أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سلوى الرابحي - أمسكْ وجهكَ في متاهة المرآة قراءة في قصص قصيرة جدا - قبعة غريغوري- للمبدع المغربي عبد الله المتقي بقلم الكاتبة التونسية سلوى الرابحي















المزيد.....

أمسكْ وجهكَ في متاهة المرآة قراءة في قصص قصيرة جدا - قبعة غريغوري- للمبدع المغربي عبد الله المتقي بقلم الكاتبة التونسية سلوى الرابحي


سلوى الرابحي
الحوار المتمدن-العدد: 6075 - 2018 / 12 / 6 - 00:34
المحور: الادب والفن
    


تصدير: خجلتُ من نَفسي عِندما أدركتُ، أنّ الحياة حفلةٌ تنكَرية، وأنا حضرتُها بوجهي الحقيقي. - فرانس كافكا
حين تكون الكتابة وليدة الإرهاق من عالم يغمره السواد ويسكنه الألم، فهي مخاض رؤى من بطن التأمل ورحم الأسئلة، الكتابة بأقلام حبرها من رغوة فارت من عظامنا المكلومة، فارت قبل أوانها من فرط حمّى تغلي في الرأس، حمى الأسئلة، حمّى الإنسان الموغل في انسانيته أمام مشهديّة الرعب، الأوجه الأخرى لنا، أضدادنا الكامنة فينا، حساسيتنا تجاه المرعب. كيف يمكن أن تمسك وجهك في المرآة عن أي وجه نتحدث، من أنت أيها الإنسان، ما هي أشكالك، حدد موقعك في متاهة المرآة، أسئلة طرحها الكاتب المغربي عبد الله المتقي واتخذت لها شكلا برقيّا، قصصا قصيرة جدا تومض بالمعنى العميق إذ
صدرت له في السداسي الثاني من سنة 2018 مجموعة قصص قصيرة جدا عن دار "بوهيما "للنشر والتوزيع بالجزائر موسومة بـ " قبعة غريغوري". عنوان يحيلنا على قبعة الساحر العجيبة فنطل على العالم من خلالها، عالم تقطنه الرأس...من هناك تخرج عجائب الدنيا من موطن الخيال والتأمل والرؤيا. عالم نعيشه اليوم، مرعب إلى حد النكران، موجع إلى حد النشوة، عالم يشير إلى "غريغور سامسا" في"مسخ كافكا". إذ يقول هذا الأخير: " استيقظ غريغور سامسا ذات صباح بعد أحلام مزعجة فوجد نفسه قد تحوّل من فراشة إلى حشرة هائلة الحجم".
يصدر المتقي قصصه القصيرة جدا بقولة لفرانس كافكا: "أحاول دائما أن أنقل شيئا يتعذر نقله، أن أشرح شيئا يتعذر شرحه، أن أبوح بشيء لا أشعر به إلّا في عظامي".
يتعذّر أيها المتّقي أن ننقل خيباتنا، خطايانا، يتعذّر أن نعترف بخياناتنا وضعفنا وقهرنا، يتعذّر أن نشاهد أنفسنا عراة أمام المرآة. يتعذّر أيها السارد الشاعر أن يبوح السرد بالمجاز وأن ينقل للقارئ أوجهه جميعها تلك التي يراها في المرايا... مرايا الكثافة تنقل قصة مجازية، فانظر أيها القارئ إلى غريغوري كيف حوله مجاز المتقي إلى حمار من ذهب خالص. فلئن اقتصر كافكا على تحويله إلى حشرة فإنه لم يمنع عنه الحركة رغم المسخ ، لكن تحول لدى عبد الله المتقي إلى جماد ثابت في الحمق وحمل الأسى، ثبات من ذهب لا يفنيه الزمن، لا روح فيه ولا حلم ولا فطنة. وقد يقدره الآخر بالثروة الطائلة، ثروة المرهقين الحمقى، يتعبون ولا يثورون، ثروة الكادحين في صمت.
يقول المتقي: " يستيقظ السيد غريغوري العربي
بعد أحلام ورديّة ورومانسية، كي يجد نفسه تحوّل إلى حمار من ذهب خالص".
لـِمَ جعل المتقي لغريغوري قبعة؟ أراها قبعة الساحر، متاهة الطريق إلى المرايا، قدرة الرأس على تغيير أشكالها. وسكانها وحرثها وزرعها...الرأس كرة أرضيّة يلعب بها الساحر...
هل أن ما نشاهده في المرآة هو فعلا نحن؟ بمعنى آخرهل أن الصورة المعكوسة في المرآة تمثلنا فعلا؟
المرآة هي الحقيقة الصادمة أحيانا/ تلك التي تجعلك تشاهد نفسك عاريا من الأحلام والكوابيس. يقول الكاتب: " أمام المرآة
تأكد أن ما حدث كان مجرد كابوس، ثم تنفس عميقا" (ص18).
هذه المرآة يمكن لها أن تنقل الإحساس النابض في الكائن، ذلك الذي نخفيه فيتسلل إلى المرآة فتتحول بدورها إلى كائن له شعوره، تشاهدك وتتألم معك، تشاهدك وترقص معك، تشاهدك عاريا أو في لحظة حميميّة فتخجل كصبية بلا تجربة. (انظر ص 22).
والمرآة أيها القارئ، يا مرايا الكاتب، هي حمالة معنى، هي من تجعلنا ندخل ذواتنا ونسبر أغوارها فتتحول من أداة لعكس الخارج/ الشكل إلى باحثة في الدواخل كاشفة للمخفي، حافرة في اللاوعي. يقول الدكتور محمود رجب في كتابه فلسفة المرآة: " المرآة هي عبارة عن سطح يعكس كل ما يقوم به فأي شيء يمتلك خاصية السطح هو مرآة وكلما كان أنقى وأصفى كان مرآة أفضل".
فالماء النقي مرآتنا الأولى، والعين التي تراك مرآة والابتسامة الصادقة مرآة، والغضب مرآة، والنفور مرآة، وخفقة الجسد الولهان مرآة.... كلّنا مرايا أيها القارئ، كلّنا مرايا... ولكننا كلما ازددنا حميمية وصفاء كنّا مرايا دون خدوش أو كسور تكشف أوجهنا الأخرى، التعدد المغروس فينا،... كوني رائية أيتها المرآة اكشفي دواخلنا وادخلي تيهنا في متاهاتك.
يقول المتقي:" وقف أمام المرآة، وأرسل نظرة لها معان كثيرة
المعنى الأول: عيناه شبه غارقتين في نوم خفيف .
المعنى الثاني: جرس بابه يرن صاخبا.
المعنى الثالث: فتح الباب بهدوء، ودخل إلى ذاته.
المعنى الرابع: امتدت يد خشنة ودفعته إلى الخارج وأغلقت الباب دونه." (ص 30).
هذه اليد الخشنة، أخرجته من لحظة المكاشفة، من لحظة الصفاء الحالم، يد خشنة تعسّفت عليه أن يكون خارجه، شكله العام، يد خشنة لا تعدو أن تكون سوى الأنا الأعلى الخائف دائما من زللّات المرايا الصافية. زلات تعكس داخلك بما تحمله الذات من حقيقة ومجاز كاللغة تماما.
لكن المرآة أيها القارئ المتعدد مثلك تماما، كائن متعدد، صادق حينا وخادع حينا آخر، فالصور المتعددة في الزجاج المكسور خدّاعة كالظلال تطول وتقصر، تتمدد وتنكمش، هي لا تريك تفاصيلك أبدا، تخدعك وتخدع شمس الحقيقة، تخدعك وتخدع جمال الغروب، تخدعك وتلبس طاقية الإخفاء... حينها تتحول حاجتنا إلى المرآة من حاجة إلى الكشف إلى حاجة إلى الأقنعة/ أقنعة المرايا.
وقد يروق لها/ أي المرآة أن تتمرّد عليك خوفا منك ورفضا لك.. إنها تخاف من داخلك الأثيم فتشعر بالغربة عنك وبرغبة جامحة في الهروب والتمرد صارخة " لست أشبهك أيّها المنعكس فيّ" فتنفجر ثائرة على ظلمك ووجهك الذي لا يشبه صفاءها. كتب المتقي قال: " ثم ريثما يتمرّد على نفسه بداخل المرآة
تتشظى المرآة ندفا من زجاج" (ص38).
مرآتي يا مرآتي من هو الكائن الأجمل؟ أنا الأجمل قالت المرآة، أنا الصفاء والبهاء أنا الكائنات جميعها بأناسها وحيوانها ونباتها وأشيائها...أرى كل شيء وأسبر أغواره فهل أنت قادر على رؤيتي أيتها الانسان؟
أنا من يبث فيك الحب والغيرة والرؤى...صمتي أيها القارئ لغة فاتنة...
- هذه الفتنة قد تكسرك أيتها المرآة هكذا حدثني طفل في قصص المتقي: " فتح الطفل باب غرفة الفندق، كسر المرآة، قتل أمه بطلقات مائية من مسدسه البلاستيكي ثم صفق الباب خلفه بهدوء."
تعدد انكسار المرآة في قصص المتقي هو انعكاس لتشظي الذات في زمن فقد المعنى كما فقد جندي ذراعيه في الحرب... وقد حدثتني المرايا أنها ليست محايدة أبدا فالشعور يخرجها من دور المتفرج إلى دور الفاعل المؤثر، هي مثل الكاميرا ترصد لحظاتك كلها وتختار لك مشهدا تعتبره مكتملا. كائن متعدد الزوايا كائن قائم على الأضداد. يقول أدونيس في حديثه عن المرآة:
" لكنك لا تبصر شيئا وتعود
إلى صمت مراياك المصقولة بالصخر
وماء الشوزيفرينيا".( اربعاء أيوب ص 7).
ما لاحظناه في هذه القصص القصيرة جدا للمتقي هو أنها مفعمة بالشعرية مشكلة صورا كثيفة شبيهة بالومضات الشعرية إلى حد التماهي، إلى حد اختلط فيه مفهوما سردية الشعر وشعرية السرد في زمن تعدد فيه شكل النص الأدبي) اقرأ نص أحلام السارد ص 70 ونص صورة ص 82) هو في الحقيقة نص يعكس تعدد حبر المتقي بين سرد وشعر ونقد. بناء غريب متفرد يصدح بـ "عمارة غريبة" نصه الأخير في الكتاب التي التمس فيه منك أيها القارئ أن تكمل الفراغ...فاكتشف طريقك في المرايا، تلمّسْ وجهك في متاهة المرآة ولا تكن محايدا أبدا...كن وجهك الحقيقيّ، لا تخجل أبدا فإنما يخجلنا التنكّر.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,099,771,004
- رواية القاضي والبغي للمنوبي زيود: العقاب في بغاء الروح والجس ...
- رواية -نوّة- للكاتبة التونسية وحيدة المي: قتلة الروح
- -استعارات جسديَّة- للشاعر نمر سعدي: خرائطُ الجرحِ في طينٍ أث ...


المزيد.....




- 283 مليون $.. دخل أغلى كتّاب العالم في 2018!
- مبعوث ترامب يغرد باللغة العربية مدينا التحريض ضد الرئيس عباس ...
- تعرف على رضا فضل.. فنان يرسم بفمه وقدميه
- تعرف على رضا فضل.. فنان يرسم بفمه وقدميه
- موسكو.. انطلاق برنامج -أساطير الغد- في متحف بوشكين
- تعثر القراءة الثانية لميزانية جماعة طنجة
- ندوة بإسطنبول تناقش الهجرة واللجوء بين الأدبين الفلسطيني وال ...
- روسيا وجهة طلاب العالم لدراسة المسرح ورقص الباليه
- روسيا وجهة طلاب العالم لدراسة المسرح ورقص الباليه
- أشهر مصنع للخزف في روسيا


المزيد.....

- خرائط الشتات / رواية / محمد عبد حسن
- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سلوى الرابحي - أمسكْ وجهكَ في متاهة المرآة قراءة في قصص قصيرة جدا - قبعة غريغوري- للمبدع المغربي عبد الله المتقي بقلم الكاتبة التونسية سلوى الرابحي