل السبب (بجانب ما سبق) أنّ الحياة السياسية بعد يوليو1952لم يــُـصاحبها حياة فكرية كما كان قبل ذلك التاريخ؟
000
وللأمانة لابد أنْ أعترف أنّ من بين معوّقات التنمية قبل يوليو52، الفرق بين الحياة السياسية والحياة الفكرية.
أولا: الحياة السياسية:
الانشقاقات داخل الأحزاب (وحزب الوفد بالذات) والصراعات السياسية، والأطماع الشخصية، وبريق كرسى الحكم، وغياب المشروع القومى فى فكرالبورجوازية المصرية، التى لم تستفد من تجربة البورجوازية الأوروبية، التى زاوجتْ بين تحقيق أقصى الربح لمصلحتها الشخصية، وبين طموحات النهضة القومية من خلال الثورة الصناعية.
وإذا تذكّرنا كل ذلك نكون قد أضفنا ركنــًـا آخرإلى أسباب قصورالعمل السياسى عن المجال الفكرى..وإنْ كنتُ أعتقد أنّ أخطرأعداء الليبرالية الفكرية، هوعداء رجال السياسة ورجال الأعمال الذين يعتمدون على الأنشطة الطفيلية والريعية، العداء المتمثل فى محاربة أى توجه (عالمانى) صريح..ولوأخذنا الزعيم سعد زغلول نموذجًا لعرفنا كم تقضى السياسة على التوجه العالمانى لإقامة دولة عصرية، ليبرالية السياسة عالمانية الفكر..إذْ أنّ سعد لم يكتف بممارسة بعض أشكال الدكتاتورية، مثل منع لجنة الوفد المركزية للسيدات من حضورحفل افتتاح برلمان 192، فى حين دعا سيدات أجنبيات لحضورهذا الافتتاح، الأمرالذى جعل السيدة هدى شعراوى وباقى أعضاء اللجنة أنْ يرسلن له بيان إحتجاج شديد اللهجة (مذكرات هدى شعراوى- دارالمدى للثقافة والنشرعام2003) ليس ذلك فقط وإنما مارس سعد زغلول أشد أساليب الدكتاتورية مع خصومه..ومع فرض الوصاية على أعضاء الحزب، لدرجة أنّ قراءة جريدة السياسة التى كان يصدرها الأحرارالدستوريون، كانت إثمًا محرمًا على الوفديين..وكان سعد يقول علنــًـا إنه ((يقرأ جريدة السياسة بالنيابة عن جميع المصريين..وأنه يجب ألاّيقرأها أحد)) (انظرتفاصيل استبداد سعد زغلول فى كتاب د. هيكل: مذكرات فى السياسة المصرية- مكتبة النهضة المصرية- عام1951أكثرمن صفحة) لم يكتف سعد بذلك وإنما فعل ما يفعله كل الطغاة المعادين لحرية الفكروالتعبيرعنه..ولعل المواقف الثلاثة التالية أنْ تكون أمثلة دالة على ذلك:
المثال الأول: قرارحكومة حزب الوفد الأولى عام1924القاضى بإلغاء الحزب الشيوعى المصرى. المثال الثانى: موقف سعد زغلول من كتاب على عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) إذْ بينما كان الليبراليون يدافعون عن المؤلف ويـُـهاجمون رجال الأزهر..وبينما تفتح جريدة السياسة صفحاتها لهؤلاء الكتاب، نجد سعد زغلول يقول بالنص ((قرأتُ كثيرًا للمستشرقين ولسواهم فما وجدتُ من طعن منهم فى الإسلام حدة كهذه الحدة فى التعبير، على نحوما كتب الشيخ على عبد الرازق. لقد عرفتُ أنه جاهل بقواعد دينه. بل بالبسيط من نظرياته وإلاّكيف يدّعى أنّ الإسلام ليس مدنيًا..ولا هوبنظام يصلح للحكم. فأية ناحية مدنية من نواحى الحياة لم ينصب عليها الإسلام؟ أولم يقرأ أنّ أممًا كثيرة حكمتْ بقواعد الإسلام فقط عهودًا طويلة كانت أنضرالعصور؟ وأنّ أممًا لاتزال تحكم بهذه القواعد وهى آمنة مطمئنة. فكيف لايكون الإسلام مدنيًا ودين حكم؟)) ويختتم سعد رأيه قائلا ((وما قرارهيئة كبارالعلماء بإخراج الشيخ على من زمرتهم إلاّقرارصحيح لاعيب فيه. لأنّ لهم حقــًـا صريحًا بمقتضى القانون أو بمقتضى المنطق والعقل، أنْ يُخرجوا على من يخرج على أنظمتهم من حظيرتهم. فذلك أمر لاعلاقة له مطلقــًـا بحرية الرأى التى تعنيها جريدة السياسة)) (هويدا عدلى- فى كتابها: التسامح السياسى- رسالة دكتوراه- مركزالقاهرة لدراسات حقوق الإنسان- عام2000- ص124)
المثال الثالث: موقف سعد وأغلبية أعضاء حزب الوفد من كتاب طه حسين (فى الشعر الجاهلى) حيث أنّ النائب الوفدى عبد الحميد البنّان تقدّم ببلاغ إلى النيابة ضد الكتاب ((وقدّم استجوابًا لوزيرالمعارف مطالبًا إخراج طه حسين من الجامعة.. وطبقًا لما ورد فى كتاب غالى شكرى (النهضة والسقوط فى الفكرالمصرى الحديث) أنّ مضبطة مجلس النواب عام 1926 تــُـفيد أنّ الأغلبية الساحقة من المعارضة الوفدية وقفتْ إلى جانب الاستجواب..وطالبتْ بطرد طه حسين من التعليم الجامعى، باستثناء على الشمسى باشا وزيرالمعارف الوفدى فى ذاك الوقت الذى قال ((إننا نطمع أيها السادة النواب أنْ تكون الجامعة معهدًا طلقًا للبحث العلمى الصحيح)) أما سعد زغلول فقال ((إنّ مسألة كهذه لايمكن أنْ تؤثرفى الأمة المتمسكة بدينها. هبوا أنّ رجلا مجنونًا يهذى فى الطريق. فهل يضيرالعقلاء شىء من ذلك؟ إنّ هذا الدين متين. وليس الذى شكّ فيه إمامًا نخشى من شكه على العامة. فليشك من يشاء. وما علينا إنْ لم تفهم البقر؟)) (هويدا عدلى- مصدرسابق- ص115). وهكذا نرى أنه بينما على باشا الشمسى مع حرية البحث العلمى، نرى زعيم الأغلبية الوفدية يصف طه حسين بالجنون، بل ويشبهه بالبقر. طه حسين (عميد الثقافة المصرية) الضريرالذى رأى ما عمى عنه كثيرون من المبصرين، يكون هذا مصيره من زعيم الأغلبية. فهل هى ألاعيب السياسة وأطماعها كما ذمّها الشيخ محمد عبده؟ أم هى العقلية التى تعتمد المرجعية الدينية فى توجهاتها؟ أم هى مغازلة الأصوليين لكسب أصواتهم؟ أم هوتواطؤوالتقاء مجموع كل ذلك؟ هذا التواطؤالذى تسبب فى تشويه التجربة الليبرالية المصرية..والذى لم يتوقف أمامه كل الذين هاجموا تلك التجربة بعد يوليو52، لأنها (= التجربة الليبرالية) كانت أشبه بالإنسان الذى يسيربساق واحدة، أوبساقيْن إحداهما عرجاء أوبها شلل مزمن. الأمرالذى كانت نتيجته أنّ مسئولية التنويروالنهضة تحمّلها تيارالليبرالية الفكرية بشكل رئيسى، بعد أنْ خذله السياسيون.
وفى تقييمها لتجربة البورجوازية المصرية كتبت د.هويدا عدلى ((كان الوفد أكثرالتزامًا بما تطرحه الثقافة الدافعة للمجاراة من معاييروقيم..ومن ناحية ثانية لم يكن الوفد تعبيرًا عن بورجوازية ذات نشأة طبيعية وليبرالية تجذّرتْ نتيجة تطورتاريخى اقتصادى واجتماعى وسياسى طبيعى، كما حدث فى التجربة الغربية. بل هوتعبيرعن بورجوازية مشوهة وليبرالية مجتزئة)) (هويدا عدلى- مصدرسابق- ص166)
واذا كان السياسيون لم يكونوا فى مستوى المفكرين الليبراليين فى الإيمان بمبادىء الليبرالية بشقيها (الفكرى والسياسى) فإنّ هذا لايعنى أنّ بعض الكتاب والمفكرين لم يساهموا فى الكثيرمن الإخفاقات التى شوّهت التجربة الليبرالية المصرية..ولعل المثال الشهيرلذلك رجال الفكرالذين شاركوا فى صياغة مواد دستور 1923، الذى يـُـعد رغم المزايا العديدة فى الكثيرمن مواده، كان أقل بكثيرمن طموحات الشعب المصرى الذى أُستشهد عدد كبيرمنه فى ثورة برمهات/ مارس 1919، حيث أعطى للملك سلطات، كان يجب التمسك برفضها. وحيث نص على دين للدولة.
وإذا كان السياسيون تسببوا فى الكثيرمن التشوهات فى تجربة الليبرالية المصرية قبل يوليو 1952، فإنّ انقلاب يوليوتسبب فى الإجهازالتام والإجهاض المحقق لتلك التجربة، خاصة وقد تضامن الحكم الاستبدادى مع توظيف الدين. ليس فى قمع المصريين بمختلف توجهاتهم الفكرية والسياسية والدينية فقط..وإنما فى قمع أية نهضة أوتنمية أيضًا..وبالتالى قمع كل الحريات..وكافة قوانين حقوق الإنسان بما فيها أبسطها، مثل الاعتقال على نكتة..كما فعل عبدالناصر.
ثانيــًـا: الحياة الفكرية:
كان المفكرون المصريون يسعون لتشييد قواعد دولة عصرية..وبفضل دورالليبراليين المصريين قبل يوليو 1952، كانت مصر(بالفعل) مؤهلة لأنْ تكون دولة عظمى فى منطقة الشرق الأوسط على الأقل، إلى أنْ تم إجهاض هذه الدولة على يد ضباط يوليو. فقد تـمّ وضع الكثيرمن أسس الدولة العصرية: عدم الاستسلام للفكرالأصولى الذى تبناه الإخوان المسلمون، حرية البحث العلمى، صحافة حرة تقاوم الفساد، حكومة مسئولة أمام البرلمان، تمصيرالاقتصاد المصرى، الجنيه المصرى أقوى من الاسترلينى، تعدد الأحزاب، الأحزاب يتم الإعلان عنها بمجرد إخطارجهة الإدارة، أى لايوجد قانون للأحزاب ولاتوجد لجنة لشئون الأحزاب، توافق على هذا وترفض ذاك لأسباب تــُـقـدّرها السلطة الحاكمة كما حدث بعد يوليــو 52، ظهور العديد من الشخصيات المصرية البارزة فى مجالات الأدب والفن والعلـــــــــوم (مصطفى مشرفة وسميرة موسى ) وفى تلك الفترة كانت مصرعلى وشك أنْ تكون امبراطورية، فإنّ الجنود المصريين بقيادة (جوردون باشا) استولوا على منطقة (مرولى) الواقعة على نهر السومرست (نيل فيكتوريا) وبناءً على ذلك فقد تم ((إلحاق جميع البلاد الواقعة حول بحيرة فيكتوريا وبحيرة البرت بمصر)) (عبدالرحمن الرافعى: عصرإسماعيل– الجزء الثانى– مكتبة النهضة المصسرية- ط2- عام1948 ص 287– وثيقة رقم "1") ونظرًا لمكانة مصرالمؤهلة لأنْ تكون دولة عصرية، فقد كان من الطبيعى أنْ يكون القانونى الكبير(عبدالحميد بدوى) الذى كان أول من دعا إلى إنشاء مجلس الدولة، أنْ يكون رئيسًا للوفد المصرى فى اجتماع اللجنة التحضيرية لهيئة الأمم المتحدة عام 1945..كما رأس وفد مصرفى مجلس الأمن..وكذلك تـمّ اختياره كأول قاض مصرى ضمن قضاة محكمة العدل الدولية..وكان نائبــًـا لرئيس محكمة العدل الدولية. أما (محمد عوض محمد) الجغرافى المصرى الكبير، فقد رشحّـته مكانته العلمية الرفيعة ((للمشاركة فى وضع ميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمى لحقوق الإنسان..وأكثرمن ذلك تـمّ تكليفه بوضع الوثيقة الخاصة بإلغاء الرق..وتواصل عمله بهذه المنظمة الدولية بانتخابه عضوًا بالمجلس التنفيذى لمنظمة اليونسكو. ثم اختياره عضوًا بلجنة حقوق الإنسان التابعة لها)) (نقلا عن إبراهيم عبدالعزيز– رسائل طه حسين– ص 146 ، 172)
وعن دورالليبراليين المصريين قبل يوليو 1952 لاأجد أفضل من شهادة د. لطيفة الزيات وهى تصف لحظة وداع عميد الثقافة المصرية (طه حسين) حيث كتبتْ ((وأنا أشيع جنازة طه حسين، شعرتُ أننى أشيع عصرًا لارجلا. عصرالعلمانيين الذين جرؤوا على مساءلة كل شىء. عصرالمفكرين الذين عاشوا ما يقولون..وأملوا إرادة الإنسان حرة، على إرادة كل ألوان القهر)) (لطيفة الزيات- فى كتابها: حملة تفتيش: أوراق شخصية- كتاب الهلال- أكتوبر1992- ص95- وهيئة الكتاب المصرية- عام2000- ص100)
وسؤالى الأخيرهو: هل لولم تحدث كارثة يوليو1952..واستمرّت مسيرة الفترة السابقة، فهل يكون من المُـبالغة لوكتبتُ أنّ مصركانت ستكون مثل أية دولة، مُـتقدّمة علميـًـا وتكنولوجيـًـا، ولديها قاعدة صناعية مثل دول أوروبا..وبينما كانت مصرهى المؤهلة لتكون دولة عظمى فى الشرق الأوسط..كان البديل الدولة التى زرعتها الصهيونية العالمية والرأسمالية العالمية.
وأرجوملاحظة أننى لم أتعرّض للدول المُـسماة (عربية) بالرغم من الثروات التى أنعمتْ الطبيعة بها عليهم من باطن الأرض.
***
















كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,398,064,222
- الفتاة الفرنسية وعمق وعيها الاجتماعى
- ما سر ولع الأوروبيين بالحضارة المصرية؟
- أحفاد ثورة 1789 الفرنسية يواصلون النضال
- التواص الاجتماعى فى العصورالقديمة والحديثة
- فساد الأنظمة (العربية) ونهاية شعارات العروبة
- ماذا سيفعل العرب بعد جفاف آبارالبترول؟
- التقدم العلمى وهزيمة الثوابت التراثية
- الاستعمار الإيرانى للوطن الأحوازى
- أليست مساواة النساء بالرجال من حقوق الإنسان؟
- الوجه الآخرللولايات المتحدة الأمريكية
- طاها حسين فى ذكرى مولده
- الاجبارعلى اعتناق المعتقد الدينى
- خطورة الخلط بين اللغات واللهجات
- الأنظمة العربية وتاريخ الاغتيالات السياسية
- هل وزارة الصحه فرع من فروع الأزهر؟
- فساد المحليات : مسلسل متواصل الحلقات
- التوحيدى بين أهمية كتاباته وتناقضاته
- حسن نصرالله والتطبيع بين إيران وإسرائيل
- التعليم للأثرياء ولمن استطاع إليه سبيلا
- حقيقة العلاقة بين تنظيم حماس وإسرائيل


المزيد.....




- أبرز النشطاء الذين ألقي القبض عليهم في مصر بتهمة إدارة شركات ...
- الحكومة الإيرانية: فرض عقوبات على المرشد الأعلى للثورة الإسل ...
- السعودية تقول إن قواتها الخاصة أسرت أمير تنظيم الدولة الإسلا ...
- السعودية تقول إن قواتها الخاصة أسرت أمير تنظيم الدولة الإسلا ...
- قس نيجيري يدعي النبوة يجذب أعدادا كبيرة من المسيحيين إلى إسر ...
- قس نيجيري يدعي النبوة يجذب أعدادا كبيرة من المسيحيين إلى إسر ...
- الفتوى في زمن التواصل الاجتماعي.. هل انتهى دور المؤسسات التق ...
- مظلومية مرسي وظلامية -الإخوان-
- الإفتاء المصرية تحدد نسبة الكحول المسموح بها
- -خطة الأمل-.. كيف أحبط الأمن مخطط -الإخوان- لضرب الاقتصاد ال ...


المزيد.....

- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - لماذا اختلفت البورجوازية الأوروبية عن المصرية؟