أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالامير الركابي - هل العراق كيان امبراطوري؟















المزيد.....

هل العراق كيان امبراطوري؟


عبدالامير الركابي
الحوار المتمدن-العدد: 6074 - 2018 / 12 / 5 - 18:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هل العراق كيان امبراطوري ؟
عبدالاميرالركابي
توقف عمل القوى المعتبرة حديثة في العراق بالذات، عند قبول مبدا تحوير المستعمرة الاستعمارية الاستشراقية، بالاخص بما يتعلق بالكيان العراقي وطبيعته، ومع ان من تصدوا لمهمات التفكير والعمل السياسي بعد العشرينات من القرن المنصرم، كان ينبغي ان يعكسوا شيئا من ايقاع الموضع الذي ينتمون اليه، الا انهم اندفعوا بحماس ملفت، الى المقولات والمفاهيم الغربية الجاهزة، واقحموها على واقع، كانت مهمتهم تتطلب البحث فيه وعنه، الامر الذي اسهم فعليا في تحول هذه القوى بتياراتها الرئيسية الثلاثة المنسوبة الى: الماركسية، والقومية، والليبرالية، الى قوى ملحقة بعملية التحوير المفهومي والنموذجي الغربي للعراق، باسم الحداثة. ماجعلها تعيش على مدى قرن من الزمن، خارج ذاتها، تتخيل كيانا لاوجود له سوى في النصوص، والمصطلحات المستعارة المنقوله والمقحمة، مع كل ماقد ترتب على نهج كهذا من تداعيات وتضارب، انعكست على الحياة بكل وجوهها، وتمثلت بطغيان سياقات انفصال، بين المنظور والمعيش، انتهت لما انتهت اليه من كارثة وحالة انحطاط مزر يصعب تخيل مايماثله.
ويكفي بهذا الصدد الاشارة الى ان قاعدة صياغة مايعرف بالعراق، قد وضعت من قبل ضابط ملحق بالحملة البريطانية، هو فليب ويرلند، ارسى مروية ولادة العراق كما يثبتها اقتصادي يساري مهم في مفتتح كتابه الضخم عن الاقتصاد العراقي(1)، مدللا على مستوى اعتمادها والقبول بها من قبل النخب انفة الذكر، تقوم على رهن انبثاق العراق الحالي، نتيجة فعل اليات الصعود الراسمالي العالمي، والتحاق ارض الرافدين، بالسوق الراسمالية العالمية.
ويمكن القول بهذا الخصوص، ان مايقوله ويرلند يطابق بالفعل العراق المتصور من قبل الغرب والاستعمار الغربي،حسب مايريدونه، مع ان ذلك لايعني مطلقا انه العراق الفعلي، ولان العراق نفسه لم ينطق مفصحا عن نفسه، فلقد سادت والحالة هذه موضوعة الغرب انفة الذكر، وترسخت، لتتاخر لحظة بدء انبثاق العراق قرابة قرن من الزمن، وحيث تلح مثل هذه المهمة على العقل والوجدان العراقييين، يكون من البديهي تقسيم علاقة العراق بالحداثة والغرب، الى محطتين، اولى امتازت بالتحاق قوى الحداثة بالغرب ومنظوره، وثانية يؤمل من هنا فصاعدا ان تتبلور،مؤرخة لطور حداثي جديد عراقي امبراطوري.
واول مايميز الحداثة الالتحاقية الاولى، ايمانها بمطليقة الغرب ونموذجه، وبقوة احلاله محل اي وجود، او احتمال بنيوي وتاريخي، وتلك فكرة شاعت لوقت غير قصير على المستوى العالمي، حتى انها عدت اقرب للبداهة "العلمية"، وهو ماقد يبريء النخب الحداثية العراقية جزئيا ربما،من تهمة الانقياد الاعمى للنموذج الحديث، برغم ان مثل هذه التبرئة تبدو محابيه جدا، وفي مصر على سبيل المثال، اعتبرت "الوطنية" المتطابقة مع النموذج الحديث، مقبوله ومبررة الى حد بعيد، فالمجتمع النيلي الساكن، والمنسجم، والاحادي الموكول لقوة حضور الدولة وطغيانها، يمكن ان تجري مقايسته عند اشتراطات حماسية آنية، وبغض النظر عن الاستحالة البنيوية، بالحدث الغربي المستجد وتوابعه، الامر الذي تقف دونه في حالة العراق، معطيات ضخمة ونوعية، كلها مجافية، وتمنع مثل هذا الاعتقاد.
وتبقى بالطبع، مسالة او فرضية تعطل الاليات المجتمعية، والكيانية ماقبل الراسمالية الاوربية خارج اوربا، وهو ماقد اعتبر من قبيل الحقيقة المطلقة، وتلك ناحية اخرى، يمكن ان تذكر بصالح نخب الالتحاق والاستعارة الحداثية العراقية، الا ان الوضع المتفق مع مهمة التفكير والعقل، لايبيح مثل هذه المصادقة، خصوصا اذا كانت معاشة ومحسوسة ذاتيا وحياتيا، وليست من نوع البحث في ظاهرة خارج المعيش، هذا علما باننا لم نجد اي ملمح يشير، ولو من بعيد، الى نية، او رغبة في تفحص الحالة العراقية عراقيا، قبل ان يقوم بذلك غير العراقيين من المهتمين، او اصحاب الغرض.
و يحدث هنا بوضوح، اطراح كلي للعراق كتاريخ وتحقق، علما بان هذه البعقة من المنطقة والعالم، قد تحققت خلال دورتين تاريخيتين، فصل بينهما انقطاع حضاري، فالدورة الامبراطورية الاولى التاسيسية، السومرية/ البابلية، الذاتية، والدورة الثانية العباسية / القرمطية، المستانفة بفعل ايقاظ الفتح العربي للاليات العراقية المتوقفة بفعل الاحتلال الفارسي، ومع الاخذ بالاعتبار ماتظهرة المعاينة والتدقيق، من حضور دينامياليات صيرورة وتدرج صاعد الى اعلى، قد طبعت فعالية الكيان الرافديني، مع خاصية ان التحققين امتازا بكونهما تحققان امبراطوريان كونيان بالدرجة الاولى، وكلزوم حتمي، وان الفارق بين بابل وبغداد، يحسب مع اتخاذ بغداد موقعا كونيا، كعاصمة للمجال الريعي التجاري الممتد الى حدود الهند وروسيا والصين، هذا برغم ان التجليات الامبراطورية الاسبق، واولها، وهي الشكل الامبراطوري الاول في التاريخ البشري، "الامبراطورية الاكدية" كانت حاكمة للعالم، وسرجون الاكدي هو القائل: "انا حاكم زوايا الدنيا الاربع"، وقد احتل بالفعل في وقته عيلام، اي ايران الغربية، والاناضول، وساحل الشام، وصولا الى ليبيا، وفي بلد يعرف اول امبراطورية في التاريخ، عام 2334 قبل الميلاد، من المستغرب ان لاينظر وارثوه الى "عالميتهم" الافتتاحية، بمقابل عالمية اوربا الحالية، خصوصا اذا كانوا يعرفون سلسلة الامبراطوريات اللاحقة، وصولا الى بابل عاصمة العالم القديم، ووريثتها بغداد، عاصمة العالم الوسيط.
ثمة قاعدة، او ايقاع متكرر وثابت، يمكن االانتباه له، بالنظر في الدورتين التاريخيتين المذكورتين، كونهما تتحققان امبراطوريا وكونيا، ضمن مجال اقتصادي شاسع، بحيث يمكن التوصل الى قاعدة تقول بان العراق لايتحقق الا امبراطوريا، مايعني بالمقابل ان العراق غير الامبراطوري ليس عراقا، او هو عراق ناقص، لم يكتمل تشكله بعد، وهذا استخلاص يتصادم بالطبع مع الاستفظاعات التي يبديها الحداثيون الببغاويون، ازاء نوازع "الخصوصية" المستهجنة امعانا في الرغبة باغلاق التاريخ، وايقافه عند العتبة الغربية الحالية، مع ان الغرب لاينكر، تجليه المتصل من الاغريق، الى الامبراطورية الرومانية، الى العصر الحديث الراسمالي، علما بانه كان لايتردد عن التصريح معترفا فيما مضى، بان روما وريثة بابل (2)، بينما صمت اليوم، منكرا ان تكون قمته الراهنة، وريتة بغداد، او لها اية وشيجه تصلها بها، ولو من بعيد، ايغالا في تكريس التفرد الغربي، والذاتوية التامة الصافية، المعزولة، والمكتفية بذاتها.
ان دورة تشكل العراق الحديث الثالثة،هي الاخرى امبراطورية، ليس هنالك مايمنع تجليها تكرارا، على نسق الدورتين السالفتين، تعود بداياتها الى القرن السابع عشر، بالتقابل مع الثورة الصناعية الغربية، مع عودة الاليات الرافيدينية وقتها للعمل ذاتيا من جديد مع ظهور الاتحادات القبلية في جنوب العراق في ارض سومر مجددا في المنتفك، بعد تراجع مفاعيل الانقطاع الحضاري الثاني، المستمر من سقوط بغداد 1258 ، ومسارالتشكل المذكور عرف الى الان ثلاثة فترات : قبلية، ودينية تجديدية انتظارية، وثالثة ايديلوجية حزبية التحاقية بالغرب، تنتهي الان لصالح استكمال التشكل الامبراطوري، البنيوي والموافق لطبيعة هذه البقعة من العالم، وهذا التقرير الجازم، لايعني قبول الاحتكام الى تكرارالصيغ المنصرمة، كما كانت عرفتها الدورتان السالفتان، فالعراق اليوم يواجه كتكوين، التعرف للمرة الاولى في تاريخه المديد، على مكنونه الذاتي، وهو ذاهب لاماطة اللثام عن المضمر، والمودع في بنيته من اسرار غير مكتشفة، ظلت خارج الادراك العقلي الى اليوم، مع كل ماتنطوي عليه من ملامح الحقيقة الوجودية المجتمعية، ومصير الكينونة البشرية، واستهدافاتها، والقوانين المحركة لها، الامر الذي مايزال مغلقا على العقل حتى بعد اكتشاف الغرب الحديث، فقط منذ القرن التاسع عشر، ومتاخرا، لما يعرف ب "علم الاجتماع".
على هذا الاساس، يصبح ماقد مر على العراق خلال القرن الماضي من تجليات مستعارة، " وطنية" على النسق الغربي الحديث، محطة، ومعبرا ضروريا نحو مابعده، وليس ما نوميء له هنا من قبيل الاحداث، او المتغيرات العادية التي يمكن قياسها على شاخص محدد، حاضر ومجسد، كما يميل الانسان في العادة للاعتقاد، وقد يبدو مثل هذا الافتراض غير معقول، ان لم يكن خارجا عن اية اعتبارات منطقية، بالاخص لدى اولئك الذين يحلو لهم، وقد تعودوا على الركون ل" نهاية التاريخ"، والتمسك بما لايصح عقلا ومنطقا، حيث يقبل للغرب الانتقال صعدا، من الاغريق، الى الرومان، الى الراسمالية، ولايتاح للموضع الامبراطوري الازدواجي (3) الرافيديني، الصعود متنقلا، من بابل، الى بغداد، الى "التحولية"، و"اللامجتمعية" المضمرة في البنية المجتمعية الرافدينية السومرية، وصولا الى اللحظة الراهنة.
ـ يتبع ـ
امبراطورية الازدواج المجتمعي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التطور الاقتصادي في العراق / الدكتور محمد سلمان الحسن/ التجارة الخارجية والتطور الاقتصادي 1864 ـ 1958 / الجزء الاول / المكتبع العصرية للطباعة والنشر ـ صيدا ـ بيروت/ ص 27 .
(2) يقول اوروسيوس : " لهذا قدر الله الملك في هذه المواضع وهذه الامم في الدنيا ارباعا: البابلي في الشرق، والرطاجي في القبلة، والمجدوني في الجوف ( الشمال)، والروماني في الغرب،وكان بين السلكان الاول بابيل، والسلطان الاخر وهو سلطان رومه. فشبه السلطان الاول ـ وهو السرياني ـ بالوالد الموروث، وشبه السلطان الاخر ـ الروماني ـ بالولد الوارث. واما الافريقي والمجدوني ، ف انهما شبها بالوكيلين على الملك حتى كبر الولد الواجب له الميراث" تاريخ العالم الترجمة العربية القديمة التي حققها وقدم لها د . عبد الرحمن بدوي/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ ص 167 .
(3) ليست التجليات الامبراطورية واحدة في التاريخ وهذا ماسيكون محور تناولنا في الحلقة القادمه.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,099,759,854
- بيان الانتقال الى الوعي الكوني
- بدائية نظرية -الخلق- و-البدئية-الكونية
- مياه العراق الجوفية تكفيه لقرن /4/
- نداء الى اهل البصرة الاشاوس
- مائيا : العراق لايحتاج لتركيا وايران/ 3/
- مائيا: العراق لايحتاج لتركيا وايران/2/
- مائيا: العراق لايحاج لتركيا وايران/1/
- نهاية اكذوبة - الموت-: مابعد الجلجامشية
- اللامجتمعية الرافدينية: فك الازدواج والكونية الثانية
- الثورة اللامجتمعية : العراق يقود العالم؟
- اللامجتمعية : والمنجز النائم تحت التراب؟
- اللامجتمعية ؟
- قرآن العراق وزمان الانتفاضات والنبوات
- البحث عن قران العراق الضائع
- عراق بين مستنقعين يهز العالم
- ظاهرة انبعاث النبوة في العراق
- الاستئنافات والايقافات: النجف وانتهاء زمن -الغيبه-(4)
- الاستئنافات والايقافات الغيبة- ومابعد اسلام (3) ؟؟
- التشيّع هل هو حركة إيقاف للاسلام؟(ب)
- التشيّع هل هو حركة إيقاف للاسلام؟(أ)*


المزيد.....




- اليمن: اشتباكات متفرقة في الحديدة تثير المخاوف بشأن مصير اله ...
- مؤامرة -بريجنسكي- الكبرى.. كيف صنعت أميركا النسخة الجهادية ا ...
- ماليزيا.. تغيير ولاءات الساسة لإحداث توازنات جديدة بالبرلمان ...
- -السترات الصفراء- تحشد لمظاهرات جديدة ضد ماكرون
- المفوضية الأوروبية للطاقة تدعو روسيا وأوكرانيا لاستئناف المح ...
- البيت الأبيض: أردوغان أبلغ ترامب بأن الجيش التركي يستعد لعمل ...
- الجيش الإسرائيلي يحاصر منزل عائلة -أبو حميد- برام الله تمهيد ...
- تراجع سعر النفط بعد خسائر وول ستريت
- -شوام- مصر.. بين الأمس واليوم
- ترامب يعين ميك مولفاني رئيسا لإدارة البيت الأبيض


المزيد.....

- هل يمكن إصلاح الرأسمالية؟ / محمود يوسف بكير
- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته
- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد
- نشوء الأمم / انطون سعادة
- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم
- النظرية الثورية عند كارل ماركس / عبد السلام أديب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالامير الركابي - هل العراق كيان امبراطوري؟