أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد أبو قمر - بين دخول الاسلام إلي مصر ودخول العرب إليها















المزيد.....

بين دخول الاسلام إلي مصر ودخول العرب إليها


محمد أبو قمر

الحوار المتمدن-العدد: 6077 - 2018 / 12 / 8 - 03:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تُري كم من الزمن استغرقه الشعب المصري لينقل حكمته وعلمه ومعارفه وقيمه الانسانية وإيمانه بالعدل والمساواة وقبوله للآخر وعشقه للعمل وفنونه المختلفة ونسقه الأخلاقي إلي اللغة العربية التي فُرضت عليه فرضا ، وهل نجح في نقل كل خبراته ومعارفه القديمة تلك إلي اللغة العربية ، أم أنه مازال يحاول حتي الآن ، بل وما زال في حاجة إلي ألف سنة أخري لكي ينقل كل تراثه ويموضعه في لغة لم تكن لغته وإنما فُرضت عليه فرضا ؟؟!!
والسؤال الأهم هو :
هل يمكن للغة العربية التي كانت تحتوي أنساقا وأقساما وممارسات ومفاهيم وعلاقات ومعارف مغايرة ومختلفة تماما عما كانت تتضمنه اللغة المصرية القديمة هل يمكن لتلك اللغة مع كل هذا الاختلاف بينها وبين اللغة المصرية القديمة فيما تنطوي عليه كل منهما من معارف مفارقة أن تستوعب ما كان في الحياة المصرية من علم ومعارف وإنشاءات وفنون وعلاقات ونظم وحكمة وأخلاق وأمثال وحكايات وقصص وبطولات وهزائم وانتصارات وتاريخ مفعم بالانسانية والحركة ؟؟؟؟!!
أنا شخصيا أظن أن اللغة العربية حين تمكنت من الاستقرار في مصر أوقفت مسيرة حياة المصريين عند نقطة معينة ، ثم غيرت اتجاه الحركة تماما ، وربما تكون قد أبطلت كل حركة في كل اتجاه ، إذ لا تحنيط علي حد علمي في ظل اللغة العربية ولا نحت ولا فنون تشكيلية ولا تشييد للمعابد أو للصروح الدينية التي كانت تتسم بالعظمة العلمية والهندسية ، وأظن أن المصريين في ظل اللغة العربية قد انقطعوا تماما عن تاريخهم القديم ، واستسلموا للغة دخيلة لا تطلب منهم فعل شيء أكثر من دفع الجزية والمكوس وتوريد الخراج وما إلي ذلك من أنواع الضرائب التي كان مفروضا عليهم دفعها في ظل النظام الجديد .
خلاصة القول إن دخول العرب إلي مصر غير دخول الاسلام ، دخول العرب بلغتهم وقيمهم ومعارفهم ووعيهم غير دخول الاسلام ، فكثيرة هي البلاد التي دخلها الاسلام دون أن تجتاحها اللغة العربية ، كثيرة هي البلدان التي دخلها الاسلام دون أن يؤثر ذلك علي خصوصيتها ، ودون أن يوقف مسيرتها العلمية او تميزها الفني ، ودون أن يطبق علي روحها بقيم الصحراء وجفافها وجفائها ، ودون أن يقطعها عن فنونها وآدابها وأنساقها الأخلاقية وحكمة بنيها ، ذلك أن اللغة العربية لم تتمكن من النفاذ إلي وعي سكان هذه البلدان مثل إيران ودول شرق اسيا ومناطق من أوروبا وتركيا وغيرها من البلاد التي ظلت محافظة علي ملمحها الخاص وخصوصيتها التاريخية والانسانية لانها لم تفقد لغتها المحملة بكل ما في مسيرتها التاريخية من علم وفن ومثل واخلاق وعادات وقيم وفنون وآداب.
فتح العرب لمصر ليس هو فتح مصر أبوابها علي مصراعيها للاسلام ، الفتحان مختلفان ، فدخول الاسلام إلي مصر وانتشاره فيها لم يكن يحتاج أبدا لدخول العرب إليها ، لكن العرب لكي يدخلوا مصر كانوا في حاجة إلي الاسلام ، وأظن أنهم لو جاءوا قبل ظهور الاسلام لما تمكنوا أبدا من عبور خط الحدود بخطوة واحدة ، بل لما تجرأوا أبدا علي التفكير في الاقتراب من الحدود المصرية .
الاسلام دين ، وموضوعه الأساسي هو تلك العلاقة الخاصة بين الله وعباده ، وقد كان المصريون مغرمون أشد الغرام بتلك العلاقة بينهم وبين الله الواحد الأحد ، والدارس للتاريخ المصري القديم يعرف أن المصريين قد عرفوا وفهموا تلك الواحدية الالهية قبل ظهور الأديان السماوية بزمن طويل جدا ، ويخبرنا علماء الآثار والمتخصصون في دراسة الحياة المصرية القديمة أن المصريين كانوا يؤمنون بالاختلاف ، وأنهم لم يلفظوا الآخر ، بل إن الطبيعة المصرية كانت تسمح دائما بذوبان الآخر داخل العناصر المصرية ليصبح بعد فترة وجيزة مصريا خالصا لا يثير وجوده أية ضغائن أو أحقاد .
كانت العبادات المصرية والمفاهيم الدينية المصرية القديمة ونظرة المصريين إلي الكون ومعرفتهم بالله مهيئة جميعها تماما لقبول الاسلام لشدة الشبه وشدة التناغم بين القواعد الدينية التي كان المصريون يعتقدون فيها والقواعد الأساسية التي كان يحملها الاسلام وقت دخوله إلي مصر ، وهكذا لم يكن الاسلام في حاجة لدخول العرب لكي يقبله المصريون ولكي ينتشر بسرعة كما انتشر في جميع أرجاء المعمورة دون جهد ودون حاجه لاستقرار العرب في مصر وتنصيب أنفسهم حكاما عليها وفرض قيمهم التي كانت تختلف بالتأكيد عن القيم الاسلامية التي جاءت أساسا لتغير كل موازين القيم في الجزيرة العربية .
إذن كان دخول الاسلام إلي مصر أمرا طبيعيا كان من الممكن حدوثه دون حاجه لجيش جرار يفرض منهج الجيوش الغازية التي تتمحور حول منطق القوة التي تفرض قوانينها وتتحكم في مقادير البلاد والعباد وتستولي علي الثروات وتنهبها بموجب مراسيم لا تمت باي صلة لما تحمله معها من قيم دينية جديدة.
إن كتب التاريخ المختلفة تحتوي علي ممارسات للحكام الجدد تشيب لها الولدان ، لم يخلو الأمر من عسف ومن ظلم ومن قتل ومن نهب ومن اعتداءات فيها من البشاعة ما يجاوز كل الحدود ، ويكفي أن تعرف أنه بعد أن أُقيل عمرو بن العاص من ولاية مصر وعين الخليفةعثمان بن عفان وال آخر عليها ، يكفي أن تعرف كيف كان حجم القافلة التي كانت تحمل الخراج الذي جمعه الوالي الجديد من المصريين في سنة حكمه الأولي، وأظن أن خراجا بهذا الحجم الذي ذكر عند ابن إياس وغيره ممن كتبوا عن تلك الأحداث لم يُجمع بالود أوالحنان أوالرأفة أوالعدل .
لما دخل الاسلام إلي مصر رتّب قيما جديدة ومفاهيم جديدة عن الله ومعارف جديدة للعبادات وللعلاقة بين الناس وبين خالقهم ، وكذلك بين الناس وبين بعضهم البعض ، ولم يكن في ذلك بالنسبة إلي المصريين أي غضاضة ، بل كان كل ما جاء به الاسلام من قواعد وقيم ومباديء مناسبا تماما لما كان يفهمه المصريون عن الله وما كانوا في حاجة إلي تأكيده عن وحدانيته وقدرته ومشيئته ، المشكلة كانت في الوجود العربي ، في فرض المنطق العربي ، وفرض القيم العربية تلك التي كانت تختلف اختلافا جذريا عن القيم الاسلامية ، ذلك أن الاسلام عند نزوله لم يغير المفاهيم والتقاليد والاعراف العربية بين يوم وليلة .
كانت الكارثة الكبري التي حلت بالمصريين تتعلق اساسا بعملية فرض اللغة العربية التي قطعت بكل تأكيد حيل التواصل مع الثقافة المصرية القديمة ومع المعارف العلمية التي كانت تتضمنها لغتهم القديمة ومع الفنون التي كانت تتشكل وفق قيم لغتهم القديمة ووفق ماكانت تتضمنه من أنساق فنية وأدبية وعلمية وهندسية وطبية وأخلاقية .
لغة جديدة تعني ملامح مغايرة ، تعني إزاحة التمايز الحضاري ، تعني محو الخصوصية او تشويهها ، تعني اختفاء كل النفاصيل المعرفية التي كانت تتضمنها اللغة المهزومة ، تعني فقدان التوجه الحضاري الذي كانت تصطنعه اللغة القديمة ، لغة جديدة تعني الانقطاع الحضاري الكامل عن كل المنجزات القديمة.
تُري هل يمكننا استعادة خصوصيتنا الحضارية ثم هل يمكننا بعد ذلك تضمينها في اللغة العربية لكي نتمكن من التواصل مع ماضينا الذي انقطعنا عنه ، ثم كم من الزمن يمكننا إنجاز هذه العملية ونحن مازلنا علي ما أعتقد نجاهد لتضمين حكمتنا وخصوصيتنا في تلك اللغة التي لم تكن لغتنا؟؟؟!!





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,563,154,739
- الصحيح والعقلاني
- أيها الكهنة هذه ليست لغتنا
- المرجعية واحدة
- كتاب الشعب وكتاب الدولة
- الحصار من كل الجهات
- المال والرأسمال
- التطوير بين التلفيق والترقيع
- المرأة ، والحب والزواج وكثير من الأكاذيب والجرائم


المزيد.....




- مظاهرات لبنان.. سبب استباق باسيل خطاب الحريري وما قاله يثير ...
- صحف بريطانية تناقش -مزاعم استخدام تركيا الكيماوي بسوريا- وتش ...
- برنامج -ما خفي أعظم- يكشف خبايا قائمة -ورلد تشيك- للإرهاب
- محادثات تركية إيرانية حول -نبع السلام-
- الشفق القطبي في الامبراطورية الآشورية
- قبل الاتفاق على الهدنة.. هذه كانت نقطة الخلاف بين بنس وأردوغ ...
- للحصول على مساعدات أمريكية… إيفانكا ترامب: على الدول النامية ...
- مقتل وإصابة العشرات جراء انهيار سد قرب مدينة كراسنويارسك الر ...
- الديموقراطيون يسعون لمنع نادي غولف يملكه ترامب من استضافة قم ...
- ثورة السودان وتحديات المرحلة القادمة


المزيد.....

- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد أبو قمر - بين دخول الاسلام إلي مصر ودخول العرب إليها