أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - أنس الشامي - مراسلات سلامة كيلة مع رفيق















المزيد.....



مراسلات سلامة كيلة مع رفيق


أنس الشامي
الحوار المتمدن-العدد: 6074 - 2018 / 12 / 5 - 00:09
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


التقديم:
 
فيما يلي نص المراسلات الكاملة التي أجريت بين الأستاذ سلامة كيلة وكاتب هذه النصوص. أجريت على أثر انتفاضة 2011 حيث حارت الأسئلة عن دور الماركسيين والشيوعيين ومساهمتهم ومبادراتهم للقاء الحراك.
على الأثر كان قد بادر الأستاذ سلامة إلى تأسيس ائتلاف اليسار السوري كإطار سياسي ومنظمة جامعة علها تستطيع لعب دور اليسار المفترض في ذلك الحراك الشعبي الضخم. ومن أهم الأولويات: تجميع الماركسيين واليساريين وتقريب وجهات النظر وتأطير الشباب لملاقاة الحراك. قبل لقائي بالأستاذ سلامة شخصيا كنت التقيت ب "الوثيقة التأسيسية" لذلك الائتلاف، ونقدي له كانت بداية مراسلة طويلة وعمل مشترك لم يتوقف حتى وفاته.
فيما يلي النصوص كاملة دون أدنى تعديل أو تغيير، تفصح عن تساؤلات وأفكار تتجاوز الحال السوري لتشمل الماركسية ككل وبأوسع إطار نظري وفكري وأظنها لا تخلوا من الأهمية خاصة من جانب ردود الأستاذ سلامة. وهي تعني كافة المعنيين بالشأن الماركسي باعتقادي دون استثناء، لشمولية طروحاتها وغنى الملفات والآفاق التي فتحت في هذا السجال الفكري-النظري -السياسي وحتى التنظيمي، الذي وكما سيلحظ القارئ كان خلواً من المجاملات والتعذيرات فسياط الأزمة كان يلهب الجميع ويضطر الجميع لطرح المسائل بكل وضوح وحزم وجدية. علما أنه وعلى الصعيد الشخصي لا يمكن لكل من عرف الاستاذ سلامة عن قرب الا أن يحتفظ عنه بأطيب الذكرى وأخلص وأصدق مشاعر الود والاحترام.  
 
 
نص الوثيقة التأسيسية الصادرة عن ائتلاف اليسار السوري في 1 يونيو 2011:
مقدمة:
 على ضوء الانتفاضة الشعبية التي بدأت منذ 15 آذار في سورية، تبلور ائتلاف بين مجموعات وأفراد من اليسار المشارك في الانتفاضة، بهدف تنسيق النشاط فيما بينهم، ومن أجل تطوير الحراك، وتفعيل دور العمّال والفلاحين وذوي الدخل المحدود المشاركين في هذه الانتفاضة، وأصدر الوثيقة التالية:
 
انتفضت قطاعات واسعة من الطبقات الشعبية من أجل التغيير، بعد قهر استمر خمسة عقود، فلم يسمح لها بالتنظم كقوة مستقلة عن السلطة، انتفضت بعد أن بلغ النهب الذي يمارسه "رجال الأعمال الجدد" والقدامى حداً أفقر كتلة كبيرة من هذه الطبقات.
لقد تحكمت فئة ضئيلة بمفاصل الاقتصاد وحوّلته من اقتصاد منتج (في الزراعة والصناعة بحدود معينة) إلى اقتصاد ريعي يقوم على الخدمات والاستيراد والعقار والسياحة والبنوك. هذه العملية التي حققتها سياسة اللبرلة التي نفّذت خصوصاً في السنوات العشر الماضية، في ظل الحديث عن سياسات "التحديث والتطوير"، والتي أفضت إلى زيادة كبيرة في نسبة العاطلين عن العمل، ونشوء اختلال كبير في الوضع المعيشي للطبقات الشعبية، التي لم ترتفع أجور العاملين منها سوى بنسب ضئيلة مقابل الارتفاع الهائل في أسعار السلع والخدمات والتعليم والصحة بعد اكتمال الانفتاح الاقتصادي وتحرير السوق، رغم أنه بات محتكراً لفئة ضئيلة من "رجال الأعمال الجدد".
ولقد كان الطابع الاستبدادي للسلطة، الذي تشكّل منذ خمسة عقود تقريباً، وتحكم الأجهزة الأمنية، مع غياب المؤسسات والقانون، هو الغطاء الذي سمح بنهب منظم ومريع لمجهودات الطبقات الشعبية حين كانت الدولة هي "رب العمل"، ومن ثم سمح لتحقيق التحول الليبرالي دون مقدرة على المقاومة بعد انهيار الحركة المعارضة بفعل قسوة الاستبداد، وأزماتها هي بالذات.
لهذا كان من الطبيعي أن تثور هذه الطبقات، وأن تبدأ انتفاضة عارمة بهدف تحقيق التغيير، وانتزاع الحريات السياسية، على أمل أن تحقق وضعاً أفضل يسمح لها بعيش كريم وحياة مستقرة.
الثورة إذن، هي ثورة الطبقات الشعبية، وإنْ لم تتخذ طابعاً طبقياً واضحاً بعد. لكننا نلمس اندفاع العاطلين عن العمل، وتحرّك الريف الذي أدت سياسات إخضاع الاقتصاد المحلي لتقلبات الأسعار العالمية، بعد تحقيق الانفتاح الكامل، إلى انهياره بعد رفع أسعار المشتقات النفطية والتقاوي والأسمدة. وسنلمس تحرّك العمال الذين يعيشون أبأس حياة نتيجة الأجور المنخفضة، في "القطاع العام" وأسوأ في القطاع الخاص، وكذلك موظفي الدولة الذين لا تسمح أجورهم بأدنى ممكنات العيش.
ولأن الأفق بات مسدوداً بفعل قسوة السلطة، وبات العيش أصعب مما يمكن احتماله، كان لا بد من التحرر من كل عقد الخوف والتخوف، ومن ميول التكيف والالتفاف على الأزمة العميقة التي باتت تعيشها، أزمة الفقر والجوع، والبطالة والتهميش والقمع والتدخل الأمني لمنع كل تعبير بسيط عن الأزمة. ولهذا خرجت تطالب بالخبز والحرية معاً.
لا بد إذن، من أن نحدد دورنا في الثورة الراهنة، كماركسيين ثوريين، يلتصقون بالطبقات الشعبية ويدافعون عنها، ويسعون لأن تصبح هي القوة الحاكمة، من أجل تأسيس دولة مدنية حديثة تقررها الإرادة الشعبية، إرادتهم هم، بما يقود إلى حل الأزمات العميقة التي نشأت، في الاقتصاد والتعليم والصحة، وفي بنية الدولة التي تكرست كسلطة مستبدة.
 
سوريا التي نريد:
تشكلت الدولة بعد الاستقلال كتعبير عن حاجة الإقطاع المتحوّل إلى التجارة. كما تشكلت بعد الانقلابات كسلطة دكتاتورية أبوية تتحلى بأساطير القرون الوسطى عن الحاكم. ورغم كل الأشكال "القانونية" و"المؤسسية" و"الدستورية" التي تمظهرت من خلالها. فقد ظلت سلطة حاكم فرد. لهذا لا بد من تأسيس دولة مدنية حديثة، ديمقراطية وعلمانية، وبرلمانية. تقوم على أساس المواطنة، وبأن الشعب وحده هو مصدر السلطات، وتقرر الحريات العامة كلها، حرية التنظم وحق الأحزاب في النشاط من خلال الإخطار فقط، حرية الرأي والتعبير والمعتقد، وحرية الصحافة بمختلف أشكالها (الورقية والمرئية والمسموعة) وفق ضوابط تقرر في الدستور. وحرية الإضراب والتظاهر وكل أشكال الاحتجاج من خلال الإخطار فقط. وحريات النقابات والاتحادات وكل أشكال التجمعات التي تعبّر عن طبقة أو فئة اجتماعية أو جنسية أو عمرية. على أن ينتظم كل ذلك في دستور يقرر فصل السلطات وتداول السلطة، يقر من قبل الشعب ذاته.
ولما كان الأساس في كل الحراك الثوري الحالي هو الوضع المزري الذي وُضعت فيه الطبقات الشعبية، ولحل مجمل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، لا بد من تغيير النمط الاقتصادي الذي تشكل خلال العقود الماضية، والذي هو أساس التبعية للإمبريالية، بحيث نعيد التأكيد على أن وجودنا وتطورنا يعتمدان على أن لا يجري الاعتماد على الاستيراد في كل ما نحتاج، بل أن نؤسس اقتصاداً منتجاً، يوفر احتياجاتنا ويوجد فائض قيمة يسمح بزيادة مضطردة في الأجور وفي تحسين الخدمات.
لهذا لا بد من حل المسألة الزراعية، بالعودة إلى الاهتمام بالأرض، ودعم الدولة لتطوير الزراعة ومساعدة الفلاحين بعد الأزمة التي أحلت بهم، ودعم كل مستلزمات الزراعة، وتسويق المنتوج. وبالأساس الحفاظ على الملكيات وتعزيز التعاون بين الفلاحين. حيث يجب أن نأكل ما ننتج. لهذا لا بد من ضمان أسعار المشتقات النفطية والتقاوي والأسمدة، ودعم كل ما يؤدي إلى مكننة الزراعة.
كما لا بد من العمل على تجديد الصناعات القائمة والتوسع في البناء الصناعي، حيث لا يمكن لمجتمع أن يعيش في هذا العصر دون أن تكون الصناعة هي قوة الإنتاج الأساسية فيه. وإن استيعاب العمالة الوافدة كل عام لن تكون ممكنة دون هذا التوسع الصناعي. وكذلك إن بناء دولة مدنية حديثة لن يتحقق على اقتصاد ريعي طفيلي، ومافياوي، ويخضع لتقلبات الأسواق العالمية، ولشره الطغم المالية الإمبريالية.
والحاجة لكل ذلك تفرض تطوير البنية التحتية لكي تستوعب هذا التطور الاقتصادي، وتؤسس لرفاه الناس. كما تفرض إعادة بناء التعليم لكي يؤسس لأجيال تعرف ما ستشتغل به، وتتقن العمل، وليس حملة شهادات لا قيمة لها سوى الإتيان بموظفين لا معرفة لديهم. فالبناء الصناعي لن يكون ممكناً دون المعرفة والعلم، والدولة المدنية ليست ممكنة في مجتمع يسوده وعي القرون الوسطى.
ولهذا لا بد من أن تلعب الدولة دوراً أساسياً في تحقيق كل ذلك، من خلال ضبط العلاقة بين السوق المحلي والسوق الرأسمالي الإمبريالي لكي لا يهرب الفائض إلى المراكز التي تجهد من أجل نهب كل الرأسمال المتراكم في الأطراف. إن ضعف ميل الرأسمال إلى النشاط المنتج (بغض النظر عن كل القوانين التي يمكن أن تصاغ) يفرض أن تقوم الدولة بكل ذلك، لكن دون منع الرأسمال الخاص من النشاط، وإنما مع كبح ميوله للتوظيف في ما هو غير منتج، ودفعه للنشاط في القطاعات المنتجة بالتحديد. فدون ذلك سوف يتكرر إنتاج النمط الريعي وسيطرة المافيا، ويزداد التفاوت في الدخول، فتدخل الديمقراطية الوليدة في أزمة قد تؤدي لعودة الطابع المستبد للسلطة، لأنه الطابع الضروري للحفاظ على التفاوت الاقتصادي، والتهميش للقطاعات الأوسع في المجتمع.
 
لهذا يناضل ائتلاف اليسار السوري من اجل:
 
•من أجل اقتصاد منتج يستوعب البطالة والعمالة التي تدخل السوق سنوياً.
•من أجل اقتصاد يحقق عيشاً كريماً للعاملين، من خلال أجور متوازنة مع الأسعار، وتحقق وضعاً مريحاً.
•من أجل حق العمل، وأجر للعاطلين يمثّل الحد الأدنى للأجور.
•من أجل تعليم مجاني وعلمي.
•من أجل ضمان صحي حقيقي.
•من أجل ضمان اجتماعي شامل.
•من أجل سكن لائق.
•التوزيع العادل للتنمية الاقتصادية في مختلف أقاليم الدولة ومناطقها.
 
هذا ما تريده الطبقات الشعبية، وتثور من أجله. وهذا ما يجب أن يكون في أساس مبادئ النظام الجديد. ولكي يكون ديمقراطياً،يناضل ائتلاف اليسار السوري من اجل:
 
•من أجل دستور يقرر كل الحريات وينطلق من فصل السلطات وفصل الدين عن الدولة.
•من أجل حرية تأسيس النقابات والاتحادات التي تدافع عن منتسبيها، من العمال ومن المهنيين، ومن كل الفئات الاجتماعية التي لديها مطالب محددة.
•من أجل رقابة شعبية على نشاط الدولة السياسي والاقتصادي.
•من أجل قانون مدني للأحوال الشخصية.
•من أجل دور متساوٍ للرجل والمرأة.
 
ونحن إذ نركز على الثورة الراهنة لا بد من أن نؤكد على أن صراعنا من أجل التغيير الآن يتأسس على رؤيتنا العامة للصراع ضد الإمبريالية:
 
•نحن مع المقاومة، ومع تطوير الصراع إلى حرب حقيقية من أجل تحرير الأرض.
•ومع الاستقلال الكامل عن الإمبريالية وعن النمط الرأسمالي، حيث لا استقلال في ظل التبعية الاقتصادية التي تفرضها حتماً السياسات الليبرالية.
•ونحن مع الصراع ضد الدولة الصهيونية من أجل فلسطين محررة.
•ومع الترابط مع كل الثورات العربية من أجل استنهاض مشروع ثوري تحرري جديد في الوطن العربي، ينطلق من الاستقلال ويهدف إلى الوحدة وتحقيق التطور والحداثة، في أفق تحقيق الاشتراكية.
 
فلا إمكانية لتطور داخلي، ولا إمكانية لبناء صناعة حقيقية أو تطوير الزراعة، في ظل التحاق بالرأسمالية. ولا إمكانية لتجاوز الاقتصاد الريعي المافياوي إلا بالقطع مع الرأسمالية والسعي لتجاوزها.
المسألة هنا هي مسألة مصير وليست مسألة خيار فقط، حيث لا يمكن تحقيق التطور دون صراع حقيقي مع الإمبريالية، ولا يتوهم أحد بأن بإمكانه ذلك لأنه سوف يعيد إنتاج النمط الريعي المستبد القائم.
 
 
مهماتنا في الثورة:
على ضوء ذلك، يجب التعبير عن العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين، وهو الأمر الذي يعني تطوير الانتفاضة للوصول إلى تحقيق الشعار الذي طرحته، أي شعار الشعب يريد إسقاط النظام. فلا إمكانية لاستمرارية نظام خرج الشعب من أجل تغييره، ولا إمكانية لقوى جذرية أن تطرح ما هو دون سقف المطالب الشعبية. هذا الأمر يفرض التفكير في كل السبل التي تسمح بتطوير الانتفاضة، بتنظيم آليات نشاطها، وبتحديد الشعارات التي تعبّر عن مطالب الطبقات الشعبية حقيقة، وكذلك بالأهداف التي تطرحها.
لم تخرج الطبقات الشعبية من أجل إصلاح أو تحسين وضع فقط بل خرجت من أجل مطالب أجبرتها على أن تكسر حالة الخوف من السلطة، ودفعتها إلى ميدان الصراع من أجل تحقيقها. ولم تعرّض ذاتها للموت إلا لأنها توصلت إلى أن ما من حل سوى في إسقاط السلطة، وتحقيق التغيير الذي يؤدي إلى أن تحقق مطالبها. وعلينا أن نعمل معها على ذلك، علينا أن نبلور مطالبها، وأن نسهم في تفعيل حراكها، وأن ندفعها إلى الأمام لكي تصل إلى الانتصار.
وفي كل الأحوال لن تتوقف الثورة قبل أن تحقق الحل الذي يتضمن مطالب هذه الطبقات، حتى وإنْ كان التغيير سيتحقق على مراحل وصولاً إلى أن تفرض مطالبها. لكن لا بد الآن من العمل على تفعيل الحراك الثوري ومأسسته وتحديد المطالب الأساسية التي يمكن أن تُفرض. فالسلطة ستعجز عن وقف الانتفاضة، لكن ضعف القوى الثورية سوف يفتح المجال لمحاولة تهدف إلى تحقيق تغيير شكلي في بنية السلطة دون لمس سيطرة الرأسمالية المافياوية، أو بتقليم أظافرها لمصلحة رأسمالية أخرى. وهي المحاولة التي تقوم على رفض مطالب الطبقات الشعبية بتغيير النمط الاقتصادي، وإن كان يمكن أن تحقق مطلباً ديمقراطياً إلى هذا الحد أو ذاك.
ولهذا لا بد من أن تحدد قوى الانتفاضة البرنامج الذي يطرح مطالبها كلها لكي يكون الحد الواضح لكل من يريد اللعب على أكتافها. ولقد أشرنا للتو إلى المطالب الأساسية التي هي الحد الأدنى الآن، والتي دون حلها لن يكون ممكناً وقف الانتفاضة، حتى وإنْ توقفت مؤقتاً بعد تغيير النظام. فهي المطالب التي تحقق استقراراً فعلياً من خلال إعادة صياغة العلاقة بين الطبقات لمصلحة الطبقات الشعبية، وترسي بنية اقتصادية منتجة ودولة مدنية حقيقة.
وإذا كانت هناك قوى متعددة طبقياً تسهم في الثورة، بعضها عمالي وبعضها فلاحي وبعضها يمثل الفئات الوسطى، بعضها يساري وبعضها ليبرالي، فإن الأساس الآن هو تحقيق المطلب العام الذي يوحدها جميعاً، لكن ذلك لا يعني التركيز على شكل السلطة كما يرغب الليبراليون فقط، بل يعني أيضاً فهم أن الطبقات الشعبية التي هي الفاعل الأساس في الثورة لديها مطالب لا بد من أن تتحقق. وما طرحناه يعبّر عن ذلك حصراً، لأننا لا نرى بأن موعد الثورة الاشتراكية قد حان، بل نرى بأن تحقيق المطالب الشعبية الآن هو الذي سيفتح الأفق للوصول إلى الاشتراكية بقوة ونشاط العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين الذين هم قوة الثورة الراهنة.
مهمتنا الآن تتمثل في الفعل في الثورة من أجل دفعها إلى الأمام. وهذا هو هدف الائتلاف اليساري، الذي يجب أن يضم كل الماركسيين المنخرطين في الثورة، من أجل الثورة، ومن أجل المستقبل الذي لن يكون مزدهراً دون فعل هؤلاء.
المطلوب هو نظام ديمقراطي يعبّر عن مصالح الطبقات الشعبية بالتحديد.
فالصراع طبقي بامتياز ولن يتوقف عند تغيير شكل سلطوي بآخر مهما كانت "ديمقراطيته"، لأنها دون تغيير النمط الاقتصادي لن تكون حقيقية بل ستخدم مافيا جديدة، وبالتالي لن تؤسس لدولة ديمقراطية بالفعل.
والمطلوب هو دورنا من أجل تفعيل الصراع وتطوير الثورة لكي تشمل كل الطبقات الشعبية، ولكي يصبح شعار إسقاط النظام ذو معنى واضح، هو المعنى الذي تحفره قوة الجرأة والبسالة لدى شباب الطبقات الشعبية، والذي رسمه دم الشهداء الذين سقطوا من أجل الخبز والحرية. من أجل دولة مدنية توفّر حياة فعلية للطبقات الشعبية.
هذه هي مهماتنا في الثورة الآن.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
القسم الأول: نقد الوثيقة التأسيسية الصادرة عن ائتلاف اليسار السوري:
 
- يمتاز البرنامج بتحليلاته الصحيحة والصائبة للتخريب الممنهج الذي حصل لاقتصاد البلد على يد حكامه، ونهبهم واثراءهم الغير مشروع وسرقة خيرات الشعب واضطهاد الكادحين الذين حرصوا على ابقائهم " أوطأ من العشب وأسلس من الماء"...
ولكن... هل هذه الشروحات مناسبة ل " برنامج " كفاحي يتم اصداره على اعتاب انتفاضة شعبية جبارة عارمة لم تشهد البلاد مثلها منذ عقود؟ هل هذه الصياغة سليمة؟ هل هذا الاسلوب صحيح؟
لتحديد كيفية الصياغة الماركسية للبرامج الثورية نعود قليلا الى النقد الذي اورده انجلس لبرنامج" إيرفورت":
- يكون برنامج الحزب العمالي واضحا ومحكما. الجمل قصيرة ومؤثرة وترسخ بالذهن، اي تكون مفهومة وواضحة. يجب ان تصبح على شكل شعارات قوة وتنظيم. من الخطأ الاكثار من الشروحات، خاصة في البرنامج السياسي كما انه لا يجب الاستهانة بقدرات الكادحين الفكرية والثقافية وقدرتهم على الاستيعاب والفهم.
 الهدف من البرنامج ان يكون راية، حربة، شعلة، قوة تحقق التفاف الجماهير حولها وهذا ما لا يتحقق عبر التحليلات الطويلة والبحثية الموائمة لروح المقالات الصحفية أكثر منها لروح البرامج الثورية.
 ان مثقفينا الماركسيين ولطول ابتعادهم عن الممارسة السياسية والعمل الثوري والتنظيمي (خاصة الجيل القديم)، نشأت لديهم نزعة "أستاذية" تظهر جلية في برامجهم وكتاباتهم (وبشكل فاقع احيانا كما هو الحال مع برنامج الحزب الشيوعي المكتب السياسي) بحيث تنتفي الحدود بين البرامج والمقالات والابحاث، وتكتب كلها بأسلوب واحد جامد أكاديمي، لا يلائم مقام الحال.
- تحدد الوثيقة مهمات الماركسيين ب " الالتصاق بالطبقات الشعبية والدفاع عنها". هذا صحيح لكن هناك أمر اخر مفقود: قيادتها!
واجب الماركسيين اللينينين حقيقة هو قيادة الطبقة العاملة والطبقات الكادحة، مع كل ما تعنيه هذه الكلمة من معاني ومع كل ما تحمله من ابعاد وكل ما تحمله من واجبات وتضحيات ومهمات تكاد تكون جبارة، ملقاة على كاهل الماركسيين والمثقفين الثوريين.
قيادة الطبقة العاملة نحو بناء حزبها وتعريف نفسها كقوة مستقلة، وبناء وتطوير وعيها الى أسمى اشكاله أي الى مستوى الوعي الطبقي، وبناء حركتها، الحركة العمالية الهادفة الى تحقيق ديكتا توريتها الطبقية ...هل يجب ان نخجل من المهمات التي تفرضها علينا مبادئنا؟ ان الحديث عن "الالتصاق" و " الدفاع " وحسب، انما هو تمويه وتشتيت للانتباه عن مهماتنا المحورية كماركسيين في قيادة الطبقة العاملة و "تصدير" الوعي اليها، فالمسألة هنا حاسمة: اما انها ستمتلك الوعي الطبقي، أو واحدة من مختلف تلوينات الوعي البرجوازي والبرجوازي الصغير، الذي علينا محاربته بكل حزم.
- هل يمكن لماركسي منسجم مع مبادئه ان يتحدث عن الدفاع عن الدولة " المدنية والديموقراطية والعلمانية والبرلمانية..."؟ ان هذا كلام تضليلي بالمطلق! ما هو طابع الدولة الطبقي الذي نريد؟ هذا هو السؤال الذي يجب ان ننشغل في الاجابة عنه، ثم كيف نحقق هذه الدولة، ما هو المسار، ما هي الخطوات، ماهي الوسائل والادوات، ماهي الاستراتيجية .... عن هذا كله يجب البرنامج الماركسي الحقيقي. هل فعلا نحن معنيين بتحقيق " حرية الصحافة " البرجوازية؟ و "حرية اتحادات " رجال الاعمال؟ وحقهم في "حرية التعبير " عن أنفسهم ...؟ نحن لسنا ديموقراطيين ايها السادة!  ولا من جماعة حقوق الانسان حماة الملكية الخاصة والحق البرجوازي ...هل علينا ان نذكر بضرورة عدم اتباع الزعيق الاعلامي والدعائي، ان نذكر بان هذه الدعوة " الديموقراطية الصرفة " و "الإنسانوية "الخ فقدت في ظل الامبريالية أي محتوى تقدمي، ولم يبقى منها سوى جوهرها الليبرالي القميء الذي لا يخدم الا مصالح اعدائنا الطبقيين بالذات !!.
مأساة ان يطالب الماركسيون أنفسهم بان يكونوا "ديموقراطيين" جدا، ومتسامحين جدا، وليبراليين جدا، مع أعدائهم الطبقيين. رغم انهم هم معنا ليسوا كذلك ابدا.
لماذا نستحي من مبادئنا ونداري في طرح اهدافنا وبرامجنا، رغم ان خصومنا السياسيين وقحين جدا ومباشرين جدا وواضحين جدا في طرح اهدافهم وبرامجهم. هل دارى الملالي او خبأوا هدفهم بتحقيق ولاية الفقيه !؟ هل تداري داعش هدفها بتحقيق "الخلافة " و " تطبيق الشريعة"؟!هل دارى النظام بطرح هدفه وغايته " الاسد او نحرق البلد"!؟
... أبدا! كلهم لم يداروا بل مضوا نحوا أهدافهم بثبات وثقة، أظن أنه على ماركسيينا " الكهول " أن يتعلموا منها. لماذا علينا أن نداري نحن في طرح هدفنا في تحقيق ديكتاتورية البروليتاريا؟
- دون تحديد الطابع الطبقي للدولة التي نريد تصبح جميع الحلول و المقترحات الاقتصادية و الاجتماعية المطروحة في الوثيقة فاقدة المعنى ,ففي حالة قيام دولة برجوازية بعد الثورة (و بغض النظر عن طابعها الايديولوجي من جماعة حقوق الانسان ام داعشية !)لا أظن انه من صالحنا ان تكون قوية وراسخة و متوطده الاركان لا اقتصاديا ولا سياسيا.. , اذ ان واجبنا هو دكها بالذات من جديد(هذا اذا تم النجاح في دك نظام الحكم المطلق الحالي, وهو امر مستبعد) , ليس من الماركسية في شيء ان نوجه محور نضالنا لصالح هذه المطالب الاقتصادية و الاجتماعية ( الاسمدة و البطالة و اسعار المحروقات ) بوصفها غايات, لان هذه " نقابية " وليست ماركسية . هذه المطالب دائما ما تكون أداتيه للتحريض والدعاية في رص صفوف الجماهير من اجل الثورة الاشتراكية، وإذا وضعت خارج هذا السياق تصبح نقابية صرفه.
هل يمكن لدولة برجوازية "جديدة" أن " تحل " المسالة الزراعية؟ هل يمكن لهكذا دولة ان تحل أي مسالة على الاطلاق من مسائل الشعب السوري...؟
هناك حدود دنيا لا يمكن للبرنامج الماركسي ان يتجاوزها وعلى راسها الطابع الطبقي للدولة التي يريد، حيث لا يجوز النضال في سبيل ما هو اقل من الديكتاتورية الديموقراطية للعمال والفلاحين (سمعت أحدهم (من الماركسيين الكهول) ينتقد هذه الصيغة على انها " خشبية" وعتيقة الخ. فعلا هذه الصيغة ميتة وخشبية اما شعارات مثل " دولة الخلافة" و " الشريعة " و"السلف الصالح" فهي شعارات حداثوية ومهيبة وبنت عصرها تماما !!. ان مبادئنا لم تمت ايها السادة بل ماتت في بعض الصدور فقط)، شكل الحكم الوحيد القادر والمؤهل لتلبية مطالب الشعب العميقة وحاجاته الاساسية: الاقتصاد المنتج – التعليم المجاني والعلمي – الضمان الصحي والاجتماعي الحقيقي. الخ. وعندما نقول ان دولة اخرى ذات طابع طبقي اخر قادرة على تلبية هذه المطالب لمجرد كونها علمانية او ديموقراطية. فنحن اما ندجل على الشعب، او اننا استبدلنا مبادئنا الماركسية بالتشويش والخلط!
اما المطالب الليبرالية والدستورية والديموقراطية "الصرفة" فقد اثبتت الاحداث بما لا لبس فيه انها لا تغني ولا تسمن عن جوع وأنها كانت شماعة استخدمتها الاطراف كافة (بدءا من النظام الذي غمرنا بكومة "اصلاحات" دستورية وليبرالية وديموقراطية، انتهاء بالإسلاميين الذين كانوا أفضل من ركب الموجة). لا أحد قبض هذه المطالب جديا واعتبرها مهمة في ذاتها وتملك قيمة في ذاتها الا مثقفينا الماركسيين! الذين نسوا ألف باء الماركسية.
ان ماركسيينا " الشيوخ " أودعوا الماركسية الدروج منذ زمن بعيد وعادوا عنها فلسفيا وسياسيا وتنظيميا الى المواقع الليبرالية (راجعوا مثلا مقالا الاستاذ محمد سيد رصاص" النظرة اليسارية – العلمانية الى الدين والمتدينين" الذي يعتبر مثالا نموذجيا عن هذه الردة على المستوى الفلسفي).
- هل يمكن ان تنشأ مواقف معادية للإمبريالية حقيقية على ارضية سايكس بيكو؟ ابدا.  ان الرفض القاطع والحازم لسايكس بيكو هو نقطة الانطلاق الاجبارية لبناء الموقف النضالي ضد الامبريالية، لبناء الموقف السليم تجاه المسألة القومية، واي موقف لا ينطلق من هنا بالذات هو ببساطة غير جدي! ..
ان تمييع الموقف تجاه سايكس بيكو وعدم الحزم فيه سيعني تمييع النضال ضد الامبريالية وتميع الموقف منها بحيث لن يعود نافعا الحديث عن " المقاومة " و " التحرير" و "التخلص من التبعية "...الخ. الموقف السليم من المسألة القومية هو الركن الرئيس لبناء الخط المعادي للإمبريالية والقادر على تشكيل تحدي جدي لها.
في عصر الامبريالية الراهن، لا نكون معادين للإمبريالية عندما نكون اشتراكيين ومناهضين للرأسمالية وحسب بل عندما نحل حلا صحيحا المسالة القومية، مسالة التحرر القومي العربي وحقنا كأمة في تقرير مصيرنا التوحد وبناء دولتنا وتحرير ارضنا...لذلك فان اخر معادي عربي حقيقي وجدي للإمبريالية لم يكن ماركسيا جدا والحق يقال، انه عبد الناصر!
ليس هدفنا اقامة كومونات اشتراكية وشيوعية في سوريا او لبنان او ادلب او الحسكة. فنحن لسنا برودونيون او أوينيون ايها السادة، بل ثورة قومية كبرى تدك الحدود ومواقع الامبريالية في آن. هذه المهمة " القومية " ان تحققت فستكون أعظم خطوة جبارة تجاه الاشتراكية في القرن الواحد والعشرين. وغني عن القول ان مهمة على هذا المستوى وبهذا الحجم لن تتحقق الا على يد الطبقة ذات الرسالة التاريخية الكبرى في عصر الامبريالية: البروليتاريا العربية، وجماهير الكادحين والفلاحين الفقراء من ورائها.
هذه هي مهمات الجماهير المنتفضة في سوريا ومصر واليمن وتونس .... التي دورنا نحن بالذات مساعدتها على ادراكها وتحقيقها. ليس الخبز ولا الحرية. فعصر الامبريالية هو عصر الثورات، هو عصر التحولات الكبرى بحيث لن نكون تجار احلام بالاستقرار و " يا رب السترة" ولا سماسرة تسويات الكفاف والحد الادنى. اما ان يكون الماركسي صرخة هذا العصر او لا يكون. علينا وبكل ما أوتينا من قوة أن نصرخ في اذان الكادحين العرب:
من هو اليوم لا شيء
سيصبح غدا كل شيء
هكذا ارى مهماتنا، هكذا ارى واجبنا، في هذه الثورة وفي كل ثورة حتى تتحقق الغاية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
القسم الثاني: رد الأستاذ سلامة على الملاحظات
 
الرفيق العزيز
تحيات وآسف للتأخير في الرد،
قبل نقاش ما طرحت حول برنامج ائتلاف اليسار السوري، أود أن أبدي بعض الملاحظات،
أولاً أن البرنامج طرح لتوحيد مجموعات صغيرة اتفقت على النشاط المشترك في الثورة، وبالتالي كان يراعي مع يضبط هذا التوافق، خصوصاً أن المجموعات أتت من منابع مختلفة، ولديها اختلافات في المصطلحات والتصورات، لكن قررت أن تتوافق على العمل المشترك خلال الثورة فقط، الأمر الذي يعني ان أمر تشكيل حزب لم يكن مطروحاً بينها، وكانت مراهنتي على أن يصهر النشاط المشترك هذه المجموعات بما يسمح بأن يفضي إلى بناء حزب.
ثانياً أن البرنامج طرح في خضم ثورة قائمة، ولهذا يحاول أن يركز على آليات تطويرها، وتحديد الخطوط الأولية لبرنامج لها، خصوصاً هنا بالتركيز على الوضع المعيشي والقضايا المطلبية التي تخص فئات شعبية واسعة، في ظل ميل جارف لدى المعارضة للتركيز على الديمقراطية والحرية.
ثالثاً إذا كنت أشرت إلى إنجلز في تحديده لبرنامج حزب ماركسي، فإن البرنامج كمطالب وأهداف لا يتجاوز الصفحتين أصلاً، ولهذا كنا تعمل على تعميم المطالب وحدها دون التحليل الذي كان هدفه توحيد رؤى تلك المجموعات عبر توضيح الواقع المؤسس لطرحها.
بالتالي فإن نقدك لـ "الشروحات" التي وصلت عبرها إلى الإشارة إلى الـ "أستاذية"، ليس في محله، لأن الهدف منه هو توحيد رؤى مجموعات حول أوليات تخص فهم الواقع الذي أنتج الثورة، ولماذا نركز على ليس فقط الحرية والديمقراطية بل على البطالة والفقر والتهميش، هذه المسائل التي تطال الأغلبية المجتمعية. بمعنى أنها الأوليات التي تسمح بتوحيد الماركسيين في الائتلاف، وتؤسس لتوافقهم. وهي مختصرة ومركزة كذلك. وإنجلز حين أشار إلى البرنامج لم يتجاهل أن الحزب يجب ان يمتلك الرؤى والتصورات والفهم العام للواقع، وبالتالي على ضوء ذلك كان يعتقد بأن برنامج الحزب يجب أن يكون مختصراً (ولقد ذكرت الأمر في نقد برامج الأحزاب التي تقدم توصيفاً سياسياً معتبرة ذلك رؤية أيديولوجية وبرنامج ونظرية).
إن مشكلة "التجميع" في الثورة تفرض وضع رؤى وتصورات لكي تحكم توافق الائتلاف، لكن كان يجب أن تكون مختصرة. هذا ما اعتقدنا أنه ضروري.
الآن، ليس الأمر متعلقاً بالخجل "من المهمات التي تفرضها علينا مبادئنا"، وليس كذلك أننا "نستحي من مبادئنا ونداري في طرح أهدافنا وبرامجنا". يتعلق الأمر بخلاف في الفهم كما أظن، حيث أن ما يحدد الأهداف والبرامج هو ليس "المبادئ" بل الواقع. فليس ربط الاشتراكية بالماركسية يعني أن ما يجب أن يطرحه الماركسيون هو الاشتراكية وليس "ما هو أقل"، هذا هو الأفق الذي يسعى الماركسيون إلى تحقيقه لكن تحقُّقه يرتبط بالظروف الواقعية بالتحديد، وهذا يفرض "التحليل الملموس للواقع الملموس" كما قال لينين. وهو ما دفع لينين سنة 1905 إلى طرح هدف "دكتاتورية العمال والفلاحين الفقراء" عكس تروتسكي الذي تمسك بشعار "دكتاتورية البروليتاريا". وبالتالي يمكن طرح "ما هو أقل" من "الدكتاتورية الديمقراطية للعمال والفلاحين" حين يكون الواقع في وضعية تفرض ذلك. هنا يجب أن تعرف الطريق الموصل بين الواقع و"المبدأ"، وليس فرض "المبدأ" على الواقع. لهذا يجب أن ننطلق من الواقع السورين ومن الواقع في لحظة الثورة، الثورة التي ليس للماركسيين دور فاعل فيها، لأنهم أفراد أولاً، ولأن علاقتهم بالعمال والفلاحين الفقراء معدومة ثانياً. وبالتالي أن نلمس "ميزان القوى الطبقي" في الثورة لكي نستطيع تحديد الشعار الضروري. بالضبط كما فعل لينين سنة 1905 حين لمس بأن الطابع الفلاحي هو المسيطر، وأن دور العمال ضعيف فيها، ولهذا وجد أنه من الضروري الربط بين العمال والفلاحين في ثورة فلاحية بالأساس. وهو الأمر الذي دفعه إلى طرح شعار "دكتاتورية العمال والفلاحين" متجاوزاً "المبادئ"، ومختلفاً مع المناشفة الذين رؤوا في الثورة كثورة برجوازية خالصة، ومع تروتسكي الذي رفع شعار "دكتاتورية البروليتاريا". لكن هذا الشعار اللينيني لا يصبح "من المبادئ" لأن لينين طرحه، فلينين ذاته تجاوزه سنة 1917، وفسّر ذلك بوضوح، حيث أشار إلى أن "ميزان القوى الطبقي" قد تغيّر أصبحت الطبقة العاملة هي رأس الحربة في الثورة. وهو ما دفعه لطرح هدف استلام البروليتاريا السلطة.
لهذا يجب أن ندرس جيداً "ميزان القوى الطبقي" في الثورة حين نسعى لتقديم شعار يعبّر عن الثورة. ولقد كان واضحاً "غياب" دور العمال كطبقة، وتركّز الدور في الفلاحين والفئات المهمشة والفئات الوسطى المدينية. القطاع الفاعل من الفئات الوسطى يريد الحرية والديمقراطية، وباقي الطبقات والفئات تريد العيش (العمل والأجر). وكانت الثورة حراك شعبي عام، غير مفروز طبقياً، ودون مطالب واضحة غير الحرية، الشعار الذي أطلقه شباب من الفئات الوسطى. كل ذلك كان يفرض طرح الشعار الذي يوحد كل هؤلاء، ولكن التركيز على تجاوز منطق الفئات الوسطى (والمعارضة) التي أرادت حصر الثورة في: الحرية، من خلال طرح مطالب "الطبقات الشعبية"، التعبير الذي يعني تحالف كل المفقرين من العمال والفلاحين الفقراء والمتوسطين وجزء من الفئات الوسطى المدينية المفقرة. بهدف إعطاء طابع طبقي للثورة، ودفعها لتجاوز النمط الاقتصادي القائم، الذي هو نمط رأسمالي تابع ومافياوي وريعي، لمصلحة نمط منتج. هنا يصبح ضرورياً فرض سلطة الطبقات الشعبية التي لا تتحقق مطالبها دون تغيير النمط الاقتصادي من نمط ريعي إلى نمط منتج. وهذه خطوة مهمة نحو تجاوز الرأسمالية ذاتها، حيث ليس من نمط منتج في الأطراف في ظل سيادة الرأسمالية كطبقة مسيطرة.
هذا هو أساس التصور الذي طُرح في البرنامج، حيث يؤكد انها "ثورة الطبقات الشعبية، وإنْ لم تتخذ طابعاً طبقياً واضحاً بعد"، ويؤكد على أن تصبح "هي القوة الحاكمة"، وأن علينا كائتلاف "التعبير عن العمال والفلاحين الفقراء"، وأن البرنامج يطرح "المطالب الأساسية التي هي الحد الأدنى الآن"، حيث أننا "لا نرى بأن موعد الثورة الاشتراكية قد حان، بل نرى بأن تحقيق المطالب الشعبية الآن هو الذي سيفتح الأفق للوصول إلى الاشتراكية بقوة ونشاط العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين الذين هم قوة الثورة الراهنة". وفي كل ذلك تحديد للهدف الراهن خلال الثورة، والهدف الضروري لتحقيق التطور المجتمعي الذي يفتح الأفق للانتقال إلى الاشتراكية، وتحديد لقيادة العمال والفلاحين الفقراء للتحقيق الأهداف والانتقال إلى الاشتراكية، أما الآن فلا ندعي أانا قادرون على ذلك بالضبط لغياب الحزب، وبالتالي لغياب الفاعلية المجتمعية للائتلاف التي تسمح بذلك.
هنا يظهر أن الأمر لا يتعلق بخجل بل برؤية أخرى. هذا ما يظهر حين نقاش الأفكار التي طرحتها، مع ملاحظة أن الإجابة على الأسئلة التي طرحتها كانت ستوسّع في البرنامج بدل تقليصه.
أولاً مسألة الالتصاق بالطبقة أو قيادتها
حين أشرنا إلى الالتصاق بالطبقات الشعبية والدفاع عنها كنا متقصدين عدم الإشارة إلى قيادتها لأن الأمر لا يتعلق بقيادة الطبقة العاملة، أعتقد أن هذه فكرة خاطئة، وتقيم التمييز بين الحزب والطبقة، وتجعل "الصراع السياسي" بديلاً للصراع الطبقي. فالحزب هو الطبقة منظمة، حيث أن الطبقة هي التي تخوض الصراع الطبقي، وبالتالي تكون مهمة الحزب هو تنظيم الطبقة وتطوير وعيها ودفعها لكي تتقدم في صراعها ضد الرأسمالية. ولتحقيق ذلك علينا كماركسيين أن ننخرط في صراع الطبقة، وان نندمج فيها، للدفاع عنها وتطوير آلياتها ووعيها.
هنا لا بد من تغيير النظر لمعنى الحزب ولدور الماركسيين من كونهم "طليعة" إلى كونهم "دينامو" تنظيم وتطوير وعي الطبقة لكي تخوض صراعها على ضوء رؤية ووعي وفي بنى منظمة. ليس الحزب طليعة أو بديلاً عن الطبقة، وبالتالي هو ليس قيادة لها، هو هي منظمة وذات رؤية وبرنامج. الطبقة هي التي تقود الطبقات المفقرة الأخرى، وهي التي تستولي على السلطة وليس الحزب كما يُطرح، والذي يبدو منفصلاً عنها، هو في الأمام يقودها. هذا الأمر هو الذي فرض الإشارة إلى الالتصاق بها والدفاع عنها من قبل الماركسيين، لأنهم "أقلية" من الفئات الوسطى التي فهمت الماركسية وتمثّلتها، والتي تمتلك خبرات في التنظيم والتحريض وإدارة الصراع، والذين ينخرطون وسط الطبقة لكي تنتظم ويتطور وعيها. والحزب هو نتاج هذه العملية. وعبرها تكتسب وعيها الطبقي، والوعي هنا لا "يصدر" بل يُدخل عبر انخراط الماركسيين وسط الطبقة. هذا هو التركيب الجدلي للوعي والطبقة.
ثانياً حول دكتاتورية البروليتاريا
حين طُرح شعار دكتاتورية البروليتاريا كانت البرجوازية دكتاتورية، وحتى حينما طرح لينين دكتاتورية العمال والفلاحين كانت روسيا دكتاتورية، والبرجوازية كانت لا زالت دكتاتورية. لهذا طرح ماركس دكتاتورية الأغلبية ضد دكتاتورية الأقلية. الان الأقلية ديمقراطية وبالتالي ستبدو الدكتاتورية من الماضي، ولأن الأمر يتعلق بتأسيس سلطة ديمقراطية وليس دكتاتورية (إلا ضد البرجوازية كما أشار ماركس) فإن ما يجب ان يُطرح الآن هو ديمقراطية الأغلبية ضد ديمقراطية الأقلية. لهذا تطرح مسألة استيلاء الطبقة العاملة على السلطة لبناء نظامها الطبقي.
لكن، ليس الآن ما دمنا لا نرى إمكانية تحقيق الاشتراكية الآن. وما طرحه البرنامج هو الشكل الممكن خلال الثورة كما أشرت، لكن أيضاً لا بد من فهم طبيعة الثورة بمعناها العام، أي ليس في لحظة الثورة الجارية الآن بل ما هي طبيعة المهمات المطروحة في الواقع قبل الثورة وبعدها. هنا ننتقل إلى تحديد تصور "أكثر مبدئية"، أي لا يتعلق بما هو راهن الآن خلال الثورة القائمة بل كتصور للتغيير الممكن في بلد طرفي يعاني من نقص التطور. ربما هذا يعيد بشكل ما للنقاش الذي جرى بين لينين والمناشفة (وبشكل عابر مع تروتسكي)، حيث لم يكن لينين يرى بأن الثورة هي اشتراكية لضعف التطور الرأسمالي في روسيا، لكنه لم يعتقد بنظرية المراحل الخمس التي كانت تحكم الأممية الثانية، والتي كانت "تفرض الانتقال إلى الرأسمالية" عبر انتصار البرجوازية قبل طرح الاشتراكية كبديل، ولهذا ميّز بين المهمات التي يطرحها الواقع، وهي مهمات ديمقراطية، وبين الطبقة التي تحقق هذه المهمات، التي كانت البرجوازية قد حققتها في البلدان الرأسمالية، وانطبع في ذهن الأممية الثانية ضرورة تكرار المسار ذاته. وبالتالي اعتبر أن العمال والفلاحين الفقراء باتوا هم المعنيين بتحقيق المهمات الديمقراطية (أو الثورة الديمقراطية). ولهذا طرح شعار دكتاتورية العمال والفلاحين خلال ثورة سنة 1905، وطرح بعد ثورة شباط/ فبراير سنة 1917 شعار دكتاتورية البروليتاريا، لكن ليس لتحقيق الاشتراكية بل إنجاز المهمات الديمقراطية (لينين "موضوعات نيسان"). هذا هو التحليل المركب الذي يشير إلى ضرورة تحقيق مهمات لا يمكن أن يتحقق التطور دون تحقيقها، لكن وفق منظور طبقي مختلف عما تحققت به، أي بقيادة العمال والفلاحين الفقراء.
الأطراف لم تحقق التطور الرأسمالي، أي بناء الصناعة ومكننة الزراعة وتحديث التعليم والمؤسسات، وبالتالي لم تصبح رأسمالية إلا من حيث "العلاقات"، أي بغياب قوى الانتاج التي تؤسس لنشوء التطور الرأسمالي. ولهذا تظل فكرة لينين "راهنة"، حيث ليس من الممكن تحقيق الاشتراكية في مجتمع يفتقد القوى المنتجة، لكن الرأسمالية تكيفت عبر ترابطها بالرأسمال الإمبريالي مع وضعية لا تفترض وجود قوى إنتاج. ولهذا يفترض التطور انتصار طبقة أخرى. هذا التحليل "المبدئي" مبني على فهم أن تطوير القوى المنتجة يفترض تجاوز الرأسمالية، لأن الرأسمالية تقف حاجزاً دون تحقيقها نتيجة ارتباط مصالحها بمصالح الرأسمال الإمبريالي الذي يريد أسواقاً وليس قوى منتجة. لهذا يكون من الحاسم قيادة العمال والفلاحين الفقراء للثورة، واستلامها السلطة.
لكن يجب التمييز بين هذا التصور "المبدئي" والهدف الذي يمكن أن يُطرح في الواقع، بالضبط لأن الهدف يرتبط بـ "ميزان القوى الطبقي". هذا ما جعل لينين يطرح شعار دكتاتورية العمال والفلاحين سنة 1905، ومن ثم شعار دكتاتورية البروليتاريا سنة 1917. الفارق هنا تصاعد دور العمال، وتبلورهم كطبقة منظمة قادرة أن تقود الفلاحين، بينما لم يكن الأمر كذلك سنة 1905 حيث كان الطابع الفلاحي هو المهيمن في الثورة.
من ثم، إذا تجاوزنا مصطلح الدكتاتورية، فإن ما يطرح في الثورة السورية هو سلطة الأغلبية التي تخوض الصراع دون طابع طبقي واضح، وبما يتضمن مطالبها جميعاً. على أمل المقدرة على تطوير فاعلية العمال والفلاحين الفقراء لكي يكونوا قادرين على قيادة الطبقات المفقرة واستلام السلطة. هذا ما يفرض بناء الحزب المعبّر عن العمال والفلاحين الفقراء، وتطوير دورهم في الثورة لكي يصبحوا هم قيادتها. خصوصاً هنا أن الثورة مستمرة حتى وإنْ تحقق حل الآن، وأن مسارها مرتبط بتحقيق التغيير الذي يحقق مطالب الطبقات الشعبية، وهذا ليس ممكناً إلا بانتصار العمال والفلاحين الفقراء. لهذا حين تطرح هدف سلطة الطبقات الشعبية الآن، نطرح السؤال كيف يمكن أن يتطور دور العمال والفلاحين الفقراء فيها لكي يصبحوا هم قيادتها.
هنا نحن نتعامل مع تكتيك عملي ورؤية "مبدئية"، لكن أيضاً مع صيرورة يجب أن تسير في سياق يؤسس الحزب المعبر عن العمال والفلاحين الفقراء، وان يستطيع أن ينظمهم ويطور فاعليتهم لكي يصبحوا هم قيادة الثورة.
ثالثاً المبادئ والدولة العلمانية الديمقراطية
في النقاش اعتبرت أن الكلام عن "المدنية والديمقراطية والعلمانية والبرلمانية" كلام تضليلي، لكن قبل الكلام عن الطابع الطبقي للدولة التي نريد تأسيسها، ما هي طبيعة الدولة كبنية ومؤسسات؟ هل نريدها أن تكون ديمقراطية وعلمانية (بالتالي مدنية) أم أننا نريدها دكتاتورية؟
الماركسية ورثت أفكار التنوير ولم تنفها، لكنها تقدمت خطوة جديدة بالانتقال من الشكل إلى المضمون، من المساواة الحقوقية السياسية إلى المساواة المجتمعية عبر إلغاء الملكية الخاصة، لكن لم يلغ ذلك تضمنها العلمنة والدمقرطة. والأمر أكثر تعقيداً فيما يتعلق بتطور الوعي المجتمعي والمجتمع عموماً، لهذا كان لينين يقول بعد ثورة أكتوبر ان طموحه يتمثل في "إدخال الحضارة الأوروبية" إلى روسيا التي كانت لازالت إقطاعية قروسطية. وبالتالي فإن غعادة بناء الوعي المجتمعي على أساس القيم الحديثة أمر حاسم في مسار التطور للوصول إلى الاشتراكية، كما أن علمنة الدولة ودمقرطتها أمر حاسم كذلك في هذا السياق. هذه ليست مفاهيم برجوازية وإنْ كانت نتاج مفكرين برجوازيين، بل هي تطور في الوعي المجتمعي مترافق مع انتصار العصر الصناعي، وليس البرجوازية فحسب. وبالتالي إذا كنا نتجاوز البرجوازية فليس من الممكن أن نتجاوز هذه المفاهيم والبنى التي تنتجها. لا بد لنا من أن نتجاوز اعتبار هذه المفاهيم والقيم كمفاهيم وقيم برجوازية، ومن ثم أن نعتقد أن علينا تجاوزها. هذه منجز حضاري ليس من الممكن تجاوزه إلا إذا أردنا تأسيس دكتاتورية استبدادية كما فعل ستالين (رغم أن البنية التي تشكلت تحت سلطته هي نتاج وضع روسيا القروسطي وليس من فعله الذاتي، الذي كان ربما متوافقاً مع هذا الوضع).
ما نسعى إليه هو ليس فقط حكم طبقة بل حكمها الديمقراطي في مجتمع يتضمن الأفكار التي تراكمت منذ عصر النهضة، والقيم التي ارتبطت بالبرجوازية رغم أنها قيم مجتمعية. بالتالي لا نريد أن نعيد إنتاج سلطة القرون الوسطى تحت مسمى الاشتراكية، بل نريد تجاوز القرون الوسطى. وهذا التجاوز يفرض أن يتعمم في الوعي المجتمعي قيم الحداثة، وأن تنطلق الدولة التي تقيمها الطبقة العاملة من القيم والمبادئ التي تحققت بعد نشوء الصناعة وتشكّل المجتمع الحديث. وأن نعرف الزوايا التي يجب تجاوزها، والزوايا التي يجب تضمنها في بنية أرقى.
هل تحقيق هذه الأفكار يعني سيادة البرجوازية؟ لا، ولا السماح لها بأن تعيد وجودها الواقعي، حين نصبح على أعتاب الاشتراكية، أو حتى قبل ذلك. فهذه قيم مجتمعية عامة ترتبط بالتطور التاريخي الذي أسسه نشوء الصناعة. لهذا يجب أن تكون الدولة التي تؤسسها الطبقة العاملة علمانية وديمقراطية، فحتى الدكتاتورية التي أشار إليها ماركس تحددت في مواجهة البرجوازية فقط، حيث تسود الديمقراطية لدى الأغلبية المجتمعية. وماركس لم ينف العلمنة بل أكد عليها.
يبقى أمر البرلمانية، ما هو الشكل المناسب لتعبير الشعب عن مواقفه ورأيه، وفي اختيار ممثليه في الدولة؟ هل من شكل غير التعددية والانتخابات والبرلمان؟ هذا أمر يحتاج إلى نقاش لأن ما طُرح في الماركسية "ضعيف"، بالضبط لأنه طُرح في مرحلة دكتاتورية البرجوازية، وحيث كان مطلب الاشتراكيين (وماركس منهم) هو حق الانتخاب، وحرية الصحافة والأحزاب وغيرها. لكن حين حققتها البرجوازية لا يكون البديل هو التراجع عنها بل تجاوزها، وفي الماركسية التجاوز يفترض التضمن وليس الشطب.
رابعاً ما هو الطابع الطبقي للدولة؟
الآن هي دولة الطبقات الشعبية، كل المفقرين الذين يقاتلون الرأسمالية المسيطرة، وهذا واضح في البرنامج، فـ "المطلوب هو نظام ديمقراطي يعبّر عن مصالح الطبقات الشعبية بالتحديد". هنا الدولة محكومة لمصالح وسلطة الطبقات الشعبية. لكن في سياق صيرورة الثورة يجب أن يتحدد الوضع الطبقي بشكل أدق، حيث يجب زيادة دور العمال والفلاحين الفقراء لكي يصبحوا هم قيادة الثورة، وبالتالي أن يستلموا السلطة في إطار تحالف طبقي يمثل الطبقات الشعبية. وهذه الدولة يجب أن تكون ديمقراطية وعلمانية بالضرورة، وإذا كان هناك تخوّف من دور البرجوازية يمكن أن يحدد الدستور الأسس التي تشل دور البرجوازية، وتمنع طموحها للسيطرة على السلطة، لكن لا يجب إلغاء ديمقراطية الأغلبية، أو الديمقراطية التي تحكم العلاقة بين الطبقات الشعبية.
أعود إلى شعار لينين الذي طرحه سنة 1905، أي شعار "الدكتاتورية الديمقراطية للعمال والفلاحين"، وهو الشعار الذي فرضه ميزان القوى الطبقي في ثورة سنة 1905، حيث كان الفلاحون هم أساس الثورة وليس العمال، لكن لينين حاول الربط بين طموح الفلاحين ومطامح العمال لإيجاد الصلة بينهما في الصراع التالي. وكان يعتقد أنه إذا نجحت الثورة فإن الفلاحين هم من سيحكم، وبالتالي يمكن أن يؤدي ذلك إلى تحقيق تطور رأسمالي يمكن أن يكون مفيداً في صيرورة تطور روسيا. ولينين كان ينطلق من أن البرجوازية عاجزة عن تحقيق التطور وأن على العمال والفلاحين الفقراء شل تردد البرجوازية الصغيرة وقيادة الثورة نحو الانتصار، ومن ثم كان ينطلق أصلاً من أن التطور بات مرتبطاً بدور العمال والفلاحين الفقراء، وهو المنظور "المبدئي" الذي حكمه منذ نهاية القرن التاسع عشر. لكن ميزان القوى الطبقي في الثورة حينها جعله يطرح الشعار سابق الذكر لأنه لا يتمسك بـ "المبادئ" في واقع لا يحتملها، بل يطرح ما يحتمله الواقع. وميزان القوى في ثورة سنة 1905 كان يغلِّب دور الفلاحين. وحتى بعد ثورة شباط سنة 1917 لم يطرح لينين الثورة الاشتراكية، فالهدف ليس "تطبيق" الاشتراكية كما أشار في "موضوعات نيسان"، بل تحقيق المهمات الديمقراطية، رغم أنه أكد على ضرورة استيلاء البروليتاريا على السلطة، حيث كان قد تغيّر ميزان القوى الطبقي كما أشار في الرد على منتقديه لأنه تجاوز شعار دكتاتورية العمال والفلاحين.
لهذا حين نقول سلطة الطبقات الشعبية فلأن ميزان القوى الطبقي "في الثورة الراهنة" يشير إلى فاعلية الريف والفئات الوسطى المفقرة في المدن، ومن ثم العمال، وحتى فئات وسطى. والهدف ليس هو التأكيد على القطع مع سلطة الرأسمالية وليس لأن هذا الشعار سوف يصبح ممكن التحقيق، وبالتالي تطوير وعي الفئات المفقرة إلى ضرورة البديل عن سلطة الرأسمالية. بالضبط كما فعل لينين حينما رفع شعار دكتاتورية العمال والفلاحين، حيث كان يعرف أنه غير قابل للتحقيق حينها (لهذا وضع احتمال انتصار الفلاحين وتأسيس دولة رأسمالية)، لكنه كان يريد ربط الفلاحين بالعمال، وهذا ما نجح به.
يمكن القول إن طرح شعار الثورة الاشتراكية الآن هو أمر طفولي لأنه لا المهمات المطروحة ولا ميزان القوى الطبقي يفضيان إلى طرح هذا الشعار. وأيضاً فإن طرح شعار دكتاتورية العمال والفلاحين صحيحاً لأن الوضع الطبقي مختلف عما كان في روسيا التي كانت لا زالت إقطاعية حينها. وبالتأكيد ليس ممكناً قيام البرجوازية بالثورة لأنها هي الحاكمة في ظل النمط الاقتصادي القائم، والذي يستثير الثورة.
خامساً الثورة والإصلاح
تشير الملاحظات إلى أنه "ليس من الماركسية في شيئ أن نوجه محور نضالنا لصالح هذه المطالب الاقتصادية زالاجتماعية (الأسمدة والبطالة وأسعار المحروقات) بوصفها غايات، لأن هذه "نقابية" وليست ماركسية". ويؤكد على أنه إما أن تكون "أداتية للتحريض والدعاية في رص صفوف الجماهير من أجل الثورة الاشتراكية" أو تصبح "نقابية صرفة" إذا وُضعت خارج هذا السياق.
لكن السؤال الأدق يتمثل في: لماذا نريد تحقيق الاشتراكية؟ أليس من أجل حل هذه المشكلات التي يعيشها الشعب؟ هي لا تُطرح من أجل الدعاية والتحريض بل من أجل حلها، إلا إذا جعلنا الثورة الاشتراكية "جنة" فوق البشر، وليست نظاماً اقتصادياً سياسياً تحقق مطالبهم ويعبّر عن مصالحهم. كانت شعارات ثورة أكتوبر هي: الخبز، الأرض، السلام، هل كان لينين "نقابياً صرفاً"؟ لم يقل لينين أننا نريد الثورة الاشتراكية بل نريد الثورة من أجل هذه المطالب. هذا هو الفارق بين طرح المطالب وتبيان كيفية تحقيقها وبين التمسك بـ "المبادئ".
في البرنامج مستويان في تناول هذا الأمر، الأول يقول بأن هذه المطالب تتحقق فقط في ظل سلطة الطبقات الشعبية، وهو يجزم بأن البرجوازية لا تحققها على العكس هي التي أوجدت هذه المشكلات. والثاني يتمثل في طرح مطالب طبقات وفئات من أجل جذبها للثورة وانخراطها فيها، وهذا أمر كان ضرورياً (ولا زال) نتيجة ميل المعارضة حصر الأمر بالحرية التي هي مطلب جزء من الشعب بينما تتمثل مطالب الأغلبية في "مسألة العيش". وبالتالي كان تسريع انخراط فئات أوسع في الثورة يتطلب طرح مطالبها المباشرة.
لكن أصلاً أي برنامج يبدأ من المطالب المباشرة، ويضع السياق الذي تتحقق فيه هذه المطالب، أي ما يتعلق أي الطبقات التي يمكن أن تحققها؟ والإستراتيجية التي توصل إلى تحقيقها. هنا يجب طرح "ملموس" الطبقات الشعبية وليس "المبادئ" التي لا يعتقد هؤلاء أنها تلمس وضعهم. البدء هنا من الملموس وصولاً إلى "المجرّد" وليس العكس. فتنظيم الطبقة العاملة يفترض أن ينطلق من التفافها حول مطالبها، ونقلها عبر الممارسة إلى تلمس كيف يمكن أن تتحقق فعلياً وليس "تحفيظها" شعار الثورة الاشتراكية، بالضبط لأنها لا تفهم ذلك. لا تفهم شعارات لا تنطلق من مطلبها، من وضعها الحياتي، مشكلاتها اليومية. إن المنطق الحسي هو ما يحكم الطبقات الشعبية، وليس الفكر والأيديولوجية، فهذه هي مهمة الماركسي الذي عليه "إدخالها" لها، لكن لا يتحقق ذلك دون طرح مطالبها حتى بالمنظور النقابين فهذه خطوة أولى ضرورية من اجل ارتقاء الوعي من طابعة الحسي إلى طابعه "العالِم". الممارسة والتجربة هما ما يؤدي إلى ارتقاء الوعي لدى الطبقة بالتفاعل مع الوعي الماركسي الذي تُدخله مجموعات ماركسية.
أخشى على "ماركسيينا الشباب" أن يعودوا إلى "موضة السبعينات"، حيث ساد التمسك النصي بالماركسية، وحفظ الشعارات واعتبار أنها هي البرنامج الراهن، وبالتالي تجاهل المنهجية التي تأسست عليها، والتي شكلت نقلة نوعية في الفكر البشري. لا شك في الملاحظات صدى من ذلك.
النقطة الأخيرة تتعلق بالمسألة القومية، ولا شك أنني أتوافق مع أن هذه المسألة رئيسية وحاسمة، لهذا أشار البرنامج أننا "مع الترابط مع كل الثورات العربية من أجل استنهاض مشروع ثوري تحرري جديد في الوطن العربي، ينطلق من الاستقلال ويهدف إلى الوحدة وتحقيق التطور والحداثة في أفق تحقيق الاشتراكية". وهذا أمر أنطلق منه اصلاً، وأعمل من اجله بالتأكيد.
                                         كل الود
 
 
 
 
 
 
 
 
 
القسم الثالث: الرد على ملاحظات الأستاذ سلامة:
 
حول الملاحظة الاولى:
أود فقط ان أشير الى ضرورة اتباع طريقة مختلفة لبناء الحزب. ان الاتجاه الى ما يسمى ب " المثقفين " و" بقايا الماركسيين" محكوم بالفشل. اولا لأنهم في اغلبيتهم (وخاصة ابناء الجيل القديم) هم اول من ارتد عن الماركسية وتخلى عنها، بل وصل بهم الامر الى حد معاداتها ...! والنكتة يا سيدي انهم يغضبون اشد الغضب عندما نقول لهم: أنتم تقفون خارج الماركسية ايها السادة!        
انهم يعادون الماركسية باسمها، وأبرز سمات مواقفهم: التحجر. والمطلوب منا بالنسبة لهم ببساطة كما قال المعري: جلوا باطلا وقالوا صارما فقالوا اطعتم فقلنا نعم!
 ثانيا: من المؤسف ان مثقفينا الاشاوس هؤلاء من جماعة " اسمع تفرح جرب تحزن " ... ضعهم على الفيس بوك والحكي تراهم جبالا، في العمل ... باختصار لا رجاء يرجى من توحيد أحد مع أحد، واتكلم من منطلق تجربتي، وارى الامر كما يلي:
أولا     بناء الراس، فاذا صلح الرأس صلح معه الجسد كله. والحزب يبنى من الاعلى الى الاسفل كما قال لينين (خطوة الى الامام خطوتان الى الوراء). بناء البرنامج الثوري الاصح (ولا اقول الصحيح لأنه يتصحح مع اكتمال المسيرة فنحن لا نعتبر الماركسية شيئا مكتملا منتهيا لا يقبل التغيير بل العكس تماما فالبرنامج الماركسي يجب تطويره و تنميته دوما وفي كل الاتجاهات والا تخلف عن ركب الاحداث ) البرنامج  المستند على التعاليم الماركسية و المصالح الجذرية للحركة العمالية الثورية + وضع الاسس و القواعد التنظيمية و السياسية و التكتيكية الموائمة و التي ترتقي الى مستوى البرنامج    (الى هنا :1 – نكون قد انجزنا نصف العمل  2- انه جانبه الاصعب و الادق و الاعقد و اي خطأ فيه يهدد المشروع كله..3 – هذا ما اعمل عليه شخصيا الان )
(تصور عام سريع عن ماهية البرنامج:
1-     برنامج الحد الاقصى:
الثورة الاشتراكية
القضاء على الرأسمالية
ديكتاتورية البروليتارية
النظام الاشتراكي في المجتمع
2-    برنامج الحد الادنى:
الثورة الديموقراطية= المسالة القومية والتحرر القومي + مسالة الوحدة وحق تقرير المصير+ الحريات السياسية والاجتماعية.
القضاء على الانظمة الرجعية الحاكمة بمختلف تلويناتها
الجمهورية الشعبية = ديكتاتورية الديموقراطية الثورية
قضية الارض والمسالة الزراعية
المطالب النقابية والاقتصادية)
ثانيا: وهي المرحلة الثانية، التوجه المباشر الممنهج و الصارم الى الجماهير... الى الشعب... الى العمال والفلاحين... الى الشباب، في كل مكان، الى الاغلبية الساحقة الغير مثقفة المتروكة للديجتال ورجال الدين ... حاملين اليها الوعي ومتسلحين بقوة البرنامج وقوة مبادئنا، وقوة نظرتنا العلمية، و رؤيتنا العظيمة التي تعبر عن صوت الحقيقة، حقيقة هذا العصر و روحه (وهذه هي حال اي برنامج يبنى على اسس الماركسية اللينينية التي هي :1- الصفاء العلمي الكامل في التحليل الموضوعي للتطور الواقعي بكل دقة ووضوح -2- الاعتراف الحازم بدور الجماهير و طاقاتها المبادرة و المبدعة و بالتالي دور الافراد و الجماعات و المنظمات والاحزاب التي تحقق الارتباط مع الطبقة الاكثر ثورية البروليتاريا)  , توجه مبني على ثلاثي:  الدراسة – الدعاية – التنظيم  هذا  التوجه يكون بالتوازي مع تشكيل منظمات الثوريين المحترفين التي ستتعزز و تتقوى عن طرق الاصطفاء و الممارسة خلال تطبيق التوجه الاول بنفس الوقت وفي ان .
مصير بقايا المثقفين الذين تحدثت عنهم في الاعلى: من فيه فائدة ترجى سيلتحق بالحركة الجديدة الجدية الصاعدة، ومن تبقى نتركه الى حيث ينتمي: الفيس بوك والسفاسف ومشاكله الشخصية ...
Note    تصبح "مصائب" المثقفين مضروبة بعشرة عندما نتعامل مع "اليساريين" منهم و ليس "الماركسيين"!   
انا لا أوجه نقد أو لوم هنا على التوجه الذي ظهر لديكم في بداية الازمة لتوحيد الماركسيين (فقد كنت اتبع هذا الخط بالذات) الا انني اطرح رؤيتي حول الموضوع.
ان حزب العمال العرب الثوري الشيوعي سيظهر كنظرية، كبرنامج، قبل أن يظهر تنظيميا كحزب. هذه هي القاعدة.
حول الملاحظة الثالثة:
 نقدي وجهته الى الاسلوب والصياغة، وليس الطول. برنامج الحزب قد يكون طويلا وقد نضطر لتدريسه وطرحه في محاضرات وندوات وجلسات. انما أسلوب البرنامج ("الجمل قصيرة ومؤثرة وترسخ بالذهن، اذ تكون مفهومة وواضحة. يجب ان تصبح على شكل شعارات قوة وتنظيم"    +   " ان يكون راية، حربة، شعلة، قوة تحقق التفاف الجماهير حولها")
الاسلوب هو بالضبط ما يجب تعديله وتغييره. وما قصدته ب "الاستاذية " هو الاعتقاد الخاطئ بلا علمية ولا نفع الخطاب الشعبي والحماسي والكفاحي والثوري الذي ارى واجب ان يسود في البرنامج الشيوعي. اذ لا وجود لشيء اسمه ماركسية لا ثورية. فالماركسية كالحقيقة ثورية دائما.
واظن ان نقطة الخلاف هي: لمن نتوجه بالبرنامج (اذ بناء على الاجابة تتحدد صياغته واسلوبه) الى "مثقفينا الماركسيين" وهذا هو توجهكم ("الهدف منه هو توحيد رؤى مجموعات " +"بمعنى أنها الأوليات التي تسمح بتوحيد الماركسيين في الائتلاف، وتؤسس لتوافقهم"...) ام الى الجماهير؟
 
 
"لهذا يجب أن ندرس جيداً "ميزان القوى الطبقي" في الثورة حين نسعى لتقديم شعار يعبّر عن الثورة. ولقد كان واضحاً "غياب" دور العمال كطبقة، وتركّز الدور في الفلاحين والفئات المهمشة والفئات الوسطى المدينية."
 
انني لا اتجاهل ابدا "ميزان القوى الطبقي" واعلم تمام العلم مضى ضعفنا وحجمنا الضئيل الى حد الألم هذا امر واضح. لكن ما السبيل الى القوة؟ ما السبيل الواقعي العملي لتعديل هذا الميزان والتأثير فيه؟ هنا السؤال.
إني اميل الى الاعتقاد الى أن الطرح المبدئي الصارم أكثر عملية وتأثيرا خاصة اليوم في ظل تبدل الجلود والانتهازية السائدة التي تتجاوز حدود الاسفاف.
 " الحزب هو ضمير الامة" و " واجب الحزب ان يستثير في الناس أنبل وأشرف ما فيهم..." ولا شيء يثير التنفير في اعين الجماهير حول الماركسيين أكثر من تذبذبهم وترددهم وعدم انتظامهم. (لينين ما لعمل)
ثم ان هناك امور حقا لا تعتمد على ميزان القوى. انها المسائل المبدئية (برنامج الحد الاقصى) التي تهون الارواح دونها، والتي لا يمكن "تعليقها " ووضعها على الرف الى حين تعدل الموازين، فيصبح حالنا كمن يريد ان يضع " شروطا" كي يناضل في سبيل مبادئه وما يؤمن به...  المسالة هنا تتعلق بالطابع الكفاحي للحزب خاصة عندما يتعلق الامر بصياغة المبادئ (وهذا هو البرنامج بالضبط: انه مانفيستو – اعلان مبادئ ورؤيا) فيما عدا هذه الخطوط الحمراء القليلة أوافقك تماما على أننا يجب ان نكون مرنين جدا وعمليين جدا وبرغماتيين جدا ... أما الاهداف الكبرى والمبادئ العليا فهنا لا يجب أن يكون هناك تهاون أبدا. ولي فقط ملاحظة حول الطابع الطبقي للثورة الذي لم يظهر بعد"، فكيف هذا؟ هل هناك من حراك سياسي دون اساس وطابع طبقي جوهري قائم وفاعل؟  أليس صراع الطبقات هو منظورنا لتحليل الوقائع السياسية والاجتماعية؟ أما القول بغياب "الوعي الطبقي" فذلك أمر اخر وصحيح جدا.
(تحليل سريع للطابع الطبقي للثورة: برجوازية النظام /تجند فلاحي الساحل /   -ضد -برجوازية المعارضة /تجند فلاحي الداخل / + رعاة اقليميين ودوليين لكل طرف + النجاح الفعال لهذا " التجنيد " بسبب حالة الوعي السياسي والطبقي البالغة التدني في الجهتين => الحرب العبثية مستمرة!)
-          حول مسألة قيادة الطبقة العاملة:
الحزب = المثقفين الثوريين + طليعة العمال الواعين والثوريين والصراع الطبقي السافر هو أسمى أشكال الصراع السياسي. الماركسيين اليوم أقلية لكنهم لن يكونوا كذلك في الغد أبدا (هذا ما يجب أن نناضل جاهدين لأجله).
ان حديثي عن قيادة الطبقة العاملة نابع من صلب اساس الواقع وحاجاته. فمهمة الحزب البروليتاري هي تحرير الشعب من نير الديكتاتورية البرجوازية المتعددة الاشكال والتلوينات. والحزب الذي ترشده نظرية طليعية هو وحده القادر على لعب هذا الدور الذي نرسمه له: دور المكافح الطليعي. و "في الطليعة " في المقدمة هو ما نقصده بالضبط بكلمة " القيادة"...   بحيث يضع الحزب نفسه في طليعة كل المناضلين من اجل حقوق الشعب والشغيلة ومن اجل الديموقراطية الثورية ... هنا يصبح الحزب في مكانه " الطبيعي" ان صح القول.
تقول" الاقتصادية " قولكم على المستوى التنظيمي: "دعوا العمال ينظمون أنفسهم فلنساعدهم فقط " انه اذلال لدور الماركسية تجاه العمال ومن ثم اذلال لدور العمال تجاه بقية الطبقات! قيادة الشعب باسره ... قيادة الامة. هذا هو دور البروليتاريا بالضبط ولا أقل.
الماركسيين هم المثقفين الثوريين + العمال الطليعيين، مهمتهم المقدسة نقل الوعي الطليعي البروليتاري والقيم البروليتارية، الى مجمل الطبقة العاملة والكادحين والشغيلة: الاخلاص للثورة – الانضباط العالي – الروح المتفانية – البطولة ... قيم على اساسها سنبني وطننا الاشتراكي المقبل، وطن الساعة المقبلة.
والحزب نفسه لن يتمكن من قيادة الجماهير البروليتارية الا في حال: تبنيه واخلاصه لهذه القيم +انصهاره الحقيقي مع جماهير الشغيلة البروليتارية وغير البروليتارية (الفلاحين والجيش... الخ) ودخوله الى صلب حياتهم وآلامهم وحاراتهم ...+صوابيه القيادة السياسية على مستوى الاستراتيجية والتكتيك.
ان غياب اي عامل من العوامل الثلاثة السابقة يجعل من الحديث عن القيادة مجرد جمل فارغة ومحاولات متصنعة فاشلة.

 
 
"حين طُرح شعار دكتاتورية البروليتاريا كانت البرجوازية دكتاتورية، وحتى حينما طرح لينين دكتاتورية العمال والفلاحين كانت روسيا دكتاتورية، والبرجوازية كانت لا زالت دكتاتورية. لهذا طرح ماركس دكتاتورية الأغلبية ضد دكتاتورية الأقلية. الان الأقلية ديمقراطية وبالتالي ستبدو الدكتاتورية من الماضي، ولأن الأمر يتعلق بتأسيس سلطة ديمقراطية وليس دكتاتورية (إلا ضد البرجوازية كما أشار ماركس) فإن ما يجب ان يُطرح الآن هو ديمقراطية الأغلبية ضد ديمقراطية الأقلية. لهذا تطرح مسألة استيلاء الطبقة العاملة على السلطة لبناء نظامها الطبقي."
 
اولا: لا وجود لسلطة في العالم إلا وهي ديكتاتورية لطبقة ما ضد بقية الطبقات. الديموقراطية " الحقة" هي اضمحلال السلطة والدولة. وهو هدف بعيد وأظن انه غير منظور بالنسبة لجيلنا.
ثانيا: البرجوازية لا تزال ديكتاتورية للأقلية الى اليوم. وديكتاتورية البروليتاريا هي ايضا ديكتاتورية طبقية الا انها تقدمية من حيث اتفاق مصالحها مع مصالح اوسع الفئات الجماهيرية والفلاحين الفقراء وجزئيا المتوسطين، ومن حيث دورها التاريخي في اقامة المجتمع اللاطبقي = اللاسلطوي في نهاية المطاف.
ثالثا: هل ستقيم البروليتاريا العربية ديكتاتورية ضد البرجوازية فقط حقا؟ ماذا عن البروليتاريا الاسرائيلية مثلا، الصهيونية في اغلبيتها، في توجهاتها السياسية والانتخابية + ماذا عن البروليتاريا العربية المنظمة في تنظيمات معادية؟ ...
ان التصور السابق وردي جدا وكأننا نتحدث عن الثورة الاشتراكية في سويسرا!
 
 " من ثم، إذا تجاوزنا مصطلح الدكتاتورية، فإن ما يطرح في الثورة السورية هو سلطة الأغلبية التي تخوض الصراع دون طابع طبقي واضح، وبما يتضمن مطالبها جميعاً"
إني أفهم الموضوع على الشكل التالي: سلطة النظام = سلطة الائتلاف = سلطة النصرة = سلطة الحر = سلطة داعش = تلوينات مختلفة من ديكتاتورية البرجوازيات المتناحرة في بلادنا!
"ما هي طبيعة الدولة كبنية ومؤسسات؟ هل نريدها أن تكون ديمقراطية وعلمانية (بالتالي مدنية) أم أننا نريدها دكتاتورية؟"
الاجابة عن هذا السؤال رفيق سلامة يكمن بالضبط في الطابع الطبقي للدولة اذ كل طبقة ستبني مؤسسات تناسبها وتناسب مهماتها ومتطلبات مرحلتها وحكمها وهيمنتها ومشروعها. الاجابة عن هذا السؤال ليست " مبدئية" بل عملية وتاريخية، بحسب الظرف الذي سنكون محكومين فيه فهو الذي سيحدد لنا طابع مؤسساتنا. قد نلجأ لشيوعية الحرب! قد نلجأ لإجراءات استثنائية.  وايضا قد يتوفر لنا ظرف عالمي واقليمي ومحلي موائم ومناسب لصيرورة ثورتنا فتمضي الامور كما نشتهي وبأقل التكاليف في وضع يسمح لنا ببناء أرقى المؤسسات وأكثرها حداثة ومدنية. الا أنني أفضل عدم التفاؤل...
على كل ارى أن الاساسي هنا نقطتين: 1-سندافع عن ثورتنا بكل حزم وشراسة وعندما ستكون قضيتنا مهددة ووجود مشروعنا (المشروع التاريخي للطبقة العاملة) مهدد فلن يكون هناك وجود لأي اعتبار الا حماية السلطة العمالية، التي من المؤكد أنها لن تكون قد تحققت اساسا الا بثمن باهظ... باهظ.   -2-المؤسسات الديموقراطية المدنية ... الخ ليست "غاية" على كل حال. عند تحقيق الاشتراكية بوصفها نمط انتاج تاريخي (معتبرين ان نمط الانتاج الذي كان سائدا في الاتحاد السوفيتي كان " نمطا انتقاليا" بوصفه " عتبة" الاشتراكية وليس اشتراكيا) فسوف تفرز مؤسساتها هي، التي ستكون اشتراكية (ومن بعدها شيوعية) والتي ستكون أكثر رقيا وتحضرا وفاعلية بما لا يقاس من اي مؤسسة "ديموقراطية " يمكن لها أن توجد.
إني ارى انكم أنتم من تتجاهلون الواقع هنا وتريدون فرض الافكار من الاعلى: بالفعل " علينا... علمنة الدولة ودمقرطتها ...علينا تبني قيم الحضارة الاوروبية وعصر التنوير ..." وعلينا كثير من الامور الاخرى ايضا من بين اشياء كثيرة، الا أنه هناك واقع يحكمنا ويحكم اساليبنا وادواتنا. تملك الطبقة العاملة مهمة تاريخية علينا أن نساعدها على تحقيقها باي ثمن وانطلاقا من الموجود، والحقيقة أن " القيم والمفاهيم " البرجوازية هنا على اخر سلم الاولويات.
أستاذ سلامة ان كل الحديث هنا (والان) عن " قيم عصر النهضة..." و " الحكم الديموقراطي..."و " الحداثة..."الخ حديث نافل، فلا شك أننا نتبنى نظريا هذه القيم، ونتمنى تحققها ووجودها، لكن مالا يتم الواجب الا به فهو واجب.
الطبقات ليست حملة " مبادئ وقيم " بل مهمات تاريخية ومصالح، قد تضطر لتحقيقها أن تتبع أعرج السبل وأوعرها بعيدا عن كل " حداثة ورقي "! هذا هو التاريخ وهذا هو الواقع ولن نكون آسفين إذا ما "صدم" أحد!  المؤسسات الراقية تأتي كنتاج لنمط انتاج تاريخي يفرز مؤسساته (السياسية والاجتماعية والثقافية) التي توائم مستوى تطوره، وليست نتاج تبني "قيم" الحداثة والديموقراطية... الخ. ان الفكرة هنا بالفعل واسعة وعميقة ولا أدرى ان كنت قد عبرت عنها بطريقة صحيحة، ولأطرح مثالا سريعا فنفرض أن أكثر الاحزاب اخلاصا لقيم الحداثة والديموقراطية وأفكار النهضة والتنوير... تولى الحكم في أثيوبيا مثلا... أو اي بلد طرفي متخلف. اما أن يصبح "واقعيا" أو انه ستتم الاطاحة به. بنفس الوقت لنفرض أن حزبا قروسطي القيم والمفاهيم والأفكار، تولى الحكم في بلد متقدم مزدهر متحضر ذو نمط انتاجي نامي حقا ومتطور ... مرة اخرى اما ان يصبح " واقعيا " أو انه ستتم الاطاحة به! إذا المؤسسات السياسية بنت ضرورة عصرها وظرفها ومشروع طبقتها وليس القيم وليس المبادئ. هذه هي المادية التاريخية. الطريقة التي تناولتم فيها الموضوع مثالية وذاتية (إذا تبنينا قيم الحداثة => مؤسساتنا صارت حديثة!). لا "تنطلق الدولة التي تقيمها الطبقة العاملة من القيم والمبادئ التي تحققت بعد نشوء الصناعة وتشكّل المجتمع الحديث..." بل تنطلق من الواقع وحكم الضرورة ومقام الحال، دون اي اعتبار الا للمهمة الجسيمة الملقاة على عاتقها بوصفه "اخر الطبقات".
" إذا ستقودوننا الى الستالينينة ... الديكتاتورية السوفياتية ... لم تختلفوا في شيء عمن سبقكم " هكذا أظنكم تقولون...
والحقيقة هي انني لا أرى طريقا أخرى غير الطريق السوفياتية بالضبط لتحقيق النهضة الصناعية والاقتصادية وتحقيق القفزة التاريخية المطلوبة منا كأمة كي نتمكن من انجاز دورنا في مسيرة الثوة العالمية. تلافي الاخطاء والاغلاط والشطحات التي ما كان لها الا ان ترتكب نتيجة لجدة التجربة...لا شك! فأمامنا تجربة طويلة عريضة من اغنى التجارب الاجتماعية والسياسية والثورية في تاريخ البشرية على الاطلاق، والتي ستكون اهم منارة تنير لنا مسيرتنا الطويلة الطويلة... الا ان المسار العام، الاتجاه الاساسي هو هو واضح و ...مشرق!  اين أخطأ الاتحاد السوفياتي لماذا انهار... الخ لماذا لن ننتهي الى ما انتهى ؟؟ سؤال ضخم وسأغامر بإجابة سريعة اخرى:

 
(ملاحظة: لتحديد هذا الفشل في ادارة المرحلة الثانية راجعوا المقالة البالغة الاهمية والاستثنائية الموجودة في الدفاتر الماركسية" المحرومون في الاتحاد السوفياتي " لسيرغي مورزا التي اصدرتها دار الطليعة الجديدة 2004)
ونحن نقول بالضبط بضرورة اتباع النموذج السوفياتي والاقتداء به فيما يتعلق بالمرحلة الاولى. اما من يسألون عن المرحلة الثانية – منذ الان – فنقول لهم: 1-انكم تركتم باب العلم ودخلتم الى ابواب العرافة !! -2-ان صنع تلك " الخطة التي تصلح لكل الازمنة " امر ليس من شأننا ابدا -3-لكل عصر رجاله، ومهمتنا نحن رجال هذا العصر في اداء مهمتنا الحاضرة (وهو ما يجب ان نركز حقا عليه وبإصرار) .... انه لأمر مضحك في الماركسيين العرب اليوم الذين يظنون أنفسهم مدعوون لحل ازمات الالفية الثالثة بأكملها + وبنطاق كوكبي من نيويورك الى شنغهاي ... وعندما ينجحون في خلق ذلك الحل الجهنمي، عندها وعندها فقط نبدأ " العمل" وعلى المضمون !!. أنى ارى ان نترك بعض المشاكل الغير محلولة – مضطرين – لرجال العصر القادم. ان ادارة ذلك المجتمع، ومتابعة مهمة بناء الاشتراكية من حيث وصلنا (على علات ما بنيناه) نحن ستكون مهمتهم هم بالذات. 
 
يبقى أمر البرلمانية...ما طُرح في الماركسية "ضعيف"، بالضبط لأنه طُرح في مرحلة دكتاتورية البرجوازية.
إني لا أرى أن ما طرح في الماركسية حول هذا الشأن ضعيف، بل أراه ببساطة كاف. لا أستطيع فهم معنى كلمة "مرحلة ديكتاتورية البرجوازية "... فهل هذه مرحلة كانت وعدت وذهبت!؟. ولا أستطيع فهم سبب ولع الماركسيين اليوم بال " الديموقراطية ":
1-                 الديموقراطية = شكل نظام حكم ديكتاتورية البرجوازية الامثل والاكثر تماما وكمالا، وان كنا نفضله كبروليتاريا فلانه يوفر لنا ظروفا أفضل للنضال ضد البرجوازية وضد نظام حكمها بالذات (أي هذا النظام الديموقراطي المزعوم)
2-                الديموقراطية = النظام القمعي الحديث (المعاصر) الذي تمتلكه البرجوازيات القوية (خلافا للبرجوازيات الضعيفة الكولونيالية التي تلجأ الى أنظمة أكثر تخلفا =>أقل فاعلية) مثلا: راجعو الكتاب الاسود للرأسمالية والبحث المكتوب عن أنظمة السجون الامريكية (الفاشية تماما +العنصرية + والبالغة الفاعلية في مكافحة الحركات العمالية والنقابية) +أنظمة وقوانين مكافحة الارهاب التي اقرت 2001التي تقارنها الناشطة اليسارية نعومي كلاين بالأنظمة النازية التي اقرت 1933 بعد احراق الرايخستاغ...والقائمة تطول.
3-                 الديموقراطية امبريالية دائما. راجعوا مثلا نعوم تشومسكي (105 عام والغزو مستمرا) كيف إنها كل " ديموقراطية متقدمة" تعيش على حساب نهب حصتها من الكوكب:
الولايات المتحدة: امريكا الجنوبية + الشرق الاوسط
فرنسا: ما يسمى بالدول الفرانكفونية الافريقية
بريطانيا: ما يسمى بدول الكومنولث
واليابان لها دول شرق اسيا الفقيرة
...والى ما هنالك اذ أن النهب نفسه لكن اختلفت الاساليب (بدلا من الجيوش = الشركات المتعددة الجنسيات، بدلا من الحاكم العسكري = رجال الاعمال، بدلا من القصف = العقوبات وصندوق النقد واساليبه الليبرالية! الخ وأحيانا الاسلوبين معا)
الافتتان بالديموقراطية! ان في جعبة البروليتاريا ما هو   أكثر رقيا وتحضرا وانسانية بكثير.  ثم ما ان تحرر بلدان الجنوب نفسها من ربقة الامبرياليات الديموقراطية عبر موجة ثورية عالمية قادمة لا محال، حتى نرى برجوازيات العالم المتقدم ناكصة في أساليب حكمها الى الفاشية الصريحة العارية، وهنا الامل الوحيد في صحوة البروليتاريا الغربية التي لن يرمى لها الفتات بعد الان وسترى نفسها مضطرة الى الثورة.
"يجب زيادة دور العمال والفلاحين الفقراء لكي يصبحوا هم قيادة الثورة، وبالتالي أن يستلموا السلطة في إطار تحالف طبقي يمثل الطبقات الشعبية. وهذه الدولة يجب أن تكون ديمقراطية وعلمانية بالضرورة، وإذا كان هناك تخوّف من دور البرجوازية يمكن أن يحدد الدستور الأسس التي تشل دور البرجوازية، وتمنع طموحها للسيطرة على السلطة، لكن لا يجب إلغاء ديمقراطية الأغلبية، أو الديمقراطية التي تحكم العلاقة بين الطبقات الشعبية".
- هنا نرصد بدقة اللاتحديد الذي اعتبرته انا خجلا بالمبادئ: ماهي طبيعة التحالف الطبقي الذي يجب ان يستلم السلطة؟
 تحالف طبقي تقوده الطبقة العاملة حصرا، ويمكن ان نرضى بما هو غير ذلك كمرحلة مؤقتة وانتقالية تفرضها الظروف. العلامة الفارقة للماركسية هي ايمانها القاطع بان لا خلاص الا عبر ديكتاتورية البروليتارية.
- صراعنا مع البرجوازية ليس " دستوريا" بل معركة طبقية ضارية لن تحل الا بالحديد والنار، وهنا يتأكد مرة اخرة ضرورة دور البروليتاريا القيادي اذ لا أحد غيرها قادر على المضي بصراع مضني كهذا حتى نهايته بحكم تكوينها ووضعها التاريخي.
- ارى ان المشكلة الاساسية هي عدم التمييز بين الشيوعية و "الديموقراطية الثورية" التي تقول بالضبط بما تقولونه أنتم ب " ديموقراطية الاغلبية " و "ديموقراطية الطبقات الشعبية" الخ. نحن لسنا ديموقراطيين ثوريين. من أبرز امثلة التجارب الديموقراطية الثورية في الوطن العربي هي تجربة البعث في مرحلة عفلق-البيطار-حوراني (حزب من الفلاحين والمثقفين بأيديولوجية علمانية تحررية قومية) وقد رأينا اين انتهت هذه التجربة الظريفة، بما لا يترك مجال للشك بان لا دور تاريخي في بلادنا المتخلفة لأي ايديولوجية برجوازية صغيرة مهما كانت تحررية وثورية وعلمانية النوايا وصافية السرائر.
"لينين حاول الربط بين طموح الفلاحين ومطامح العمال لإيجاد الصلة بينهما في الصراع التالي".
أبدا... التجربة البلشفية هي التجربة التطبيقية الرائدة عما أقوله، عن "قيادة" الطبقة العاملة للحراك الفلاحي الديموقراطي والجماهيري والثوري وتسخيره كأزمة متفجرة لن تجد حلها الا على يد البروليتاريا بما يخدم قضية البروليتاريا بالذات. الفلاحين والبرجوازية الصغيرة عموما، غير قادرة على حل مشكلاتها التاريخية بوصفها طبقة وحركاتها وانتفاضاتها، أم ان تقودها البروليتاريا او تقمعها البرجوازية وتحتويها عبر ألف شكل وشكل والربيع العربي خير مثال عن هذا السيناريو الحزين البائس.
"لكن السؤال الأدق يتمثل في: لماذا نريد تحقيق الاشتراكية؟ أليس من أجل حل هذه المشكلات التي يعيشها الشعب؟ هي لا تُطرح من أجل الدعاية والتحريض بل من أجل حلها، إلا إذا جعلنا الثورة الاشتراكية "جنة" فوق البشر، وليست نظاماً اقتصادياً سياسياً تحقق مطالبهم ويعبّر عن مصالحهم. كانت شعارات ثورة أكتوبر هي: الخبز، الأرض، السلام، هل كان لينين "نقابياً صرفاً"؟ لم يقل لينين أننا نريد الثورة الاشتراكية بل نريد الثورة من أجل هذه المطالب. هذا هو الفارق بين طرح المطالب وتبيان كيفية تحقيقها وبين التمسك بـ "المبادئ".
إني ارى هنا ان الطرح النظري قد اختلط بالطرح العملي. نعم نريد تحقيق الاشتراكية لحل مشكلات الشعب بل ولإلغاء كل بؤس، وهذا صحيح نظريا. على المستوى العملي الاشتراكية ليست بالمنظور، واي نعم هي جنة (خاصة إذا ما قورنت بالمجتمع الحالي) لكن ليس فوق البشر انما من صنعهم. الطرح العملي اليوم هو الثورة التي ستتطلب تضحيات وحروب (باردة وساخنة) ودماء وتمر بمراحل وتعرجات وقفزات، ولن نضحك على أحد بقول غير ذلك. ومن يتصور غير ذلك هو ببساطة غير واقعي. هذه الثورة هي الممر الاجباري الوحيد القطعي تجاه الاشتراكية ولذلك هي ثورة اشتراكية. ليس لأنها ستقيم النظام الاجتماعي الموعود بل لأنها خطوة تجاهه.
واما عن لينين فقد كانت هذه المطالب العيانية عتلة الثورة الاشتراكية بالذات: السوفييتات + خطة كهربة روسيا = الاشتراكية!
انه ربط للمطلب العياني القائم بوصفه مهمة ملحة لا يمكن المضي الى الاشتراكية دون تحقيقها وبهذا المعنى فقط يصبح هذا المطلب اشتراكي الطابع (اشتراكي بالقوة وليس بالفعل إذا استخدمنا لغة الفلسفة)
"البدء هنا من الملموس وصولاً إلى "المجرّد" وليس العكس".
نخالفك هنا، الياس مرقص، ياسين الحافظ، وانا. فأولوية الوعي، أساسية دور الوعي، بوصفه الحامل والركيزة والقوة الدافعة للثورة الاشتراكية، أو حتى للثورة الديموقراطية (التي اما ستكون مقدمة للثورة الاشتراكية (الانقلاب الثاني) او انها لن تكون أي ستجهض مباشرة كما ربيعنا العربي الكئيب) حيث دور الوعي " المجرد " للاس 2 او 3 أو إذا أردنا الدقة الرياضية   e ^n (وهو الحد الادنى من الوقود الذي تحتاجه القنبلة الذرية كي تطلق طاقتها الكامنة الهائلة) في البلاد الكولونيالية المتخلفة حيث الدور المعلا للعامل الذاتي. واسباب أولوية الوعي الى هذه الدرجة:
1-     للتمكن من مكافحة الانتهازية والتحريفية (الموجودة والتي ستظهر) بتياراتها المحلية والعالمية اخذين بعين الاعتبار دورها القاتل حرفيا.
2-    الوعي الأسي المضاعف لكي تتمكن البروليتاريا من قيادة الثورة الديموقراطية الشعبية والفلاحية، التي أبرز سماتها التأخر الايديولوجي.
3-     اولوية الوعي للتمكن من تأسيس ذلك الحزب الموعود الذي سيقود الامة فعلا من محيطها الى خليجها مع ما يتطلبه ذلك من حسن تنظيم وانضباط حديدي، امور لا تتحقق الا عبر امتلاك ارفع درجات الوعي.
4-     الوعي الشمولي " العالمي " ان صح التعبير للتمكن من مواجهة الامبريالية الضارية في قوتها وجبروتها ولؤمها واساليبها البالغة الفاعلية.
بفعل دور البروليتاريا العربية التاريخي البالغ الدقة والحساسية والدقة يفرض عليه الوعي اولا والوعي ثانيا والوعي ثالثا ورابعا... وعي البروليتاريا يجب ان يرتقي الى درجة يشمل كل الطبقات كل المسائل كل العلاقات الذي هو الوعي الوحيد الماركسي الذي لن نصل اليه الا عبر الطريقة اللينينية في موضوعات نسيان: تربية الجماهير وتعليمها بهدوء لكن بإصرار وحزم. هذا الوعي هو الوحيد الذي يمكن ان نسميه وعي " سياسي" مضاد للاقتصادية والعفوية (التي اشكال متدنية للوعي نحاربها) الخ وهو سلاح البروليتاريا العتيد الوحيد.
"أخشى على "ماركسيينا الشباب" أن يعودوا إلى "موضة السبعينات"، حيث ساد التمسك النصي بالماركسية، وحفظ الشعارات واعتبار أنها هي البرنامج الراهن، وبالتالي تجاهل المنهجية التي تأسست عليها، والتي شكلت نقلة نوعية في الفكر البشري. لا شك في الملاحظات صدى من ذلك".
1-                 لست معجب بمرحلة السبعينات "الذهبية" او ما شابه، لكن طالما انكم ذكرتموها فهي بالفعل من افضل مراحل الشيوعية العربية -  المشرقية على الاقل (المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي اللبناني الذي خصص له مرقص كتاب كامل لنقده نظرا لأهميته كخطوة الى الامام قياسا بالبكداشية المقيتة + انشقاق الحزب الشيوعي السوري الذي ايضا كان خطوة الى الامام وخصص له مرقص ايضا كتاب + تحول القوميين العرب الى الماركسية " أفواجا ")رغم ما فيها من مرحلة ورغم ما عليها وما خالطها وما شابها فهي مرحلة نهوض يساري مشهود له لا أظن المنطقة عايشت مثله اطلاقا، وإن في هذا لحكمة .
2-                لماذا الماركسيين " الكهول "يفصلون بين النص و " المنهج" كأنهما ضدين!
النص ابو المنهج وأمه. ونحن الماركسيين تجمعنا تعاليم ومبادئ صاغها معلمين كبار اما ان ننتمي إليهم ونحتكم الى نصهم ومنهجهم واما نحن على خلاف (فمن يريد ان ينتقد نصوص ماركس لا نقول انه كافر !! وفاسد ووو. لكن اعتقد انه من حقنا القول انه ليس ماركسي) والنص هو حامل المنهج قطعا ونحن نؤكد على اهمية هذا النص، اهميته اليوم أكثر من اي وقت مضى. ونضع أنفسنا كليا وتماما على ارضية نظرية ماركس، النظرية التي جعلت من الاشتراكية علما.
حول المسالة القومية:
أدرك طبعا التوافق مع الطرح القومي المذكور في الملاحظات، لكن النقد موجه لوسطية الطرح حول المسالة القومية خاصة انها حاسمة ورئيسة وبالتالي الوسطية هنا خطيئة. لعلي ابدأ كمثل من الاسم: ائتلاف اليسار "السوري". فما هي هذه ال " سوري " انتماء وطني ام قومي ام ماذا؟  " في سوريا " لعلها تكون ادق وأكثر نفعا كإشارة الى مكان عمل التنظيم حاليا ومناطقياً مع تلافي منزلق الاعتراف بسايكس بيكو قطعا.
تقبلوا تحياتي الرفاقية
 
 
 
 
القسم الرابع: رد الأستاذ سلامة:
 
الرفيق العزيز، سأناقش ما كتبت، وأعتذر عن التأخير،
كتبت لك في ردي السابق أنني أخشى من إتباع المنطق النصي الذي حكم جيل السبعينات، والذي كان يتخذ بعض نصوص ماركس أو لينين مقياساً لتحديد السياسة العملية. وأجد أنك قمت بذلك في ردك على ما كتبت، حيث أخذت "رؤية لينين" للوضع الروسي واعتبرت أنها النظرية الماركسية التي يجب أن نتبعها، سواء تعلق الأمر ببناء الحزب أو ببرنامجه في حديه الأقصى والأدنى. بهذا عدت لاستخدام المنطق الصوري متجاوزاً الجدل المادي الذي ينطلق من فهم الواقع، وعبر ذلك تحديد السياسات الضرورية لتغييره. وربما يقود فهم الواقع إلى الاستنتاجات ذاتها التي توصل إليها ماركس أو لينين، لكن أيضاً ربما نصل إلى استنتاجات أخرى، لهذا لا بد من تحليل الواقع على ضوء الجدل المادي. هذا ما سأناقشه تالياً على ضوء ردك، لكن سأبدأ هنا من ائتلاف اليسار وتجربتي السابقة لتأسيسه، لأنها سوف توضح المسافة بين استخدام الجدل المادي وبين استخدام المنطق الصوري، وكذلك بين تحليل الواقع وبين تقديم المسائل مجردة.
فقبل الثورة بعقود كنت بدأت في بلورة "برنامج" وتصورات لحزب جديد، ولقد أصدرت كراساً سنة 1988 عنوانه "نقد التجربة التنظيمية الراهنة"، ختمته بفقرة تقول بـ "الحاجة لحزب جديد"، وقدّمت سنة 1990 ورقتين هما رؤية وبرنامج لحزب (صدرا في سنة 2001 في كتاب "أطروحات من أجل ماركسية مناضلة")، وكان ذلك ضمن حوار مع مجموعة من الكادرات التي تركت الأحزاب الشيوعية أو لم تكن قد انتظمت. وكان حينها كل الشغل يتمحور حول أعضاء في أحزاب تمردوا عليها، وعملوا من أجل تأسيس جديد، حيث أن كل حزب يبدأ بعدد من الماركسيين. لكن هذه التجربة فشلت، وظهر أن كل "الوعي الماركسي" الذي أسس الأحزاب لم يكن يسمح بتطور طبيعي للكادرات نحو ماركسية حقيقية، بل أن التمرد ذاك كان يدفع نحو اللبرلة، أي الانتقال إلى "ضفة أخرى".
ولقد حاولت الأمر ذاته بعد سنة 2000، ومع كادرات أو مجموعات تدعي الماركسية، لكن لم تكن النتيجة أحسن. لهذا اتجهت نحو الشباب منذ سنة 2007، لكن كان واضحاً أن الشباب عازف عن السياسة، فهو إما مال إلى التدين أو إلى العبثية. وظهر أنه ضحل سياسياً ومعرفياً نتيجة انهيار التعليم والاستبداد التي سحق كل ما هو سياسي. وهذه الحالة نتجت عن الأفق المسدود الذي عاشه الشباب بعد وضوح غياب فرص العمل وتدني الأجور وعدم القدرة على الحصول على مسكن وغيرها. رغم ذلك بدأنا بمجموعة تثقيف بعد أن اصدرت سلسلة كراسات ماركسية.
من ذلك يمكن الاستنتاج أن الرؤية والبرنامج ليسا كافيين على الإطلاق، حيث يجب توفر الظرف الموضوعي. الظرف الذي يدفع الطبقات المفقرة إلى إظهار احتجاجها، ونشوء حاجة لأن تنتظم، وكل ذلك كان غائباً، على العكس كان هناك ميل سلبي، وانكماش مجمعي مضاد للسياسة والحراك، خوفاً من الاستبداد ونتيجة غياب الرؤية. وهي الحالة التي أنتجت ثورات عفوية أصلاً بعد أن وصل الاحتقان إلى لحظة الانفجار. وهذه حالة لم تكن منحصرة في سورية فقط بل شملت البلدان العربية (التي كنت أنشط فيها). الآن بعد الثورات صار صحيحاً القول بضرورة بلورة رؤية وبرنامج، لكن أساساً "منظور ماركسي" يحسم مع كل التشوهات القائمة، سواء تعلق الأمر بالتركيز على "الوطني"، أو "الديمقراطي"، أو انحكم لمنطق صوري، أو التزم منطقاً إصلاحياً.
هذا هو الوضع الذي سبق الثورة، حيث لم يكن هناك حزب، والأحزاب القائمة عاجزة بل ميتة. بالتالي ما هي السياسة العملية في هذه اللحظة؟ الحديث عن تأسيس حزب؟ إذا استعرت صياغة لينين هنا اقول إن هذا كمن يقول حين يداهم من عدو وهو في بيته، يجب أن أحصل على السلاح أولاً بدل أن يلجأ إلى ما تيسّر في البيت لكي يدافع عن ذاته. في لحظة الثورة يصبح السؤال هو: ما هو الدور العملي الممكن بالقوى الموجودة؟ من ثم على أمل أن تقود التجربة المشتركة لبلورة رؤية وحزب. ولتحقيق ذلك لا يمكن سوى وضع برنامج يخص الثورة ذاتها، أي يخص هذه الثورة بالتحديد لا وضع رؤية نظرية، وتحديد مطالب الطبقات الشعبية لا ما تطمح إليه الطبقة العاملة. هذه ميزة لينين خلال ثورة سنة 1905، التي جعلته أكثر جدارة من تروتسكي والمناشفة. فقد انطلق من الواقع القائم وليس من النظرية، وحدَّد الشعار الخاص بهذه اللحظة وليس الطموح البروليتاري. فقد كان يعرف أن الثورة هي ثورة فلاحين بالأساس، والبروليتاريا عنصر صغير فيها، وهي دون تنظيم، لهذا طرح شعار دكتاتورية البروليتاريا والفلاحين.
في وضع الثورة السورية كان يجب "تجميع" اليسار من أجل طرح برنامج يعبّر عن واقع الثورة الذي اتسم بحراك شعبي واسع لكن دون وضوح التبلور الطبقي فيها. لقد كان الفلاحون هو الكتلة الأكبر، وشارك العمال بشكل فردي دون هيئات أو مؤسسات، وشاركت فئات وسطى. هذا ما فرض طرح شعار سلطة الطبقات الشعبية. كما كانت مهمة "تجميع" اليسار هي محاولة اعطاء الثورة عمقها الطبقي عبر طرح مطالب الطبقات الشعبية وتجاوز منطق نخب الفئات الوسطى التي نريد حصر الثورة في مواجهة الاستبداد وإسقاط النظام من أجل الديمقراطية. ورغم ذلك جرى التركيز على اختيار الشباب اليساري، والاهتمام بالنشاط الشبابي، بعيداً عن البنى القديمة والكادرات القديمة. لقد جرى الشغل على استقطاب شباب له تجربة في الأحزاب الشيوعية واليسارية، أو لم ينخرط فيها، وبعضه كان قد دخل السياسة للتو.
هذا ما كان يسمح به الواقع، ورغم ذلك فشل. بالضبط لأن التدخلات التي تبعت عنف السلطة جعلت الصراع يسير في مجرى عنيف.
إذن، يمكن الإشارة إلى مسألتين، الأولى أنه يجب فهم الواقع وفهم قدراتنا حين طرح سياسة عملية أو تحديد هدف في لحظة معينة، وهذا ما فرضه انفجار الثورة التي جعلت الآن هي محدِّد الرؤية والشعارات وليس "الضرورة" التي يفرضها المسار التاريخي. الثانية أن بناء الحزب لا يتعلق ببلورة برنامج بل بوجود واقع موضوعي يسمح بذلك.
هذا ما يفرض النقاش مع رؤيتك لبناء الحزب، حيث أشرت إلى أنك تشير إلى "ضرورة إتباع طريقة مختلفة". هذا ما دفعني إلى توضيح تجربتي في هذا المجال، حيث أنني انطلقت من بلورة رؤية والبدء في تنظيم عدد من الكادرات. ولا شك في أن الحزب يبدأ برؤية وأعداد من الأفراد الذين بلوروها، هذه هي الطريقة "الطبيعية" في الوضع الطبيعي (أي ليس خلال الثورات كما أشرت للتو)، لكن هذا الأمر ليس كافياً، حيث يجب أن يكون الواقع الموضوعي مهيأ لأن يؤسس حزباً، من خلال تفاقم الصراع الطبقي، ونشوء الاحتقان لدى البروليتاريا والفلاحين الفقراء، وميلها للدخول في الصراع ضد النظام. وأن تكون الرؤية المبلورة معبِّرة عن واقع هؤلاء، وأن ينخرط مبلوروها في هذا الصراع إلى جانب العمال والفلاحين الفقراء. هذا يعني أن تلمس الرؤية مشكلاتهم وتطرح مطالبهم، وتقدم البديل الذي يجب أن يسعوا لتحقيقه.
لكن كل هذه المسائل ترتبط، ليس فقط بكتابة برنامج، بل ببلورة تيار فكري يحدِّد الاتجاه. هذا ما قام به لينين قبل بلورة البرنامج من خلال حسم الصراع ضد التيار الاقتصادي، ومن ثم ضد التيار الإصلاحي (المناشفة)، وتحديد الدور الثوري للماركسية، وسعيها لتطوير نضال العمال من أجل الاستيلاء على السلطة. ولقد طرح مجمل الأفكار الماركسية الضرورية لفهم الواقع الروسي، وللنضال ضد القيصرية، وحدَّد دور الطبقات، حيث خاض صراعاً ضد الليبرالية. هنا ليس البرنامج سوى محصلة لكل ذلك، وهو تحديد مبسط للمطالب على ضوء الرؤية التي تبلورت. أشير إلى كل ذلك لكي أقول بأن الأمر أعقد من كتابة برنامج، فالبرنامج تلخيص لرؤية تتحدد فيه مطالب الشعب وكيف تتحقق.
ونحن نعيش وضعاً تختلط فيه الأمور، وتضيع الماركسية عبر منظورات متعددة هي بعيدة عنها، ولم يتحدَّد بعد طريق الثورة، ولا طبيعة المرحلة ودور الطبقات. الماركسية ليست ماركسية نتيجة تجاوز كونها "طريقة تفكير وفهم"، هي الجدل المادي. لهذا ينحكم الماركسي لتصور مسبق، أو لمفاهيم مستمدة من ماركسية فاقدة الصلاحية، وهو الأمر الذي يفرض حسم الصراع هنا. فمثلاً ما طرحت حول برنامج الحزب هو تلخيص لما كتب لينين، وبغض النظر عن الأفكار المطروحة التي ستناقش فيما بعد، فإن هذا التلخيص الذي جعل من هذه الأفكار قوانين يقود إلى أن المطلوب هو تطبيقها على الواقع الآن وفي بلدان أخرى غير تلك التي نتجت عن وضعها. يسمى ذلك مبدا القياس، حيث يجري تطبيق أفكار منتجة في واقع على واقع آخر من خلال تحويلها إلى قوانين. حين أشار لينين إلى ذلك كان ينطلق من وضع طبقي محدَّد، ومن ظروف معينة، ووضع "ثقافي" مختلف، وبالتالي كان يرى أن هذه هي الضرورة. والماركسية ترفض الأفكار المسبقة حين دراسة الواقع، لأن الجدل المادي يتجاوز كل الأفكار المسبقة ويؤسس على الفهم المباشر للواقع. هنا يا صديقي أجدك تتبع المنطق الصوري، وتحكم الواقع بأفكار مسبقة، هي ذاتها لا تستدعي فهم الواقع لأنها جاهزة للتطبيق دون فهم الواقع. وهذا كذلك منظور مثالي ينطلق من تحكيم الأفكار في الواقع، إخضاع الواقع للأفكار.
لا شك في أن الماركسية تريد تحقيق الاشتراكية والشيوعية، لكنها لا تقدم طريقاً لذلك، حيث تنطلق من فهم الواقع وتحديد المهمات على ضوء ذلك في إستراتيجية تهدف إلى الوصول إلى الاشتراكية. المهمات هنا يحدِّدها الواقع ذاته ولا يمكن أن تكون محدَّدة مسبقاً، وإلا تجاوزنا الماركسية ذاتها. ولينين حينما كان يكتب كان يطرح ما هو ضروري للثورة الروسية ولم يكن يقدم قوانين عامة. وطبيعة الثورة تتحدَّد عبر تحديد طابع النمط الاقتصادي وواقع الطبقات، ومشكلات التكوين المجتمعي، وهذه مختلفة بالضرورة عما كان في روسيا زمن لينين، وبالتالي تفرض وضع إستراتيجية وسياسة عملية مطابقة لهذا الواقع الجديد وليس استعارة ما كتب لينين. وإذا كان الحزب الماركسي المعبر عن العمال والفلاحين الفقراء يهدف تحقيق الاشتراكية كحل جذري يخدم مصلحة هؤلاء، فإن الواقع القائم يطرح مهماته بالضرورة، وهو غير مهيأ لتحقيق الاشتراكية الآن، الأمر الذي يفرض تحديد المهمات الراهنة ومنْ من الطبقات يمكنه تحقيقها. ولا شك في أن طبيعة النمط الرأسمالي المهيمن تفرض تجاوزه من أجل تحقيق المهمات المطروحة، أي تجاوز التخلف والاقتصاد الريعي والتفكك القومي. ولهذا سيكون الدور القيادي للعمال والفلاحين الفقراء أمراً محتوماً، وضرورة لا بد منها.
هنا لا بد من أن ننطلق من التحليل الواقعي، وليس من استخلاص لما كتبه لينين. ولا شك في أن هناك تشابه ما بين وضع روسيا القيصرية والوضع القائم في الوطن العربي، ويتمثل في "الفوات التاريخي" (حسب مصطلح ياسين الحافظ)، لكن وضع الطبقات وميزان القوى بينها، والوضع الاقتصادي عموماً، وكذلك الوضع العالمي للرأسمالية مختلف تماماً. وإذا كانت فكرة لينين حول قيادة البروليتاريا للثورة، ومن أجل تحقيق المهمات الديمقراطية، صحيحة، وأن الهدف هو تحقيق الجمهورية الديمقراطية، فإن هذه الأفكار سوف تبقى مجرَّدة دون فهم الواقع وتحديد طابع الاقتصاد ووضع الطبقات ودورها. وكذلك تحديد الوضع العالمي الذي يجري فيه الصراع من أجل التطور والانتقال إلى الاشتراكية.
لهذا قلت إن تلخيص أفكار لينين لا يفيد سوى لترداد جمل لا قوة فعلية لها، والتمسك بشعارات لا تؤدي سوى إلى تأسيس "مجموعات" منعزلة. بالضبط لأنها تبدأ من أفكار مجرَّدة تعتقد أن على الواقع أن يخضع لها بغض النظر عن بنيته وتكوينه ومشكلاته.
مثلاً هنا ما هي "التعاليم الماركسية" التي يجب أن يستند إليها البرنامج؟ إن استخدام مصطلح تعاليم يشير إلى "آيات" أو "قوانين"، أو حتى "عقيدة"، بينما الماركسية هي بالأساس منهجية تفكير، هي الجدل المادي، وعبرها جرى التوصل إلى بعض القوانين والمفهومات والمصطلحات، التي هي ليست محدَّدة بدقة، حيث يجري تحويل أفكار "عادية" إلى قوانين. بالتالي تبقى المنهجية هي الموجِّه والأساس، التي عِبْرها يجب تحليل الواقع وتحديد المهمات وبناء الاستراتيجية والرؤية. أما "التعاليم" فتعني تحويل أفكار ماركس وإنجلز ولينين إلى قوانين يجب الالتزام بها، وهو الأمر الذي يقلب الماركسية إلى نظرية مثالية لأنها تقوم على إخضاع الواقع لقوانين مسبقة.
ثم ان كتاب خطوة إلى الأمام كتب بعد أن كانت الماركسية قد حسمت العديد من المشكلات النظرية كما اشرت قبلاً، وفي سياق الخلاف حول بنية الحزب المتشكل، والذي بلور برنامجه، ولكنه كان لا زال "مجموعات" متفرقة لم تندمج تماماً، ولم تصبح ذات قاعدة اجتماعية، لهذا كان قد اعتبر أن اصدار جريدة هو الهدف الآني ليس من أجل نشر الأفكار فقط بل من أجل بناء الحزب. أشير إلى ذلك لأنك توصلت إلى "أن حزب العمال العربي الثوري الشيوعي سيظهر كنظرية، كبرنامج، قبل أن يظهر تنظيمياً كحزب" وتعتبر أن "هذه هي القاعدة". بالتالي لأقول ان لينين لم يضع البرنامج أو النظرية قبل بناء الحزب، بل كان البناء والنظرية تشكلان عبر العمل الفعلي لتنظيم البروليتاريا، وكان النشاط النظري الماركسي سابقاً لتأسيس الحزب سنة 1998، واستمر بعد ذلك، وإذا كان الحزب قد أعلن بإصدار برنامج مع تأسيسه فقد ظل النقاش حامياً حول البرنامج إلى أن حسم سنة 1905 بالانقسام إلى مناشفة وبلاشفة. هنا كانت النظرية والممارسة متلازمتان، ولا إمكانية للقول بأولا البرنامج والنظرية، ثم ثانياً الحزب. ولقد شرحت كيف أن البرنامج دون ظرف واقعي يتسم بتصاعد الاحتجاج الطبقي، والشعور بضرورة بناء حزب، ومن ثم بدء تشكّل "نوايات"، لا يفضي إلى بناء حزب. الآن بات الأمر ممكناً، لكن قبل ذلك لا بد من نشاط ماركسي على مستويات عدة، أولها توفير الكتيبات والكتب لكي تعرف الفئات الشابة الماركسية، وثانيها السعي لحسم الصراع ضد اتجاهات سائدة في الماركسية الرائجة، سواء تعلق الأمر بالإصلاحية أو الخضوع لـ "الوطنية"، أو الانتهازية، واساسها حسم تحويل الماركسية إلى نظرية مثالية تنحكم للمنطق الصوري، وتعميمها كمنهجية هي الجدل المادي. لكن كل ذلك يجب أن يجري في خضم الصراع القائم، حيث لا زال الحراك الشعبي مستمراً، والشباب ينشط من أجل تحقيق بديل، والعمال وكل المفقرين يحاولون التحرك لتحقيق مطالبهم. والاحتقان، كذلك، يتصاعد، الأمر الذي يسوف يفضي إلى حدوث انفجارات جديدة. وأصلاً من داخل هذا الصراع يتبلور الميل لبناء حزب يعبّر عن العمال والفلاحين الفقراء، حزب ماركسي.
بالتالي فإن "القاعدة" هي توافق النشاط النظري والنشاط العملي المبني على حراك العمال والفلاحين الفقراء. وخلال ذلك تتبلور الرؤية، ويتحدد البرنامج، وينشا الحزب. فالحزب هو نشاط "فئات مثقفة" (هي غالباً من الطبقة الوسطى) تلتزم الماركسية بين العمال والفلاحين الفقراء من أجل تطوير وعيهم وتنظيمهم في حزب (وفي أشكال أخرى مثل اللجان العمالية والفلاحية والنقابات وغيرها)، وبالتالي تأسيس الوعي المطابق لمصالحهم، والإستراتيجية التي يجب أن يُخاض الصراع على أساسها، والبديل الذي يطرحه هؤلاء للنمط الاقتصادي والنظام السياسي.
حول مسألة لمن نتوجه، أشرت في ردي السابق إلى أن التوجه كان لكادرات يسارية من أجل تشكيل ائتلاف اليسار السوري، فأجبت أنك تختلف مع ذلك لأن التوجه يجب أن يكون للجماهير. ولا شك في أن برنامج الائتلاف كان يشير إلى التوجه للعمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين من أجل تنظيم انخراطهم في الثورة، لكن لا بد أولاً أن يكون هناك تنظيم، أي مجموعة من الأفراد التي تنسق نشاطها من أجل التواصل مع الجماهير، ممن تتكون هذه؟ بالتأكيد من فئات لديها التزام ماركسي ووعي سياسي وتجربة عملية، لكي يتشكل تنظيم يعمل على الانخراط مع "الجماهير". الفرد يتوجه إلى آخرين يتوافقون معه لبناء بنية تسمح بأن تعتبر تنظيماً يتوجه إلى الجماهير، لهذا أشرت إلى التوجه لكادرات ماركسية. وفي كل الأحوال بناء الحزب يعتمد على التوجه لكادرات ماركسية من أجل تشكيل النواة التي يمكن أن يسمى تنظيماً، أو أن الصراع الطبقي يفرض تبلور مجموعات صغيرة متناثرة، لكنها تميل إلى التواصل وتأسيس حزب موحد (وهذا هو الشكل الغالب). أما خلال وبعد ذلك فيجب التوجه للعمال والفلاحين الفقراء لتنظيمهم وتطوير وعيهم السياسي، فالحزب يُبنى هنا.
تجيب بأن "السبيل إلى القوة" هو "الطرح المبدئي الصارم" لأنه أكثر عملية وتأثيراً، لكن ما هو الطرح المبدئي الصارم؟ تجيب هو "المسائل المبدئية"، التي هي برنامج الحد الأقصى، أي: الثورة الاشتراكية، القضاء على الرأسمالية، دكتاتورية البروليتاريا، النظام الاشتراكي في المجتمع. التي تعتقد أنه "تهون الأرواح دونها، والتي لا يمكن – تعليقها – ووضعها على الرف إلى حين تعدل الموازين". ماذا يعني ذلك؟ بالضبط لم افهم، ربما سوى "التشدد الأيديولوجي" الذي لا معنى له إذا لم يكن البرنامج معبّراً عن الواقع وعن ميزان القوى الواقعي. نحن نريد الاشتراكية نعم، لكن الواقع غير مهيأ لتحقيقها الآن، بالتالي يكون السؤال الجوهري هو كيف نستطيع تطوير الواقع لكي يكون مهيأ لتحقيقها؟ لهذا الثورة الاشتراكية ليست راهنة، وكل ميل لاعتبار أنها راهنة سوف يقود إلى العزلة. الانتهازية نبعت من تبني الماركسية لكن القول بدعم انتصار الرأسمالية كما لدى المناشفة، والانتهازية هي التمسك باستمرار الراسمالية وإتباع طريق الإصلاح، لكن ليس بديل ذلك هو الطفولية، الطفولية التي تعتقد بأن هدفنا الراهن يجب أن يكون الاشتراكية في وضع غير مهيأ لذلك. ما أطرح، وما طرحه لينين وماو تسي تونغ، هو أن تحقيق المهمات الديمقراطية أمر لا غنى عنه، لكن تحقيقها مرتبط حتماً بدور العمال والفلاحين الفقراء. الانتهازية تكمن في التخلي عن هذا الشق الأخير.
ما يجب ان تكون المسألة المبدئية هي التمسك باس الماركسية، أي الجدل المادي الذي يقود بالحتم لتحديد طريق الوصول إلى الاشتراكية عبر فهم الواقع، والذي يجعل تجاوز الرأسمالية أمراً ضرورياً، ويؤسس لماركسية حقة لا تسمح بكل الميول الانتهازية والطفولية والإصلاحية.
تصرّ على الدكتاتورية، واعتبرت أن الديمقراطية الحقة "هي اضمحلال السلطة والدولة"، لكن هذه لا تهبط من السماء، بل تتحقق بالتدريج عبر الدولة، فكيف لشعب لم يمارس الديمقراطية أن يهدم الدولة والسلطة ويقيم الديمقراطية "الحقة"؟ إن مصطلح دكتاتورية مأخوذ أصلاً من البرجوازية، وطرح في مواجهة دكتاتوريتها، لكن البرجوازية طورت شكلاً لـ "دكتاتوريتها" يمتص تناقضات، وينفّس مشكلات، ويطرح على الشعب طريق المشاركة في الحكم، إنه يعطي الشعوب مقدرة على التعبير عن ذاتها. هل هو منقوص؟ نعم، ويمكن اللعب به؟ بالتأكيد، بالتالي يمكن اعطاءه عمقه الذي يجعلها ديمقراطية "حقة" في ظل سلطة العمال. إن تلاشي الدولة كما تطرح الماركسية يفترض "تدريب" الشعب (حيث تكون الطبقات آخذة في التلاشي) على حكم ذاته، ولهذا كما قال ماركس وإنجلز يجب تحقيق ديمقراطية الأغلبية التي هي دكتاتورية ضد البرجوازية فقط. وما أناقشه هنا يتعلق بـ "التسمية" كما يبدو، أي رفض إطلاق تعبير دكتاتورية على سلطة الطبقة العاملة، وهذا صحيح، بالضبط لأن التشديد على مصطلح الدكتاتورية يتضمن شحنة استبدادية هي موروث القرن التاسع عشر. وهي الشحنة التي غطت على التجربة السوفيتية، التي عبر الدكتاتورية انقلبت من دكتاتورية الطبقة العاملة إلى دكتاتورية الفلاحين، ومن ثم البيروقراطية التي لم تكن تمت بصلة للطبقة العاملة. فقد جرت الهيمنة حتى على مؤسسات الطبقة العاملة، وجرى إخضاعها لجهاز المخابرات، حيث باتت مصفقة لسلطة هي ليست سلطتها.
في هذا الأمر أجدك تحول صراع الطبقة العاملة من أجل مصالحها إلى "مهمة تاريخية"، حيث تقول "تملك الطبقة العاملة مهمة تاريخية"، ما هي؟ أجدك بالتالي تنزع للتجريد، وحتى إلى تحويل الأمر إلى "رسالة سماوية"، بينما هي في الواقع أبسط من ذلك، بالضبط لأن الطبقة العاملة تريد تحقيق مصالحها، تلك المصالح التي تتقاطع مع مصالح كلية "الأمة"، وهذه المصالح ليست "مادية" فقط، بل أن مصالحها المادية تتحقق عبر تكوين مجتمعي ارقي. هي على صعيد الدولة تجاوز للديمقراطية البرجوازية، تعميق لها وليس تخلٍّ عنها. لهذا فإن الفصل بين "المبادئ والقيم" و"المهمات التاريخية والمصالح" ليس ممكناً، لأن المصالح تفترض مبادئ وقيم، تتمظهر في تكوين مجتمعي جديد، ودولة جديدة تنحكم لمبادئ وقيم متجاوزة للبرجوازية لكنها تتضمنها بالضرورة، وإلا سيكون البديل إلى الانكفاء إلى ما قبل البرجوازية (كما كان في الاتحاد السوفيتي، لكن ساعد عليه واقع روسيا). فالطبقة العاملة تريد تجاوز الحداثة بعد تضمنها وليس التخلي عنها أو رفضها.
المهمة التاريخية للبروليتاريا إذن ستبدو هي الدكتاتورية وفق الوعي المجتمعي للدكتاتورية، بالتالي حتى على الطبقة العاملة، من قبل بضعة افراد، او من فرد. ماركس وإنجلز وضعا حداً وحيداً للدكتاتورية هو مواجهة البرجوازية لسحقها، لكن من أجل تأسيس ديمقراطية "حقة" بعد إلغاء الملكية الخاصة. ديمقراطية تتضمن الحداثة والعلمنة. أما في بلدان لم تحقق الحداثة مثل كل بلدان الأطراف فتكون الدكتاتورية هي نظام بطريركي لأنه مبني على قيم العصور الوسطى، التي هي الوعي السائد. هذا بالضبط وضع الاتحاد السوفيتي، وما دمت تريد تكرار التجربة أشير إلى أن الدكتاتورية التي قامت كانت التعبير عن وعي القرون الوسطى الذي يسكن الفلاحين الذين باتوا هم مجمل أجهزة الدولة (الجيش والأمن والبيروقراطية) نتيجة طابعهم الغالب، والضعف الشديد للطبقة العاملة، وحين كبرت هذه الطبقة كان قد تشكّل نظاماً شمولياً دكتاتورياً منع كل نشاط خاص لها.
الحداثة والديمقراطية والعلمنة ليست "ملكية شخصية" للبرجوازية، ولا كانت المعبّر عن مصالحها، لهذا مارست طيلة القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كدكتاتورية، بل كانت نتيجة تطور العلم والفكر، العلم الذي أنتج الصناعة، والفكر الذي نتج عن سيادة العقلانية. هذا منتوج بشري مهم، ولقد بات ضرورة لكل تطور. كيف مثلاً يمكن تحقيق الاشتراكية دون تحقق العقلنة والتفكير العلمي؟ وهذه تفرض الفردية والإرادة، وهما أساس بناء النظام السياسي الحديث، أي إرادة الشعب، والمواطنة التي تفرض العلمنة، وهما معاً يفرضان الديمقراطية. هذه نقلات في الوعي هي التي أوصلت إلى الماركسية، ودونها لم تكن لتكون، حيث أنها ليست التعبير الميكانيكي عن وجود البروليتاريا، بل هي النتاج الموضوعي لتطور الفكر بعيداً عن الطبقة العاملة. وبالتالي ليس من الممكن أن يكون الشخص ماركسياً دون أن يستوعب كل فكر الحداثة، لأنه النقلة الضرورية وعي الماركسية. لينين أشار إلى مصادر الماركسية مبنياً أنها ثلاثة هي الاقتصاد السياسي الانجليزي والفلسفة الألمانية والاشتراكية الفرنسية، لكنه نسي ان ماركس توصّل إلى الاشتراكية (إلى التحرر الإنساني) عبر الدفاع عن الحرية السياسية والعلمنة (كتابه المسألة اليهودية). ولهذا ناضل من أجل حق الانتخاب، ومن اجل الحريات والديمقراطية، وأكد بأن سلطة البروليتاريا يجب أن تكون ديمقراطية.
كل هذه "المبادئ والقيم"، كما جدل هيغل، هي جزء من الماركسية، لكن كيف يمكن تحقيقها بتجاوز حدودها البرجوازية؟ هذا هو السؤال المطروح، وليس الاستخفاف بها. أي كيف لا تكون الديمقراطية هي غطاء لدكتاتورية طبقة بل تمثّل فعلياً حكم الشعب؟ مع ملاحظة أن الديمقراطية هي ليست الشكل البرلماني فقط، هذا شكل وُجد مع البرجوازية، لكنها تتعلق بطبيعة العلاقة بين الأفراد في داخل الطبقة وبين الطبقات في مراحل وجودها. وهي مدخل ممارسة العقل النقدي، وبالتالي مجمل الحريات.
إن تحويل التطور التاريخي إلى "مهمة تاريخية" للبروليتاريا سوف يؤسس للاستبداد بالضرورة، لن كل رفع لفكرة فوق البشر سيقود حتماً إلى ذلك. ولهذا ليس غريباً أن تقول "الطبقات ليست حملة –مبادئ وقيم-بل مهمات تاريخية ومصالح، قد تضطر لتحقيقها أن تتبع أعرج السبل وأوعرها بعيداً عن كل –حداثة ورقي-! هذا هو التاريخ وهذا هو الواقع ولن نكون آسفين إذا ما –صدم-أحد". ربما الواقع الموضوعي يتخذ هذا المنحى، لكن أن يتحوّل إلى فكر فهذا امر يناهض الماركسية قبل أن يناهض الديمقراطية. فليس المطلوب تلبية نهم طبقة مفقرة فقط، ولا تتحقق دون شكل دولة ما دمنا لا زلنا في مرحلة سابقة لتلاشي الدولة، ولقد أنتج التطور قيماً هي ليست أفكار مجردة بل بنى حياتية، لهذا لا بد من تقديم ما يتجاوزها وليس ما يعني الانكفاء عنها. وغذا كنت تتحدث عن "المهمة الجسيمة الملقاة على عاتق البروليتاريا بوصفها –آخر الطبقات-" فإن مهمتها الجوهرية هي تحقيق انسانية الإنسان كما قال ماركس ذاته. كيف يتحقق ذلك؟
ما قصدته بما يمكن أن يتحقق في الواقع هو أنه ليست أفكارنا هي التي تنتصر في الأخير، لهذا ليس من الممكن تحويل الماركسية إلى تعبير عن "مهمة تاريخية" للطبقة العاملة، بل أن الواقع يفرض ذاته متضمناً أفكارنا ممكنة التحقيق فيه. ولتوضيح الأمر أشير إلى التجربة السوفيتية، حيث أراد لينين لدولة ديمقراطية، ولكن السلطة التي شكلها الحزب البلشفي تكونت ليس من البروليتاريا بل في الغالب من الفلاحين، حيث كان التطور التاريخي لم يتجاوز سيادة الريف، مع وجود عمالي ضعيف، لهذا تحققت "المهمات التاريخية الجسيمة الملقاة على عاتق الطبقة العاملة" التي تمثلت بالضبط في بناء الصناعة وتطور التعليم وتعميم الحداثة، هذه هي خلاصة التجربة بغض النظر عن الأوهام، و"المهمات الجسيمة"، لقد تحقق في ظل "دكتاتورية البروليتاريا" ما حققته البرجوازية بالضبط. لكن الدكتاتورية خدمت الفلاحين والبيروقراطية التي أسست للانقلاب التالي، حيث عادت البرجوازية منتصرة. بهذا المعنى كانت دكتاتورية ستالين هي نتاج "التقاليد الريفية" وليس تلك الدكتاتورية التي تحدث عنها ماركس المتضمن فكره كل إرث الحداثة. بمعنى أن "مكر التاريخ" فرض تحقق ما هو ممكن، أي الحداثة. لكن لم يكن هذا طموح لا لينين ولا حتى ستالين. بالتالي في "النهاية" انتصرت الحداثة وليس الاشتراكية في ظل "دكتاتورية البروليتاريا".
إذن، باسم البروليتاريا أقيمت دكتاتورية ضدها، هذا ما تعتقد أنك تؤيده ولا ترى طريقاً غيره. لهذا يطرح السؤال، وعلى ضوء تحليلنا هذا، كيف يمكن أن نستفيد من هذه التجربة لكيلا نكررها؟ طبعاً خصوصاً وأن "قيم الحداثة" انتشرت أكثر، والبنى الفلاحية تفككت بشكل أو بآخر في الغالب.
 صديقي تبدأ بـ "التعاليم" لتعود إلى "الواقع وحكم الضرورة ومقام الحال"، وتشير إلى المادية التاريخية (رغم أنني لا أستسيغ هذا المصطلح لأنني أعتقد أن في الماركسية تصوراً مادياً للتاريخ، والمصطلح يعني وجود قوانين وأسس محدَّدة مسبقاً)، وتقول بأن "المؤسسات السياسية هي بنت ضرورة عصرها وظرفها ومشروع طبقتها" وتكمل "وليس القيم والمبادئ"، لكن ما أسميه المبادئ والقيم هو "بنت عصرها"، أي أن الانتقال من وعي تقليدي وبنى قروسطية يفترض القيم والمبادئ التي انتشرت مع الرأسمالية لأنها "بنت عصرها"، وتجاوز الميتافيزيقا نحو العقلانية هو "بنت عصره"، وكذلك الفردية وإرادة الشعب والمواطنة (التي تتجاوز القبيلة والملة) والديمقراطية، كلها "بنت عصرها"، وهي لمجتمع لم يدخل "الحضارة" "صورة مستقبله هو" كما قال ماركس في "راس المال". ومن هذه القيم والمبادئ ستستولد مبادئ وقيم البروليتاريا وليس بعيداً عنها. وهذا ما يجعلني أنطلق من "الواقع وحكم الضرورة" وليس من "مثالية وذاتية". المثالية والذاتية تتأتى من التزام "التعاليم"، أي تحويل الماركسية إلى تعاليم مقدسة بالحتم يجب الالتزام بها.
 ومع الأسف سألمس الشكلية لديك حين تقولني بأن "تبنينا قيم الحداثة = مؤسساتنا صارت حديثة"، هنا أجد أنك تتجاهل دور الفكر في الواقع، لهذا تعتقد بأن قول فكرة يعني "اختراع وجودها المادي"، ما أقوله هو أننا كماركسيين لا بد من أن نبني ماركسيتنا على فكر الحداثة (كما قال ياسين الحافظ والياس مرقص) لا أن نعتقد أنه مقطوعة الصلة به (أصلاً هذا كان كل همّ الياس خصوصاً). ومن ثم أن أبلور المشروع المطابق لمصلحة العمال والفلاحين الفقراء الذي يتضمن "قيم الحداثة" ويضعها في سياق تحقيق مصالحهم ضد البرجوازية. في الواقع ليس كل ما نبلوره ونطرحه باسم الطبقة العاملة سوف يتحقق لكن الجزء الضروري لتطور الواقع سوف يتحقق. ولا شك في أن "قيم الحداثة" هي أول ما سيتحقق مع المقدرة على بناء الصناعة وتطوير التعليم على أسس علمية، لأن الفرد سوف يتفلت من بناه التقليدية (القبلية والعائلية والطائفية/ الدينية) لمصلحة دوره المحوري في التطور. على ضوء هذه النقلة قام كل بناء الحداثة، التي بدأت بالعقلنة. بالتالي "تنطلق الدولة التي تقيمها الطبقة العاملة من القيم والمبادئ التي تحققت بعد نشوء الصناعة وتشكُّل المجتمع الحديث"، وإلا فإن البديل هو استمرار البنى التقليدية والوعي القروسطي، فتلك القيم والمبادئ أتت على أنقاض هذه. خصوصاً أن الماركسية لم تبلور بعد كل تصورها عن الاشتراكية والدولة في الاشتراكية والبنى التي تسمح للطبقة العاملة أن تكون هي السلطة وليس "بديلها"، أي الحزب. الحزب الذي يتحول عبر سيطرته المديدة على السلطة إلى بيروقراطية بعد أن يكون قد أصبح مقصد الفئات الوسطى والانتهازيين.
ثم تعود لحصر "المهمة التاريخية" للطبقة العاملة في "تحقيق النهضة الصناعية والاقتصادية"، هذه هي المهمة الراهنة كما كان الأمر في روسيا. لكن ليس من الممكن بناء الصناعة دون تطوير العلم ونشر الوعي العلمي، وكل ذلك يفرض بروز دور الفرد، وبالتالي الديمقراطية والحريات. هذه الأخيرة هي التي أفضت إلى سقوط الاشتراكية.
تحاول وضع رسم تخطيطي للمرحلة الأولى في التجربة السوفيتية، وللمرحلة الثانية، لا أريد هنا تكرار الرسم، ولقد اعتبرت أن المرحلة الأولى تحققت بنجاح بينما المرحلة الثانية "مهمة لم ينفذها الاتحاد السوفيتي" وأدت إلى "انهيار النظام الانتقالي القائم". لكنك لم تحلل لماذا لم تتحقق المرحلة الثانية، لتصل إلى "ضرورة إتباع النموذج السوفيتي والاقتداء به فيما يتعلق بالمرحلة الأولى". بمعنى أنك لا تجد رابطاً بين نجاح المرحلة الأولى وعدم المقدرة على تحقيق الثانية، رغم أنه ليس من الممكن تناول التاريخ "بالقطعة"، فهو صيرورة كل مرحلة تُبني على ما قبلها، وحين فشل مرحلة يجب البحث في الأسباب في المرحلة السابقة لها. وليس من الماركسية أن نتجاهل بحث هذا الأمر من أجل الإفادة ما دمنا نريد تكرار التجربة، إلا إذا ارتضينا بأن نحققها "كما هي"، وهذا مستحيل طبعاً، كيف نحقق التصنيع والتطور، ونستطيع الانتقال إلى "المرحلة الثانية"؟ هذا ما يفرض البحث في التجربة وفهم المشكلات التي فرضت الانهيار بدل الانتقال إلى المرحلة الثانية.
هذا ما حاولت تناوله في كتاب "أزمة الاشتراكية"، حيث أوضحت أن المهمات التي يحتاجها الواقع كانت بالضبط هي التصنيع والحداثة التي أسماها لينين تحقيق "المهمات الديمقراطية"، ورغم إلغاء الملكية الخاصة سنة 1931، وبالتالي فرض الاشتراكية، فقد تحققت عبرها تلك المهمات، ولم تستطع الدولة الاشتراكية الانتقال إلى مرحلة أرقي. لماذا؟ يجب أن نلمس بأن الواقع هو الذي يفرض حدود ما يمكن تحقيقه وليس إرادة الأفراد، ولقد كان الحزب الشيوعي عنصراً في التكوين المجتمعي الذي كان ريفياً في الغالب، ويعيش وعي قروسطي. ولقد تشكلت الدولة من هذا وذاك، أي من طموحات الحزب، ومن بنى المجتمع، أي من الأفراد الذين شكلوا الجيش والأمن والبيروقراطية، وباتوا هم الأغلبية في بنية الحزب الذي بات سلطة. في هذا التكوين باتت البيروقراطية هي السلطة، وأصبحت مصالحها المحدَّدة بطموح الريف إلى التملك، وإلغاء الملكية من قبل الحزب، الأمر الذي جعلها تُحدث اختلالاً في توزيع الثروة التي كانت ملكية عامة لمصلحتها، وأن تحافظ على التكوين المتشكل الذي يحقق لها ذلك. ورغم التطور العلمي الكبير الذي نحقق رفضت تعميمه مجتمعياً، كما رفضت الانتقال من التوسع الأفقي في الصناعة إلى التطور العامودي، لأن كل ذلك كان سيخلّ في وضعها ويفضي إلى سقوطها، اعتماداً على طبقة عاملة جديدة كبيرة الحجم ولديها وعي طبقي. هنا الدكتاتورية التي كانت أساس النهوض المجتمعي، كانت كذلك أساس عدم الانتقال إلى مرحلة أرقى اقتصادياً ومجتمعياً، حيث كان ذلك يحتاج إلى الحرية والديمقراطية، في حين وجدت أن الدكتاتورية هي الضرورة لمصالحها. وفي الأخير تحرك الشعب من أجل الحرية والديمقراطية، لأنه بات يحسّ أنه مالك مصيره، ولهذا رفض حالة الاغتراب التي أسستها سلطة شمولية ألغته بتحويله إلى رقم، بعد أن باتت التعبير عن مصالح بيروقراطية تتميز بالبذخ الاستهلاكي. وكانت هذه الوضعية هي اساس تصاعد الأزمة الاقتصادية، وترهل البيروقراطية، وتوق الشعب إلى الحرية، وكلها ادت إلى الانهيار.
هنا لا يكفي أن نقول بأن علينا أن نحقق المرحلة الأولى، فقد أوضحت التجربة مشكلاتها، التي يمكن أن نفيد منها في صياغة بديل متطور. ولقد ظهر في التجربة الأهمية الحاسمة للديمقراطية، التي هي ليست انتخابات برلمانية فقط، بل هي بالأساس فاعلية الفرد، الذي يقود التطور العلمي وبناء الصناعة إلى أن تصبح ضرورة سياسية، أي ضرورة مشاركة الفرد في الحكم، وهنا طبعاً الطبقة العاملة، الطبقة التي كانت أكثر اندفاعاً لإسقاط "الاشتراكية".
أنت تهجو الديمقراطية، وتعتقد بأن ما طرح في الماركسية كافٍ، لكنك ترفض ما طرح في الماركسية، حيث أن تعريف ماركس ولينين لدكتاتورية البروليتاريا أنها ديمقراطية الأغلبية ضد الأقلية البرجوازية. وتستغرب الحديث عن دكتاتورية البرجوازية في المرحلة الأولى وديمقراطيتها في المرحلة التالية، حيث تتجاهل التمييز بين السيطرة الطبقية للبرجوازية المحدَّدة في الهيمنة على الرأسمال، وشكل هذه السيطرة في الدولة. في المرحلة الأولى كانت السلطة مطلقة بيد فرد أو فئة (ومثالها البرنابرتية التي كانت في الماركسية تعتبر مثال الدكتاتورية)، ومن ثم تعميم الحريات والأحزاب ومبادئ المواطنة والعلمنة، والانتخابات الحرة. لا شك في أن الانتخابات كانت تأتي بحزب يلتزم مصالح الطبقة المسيطرة، أو يحاول تعديلها لتحسين وضع البروليتاريا والفئات الوسطى، لكن كانت هذه نقلة في فاعلية البشر السياسية، التي ستدربهم على حكم أنفسهم. وإذا كانت مشكلتها تتمثل في سيطرة الرأسمال على الأحزاب والإعلام والقدرة المالية الهائلة، فإن إلغاء الملكية الخاصة سوف يفتح الأفق لدور هائل للبروليتاريا والطبقات المفقرة لكي تحكم هي. لم يكن نقد الماركسية التالي لماركس يتعلق بالديمقراطية، بل تركز على تحكم الرأسمال بها، لهذا سوف يؤدي التحرر من الراسمال إلى ارتقائها. هذا ما كان يقصده ماركس حينما تحدث عن الانتقال من التحرر السياسي الذي هو ضرورة إلى التحرر الإنساني (الاشتراكية). بالتالي فهي الشكل الأرقى الذي قدمته البرجوازية، والذي يلازم "استعارة الدولة البرجوازية" من قبل البروليتاريا كما كان يقول ماركس. وإذا كان ماركس حينها يتحدث عن الدولة الدكتاتورية التي عبرت عن البرجوازية فأطلق مصطلح دكتاتورية البروليتاريا كمقابل لدكتاتورية الأقلية، فنحن الآن إزاء استعارة "دولة ديمقراطية"، أي يجب أن يكون حكم البروليتاريا قائماً على ما توصلت إليه البرجوازية من رقي وليس الانكفاء إلى البطريركية (سلطة القرون الوسطى). هل لدى الماركسية شكل أرقى؟
تجيب في مواجهة "الافتتان بالديمقراطية" الذي لا يعرف سبباً له من قبل "ماركسيينا"، بالتالي "إن في جعبة البروليتاريا ما هو أكثر رقياً وتحضراً وإنسانية بكثير"، ما هو؟ لا في الأفكار، ولا في التجربة، ما يطرح كشكل للدولة متقدم عن الشكل الحالي لـ "الدولة البرجوازية". طرح ماركس ما هو متقدم عن الدولة البرجوازية في حينه حينما ناضل من أجل الديمقراطية (يمكن أن تراجع كتاب "الديمقراطية الأوروبية" صادر عن وزارة الثقافة وترجمة ميشيل كيلو، واسمه الأساسي هو "الاشتراكية والديمقراطية" صدر عن المؤسسة الجامعية في بيروت، ويتناول نضالات ماركس من اجل الديمقراطية، وأولها الحصول على حق الانتخاب). لكن البرجوازية حققت ذلك، حتى حين نظّر تجربة الكومونة وطرح مسألة إبدال الممثلين في البرلمان عملت البرجوازية على تضمينه دولتها من خلال تعدد الأحزاب والانتخابات الدورية، بحيث يسحب الفرد صوته من حزب ليعطيه آخر حين يشعر أن الحزب لم يحقق مصالحه (طبعاً فكرة ماركس مبسطة، ويمكن ان تطبق في مدينة وليس في دول شاسعة)، بالتالي يمكن أن نطور نحن هذا الشكل، بتوسيع المشاركة بدور النقابات والهيئات واللجان العمالية والشعبية مثلاً.
ليس لدى الماركسية شكل أرقى من الشكل البرجوازي إلى الآن، لا في التنظير ولا في الممارسة، على العكس من ذلك كانت الممارسة انكفاءً إلى الخلف (ولقد شرحت سبب ذلك الذي لا يكمن في الماركسية بل في الواقع)، حيث بدل تمثل الحداثة نشأت سلطة بطريركية هي التعبير عن الفلاحين وليس عن البروليتاريا. ولقد حاولت أن أقدم مساهمة في شكل الدولة الاشتراكية في كتاب "من هيغل إلى ماركس، التصور المادي للتاريخ". إن اعتبارك أن للطبقة العاملة "مهمة تاريخية" (أي رسالة) دفعك إلى القول إن في جعبة البروليتاريا ما هو أرقى، وهذا استكمال للفهم المثالي الذي حكم المنطق الذي طرحت فيه الأمور. مع الأسف لم يتبلور بديل أرقي من الشكل البرجوازي، رغم محاولات مهمة من جرامشي وآخرين. وبالتالي ما دامت البروليتاريا "سـتستعير" الدولة من البرجوازية فمن الأفضل أن تستعير شكلها الأرقى بدل الانكفاء إلى القرون الوسطى.
لكن سأعيد التأكيد، كما أوضحت سابقاً، أن الديمقراطية والحداثة ليستا ملكاً للبرجوازية رغم أنهما من نتاجها، بل أن الحداثة بكل معانيها نقلة نوعية في الوعي البشري، تتجاوز البرجوازية، كما أن الصناعة التي هي "نتاج" البرجوازية تتجاوز البرجوازية ذاتها، لأنها اسست لنمط إنتاج جديد، برجوازي الشكل في المرحلة الأولى، لكنه سيكون اشتراكياً كذلك. والحداثة هي النتاج الموضوعي لعصر الصناعة، فلا يجوز اعتبارها حكراً على البرجوازية، التي رفضتها في المرحلة الأولى، وهي ترفض تعميمها عالمياً، وتعمل على تكريس البنى القروسطية في الأطراف.
بالتالي، هل من شكل لحكم البروليتاريا غير ذاك الذي يقوم على الحريات والانتخابات؟ أتحدث عن البروليتاريا وليس عن الحزب الذي "يمثلها"، فالحزب جزء منها، وليس بالضرورة ان يمثل مصالحها في كل لحظة، وإذا تمسك بالسلطة تحول إلى بيروقراطية سلطة، بيروقراطية تنشئ لذاتها مصالح بعيدة عن الطبقة. لهذا ما هي الآليات التي تسمح للطبقة مراقبة "سلطتها"، وإسقاط فيما إذا تجاوزت مصالحها؟ هذه كلها مسائل لم تجب الماركسية عليها. الشكل الديمقراطي يساعد على ذلك، لهذا يمكن أن نبدأ به ونعرف كيف نوسعه لكي يكون أكثر فاعلية.
إذا كنا نريد أن تحكم البروليتاريا فليس بالضرورة أن تحكم بشكل شمولي استبدادي، بل يمكن أن تتبلور الآليات الديمقراطية التي تجعل حكمها أرسخ، ويسمح بالانتقال من مرحلة إلى أخرى. ولقد أشرت إلى التجربة الروسية، حيث أن الحكم الشمولي سوف يعتمد ليس على البروليتاريا بل على الفلاحين والفئات الوسطى كأدوات سلطة، سرعان هذه مع تقلب الوضع بعد تحقيق أول خطوة، فتصبح دكتاتورية البيروقراطية التي تهيئ للعودة إلى الرأسمالية. هنا ليس فقط شكل الدولة ما يجب البحث فيه بل كذلك تكوين المجتمع، لكي نضمن أن تبقى سلطة البروليتاريا قائمة لا أن تؤدي دكتاتوريتها إلى التخلي عنها لمصلحة بيروقراطية تحكم باسمها، تقود إلى انهيار الاشتراكية كما حاولت توضح تجربة الاتحاد السوفيتي. فليست البروليتاريا "جبروت" في ظل أغلبية فلاحية أو من الفئات الوسطى، وكل دكتاتورية سوف يفرضها الحزب الذي يدعي تمثيل الطبقة سوف تكون في مصلحة تلك الفئات، وفي الأخير على حساب البروليتاريا. لهذا لا يجب اعتبار "المسك الدكتاتوري" للسلطة كافٍ لكي تنتصر البروليتاريا ما دامت ليست أغلبية، وما دامت خارج السلطة التي يمسكها حزب يدعي تمثيلها، ويصبح بعد وصوله إلى السلطة الدكتاتورية مرتع جذب الانتهازيين والمتسلقين.
تحدثت عن تحالف طبقي بقيادة العمال والفلاحين الفقراء، فأجبت أنني لا أحدد، معتبراً أن ذلك يمثل "خجلاً بالمبادئ". إن طبيعة التحالف الطبقي الذي يجب أن يستلم السلطة هي العمال والفلاحون الفقراء الذين يقودون "كتلة تاريخية" كما اسماها جرامشي، من الفلاحين المتوسطين والبرجوازية الصغيرة المدينية. ربما هذا ما تقوله أنت، لكن بـ "ترفّع"، بأنك يمكن أن ترضى بـ "تحالف طبقي تقوده الطبقة العاملة حصراً"، "كمرحلة مؤقتة وانتقالية تفرضها الظروف"، وتعتبر أن "العلامة الفارقة للماركسية هي ايمانها القاطع بأن لا خلاص إلا عبر دكتاتورية البروليتاريا". الانطلاق من الواقع، وعلى ضوء تحليل وضع الطبقات يفرض هذا الشكل، لكنك تتمسك بـ "القيم والمبادئ" أكثر، لهذا تنظر بترفع إلى هذه الضرورة. بالتالي فما اطرحه واضح وكررته في الرد السابق بأن المهمات المطروحة راهناً ليس من الممكن تحقيقها إلا بقيادة العمال والفلاحين الفقراء، حيث ان تحقيقها يفترض تجاوز الرأسمالية. هل في ذلك غموض؟ ربما يبرز الغموض لأنني لم أكرر مصطلح "دكتاتورية البروليتاريا"، ليظهر "التمسك الشكلي" في الأفكار، التي تعتبر مبادئ في كل لحظة يفرض الواقع أفكاراً أخرى. هل نتمسك بالواقع أو بالأفكار؟ الماركسية تقول بالواقع، وهذا أساس ماديتها، أما الأفكار، حتى تلك التي قالت بها قبلاً، فهي نتاج الواقع، لهذا يجري تجاوزها كلما تغيّر الواقع. المسألة التي تبقى هي الموجِّه هي ان حل مشكلات المجتمع الطبقي تفرض تحقيق الاشتراكية، وهذا ما يمكن للطبقة العاملة أن تقوم به لأنها اصلاً لا تملك سوى قوة عملها. أما كيف نصل إلى ذلك، وما هو شكل الدولة التي تحققه، فهذا أمر يرتبط بممكنات الواقع، وبالصيرورة التي يفرضها.
الخشية من التخلي عن المبادئ غالباً ما تقود إلى قلب الماركسية إلى منظور مثالي، لتصبح "المبادئ" هي التي يجب أن تُفرض على الواقع، لا فهم الصيرورة التي توصل إليها. لكنها خشية نابعة من "عدم الثقة" بالطبقة العاملة.
إن ضرورة التحالف الطبقي ليست نابعة من موقف براغماتي، بل هي نتيجة لوجود طبقات عديدة تسعى إلى تحقيق التطور، ولقد ظلت قائمة لأن مستوى التطور المجتمعي ظل منخفضاً. أي لأن المجتمع لم يصبح صناعياً، ولقد انهارت الزراعة، وبات الاقتصاد غير إنتاجي بل ريعي. وهو الواقع الذي يطرح مهمات سابقة على الاشتراكية (إذا عرفنا الاشتراكية بأنها نمط إنتاج قائم على الصناعة مع إلغاء الملكية الخاصة)، مهمات بناء الصناعة وتطوير التعليم ونشر العلم وبناء مؤسسات حديثة، وكلها مقدمات ضرورية لتشكيل نمط إنتاج اشتراكي. في هذه الوضعية ليست الطبقة العاملة قادرة وحدها على الانتصار، بل أنها تحتاج إلى تحالف طبقي، وما يؤسس هذا التحالف هو التوافق على تحقيق تلك المهمات (أكرر التي أسماها لينين المهمات الديمقراطية، أي المهمات التي حققتها الثورة الديمقراطية البرجوازية)، وليس الاشتراكية. ولأن لتحقيق هذه المهمات أولوية، ومن أجل وصول العمال والفلاحين الفقراء إلى السلطة، يكون التحالف أمراً حاسماً. ليصبح السؤال: كيف يستطيع العمال والفلاحون الفقراء قيادة هذا التحالف؟ هذا امر يتعلق بالنشاط العملي، بقدرة الحزب الماركسي تطوير فاعلية الطبقة، ودفعها لقيادة النضال، لكن على أرضية تلك المهمات، إلى أن يصبح ممكناً الانتقال إلى الاشتراكية، حين تكون الاشتراكية "ضرورة عملية" وليست "مبادئ" فقط.
هنا يجب التوضيح بأن الاشتراكية ليست قيادة البروليتاريا للسلطة، فهذا "عنصر اشتراكي" كما قال لينين سنة 1918، لكنها نمط إنتاج يقوم على الصناعة، وعلى إلغاء الملكية الخاصة. لهذا لا تكفي سيطرة البروليتاريا على السلطة للقول بتحقق الاشتراكية، بل يحتاج الأمر إلى تغيير مجتمعي جذري. وبالتالي فإن المسافة بين تحقيق المهمات الديمقراطية والانتقال إلى الاشتراكية تنحكم لمدى تطور قوى الإنتاج والوعي المجتمعي، وبالتالي تراجع حجم ودور الفلاحين المتوسطين والبرجوازية الصغيرة المدينية، وتوسع البروليتاريا. ولتحقيق ذلك على البروليتاريا أن تتحالف مع صغار الفلاحين والبرجوازية الصغيرة المدينية، وأن تضمن استقرار هذا التحالف لكي تبقى قادرة على الحكم.
هل فيما قلت لبس؟ لكن اللبس هو في اعتبار هذا "الممر الاجباري الوحيد القطعي تجاه الاشتراكية" هو ثورة اشتراكية، هنا يكمن الخلط بين النظري والعملي، فنظرياً نريد الاشتراكية ونسعى إلى تهيئة الظروف لتحقيقها، لكن الواقع العملي يفرض خطوات أسبق كما اشرت، هذه الخطوات ليست اشتراكية، الاشتراكية التي تبدأ بإلغاء الملكية الخاصة من قبل سلطة البروليتاريا. وربط المطلب العياني بالوصول إلى الاشتراكية لا يعني تحقُّق الاشتراكية، إلا من منظور يخلط النظري بالعملي، ولا يرى الصيرورة التي هي الحركية التي توصل إلى الهدف الاشتراكي، والتي تقتضي تحالفات طبقية وتحقيق تغيير اقتصادي كبير، لا يستقيم في ظل اعتبار الثورة اشتراكية، حيث يفضي ذلك إلى تفكك التحالف الطبقي "قبل الأوان". إذن سيكون الاستنتاج بأن "ربط المطلب العياني القائم بوصفه مهمة ملحة لا يمكن المضي إلى الاشتراكية دون تحقيقها، وبهذا المعنى فقط يصبح هذا المطلب اشتراكي الطابع"، وتكمل بأنه "اشتراكي بالقوة وليس بالفعل"، هو التعبير عن منظور مثالي، حيث يرتبط الطابع الاشتراكي هنا بإرادة الفرد أو الحزب، أي أنه التعبير عن عكس الطموح المستقبلي على الواقع الراهن. هذا طموحنا للوصول إلى الاشتراكية، لكن يجب فهم الصيرورة التي توصل إلى ذلك، والفهم الدقيق للتحالفات الطبقية التي تسمح بتحقيق المهمات العملية التي تهيئ للوصول إليه. هنا الأمر عملي، والاشتراكية "بالقوة" هي الطموح، الطموح الذي يفرض بناء إستراتيجية الوصول إليه. والخطوة تجاه الاشتراكية لا تعني أنها اشتراكية إلا في التجريد المخلّ، فالأمر يتعلق بصراع طبقي، ومسار واقعي. لكن قيادة العمال والفلاحين الفقراء هي التي يجب أن تشكل الضمانة لتحقيق الوصول إلى الاشتراكية.
كنت أشير في ردي السابق إلى البدء من الملموس وصولً إلى المجرّد، لترد يا صديقي على أمر آخر تماماً، يتعلق بأهمية الوعي في تحقيق الاشتراكية "أوحتى للثورة الديمقراطية". الماركسية تفرض البدء من الملموس، ولينين يقول "التحليل الملموس وللواقع الملموس"، هذا أساس منهجي في الماركسية، هو جوهر ماديتها. وأنا حين أنطلق من الماركسية أكون مؤكداً على أهمية الوعي، مثل ياسين الحافظ والياس مرقص. وكل النقاش، والحوارات، وتحليل الواقع، والبحث عن إستراتيجية، هو دور الفكر، أي دور الوعي. وأهمية الماركسية أنها تقدم الوعي الضروري للبروليتاريا، وتؤسس الإستراتيجية التي تنتصر بها. وأول عناصر الوعي بالماركسية هي الفهم المادي الذي يقوم على التحليل الملموس، وتمثّل الجدل المادي، وهذا هو قمة الوعي. فلقد تطور الفكر بعيداً عن الطبقات المفقرة، ونمت الماركسية بعيدة عن البروليتاريا كنتاج لتطور الفكر بفروعه الفلسفية والاقتصادي والسياسية. ولكن تطور صراع البروليتاريا يفرض "إدخال الوعي من الخارج" كما قال لينين نقلاً عن كاوتسكي. ولكي يتحقق ذلك يجب تحليل الواقع، أي البدء من الملموس لتحقيق "التجريد"، لأن مهمة الماركسية هي "تجريد الواقع الملموس"، تنظيره، وتحويله إلى سياسات وتكتيكات توصل إلى تحقيق مصالح البروليتاريا. وهذا الأمر ليس خاصاً بالبلاد الكولونيالية، وربما هو أعقد في البلاد الرأسمالية المتقدمة.
طبعاً هذا يعيدنا إلى ماهية الماركسية. تقول في نص لافت أن "النص ابو المنهج وأمه" رداً على تمييزي بين المنهجية الماركسية والنصوص التي نتجت عن تحليل واقع معيّن. وتكمل بأن "النص هو حامل المنهج قطعاً ونحن نؤكد على أهمية هذا النص". النص في الغالب (لأن هناك نصوص بدت خاطئة) هو حامل المنهج، حيث أن فعل المنهج في الواقع هو الذي ينتج النص. لكن صحة النص وعلميته ترتبط بالظرف المحدَّد الذي تبلور فيه، وكذلك في المكان المحدَّد. وهو بهذا لا يتحوّل إلى مطلق، بل يرتبط بنسبية الزمان والمكان، بعكس المنهج الذي هو مطلق (إلى أجل لا نعرفه). هنا يبقى المنهج ويتقادم النص مع صيرورة التطور التي هي المطلق كما يشير إنجلز. يخص النص لحظة معينة لا يمكن تعميمها، ولا تحويلها إلى قانون. بالتالي حتى في المكان ذاته لا بد من تحليل مستمر للواقع دون الركون لنص تبلور في لحظة معينة. هذه هي الماركسية، التي تنطلق من التحليل الملموس للواقع الملموس انطلاقاً من الجدل المادي.
ما قمتَ به هو تحويل النتيجة، التي كانت نتاج تحليل واقع معين، إلى مطلق يجب القياس عليه. لهذا توصلت إلى "ونحن الماركسيين تجمعنا تعاليم ومبادئ صاغها معلمين كبار، إما أن ننتمي إليهم ونحتكم إلى نصهم ومنهجهم، وإما نحن على خلاف"، ورغم أنك وضعت النص والمنهج على مستوى واحد فإن فيهما تناقض عميق، لأن كل منهما يمثل طريقة مختلفة. المنهج نعم، وهو الجدل المادي الذي على ضوء أسسه يجب تحليل الواقع في كل لحظة وكل مكان، هو المسبق الوحيد بأسسه العامة. أما النص في نتاج تحليل واقع معين ويتقادم مع مسيرة الحياة مهما كان دقيقاً في حين الوصول إليه. وحين نعتبر أنه حاكم لرؤيتنا نكون قد عدنا إلى المنطق الصوري، ومبدأ القياس، أي قياس الواقع على نص مسبق، وفرض انحكام الواقع لهذا النص. بهذا لا يكون للمنهج أي فاعلية ما دام الواقع انحكم للنص المحدَّد مسبقاً، يكون قد توارى لمصلحة المنطق الصوري، منطق القياس الذي هو أساس الوعي التقليدي (الديني والأصولي). وهذا ما حاولت تناوله منذ البدء، وظهر واضحاً في ترسيمك لبناء الحزب ولإستراتيجيته، التي هي تلخيص لتصور لينين بداية القرن العشرين، في واقع روسيا، وفي وضع عالمي كانت الرأسمالية قد باتت للتو إمبريالية بعد أن تشكلت في نمط عالمي.
هذا الفارق الجوهري هو الذي يفرض الفصل بين النص والمنهج، وليس كل الماركسيين "الكهول" من يفعل ذلك، بل أنهم يؤسسون على النص ولا يعرفون المنهج أصلاً، أنهم نصيون، وهذا ما جعلهم يفشلون في فهم الواقع قبل السعي لتغييره. والفصل، كما أشرت، هو أمر موضوعي، لأن أس الماركسية هو المنهج (المنهج هو الذي أوجد الماركسية اصلاً)، الذي عبره يجب فهم الواقع، وحيث يقود ذلك إلى بلورة نص (أفكار ونظريات وتصورات). لكن الواقع في حركة، متغيّر، بكليته، لهذا لا بد للمنهج من أن يحلله في كل لحظة. وحين نعتبر أن منتوج لحظة قد أصبح حاكماً لرؤيتنا الواقع نكون قد تخلينا عن الجدل المادي لمصلحة منطق القياس، عدنا قروناً إلى الخلف. القياس هو المنطق الذي كسّره ماركس حين بلور الجدل المادي، وجعله "جيفة". وأبقى من المنطق الصوري، كما فعل هيغل، تحديده الأولي للأشياء والحالات، كي تخضع لفعل الجدل المادي. وماركس كما هيغل أسقط من المنطق الصوري مبدأ القياس، هذا المبدأ الذي يحوّل النص إلى قانون حاكم، ويفرض "قياس الشاهد على الغائب".
إن كل ما كتبه ماركس/ إنجلز ولينين وآخرون هو تراث الماركسية الذي يمكن أن نستخلص منه المنهجية التي لم تصغ بشكل متكامل رغم اجتهادات إنجلز، ورغم ضرورة الاتكاء على هيغل في هذا المجال لأنه من صاغ الجدل. وبغير ذلك نحوّل الماركسية إلى "دين جديد"، لأننا نعلي من أفكار وتصورات وسياسات وتكتيكات وإستراتيجيات، كي تصبح قوانين تحكم صيرورة الواقع، رغم أن كل ذلك أتى في لحظات باتت من الماضي، وأن الواقع تغيّر بشكل أو بآخر.
أكرر الماركسية هي أولاً وبالتحديد الجدل المادي، المنهجية التي بلورها ماركس، وعلى أساسها توصل إلى أفكار وهو يحلل الواقع وقوانين ومصطلحات، وسياسات ثورية. وتبقى هي المنهجية التي علينا تحليل الواقع عبرها، وحيث يمكن أن يؤدي تحليل الواقع إلى الوصول إلى أفكار وقوانين وسياسات ثورية مشابهة، أو نؤسس لأفكار وقوانين وسياسات ثورية أخرى، كما فعل لينين وهو يحلل وضع روسيا، ليتهم بأنه ينحرف عن "الماركسية الأورثوذكسية" بالضبط لأنه ركّز على الثورة وليس على الإصلاح، ولأنه طرح ضرورة أن تقوم الطبقة العاملة بدور قيادي في الثورة الديمقراطية للوصول إلى السلطة وتحقيق المهمات الديمقراطية (راجع كتاب "خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية"). ولم يصل إلى ذلك إلا لأنه انطلق من "الديالكتيك"، بعكس المناشفة عموماً، وحتى كل الأممية الثانية.
هذا ما جعل "من الاشتراكية علماً"، وهو ما يشرحه إنجلز في كتاب "الاشتراكية: الطوباوية والعلم"، حيث يتوصل بأن ما جعل الاشتراكية ممكنة التحقق هو اكتشاف "الديالكتيك"، ووجود البروليتاريا. لقد قال الديالكتيك وليس النصوص التي كتبها ماركس وهو، التي كان يرى أنها تخص واقعاً محدَّداً، وتوصل إلى أن بعضها قد "شاخ". وهذا ما دفع لينين إلى التركيز على ألا يكرر الشيوعيون التجربة الروسية، وأن يدرسوا واقعهم (مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية).
لهذا يا صديقي فإن من يوضع في خانة "ليس ماركسياً" هو من لا يلتزم الجدل المادي، ومن لا يحلل الواقع انطلاقاً منه، ومن يحوّل الماركسية إلى "عقيدة"، حيث في هذه الحالة يكون قد عاد خطوات إلى الوراء، أي ظل متمسكاً بمنهجية كانت سائدة قبل ماركس، وجاءت المنهجية الماركسية لكي تتجاوزها.
 
القسم الخامس: نقد النقد. الرد على رسالة الأستاذ سلامة:
 
تحياتي أستاذ سلامة
اولا: هل هناك تعارض بين المنطق الصوري والمنطق الديالكتيكي؟ أبدا. انها علاقة احتواء وتجاوز وتضمن. فليس خطأ اتباع المنطق الصوري بل الخطأ هو عدم اتباعه اذ في هذه الحالة لا يكون في حديثنا منطقا اساسا ومن أي نوع. (المنطق الصوري = المنطق الاساسي الاولي " الحسابي " الممهد للمنطق الديالكتيكي الموازي ل "الجبر العالي " والجبر لا يلغي الحساب بل يتضمنه حتما والا فهو ليس علم (مثلا التعامل مع التكامل والتفاضل لا يلغي ان 1+1 =2)، ثم هناك الاقتصار عليه وعدم الارتقاء منه نحو الديالكتيك فهذا ايضا خطأ وقصور. فهل فعلا لم اتجاوز المنطق الصوري في نقدي السابق؟ (اخذين بعين الاعتبار ان استخدامه واتباع قواعده بحد ذاته ليس خطأ بل ضرورة). لتكن "ثانيا " كنموذج.
ثانيا: ديالكتيك التعامل مع لينين:
1-     اخذ اللينينة بوصفها رؤية لينين الى الواقع الروسي في حقبة معينة وكفى هو نظرة لا ديالكتيكية باتجاه تطور المعرفة الانسانية (والماركسية بوصفها أحد فروع هذه المعرفة الانسانية في مجال علم الاجتماع والسياسة.) هذه المعرفة العالمية الطابع الكلية والكونية الترابط والمنتقلة ابدا المتقدمة ابدا من جوهر الى جوهر اخر أعمق أكثر تقدما، لا يلغي الجوهر الاول بل يحتويه يطوره، يبسطه، يجعله ادق وأكثر عيانيه. (وهذا هو بالضبط موقع اللينينة ازاء الماركسية، ولذلك نحن ننطلق اليوم من الماركسية – اللينينة، حيث لا نصل الى هذا الاستنتاج الا بالاستناد على المنظور ديالكتيكي للمعرفة الماركسية)
والموقف العلمي الديالكتيكي هنا هو الانطلاق من هذا الجوهر ثم تعميقه هو الاخر المضي منه نحو ما هو أعمق، ما هو أكثر عيانيه، وهكذا الى ما لا نهاية.
2-    عدم تمييز الخاص والعام في اللينينة. هل كلها خاص؟ حسنا إذا لا، اين هو العام؟ إذا كنت انا لم انجح في "التقاط " هذا العام كان عليكم ان تصوبوا وتصححوا عبر تحديده بالذات. اما نبذها بالكامل بوصفها رؤية لينين لوضع روسي فهذا ليس جدلا. وللاختصار نعيد بشكل سريع ما اعتبرناه " عام " اللينينة وجوهرها: محاربة الانتهازية في النظرية في التكتيك وفي التنظيم (الانتهازية المحلية + العالمية) هذه المحاربة التي ادت في نهاية الامر الى استنتاجات عظمى في الميادين الثلاثة. فهل اخطأنا؟
3-     هل الجدل المادي ينطلق من الواقع ...؟ هذه تجريبية ووضعية. الديالكتيك منهج لفهم الواقع. + الافكار + النظريات أي انه ينطلق من الافكار ايضا(يستوعبها جدليا ,يتعامل معها جدليا هي الاخرى) .لن نفهم الواقع اذا انطلقنا من الواقع يجب ان نكون متسلحين بالعتاد النظري العلمي اولا( لن نفهم الواقع الفيزيائي اذا بدأنا من الواقع المباشر بل يجب التسلح بالرياضيات و المنهج العلمي و القوانين الفيزيائية اولا) و اما قولكم " وربما يقود فهم الواقع إلى الاستنتاجات ذاتها التي توصل إليها ماركس أو لينين"    كمثل ان نقول : دعنا نرصد حركة النجوم و الكواكب لاثني عشر عاما  ثم قد نصل الى استنتاجات مشابهة لقوانين نيوتن ! والحقيقة ان هذه القوانين هي ما يجب ان ننطلق منه اساسا لفهم الواقع الفيزيائي لحركة هذه الكواكب إذا كنا نريد الحديث عن عمل علمي جدي. اخذين بعين الاعتبار ان هذه القوانين نفسها، لا تستنفذ حركة الكواكب لذلك وجب الانطلاق منها ومن ثم تطويرها (وهذا ما فعلته "النسيبة العامة" التي هي تطوير للنيوتنية وتجاوز لها بالاستناد عليها)
هذه " الحيادية المعرفية " ازاء " استنتاجات " ماركس ولينين انما هي عودة بنا الى نقطة الصفر! الى التشويش اللاإدري والتجريبي البرجوازي. ماهي الادوات المعرفية التي تقترحون ان نحلل الواقع من خلالها؟ أليست صراع الطبقات؟ أليست قانون النمو المتفاوت؟
ان نقول عن أنفسنا اننا ماركسيين هو ببساطة معناه اننا نستخدم هذه الادوات بالذات لا غيرها لأننا مقتنعين بصحتها وعلميتها وفاعليتها (أي ببساطة استخدام الماركسية في مقولاتها وقوانينها ومنهجها (اذ لا يمكن الاكتفاء بالمنهج وحسب!) كأساس أنطولوجي معرفي). وكما قلت في المرة السابقة من هو غير مقتنع بعلميتها وصحتها وفاعليتها الخ ليس كافر ووو... بل هو ببساطة يضع نفسه خارج الماركسية وانتهينا. ونحن نحترم رايه وكل ما نطالب به في مثل هذه الحالة هو الا يتسمى باسمها ويتحدث باسمها تجنبا لذر الرماد بالعيون!
ثالثا: حول عدم توفر الظرف الموضوعي لنشوء البرنامج والحزب والتنظيم:
 إذاً بحسب رأيكم ان الظرف الموضوعي هو الذي لم يسمح بنشوء التنظيم انه "الميل السلبي " و " الانكماش المجتمعي ". استاذ سلامة ان هذه الاستنتاجات يخطئها الواقع التجريبي : اذ في جميع البلدان العربية وفي نفس الظروف الموضوعية البالغة السلبية كانت الحركات الاسلامية تنشط وبفاعلية وكفاءة و همة عالية من المحيط الى الخليج  مستفيدة من اخطاء الخصوم مستثمرة كل الظروف من العلنية الى البرلمانية الى التنظيمات السرية ..ولم يوقفها الميل السلبي للواقع الموضوعي ولا الانكماش المجتمعي ...اذ ان المشكلة ليست في هذين الاخيرين بل بالضبط في " أن الرؤية والبرنامج ليسا كافيين على الإطلاق" ,عند جميع الماركسيين الذين كانوا ( ولا زالوا ) يقودون النضال . هذا هو السبب في عدم التمكن من بناء التنظيمات الحقيقية، هذا هو السبب في انهم ظلوا لا عبين هامشيين على المسرح السياسي العربي. واما الثورات العفوية فقد امتطاها وقادها الاسلاميون لأنهم كانوا الاكثر همة ونشاطا في تلك الازمنة الغير ثورية بالذات في تلك المراحل "الانكماشية " بالذات.
نحن كماركسيين نحترم الظرف الموضوعي لكننا لسنا "ضحاياه"!
رابعا: حول العدو الذي يداهم البيت:
حسنا قد يكون الاستعداد للغزوة القادمة هو الحل العقلاني الوحيد في حالتنا. فهذه الهزة، هذه الازمة الوطنية العامة، هذه الازمات العفوية التي تنتهي الى الموات والاندثار والسحق بمختلف السبل والاساليب صارت بمثابة " تقليد" في تاريخنا العربي، ولنأخذ المثال السوري هنا: احداث الثمانينات – ازمة التوريث وربيع دمشق – الانتفاضة الكردية – ازمة اغتيال الحريري (كأزمة سياسية عصفت بالبلاد) – انتفاضة 2011.... اليس الحري بنا الان ان نجهز أنفسنا علنا نستطيع اخيرا ان نستفيد من الازمة التالية وان لا نسمح لها بان تمر مرور الكرام! قد سبي بيتنا مرات ومرات ودائما للأسباب نفسها: العفوية التنظيمية والسياسية والنظرية... الانتهازية التنظيمية والسياسية والنظرية. أما آن لنا أن نتعلم؟
 
تحياتي الرفاقية الخالصة
 
 
 
 
 
 
القسم السادس: أرضية برنامج ماركسي ثوري:
(في تلك المرحلة كان الأستاذ سلامة يعمل مع مجموعة من رفاقه المقربين من عدة أقطار عربية على وضع أرضية لبرنامج ماركسي تمهيدا لتأسيس حزب أو حراك يساري عربي النطاق، وقد أرسله لي الأستاذ سلامة استكمالا لنقاشنا وطلب مني ملاحظات سريعة... وهنا نص الأرضية)
أرضية برنامج ماركسي ثوري
نحن في وضع ثوري، ثورات حدثت، لم تنتصر إلى الآن، لكنها مستمرة، وستبقى مستمرة إلى أن تحقق مطالب العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين. بالتالي نحن في صيرورة ثورية بدأت. ولا شك في أن انفجار الثورات قد فتح على إعادة بناء هائلة، في الفكر والوعي، وفي القوى التي يجب أن تقود الثورات إلى الاستيلاء على السلطة من قبل هؤلاء.
لقد كانت الثورات عفوية، بلا بدائل واضحة أو أحزاب تقودها، لهذا جرى ويجري الالتفاف عليها، وحتى محاولة تخريبها، وإلى تشويه طبيعة الصراع بتحويله إلى صراعات طائفية وإرهاب، كل ذلك من أجل طمس مطالب الطبقات الشعبية وإخماد العنفوان الثوري الذي أحدثته. لكنها، كما أنهضت كل مخلفات الماضي، أنهضت كذلك وبالأساس الميل لبناء "العقل" الذي يطوّرها. لقد فتحت على إعادة بناء الوعي الثوري، وعلى السعي لتنظيم الطبقات المفقرة وتوضيح استراتيجية انتصارها. وبالتالي فبعد الموجة الأولى من الثورات انتقل الفعل إلى مستوى حاسم، وربما أهم، هو مستوى الوعي والتنظيم، أي تشكيل المعبّر السياسي عن العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين، الذي يرشدهم لطريق الانتصار. فنحن الآن في لحظة استخلاص الدروس من التجربة الأولى، والنشاط من أجل بناء تجربة أرقى ربما توصل إلى الانتصار، انتصار العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين.
هذا ما يطرح علينا، نحن الماركسيين المعنيين بفهم الواقع وتغييره، أن نتقدم خطوة نحو بناء الحزب الذي ينظم هؤلاء على أساس برنامج بديل واستراتيجية تسمح بتطور الثورة بعفويتها الراهنة إلى ثورة طبقية حقيقية تقود إلى إسقاط الرأسمالية المسيطرة ونمطها الاقتصادي الريعي وسلطتها الاستبدادية وتبعيتها للمراكز الإمبريالية، لمصلحة سلطة تعبّر عن العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين، وتؤسس لنمط اقتصادي منتج، ويحقق مطالب هؤلاء، وأيضاً يفتح للانتقال إلى الاشتراكية.
1)
الثورات هي ثورات اجتماعية، هي بالأساس ثورة المفقرين، من العمال والفلاحين والفئات الوسطى المدينية. هي ثورة نتجت عن البطالة والفقر والتهميش، عن تمركز الثروة بيد أقلية تحكم عبر سلطة استبدادية، وتحكم أمني، وتبعية للمراكز الإمبريالية. فالرأسمالية المهيمنة هي جزء تبعي في منظومة النمط الرأسمالي تنحكم لمصالح الطغم المالية الإمبريالية، ولهذا فتحت البلاد واسعاً لنشاط تلك الطغم الذي يتسم بالنهب، ويدفع لمركزة النشاط الاقتصادي في كل ما يساعد على المضاربة، والاستثمار السريع لجني الأرباح الكبيرة. وهو الأمر الذي فرض نشوء اقتصاد ريعي يتمحور النشاط فيه في قطاعات لا تنتج فائض قيمة بل تعتمد على الريع، وهي قطاعات الخدمات والعقارات والسياحة والاستيراد والبنوك وأسواق الأسهم. وهي القطاعات التي تستطيع استيعاب جزء من القوى العاملة محدود، لهذا ومع انهيار الصناعة والزراعة جرى تهميش الأغلبية المجتمعية، وهو ما جعل نسبة العاطلين عن العمل مرتفعة، وكذلك نسبة الذين ينشطون في أعمال هامشية، وفي "الاقتصاد الأسود". لكن تمركز الثروة فرض توسّع الإفقار وتعميمه ليطال ليس العمال والفلاحين الفقراء، وحتى المتوسطين فقط، بل كذلك الموظفين والمدرسين والحرفيين في المدن، وقطاع كبير من المهنيين (الأطباء والمهندسين والصيادلة والمحامين، والكتاب والصحفيين).
بهذا تشكّل التكوين الطبقي من طبقة عاملة مفقرة، ومن فلاحين فقراء، ومن فئات وسطى مفقرة، ولكن أيضاً من فئات مهمشة من العاطلين عن العمل والمشردين والذين يعملون في أعمال هامشية. وكل هؤلاء هم من أشعل الثورات، وكان الفاعل فيها، والذي هو من سيحدد مصيرها.
نعلم بأن هناك فئات وسطى محورت مطالبها حول تغيير شكل الدولة لكي تكون دولة ديمقراطية، ورفعت شعار الحرية كأولوية وكأساس، وأي ثورة اجتماعية لا بد لها من أن تحمل في مطالبها بناء دولة علمانية ديمقراطية، فالدولة يجب أن تكون متضمنة كل القيم الحديثة، وحيث ليس من الممكن أن نتجاوز تحقيق العلمنة لتجاوز الماضي الذي لا زال يحكم الحاضر ويسدّ أفق المستقبل، أو تحقيق ديمقراطية الأغلبية الشعبية، واكتساب كل قيم الحداثة التي طورها الفكر وطورتها التجربة في القرنين السابقين. فالتطور يجب أن يتضمن كل مكتسب إنساني. لكن المسألة هنا تتمثل في مصالح أي الطبقات يجب أن تحكم الدولة؟ هل مصالح تلك الفئات التي تسعى لانتصار رأسمالي أو مصالح العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين؟ الخلاف هنا طبقي، ويتعلق بطبيعة النمط الاقتصادي الذي يجب أن يسود، والمصالح الطبقية التي يعبّر عنها. ولكن أيضاً الخيار الذي يحقق ذلك، حيث ليس من ديمقراطية ممكنة في ظل اقتصاد ريعي، وليس من الممكن أن تنتصر رأسمالية منتجة في عالم تسيطر فيه الاحتكارات، وتتحكم في مسار طعم إمبريالية.
هذا الأمر يطرح السؤال حول من يجب أن يلعب الدور الفاعل والمركزي في الثورات؟ أي الطبقات هي التي يجب أن تقود الثورة؟ وهو الأمر الذي يلقي علينا عبء الشغل على تنظيم العمال والفلاحين الفقراء، وتوضيح بديلهم وإستراتيجيتهم. فتغيير شكل الدولة لكي تكون دولة ديمقراطية مع إبقاء النمط الريعي لا يفضي سوى إلى كاريكاتور ديمقراطي مع استمرار استبدادية الرأسمالية المسيطرة، بالضبط كما كان في تجارب جرت في ظل النظم الرأسمالية ذاتها. إن تغيير الشكل لا يفضي كذلك إلى تغيير النمط الاقتصادي الريعي، ولا تحقيق مطالب العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين. وفي ظل الوضع الثوري ستسقط النظم التي تحاول تلك الفئات الوسطى بناءها، ويظل الصراع قائماً، بالضبط لأن تغيير الشكل دون تغيير كلية البنية الاقتصادية الطبقية يبقي الاحتقان الطبقي قائماً، ولا يفضي إلى "قبول" تلك الطبقات بذلك لأنها لم تغيّر وضعها.
الثورة اجتماعية، واستمراريتها سوف تعمّق من طابعها الاجتماعي، وتوضّح الجذر الذي قامت عليه. وبالتالي سوف تهمّش كل الميول الليبرالية/ الديمقراطية التي تحاول السطو على الثورات.
2)
والثورات عفوية بالضبط لأنها انفجرت في لحظة انهيار اليسار بمختلف تلويناته، وتسليمه القياد للإسلام السياسي، سواء تحت حجة الديمقراطية، أو تحت حجة الصراع ضد الإمبريالية والصهيونية. لهذا كان من سيطر بعد الثورات هو الإسلام السياسي، وبدا اليسار كهوامش لا فعل له ولا وزن، وفي الأخير محور صراعه ضد الإسلام السياسي ليلتقي مع "النظام القديم" وليبرر الالتحاق به بالخوف من سيطرة الإسلام السياسي ذاته. وبعد أن كان يعلي من قيمة "الديمقراطية"، ويعتبر أنها "المسألة المركزية"، بات يعتبر أن صراع الدولة المدنية ضد الدولة الدينية هو "المسألة المركزية"، بعيداً – كما في السابق – عن مطالب الطبقات الشعبية، وبتجاهل شديد لها.
كانت الأحزاب الشيوعية قد شاخت منذ أمد بعيد، ولحقها "اليسار الجديد". ولقد كان منظورها قبيل الثورات يتمثّل في إيجاد "ملجأ" في ظل مستوى "ديمقراطي" تسمح به النظم هو أقرب إلى المتنفس لها. ولقد تقوقعت وانحصرت في أجيال هرمة (ربما رغم تاريخها النضالي)، وبانقطاع عن الأجيال الجديدة التي كانت تعيش مأزق فقدان العمل أو تدني الأجر، وكذلك التهميش الثقافي والقمع المجتمعي. ولهذا "هربت" من السياسة، لكنها هي التي صنعت الثورات حين لم تجد بديلاً عن التمرّد، فتفتتح مرحلة جديدة من الفعل الثوري هو خارج قدرات تلك الأحزاب، وخارج منظورها أصلاً.
هذا الأمر كان يُظهر قصور رؤيتها، وابتعادها عن "الروح الثورية"، وسوء فهمها للواقع، وكذلك انقطاعها عن الطبقات التي تقول إنها تمثلها. فقد أصبحت تمثّل فئات وسطى تحلم بقدر محدود من الحرية، وتدين الثورة والتغيير والسعي لتجاوز الرأسمالية.  ولقد انخرط قطاع كبير منها في اللبرلة، وفي التكيّف مع العولمة، غارقاً في "خطاب الحرية والديمقراطية" الذي عممته الطغم الإمبريالية كمعبّر عن "العصر الجديد".
كل ذلك، بعد سياسة مبنية على الأخطاء في الرؤية والتكتيك خلال عقود عديدة سابقة، كانت توضّح أنه ليس الماركسية هي المنظور الذي يحكم رؤيتها وفهمها للواقع، وأنها لم تعرف منها سوى مصطلحات وشعارات وأفكار مجتزأة، ورؤية صيغت عبر "الماركسية السوفيتية"، هذه الماركسية التي تشوهت إلى حدّ أنها اعادت إحلال المنطق الصوري، ومبدأ القياس بديلاً عن الجدل المادي الذي هو أسّ الماركسية وأساس تشكلها كمنظومة وقوانين. لهذا كانت مع "التطور التراكمي" ولم تكن مع الثورة، ومع الاحتجاج من أجل تحقيق هذا "التطور"، ومع انتصار الرأسمالية وليس مع تجاوزها. مع النضال المطلبي وليس مع الصراع الطبقي، هكذا باختصار.
لهذا لم يكن أيٍّ منها يتوقع الثورات، لأنه بالضبط لم يكن يلمس مشكلات الطبقات الشعبية، وحاولت أن تستفيد منها للانخراط في المسار السياسي الذي كان يوحي بتحقيق الديمقراطية، لكن كثير منها هرع لكي يختبئ في ظل دكتاتور حين وجد أن الديمقراطية تأتي بالإسلام السياسي، وأيضاً أن الثورة تتجذر بما يفرض جعلها جميعاً من الماضي كما النظم ذاتها، والطبقات الرأسمالية المسيطرة ذاتها. الآن أصبحت كل هذه الأحزاب من الماضي، فقد تعمق المسار الثوري وتقدم كثيراً، تاركاً لها أن تموت بهدوء، معيداً رفع شعار ماركس: دع الموتى يدفنون موتاهم.
3)
نحن في وضع ثوري، ثورات حدثت وأسست لهذا الوضع. لقد تفجّر الصراع الطبقي على شكل انتفاضات شعبية فرضت سقوط الرؤساء في بعض البلدان والى صراع طويل في أخرى، لكنها لم تحقق التغيير الذي يفرض حل المشكلات المجتمعية وتحقيق مطالب الطبقات المفقرة، التي هي أساس الثورات. بالضبط لأنها دون أحزاب، ومنظور سياسي، وبديل مجتمعي، حيث تحتاج لكي تنتصر إلى كل ذلك. هذا ما أوهم أنها فشلت، لكن الأمر الذي حققته هو أنها فتحت على وضع ثوري، على صراع طبقي متأجج ومستمر، وعلى عدم استقرار بالضرورة. حيث نشهد حراكاً شعبياً مستمراً، وهو ما يظهر في تصاعد الإضرابات وأشكال الاحتجاج المختلفة رغم محاولة ضبط السلطة لـ "الشارع" عبر تشديد أمني وتصعيد في القمع.
بالتالي لقد انتقلنا إلى وضع ثوري يتسم بحراك شعبي، واستمرار للاحتقان، وبحث عن كيفية تطور الحراك لكي يحقق المطالب الشعبية، وكشف لتكتيكات السلطات ولهزال الأحزاب، وفهم للتجربة وتخمّر في الوعي. هذا مستوى مهم وحاسم، وهو السياق الذي سوف يفضي إلى تحقيق "النقلة النوعية" في الثورة. حيث أنها فتحت على ممكنات كبيرة، وعلى حتمية بناء البديل. لم يعد الأمر احتمالاً بل بات ضرورة، وأصبحت إمكانيته قائمة. حيث أن الانخراط في الثورة قاد إلى أن يتصاعد الإحساس بضرورة الوعي/ الفكر، وضرورة الرؤية، بعد أن اكتشف الشباب الذي دخل معمعان الثورة دون وعي سياسي او منظور فكري أن عليه الخروج من "العماء" الذي حكمه نتيجة جهل السياسة ونقصان الوعي وغياب الفكر، والذي كان الواقع يفرضه.
ولقد أدت الثورة إلى هزّ السلطة التي كانت تبدو كلية الجبروت، وفتحت على تفككها، حيث بات يخترقها الصراع الطبقي، وتتفكك منظومتها، وتنهار رمزيتها، وتسقط "أيديولوجيتها". السلطة فقدت تماسكها، وباتت تعاني التناقض والتنافس بين ميولات متعددة لأطراف في بنية بيروقراطيتها وأجهزتها. إن جزءاً أساسياً من هذه البنية يتشكل من فئات اجتماعية مفقرة أو تعاني من السطوة التي تفرضها السلطة ذاتها. كما يطلق ضعف السلطة تنافس شرائح الطبقة المسيطرة التي يسعى كل منها للسيطرة الأشد. الثورة إذن، أوصلت الصراع الطبقي إلى بنية السلطة ذاتها، وفتحت على زيادة في الضعف والتفكك.
لكن، إن انتصار الثورة يفرض وجود الحزب، الحزب الذي ينظم العمال والفلاحين الفقراء على أساس رؤية وإستراتيجية وبديل مجتمعي. هذا الأمر هو الذي يطرح السؤال: كيف يُبنى الحزب؟ كيف يُبنى في خضمّ الثورة، في الوضع الثوري القائم؟ وما هي سماته وطبيعته؟ وما هي رؤيته وبرنامجه؟ هذه المسائل التي يجب أن تحظى بالأولوية الآن، فقد حدث الانفجار العفوي وعلينا الآن أن نؤسس الوعي المطابق، والبنية التي تفضي إلى تجاوز العفوية وتنظير الممارسة، ودراسة الخبرات، وتأسيس منظومة الوعي والبنية التنظيمية اللذين يحوّلان العمال والفلاحين الفقراء إلى قوة هائلة تسمح لها ان تكون قيادة الثورة، وتمهد لاستلامهم السلطة.
يجب أن نبني الحزب في الثورة، في الصراع اليومي، وفي الحراك الشعبي، في الإضرابات والتظاهرات، وفي كل أشكال الاحتجاج. في كل ذلك لا بد من أن يُبنى الحزب الماركسي، حزب العمال والفلاحين الفقراء. ولا بد من بناء رؤية فكرية وخطاب وإنتاج البديل المجتمعي، وتحديد الإستراتيجية والتكتيكات. كذلك تنظيم العمال والفلاحين الفقراء في كل الأشكال الممكنة. وأيضاً بناء الكادر الذي يستطيع أن يكون قوة فعلية في الصراع الواقعي. لا بد من تشكيل "مدارس" بناء الوعي الماركسي، وكذلك لفهم الواقع.
4)
يمكن هنا أن نحدد ثلاث مستويات لا بد من الحسم فيها كبداية ضرورية، وكمنطلق لتأسيس جديد يتجاوز ما ساد في العقود الماضية وينطلق من فهم الواقع.
المستوى الأول يتعلق بالماركسية ذاتها، هل نتعامل معها كمنهجية ومنطق تحليل وفهم وتأسيس، أم أيديولوجية تبلورت في شكل ما في القرن العشرين وما علينا سوى "تطبيقها"؟ بالتالي الدخول في التشققات التي حكمتها أو تأسيس الرؤية والتصورات والنظرية انطلاقاً من فهم الواقع اعتماداً على الجدل المادي؟ هل نعتبر أنها عقيدة علينا الالتزام بها أو منهجية لتحليل الواقع لا بد من تملّكها لكي ندرسه؟
يمكن القول بأن ما هو قائم، في الغالب، هو الانطلاق من تحويل الماركسية إلى عقيدة (أيديولوجية)، وبالتالي الانطلاق من التشققات السابقة، والتزام هذا التيار "الماركسي" أو ذاك، وفي ذلك الانطلاق من أيديولوجية مبلورة في زمن تجاوزه الزمن، باتت بالتالي من الماضي. تريد عكس الماضي على الراهن، فرض انحكام الراهن للماضي. هذا ما يجب تجاوزه لأنه يعبّر عن استمرار المنطق الصوري، حيث يجري قياس الواقع على منظومة مسبقة هي نتاج ماضٍ مضى.
بالتالي لا بد من العودة إلى ماركس، وأخذ جوهر ما أتى به وسمح له بأن يؤسس كل هذا البناء الفكري العظيم، والجوهر في الماركسية هو منطق التفكير الجديد: الجدل المادي.
المستوى الثاني يتعلق بالرأسمالية، هنا هل ستبقى الرأسمالية هي السقف الذي ننشد التغيير تحته، أو أن المطلوب هو تجاوز الرأسمالية؟ هذا مفصل مهم لأنه يحدد السياسات والتحالفات. لكن هل أن تجاوز الرأسمالية يعني تحقيق الاشتراكية؟ كانت هذه الثنائية: رأسمالية/ اشتراكية هي التي تحكم الرؤية، وهي مجال صراعات و عنصر انشداد في صفوف كل الذين يرفعون راية الماركسية. التيار الأكبر يؤسس على أن التطور لم يتجاوز بعد الرأسمالية ولهذا لا بد من استكمال "مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية"، بينما يأتي الرد بالتأكيد على أن الاشتراكية هي الهدف الراهن.
ولا شك في أن النقاش حول ذلك اتخذ شكلاً "نصياً" أكثر مما تناول الواقع، وتأسس على هذه الثنائية دون لمس تعقيد الواقع، وتعقُّد صيرورة التطور وتراكبها. فالواقع يشير بالضرورة إلى عجز الرأسمالية عن تحقيق التطور، بل أنها هي التي تكرس الواقع القائم، وهذا يعني ضرورة تجاوزها. وهنا تجاوزها لتحقيق المهمات التي يطرحها الواقع، الذي لا زال "سابقاً للرأسمالية" باعتبار أن الرأسمالية قد أسست لنشوء الصناعة وتحديث الزراعة، وأعادت بناء المفاهيم والوعي والبنى لتجاوز الوعي والبنى القديمة (الإقطاعية). بالتالي فإن تحقيق المهمات الديمقراطية (كما أسماها لينين) هو المطلب الواقعي، وهو الضرورة.
هذه الوضعية تفرض علينا أن نعالج هذا الواقع المركب، الذي لا يقوم على مبدأ: إما/ أو، حيث أن الواقع لا زال يفرض تحقيق ما حققته الرأسمالية في المراكز، لكن في لحظة تخلي الرأسمالية في الأطراف عن ذلك. هذا الأمر يلقي على العمال والفلاحين الفقراء هذه المهمة الكبيرة لكي يستطيعوا تأسيس الوعي والبنى والنمط الاقتصادي الذي يسمح بتحقيق الاشتراكية.
المستوى الثالث يتعلق بطبيعة الحزب، هل نحن معنيون بتأسيس حزب طليعة، طليعة الطبقة، أم أننا معنيون بتأسيس حزب الطبقة، تنظيم الطبقة في حزب؟ الفكرة التي سادت سابقاً كانت تنطلق من أن الحزب هو "طليعة الطبقة"، وهذا ما كان يسمح بانفصال الحزب عن الطبقة لأنه "مميز" عنها، وهو الذي يخوض الصراع السياسي "نيابة عنها"، ويعتقد أنه يقرر الصراع ولا بد لها من أن تلحق به، ان تدعمه، أن تنجرّ خلفه.
هذا منظور ينبني على "صورة البطل"، البطل المحرِّر، والبطل الذي يحقق المطالب، بينما الأمر يعاكس ذلك، لأن الصراع هو صراع طبقي بالأساس وليس صراع أبطال (حتى وإنْ اتخذ شكل حزب)، فذاك منطق مثالي يراهن على البطل والماركسية تنطلق من صراع الطبقات. لهذا فالحزب هو حزب طبقة، هو الطبقة منظمة، لكي تخوض الصراع الطبقي بشكل واعٍ. بالتالي ما هو ملقى علينا كماركسيين هو كيف ننظم الطبقة؟ وكيف نبلور الرؤية والإستراتيجية والمشروع البديل بالتفاعل معها؟ وكيف نستطيع تحقيق التطور المتدرج في وعيها لواقعها ومصالحها وكيف تتحقق هذه المصالح؟ بالتالي كيف تستطيع الاستيلاء على السلطة لكي تحقق بديلها؟
فِعْلُنا إذن هو بين العمال والفلاحين الفقراء، في وسطهم، في مواقع عملهم، وبين أحيائهم، وكل تجمعاتهم. كل ذلك لمساعدتهم على تأسيس الهيئات واللجان والتجمعات والمؤسسات التي تطرح مطالبهم وتنظم نشاطهم، وفي الوقت ذاته تسمح بأن يكتسبوا الخبرة ويطوّروا وعيهم، بما يجعلهم قادرين على قيادة الثورة إلى الانتصار واستلام السلطة.
لسنا "طليعة" تخوض الصراع السياسي باسمهم، نحن نخوض الصراع الطبقي معهم بكل أشكاله الضرورية لكي ينتصروا. هذا هو منظور ماركس، إنجلز ولينين، المنظور الماركسي الذي يجب أن ننطلق منه.
المستوى الرابع يتعلق بالاستراتيجية التي علينا خطها، من حيث المبدأ هل نرى أن التغيير الذي يحقق مطالب العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين يتأتى بشكل ارتقائي تدرجي إصلاحي أو لا بد من المسار الثوري؟ أي ثورة أم إصلاح؟ كان المنظور في الغالب إصلاحي تدرجي، خصوصاً في العقود الأخيرة حيث جرى نفي ضرورة الثورة بحجة أن التطور "العالمي" قد تجاوزها، وأن "الحضارة الرأسمالية" قد ارتقت إلى مرحلة "النضال السلمي" و"اللا عنفي". لكن الواقع كذّب كل ذلك بعد أن انفجرت الثورات في الوطن العربي، وأصبحت الثورة "أمراً واقعاً". وبعد أن دخلنا في صيرورة ثورية لن تتوقف قبل أن تحقق التغيير.
لكن تأصُّل المنظور الإصلاحي، وطغيان الميل "الديمقراطي"، فتحا على استمرار النظر للواقع انطلاقاً من الأسس ذاتها، أي من أن "المسار الديمقراطي" هو الطريق الضروري لتحقيق "التغيير"، التغيير الذي لا يخرج عن "حتمية" استمرار الرأسمالية. وبالتالي تأسيس "نظام ديمقراطي" على أرضيتها.
لهذا فإن الأمر هنا يتعلق بالسؤال هل ننطلق من أن الوضع ثوري ويحتاج إلى سياسة ثورية، أم أن الثورة "حققت اهدافها" ودخلنا في مسار ديمقراطي يجب أن ننخرط فيه؟
ما نقوله هو أن الوضع ثوري وهذا يفرض أن نبلور سياسة ثورية. نحن في لحظة ثورية يجب أن ندفعها إلى النهاية، حيث تنتصر الطبقات الشعبية بقيادة العمال والفلاحين الفقراء.
انطلاقاً من ذلك، وتأسيساً على فهم ماركسي للواقع، لا بد من أن نبلور منظورنا، وان نصيغ رؤيتنا، وأن نضع البديل الذي يعبّر عن مصالح الطبقات الشعبية بقيادة العمال والفلاحين الفقراء.
5)
الآن، لا بد من تحديد أسس نظرية، وأخرى سياسية، وثالثة عملية، لكي تمثّل رؤية جديدة وتكون أساساً لتأسيس جديد. لا بد من تجاوز كل مشكلات الماركسية القديمة، وكذلك مشكلات الرؤية التي حكمت الأحزاب التي نشأت واستمرت عقوداً دون أن تحقق نتائج، رغم أن أهمية الحزب ترتبط بالحاجة العملية له في لحظة معينة. فتشكّله يعبّر عن تحقق النقلة النوعية في الصراع الطبقي، النقلة التي تجعل إمكانات الانتصار قائمة. ولأن الوضع ثوري فنحن بحاجة لأن يتأسس الحزب الذي يحقق هذه النقلة. وللوصول إلى ذلك لا بد من البدء من الأساس، أي من الماركسية ذاتها، حيث لفهم الواقع بشكل علمي، ومن ثم تحديد السياسات والتكتيكات التي تفضي إلى الانتصار، لا بد من البدء من أس الماركسية: الجدل المادي.
أولاً نحن ماركسيون، لكن الماركسية بالنسبة لنا هي منطق تفكير، منهجية، هي الجدل المادي. حيث أن ما سمح لماركس أن يؤسس لرؤية جديدة، وان يتوصل إلى قوانين وسياسات جديدة، هو توصله إلى بلورة منهج تفكير جديد اعتماداً على جدل هيغل والميل المادي الذي كان فورباخ آخر منظريه. لهذا مَنْ يريد أن يكون ماركسياً عليه أن يتمثّل هذه المنهج، وأن يمتلك المقدرة على التحليل عبره. وخارج ذلك ليس من ماركسية، ولا يمكن ان يكون ماركسياً من لا يستطيع ذلك. هذا مفصل حاسم يميّز بين المادية والمثالية، بين الجدل والصورية، بين استمرار إتباع منطق قديم متوارث وآخر جديد تبلور مع ماركس بالتحديد.
في التاريخ العالمي هناك منطق أرسطو (المنطق الصوري)، وجدل هيغل، ثم الجدل المادي الذي تضمّن جدل هيغل، هذه هي المنهجيات الكبرى في التاريخ، وليس من منهجية أخرى، ربما إلا استنساخاً من هذه أو تلك. وإذا كان الجدل المادي (وأصلاً جدل هيغل) يعتمد المنطق الصوري كبداية تتعلق بتحديد الماهيات، فقد أسس لمنظور مركب ومتعدد لفهم الواقع. ولأنه الواقع في صيرورة كما يقرر المنهج ذاته فإن علينا أن نفهم الواقع في كل لحظة، أي ألا نركن إلى رؤية تبلورت في لحظة معينة لنعتبر أنها مستمرة ويجب "تطبيقها" على الواقع، لأن في ذلك عودة إلى المنطق الصوري الذي يقوم على مبدأ الهوية من جهة وعلى مبدأ القياس من جهة أخرى. لينحكم الواقع لـ "عقيدة" محدَّدة مسبقاً، ويقاس عليها، وبالتالي ليخضع لـ "مشيئتها".
عظمة ماركس نبعت بالأساس من تأسيسه منهجية جديدة قبل أن نتناول تحليله للنمط الرأسمالي واكتشافه لقانون فائض القيمة، أو حديثه عن نمط الإنتاج وعن الصراع الطبقي، وعن الدور الحاسم للاقتصاد، هذه الفكرة هي التي أسست للفهم المادي الذي تضمنه الجدل المادي.
يجب أن نبدا من الجدل المادي إذن، فهذا أس الماركسية، الذي يمكن أن يسمح لنا فهم ماهية الماركسية، وما هو قانون فيها وما بات من التاريخ، ما يمكن أن يساعد في التحليل وما فقد كل قيمة له. وبالتالي، انطلاقاً منه، يمكن توظيف كل ما أضافته الماركسية حين تحليل الواقع. لكن هنا يجب التمييز بين المنهجية والمصطلحات والمفاهيم والقوانين، وأيضاً التصورات والتحليلات التي قدمها ماركس أو إنجلز أو لينين (وحتى آخرين طبعاً). حيث يجب أن يخضع كل ذلك للمنهجية ذاتها، ولمستويات تحليل الواقع (المستويات: الاقتصادي، الاجتماعي، الأيديولوجي، والسياسي).
هذا يعني ان نعتبر كل تحليلات ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي وماو وستالين وكاوتسكي وكل الآخرين جزءاً من التاريخ، الذي يُستفاد منه في فهم كيفية تحليل كل هؤلاء للواقع، وبالتالي تلمّس فِعل المنهجية في تحليل الواقع. لكن كذلك لكي يكون ممكناً دراسة تاريخ الماركسية، وكشف أخطائها. وأيضاً لإعادة بناء المنهجية ذاتها، وتوضيحها وتطويرها.
نحن نولي المنهجية: الجدل المادي، كل الأهمية لأنه كما أشرنا هو أس الماركسية، أساس تشكيل رؤية جديدة للعالم، وفهم جديد للواقع والوقائع، ولأنه الواقع "مجرّداً"، أي أنه الصيرورة التي تعني الحركة الدائبة المتطورة، مصاغة في "شكل تجريدي" عالي التجريدية. وهو لذلك بالضبط موجه البحث في الواقع، والكاشف عن كل بنياته ومستوياته، وفي تحديد ماهيته المتغيرة بشكل مستمر. هو التجريد المناقض لـ "الواقع" ("المادي")، الظاهر، الشكل الذي نراه، المنحكم للمنطق الصوري. وحيث يتشكل عبر هذا التناقض من خلال التحليل الفهم الحقيقي للواقع. بالضبط كما بحث ماركس مسألة السلعة لكي يتوصل إلى قانون فائض القيمة.
ثانياً المنظور السابق يفرض أن نتجاوز "الماركسيات" التي تشكلت خلال القرن العشرين. فنحن نعود إلى ماركس، لكن ليس إلى "كل ماركس" (أي إلى كل الأفكار والتحليلات التي قدمها) بل إلى أهم ما أضافه، وهو كما أشرنا: الجدل المادي. هذه العملية تعني "استعادة الأصل" بعد ان تفكك إلى شتات، باتت تحلّ محله. وهذه العودة لا تعني تجاهل كل الأفكار والتجارب التي نشأت، أو تجاهل كل الإضافات التي قدمها مفكر ماركسي أو آخر، بل تعني البدء من البداية معززة بكل هذا التراث لكي تُعاد صياغة الرؤية التي تخص الواقع القائم الآن، وهي الصياغة التي لا تتحقق دون الجدل المادي اصلاً.
لقد تفككت الماركسية إلى "عقائد"، إلى "بنى فكرية" باتت هي موجه النشاط للتيارات المختلفة، وبهذا تهمّش الجدل المادي، لأن "قوانين"، وتصورات مسبقة باتت تحدد الواقع، بات يقاس الواقع بها. لهذا نجد أن لدى كل تيار "مفهومات أساسية"، "مفهومات مفصلية" تحكم هي بالتحديد رؤية الواقع. بات الواقع يقاس عليها. وهذا هو المنطق الصوري بالتحديد، بالتالي بدل الجدل المادي حل من جديد المنطق الصوري. هنا عادت إلى ما قبل الماركسية. باتت ذو "مظهر ماركسي" لكنها في الواقع تنحكم للمنطق الصوري وللفهم المثالي. هنا نجد كيف أن المنطق الصوري قد أعاد بناء ذاته متغلفاً بـ "الماركسية"، لكن في أشكال متعددة، متضادة وفق منظور المنطق الصوري، ومترابطة في الوقت ذاته. بحيث باتت ثنائيات متحدة ومتناقضة، كما يؤسس مفهوم الهوية في المنطق الصوري.
بالتالي، لا بد من تجاوز كل التبلورات التي نشأت في القرن العشرين، "الاشتراكية الديمقراطية"، التروتسكية، الستالينية (أو الماركسية السوفيتية)، والماوية كذلك. ويجب ألا نعود إلى "تقليد" هذا المفكر أو ذاك، أو هذا التيار أو ذاك، فليس من خيار لبلورة فعل ماركسي حقيقي سوى بالعودة إلى ماركس، إلى الجدل المادي، مع الاستفادة من كل ما هو علمي لدى كل هؤلاء، ورفض منطق التحريف والاتهام بالتحريف، أو رفض الاضطلاع وفهم كل ما كتب كل هؤلاء. فنحن نرفض أن تحلّ "منظومة فكرية" جديدة محل الجدل المادي لكننا مع المعرفة والفهم ودراسة صيرورة تطور الفكر في حركته التناقضية.
نسعى لإعادة فهم العالم على أساس الجدل المادي، وعلى أساسه نعمل على تحديد الفاعلية والسياسات، وفهم دورنا في الصيرورة التي تعني حركة الواقع التي تقوم على صراع الطبقات. بالضبط من أجل أن ينتصر العمال والفلاحين الفقراء، وأن يتحقق التطور الضروري الموصل إلى الاشتراكية.
ثالثاً إن كل ذلك يفرض علينا تأسيس الرؤية عبر فهم الواقع وليس عبر الانطلاق من تصورات وأفكار مسبقة. لقد كانت "العقيدة" جاهزة لكي يجري تحديد الواقع، وتحديد السياسات الضرورية فيه، لهذا كان الخلاف بين التيارات التي تفككت الماركسية عبرها هو خلاف "أيديولوجي"، أو خلاف بين "عقائد"، وليس خلافاً على فهم الواقع، حيث كان الواقع يُستدعى لتأكيد فكرة أو نفي أخرى فقط. ولهذا ظل يتكئ على صراعات الماضي، ظل ماضوياً، يعيد إنتاج خلافات حدثت قبل قرن، ويعتقد أنه يخوض الصراع من أجل الراهن. وحتى دون فهم لماذا حدثت تلك الخلافات، وما هي ظروفها، وما أفرزه التاريخ، ما أفرزته التجربة من صحة أو خطأ هذه الفكرة أو تلك من الأفكار التي شكلت تلك "العقائد".
ليست تلك "العقائد" قوانين تحكم الواقع وإلا ظللنا ننحكم للمنطق الصوري، حيث نقيس الواقع على أفكار مسبقة. لقد نتجت عن تحليل للواقع في لحظة ومكان معينين، بغض النظر عن صحة التحليل أو خطئه، وبالتالي باتت بالضرورة من الماضي لأن الواقع "في صيرورة" وفق الجدل المادي، أيضاً بغض النظر عن التشابه الممكن، أو عن توافق النتائج، فهذا التراكم في "التوافق في الحليل" يمكن أن يوصل إلى بلورة قوانين جديدة، لكن بعد تكرار متعدد للظاهرة وللنتائج. ولتحليل الظواهر لا بد من الاعتماد الكلي على الجدل المادي وليس على تلك النتائج.
هنا نعود للتأكيد أنه من أجل بلورة رؤية جديدة لا بد من فهم الواقع انطلاقاً من الجدل المادي. طبعاً بعيداً عن كل تلك "العقائد" و"الأيديولوجيات المحددة مسبقاً". حيث أن لكل واقع "أيديولوجيته" التي يجري التوصل إليها عبر فهمه انطلاقاً من الجدل المادي. فالنظرية هي الواقع مصاغاً في الفكر، وليست الأفكار المسبقة. والأيديولوجية هي "الوعي المطابق" للطبقة العاملة في مكان وزمان معينين وليست الأفكار المصاغة مسبقاً كذلك، رغم التشابه أو التقاطع أو حتى التوافق، الذي يظهر بعد تحليل الواقع وليس عبر "السحب الميكانيكي" للأفكار.
بالتالي من أجل تجاوز "الماركسيات" التي تتمظهر في تيارات متعددة لا بد من تجاوز "العقائد" التي تقوم عليها والعودة إلى الجدل المادي كمنهجية لتحليل الواقع وتأسيس الرؤية التي يجب أن يتدخل الماركسيون عبرها في مسار الصراع الطبقي من أجل انتصار العمال والفلاحين الفقراء.
6)
إن تمثّل الماركسية كمنهجية تتعلق أولاً بالماركسيين، إنهم "الفئة" التي عليها أن تطور وعيها ومقدرتها النظرية، وقدرتها على إنتاج الفكر عبر تحليل الواقع وفهمه وفهم آليات تغييره. وغالباً هؤلاء هم من الفئات الوسطى، حيث يستطيعون التثقُّف والحصول على المعرفة أكثر من المفقرين. لكن هذا الأمر يفرض أن يقود تمثّل الماركسية إلى أن يستطيعوا الانتقال بوعيهم من كونهم فئات وسطى إلى كونهم جزء من العمال والفلاحين الفقراء، وأنهم معنيون بمصالح هؤلاء وليس بمصالحهم الطبقية كونهم من الفئات الوسطى. وهذا يفرض تعميق الوعي بالماركسية، والمقدرة على إعادة بناء الوعي والسلوك والانتماء، بما يجعلهم جزءاً من العمال والفلاحين الفقراء. هنا للوعي وارتقاء الوعي أهمية حاسمة من أجل حسم الانتماء، والتحليل انطلاقاً من مصالح العمال والفلاحين الفقراء دون السماح لتأثير الانتماء "السابق" بان يحكمه. إن كثير من "الأخطاء"، والتحليلات المشوشة، والمواقف المرتبكة، و"الانحرافات"، تنبع من عدم المقدرة على القطع مع المصالح الطبقية السابقة، وبالتالي إدخالها في منظومة التحليل الذي يتخذ شكلاً ماركسياً.
لا شك في أن الوضع الذي يحكم العمال والفلاحين الفقراء لا يسمح لهم بتكوين وعي يطابق مصالحهم، لديهم "الحس السليم" الذي يحركهم للدفاع عن مصالحهم، معرفة مطالبهم ومعرفة "عدوهم"، والسعي للمطالبة بوضع أفضل. ولهذا يبقى نشاطهم "مطلبياً"، وأيضاً انفجارياً حين لا تعود الحياة ممكنة. لكنهم في هذه وتلك لا يمتلكون المقدرة على تحديد كيف تتحقق مطالبهم، لا يتوصلون إلى تحديد البديل المعبّر عن مصالحهم والمحقق لها. هذه الحالة هي التي تفرض "إدخال الوعي من الخارج" كما قال كاوتسكي ثم لينين، وما شرحه أصلاً إنجلز في كتابه "الاشتراكية: الطوباوية والعلم". وهنا تكمن حساسية ودقة دور "الفئة الوسطى" التي تعتنق الماركسية، وخطرها كذلك. وهو الأمر الذي يعطي أهمية حاسمة لتمثّل الماركسية كمنهجية، وحسم النظر الطبقي لدى تلك الفئة التي تبدأ هي عادة في اعتناق الماركسية، والتي يقع على عاتقها تطوير وتنظيم الصراع الطبقي من موقع العمال والفلاحين الفقراء.
هنا نؤكد على أن الصراع هو صراع طبقي، وأن المطلوب هو تحولّ العمال والفلاحين الفقراء من كم إلى كيف، من عددٍ مشتت ويتعرّض لاستغلال فظيع، ولا يجرؤ على المطالبة بحقوقه، إلى "كِيف"، أي إلى طبقة منظمة وتمتلك البديل الذي يعبّر عن مصالحها والإستراتيجية التي توصلها إلى الاستيلاء على السلطة. كل ذلك هو مهمة الحزب، الذي هو "جسر التواصل بين النظرية والممارسة" كما أشار جورج لوكاش. وهو الطبقة منظمة، لكن ليس في شكل وحيد بل في أشكال متعددة، الحزب هو بؤرتها والدينامو الذي يشغّلها جميعاً. هو من يجمع الكادرات التي تنتج الفكر وتقوم بالتنظيم والتحريض والتخطيط، والنشاط النقابي والشعبي والإداري والتقني، وحتى العسكري. هذه الكادرات التي تنظّم العمال والفلاحين الفقراء، وتبثّ الخطاب الذي يعبّر عنهم، وتطور وعيهم بما يجعلهم قادرين على الدفاع الحقيقي عن مصالحهم، وعلى مقدرتهم على الاستيلاء على السلطة.
الحزب إذن هو تنظيم العمال والفلاحين الفقراء في أشكال متعددة تطابق مقدرتهم وحدود مصالحهم وإرادتهم، ولهذا فهي أشكال متعددة متنوعة (نقابات وهيئات ولجان وتجمعات تثقيف واتحادات) لا ينفي أحدها الآخر، ولا يلغي تنوعها فاعليتها بل ان هدف التنوع هو الفاعلية وفق مقدرة وقبول هؤلاء، حيث يجب البدء مما يستطيع العمال والفلاحون الفقراء لا ما نعتقد انه صحيح وضروري، لأن دورنا هو الانتقال بكل الأشكال التي تبدو بسيطة إلى الأشكال المعقدة عبر تطوير الوعي من خلال الممارسة والتجربة، وبالتالي تطوير أشكال التنظيم من أجل أن تكون الطبقة بكليتها منظمة ومتماسكة وتعي مطالبها وكيف تحققها.
ليست البنية الحزبية هي الشكل الوحيد، بل هي الشكل الأكثر تنظيماً وصرامة وفاعلية كما أشرنا، لكنها تضم جزءاً من العمال والفلاحين الفقراء، الذين ارتقوا بوعيهم ومقدرتهم النظرية والعملية لكي يكونوا قادة الطبقة، والأكثر فاعلية فيها. مع ملاحظة ضرورة أن يكون هؤلاء هم البنية الأساس في الحزب، "الحجم الأكبر" في بنية الحزب، حيث يجب أن يتوحد الوعي والحس السليم في بنية الحزب، ولا يتحقق ذلك دون أن يكون حزب العمال والفلاحين الفقراء ليس بالقول والنوايا بل بالفعل. وهذه الوضعية هي التي تضمن تهميش الميول التي يمكن أن تدخلها "الفئات الوسطى" التي اصبحت ماركسية، والتي يمكن أن يظهر لديها ميل لتغليب مصلحة طبقتها على مصلحة العمال والفلاحين الفقراء.
وإذا كان دور الحزب هو إنتاج الفكر والخطاب، أي الوعي الذي يطابق مصلحة العمال والفلاحين الفقراء، ويرسم الإستراتيجية التي تسمح بأن يطوروا صراعهم الطبقي، وأن ينتصروا، وأن يخوض الصراع الأيديولوجي ضد الطبقات الأخرى، ومن اجل مواجهة تغلغلها في بنية الطبقة التي هو جزء منها، فإن دوره كذلك أن يوجد كل الأشكال التي تساهم في تنظيم العمال والفلاحين الفقراء. بدءاً من التجمع البسيط من أجل مطالب أولية، إلى اللجان النقابية، والهيئات المهنية، والحلقات الثقافية، وصولاً إلى النقابات والاتحادات. وأيضاً كل ما يساعد على تنظيم هؤلاء من اشكال يمكن ان ينتجوها. بالتالي يجب الانطلاق من المطالب المباشرة وتأسيس الأشكال التنظيمية التي تناسبها وصولاً إلى الأشكال الأكثر تعقيداً وتشابكاً وتوحيداً للطبقة، والتي تجعلها فاعلة كطبقة. وهي بهذا تخوض الصراع الطبقي بشكل يوصلها إلى الانتصار.
لكن في وضع لا يتسم بانقسام ثنائي بين برجوازية وبروليتاريا (كما يصوّر في التجريد النظري) بل أن الواقع يشير إلى أن الانقسام هو بين طبقة رأسمالية مافياوية تسيطر على السلطة وتحتكر الرأسمال، وطبقات مفقرة يعاني معظمها من البطالة وتدني الأجر وغياب الضمان الاجتماعي وتلاشي التعليم المجاني، والعجز عن توفير السكن. هناك الفلاحون الصغار والمتوسطون الذين أفقروا كذلك رغم أمتلاكهم أرضاً. وهناك المعلمون والمحامون والأطباء والمهندسون وكل المهنيين الذين يعاني جزءاً كبيراً منهم من تدني الدخول وحتى الفقر. وكذلك هناك الموظفون الذين يعيشون بأجر منخفض. وبالتالي هناك طبقات شعبية مفقرة أو تعيش بالحد الأدنى، وهي معنية بالتغيير، وكما لاحظنا فقد شاركت في الثورات العربية.
وإذا كان الحزب هو حزب العمال والفلاحين الفقراء، حزب هذه الطبقة، فإن الوضعية القائمة تفرض تشكيل "كتلة تاريخية" كما أسماها أنطونيو غرامشي من كل هؤلاء. وإذا كان ما يطرح في السابق ولازال هو تشكيل تحالف سياسي، او "جبهة وطنية"، فإن ما نطرح هو تشكيل تحالف طبقي، لأن هذا هو أساس بناء "الكتلة التاريخية" التي هي الطبقات الشعبية، لأن ذلك ركن أساسي في تحقيق الانتصار والاستيلاء على السلطة. وهنا يجب ان يسعى الحزب لتنظيم هذه الطبقات في اشكال متعددة من الهيئات والنقابات واللجان والاتحادات، والتجمعات وكل الأشكال الممكنة لتفعيل دور هذه الطبقات في الصراع الطبقي. أما التحالف السياسي فهو ظرفي ويتعلق بهدف مباشر في لحظة معينة فقط. لهذا ورغم أن الأحزاب تعبّر في الواقع عن طبقات اخرى، فإن أولويتنا تتمثل في تشكيل التحالف الطبقي، وبالتالي كسب الطبقات الشعبية خلف العمال والفلاحين الفقراء. فهذا ما يجعل هؤلاء قيادة الثورة، ويقود إلى انتصارها.
إذن، علينا ان ننظم العمال والفلاحين الفقراء، وعلينا بناء كتلة تاريخية، وان يكون العمال والفلاحون الفقراء قادرين على قيادة هذا التحالف الطبقي. وهو تحالف ممكن فقط حين يستطيع العمال والفلاحون الفقراء تحقيقه، وبلورة الرؤية والبرنامج اللذان يحكمانه. وهي الرؤية، وهو البرنامج الذي يوحد كل هؤلاء، وهو هنا ليس الثورة الاشتراكية بالضرورة بل هو برنامج تحقيق المهمات الديمقراطية التي هي ضرورة حاسمة في الواقع قبل أن تكون هي نقطة التقاطع مع هذه الطبقات. وهنا السلطة ستكون هي سلطة الطبقات الشعبية. ديمقراطية الطبقات الشعبية التي يقودها العمال والفلاحون الفقراء.
7)
لا نريد الانطلاق من محدِّدات مسبقة حول الواقع، وبالتالي لا نريد أن ننطلق من "ترسيمة ذهنية" ارتبطت بالماركسية حول ارتقاء المجتمعات، ولا كذلك بالقفز عن الواقع إلى هدف مستقبلي نريد الوصول إليه. نريد الانطلاق من الواقع في تحديد المشكلات، وبالتالي المهمات التي يطرحها، وأن نعرف ما هو دور الطبقات الشعبية في تحقيقها ما دام واضحاً أن الرأسمالية هي الطبقة المسيطرة، وإنْ كانت رأسمالية ريعية تابعة ومافياوية الطابع.
ولا شك في أن الإشارة إلى أن الرأسمالية هي الطبقة المسيطرة يمكن أن يقود "ميكانيكياً" إلى اعتبار أن البديل هو الاشتراكية، حيث ان تجاوز الرأسمالية يفترض الانتقال إلى الاشتراكية وفق "الترسيمة" المصاغة كقانون في الماركسية. لكن هذه النظرة تتجاهل طابع هذه الرأسمالية، وجذور نشوئها، وبالتالي مصالحها التي فرضت تشكيل النمط الاقتصادي القائم. فقد "انتصرت" الرأسمالية ليس نتيجة تطور داخلي "طبيعي" كما حدث في أوروبا، بل تشكلت اعتماداً على الترابط مع (والتبعية لـ) الرأسمال الإمبريالي، وبهذا خضعت لضروراته وليس لضرورتها هي كطبقة مستقلة، بالضبط لأنها ليست مستقلة بل متشابكة مع الرأسمال الإمبريالي، وتنشط في المساحات التي يسمح بها (التجارة، الخدمات، البنوك، الاستيراد، والعقارات). ولهذا كانت تؤسس الداخل بما يخدم مصالح الرأسمال الإمبريالي ذاته، كانت تلعب دور فرض الاقتصاد المفتوح بقوة السلطة التي تملكها، حيث يصبح الاقتصاد المحلي معرضاً لكل أشكال النهب الإمبريالي.
هذا الترابط جعلها تبقي المجتمع مخلفاً ومفككاً وخاضعاً لوعي "تقليدي"، ودون قوى منتجة بعد أن تدمرت الزراعة كما لم يسمح بتطور صناعي حقيقي. وظلت مجال نهب مستمر من قبلها كما من قبل الرأسمال الإمبريالي. وهو الوضع الذي أوجد مشكلات في التكوين الاقتصادي انعكس على البنية المجتمعية، وسمح باستمرار الوعي التقليدي والبنى التقليدية. كما فرض نشوء تفارق طبقي واسع بين الرأسمالية المسيطرة التي راكمت الثروة ومركزتها، وبين الأغلبية المجتمعية التي دُفعت نحو الإفقار والتهميش. كذلك ظلت السلطة استبدادية شمولية (بطريركية). وكل ذلك لا يسمح بتحقيق الاشتراكية رغم سيادة العلاقات الرأسمالية، فليست الاشتراكية هي "سلطة الطبقة العاملة" فقط، بل هي إلغاء الملكية الخاصة في مجتمع بلغ التناقض فيه بين الطابع الخاص للملكية والطابع الاجتماعي للعمل حده الأعلى. فهنا تنطرح مسألة بناء اقتصاد منتج وتحقيق الحداثة في الوعي والبنى المجتمعية، أي مجمل المهمات التي تحققت مع انتصار الرأسمالية، لكن هنا في تضاد مع الرأسمالية، أي بقيادة العمال والفلاحين الفقراء. وبالتالي فإن الاستيلاء على السلطة يهدف أولاً إلى تحقيق هذه المهمات في أفق الوصول إلى الاشتراكية. وتحقيق هذه المهمات مسألة حاسمة في تحقيق التطور الذي يوصل إلى الاشتراكية، حيث لا إمكانية لتحقيق الاشتراكية في ظل غياب قوى الإنتاج وتخلف البنى المجتمعية وسيادة الوعي التقليدي. المسألة ليست سيطرة على السلطة فقط بل أن الوصول إلى الاشتراكية يتحقق في مجتمع متطور، وإذا كانت الرأسمالية فشلت في تحقيق التطور الذي ارتبط باسمها، على العكس كرّست البنى المخلَّفة، فإن على العمال والفلاحين الفقراء القيام بهذه المهمات بالضرورة. وهذا ما يفرض تأسيس علاقات إنتاج جديدة، ولأن تلعب الدولة دوراً مهماً في تطوير قوى الإنتاج والبنى المجتمعية بما يسمح بالانتقال إلى الاشتراكية.
الثورة إذن هي ذات طابع مركب، حيث يجب تحقيق المهمات الديمقراطية، مهمات الانتقال من المجتمع "ما قبل رأسمالي" إلى الحداثة التي حققتها الرأسمالية، لكن من خلال طبقة مضادة (وتحالف طبقي مضاد) للرأسمالية، وفي صيغة تتجاوز الرأسمالية. لكنها ليس اشتراكية، بل هي مهيئة للانتقال إلى الاشتراكية. هنا يكمن الطابع المركب للثورة، وهو الطابع الذي بدأ مع لينين، وأكمله ماو تسي تونغ والشيوعيين الفيتناميين (بغض النظر عن المآلات التي تحتاج إلى تحليل مختلف). والذي يقوم على أن يحقق العمال والفلاحون الفقراء أساس وجودهم، أي البنى المجتمعية التي توجدهم كطبقة تشكل الأغلبية، وتتحكم في الإنتاج، وتؤسس لمجتمع يتجاوز البنى التقليدية يقوم على وعي وبنى حداثية. هذا الأساس الذي يسمح بأن تكون الاشتراكية ممكنة. وهذا الوضع هو الذي يفتح على رفع شعار: سلطة الطبقات الشعبية بقيادة العمال والفلاحين الفقراء.
هذا هو الأساس الذي يحكم نشاطنا، والذي يجب أن نعمل على أن يتطور الصراع لكي يصبح ممكناً. وبالتالي علينا أن نطرح الشعار الممكن الآن، خلال الوضع الثوري القائم، وفي اللحظة التي يثور الشعب، بما يعبّر عن ميزان القوى الطبقي في الثورة، ووضع العمال والفلاحين الفقراء فيها، كأساس للوصول إلى أن يصبح شعارنا الأساسي هو الممكن الوحيد. علينا ان نربط شعاراتنا التي تطرح في الثورة بما نعتقد أنه ضروري لانتصار الثورة، وبالتالي أن نطرح الشكل الممكن في كل لحظة من لحظات الصراع الطبقي، الشكل الذي يساعد بأن يصبح شعارنا هو الشعار العام للثورة ذاتها. فلا نفرض على الواقع ما لا يحتمله، دون ان نتنازل عن أن كل شعار نطرحه يجب ان يسهم في تطوير وعي الطبقات الشعبية بما يجعلها تتمسك بتحقيق سلطة الطبقات الشعبية بقيادة العمال والفلاحين الفقراء.
8)
إذن، تطرح هنا مسألة نقل المجتمع من بناه المفوّتة واقتصاده الريعي إلى مجتمع صناعي منتج. لم يعد ممكناً أن تستقر المجتمعات، وان تعيش الشعوب، دون أن تصبح مجتمعات صناعية حديثة، بالضبط لأنها ستكون ملحقة وتابعة للمراكز الإمبريالية، ومجال نهبها. وستظل مهمشة وتتحكم فيها البنى التقليدية والوعي التقليدي. فالصناعة هي منجز الرأسمالية الأول، وهو أساس نشوء الرأسمالية كنمط أصلاً، وحيث على ضوئها تشكّلت الدولة الحديثة، والوعي الحديث، وأيضاً التكوين العالمي الحديث القائم على أساس الدولة/ الأمة.
هذه الحداثة هي الضرورة بغض النظر عن مَنْ حققها، وهي الإرتقاء الجوهري في مسار التاريخ، الذي ليس من الممكن تجاهله، أو القفز عنه. هذا ما حققته الرأسمالية، لهذا اعتبرها ماركس تقدمية وثورية، لكنها حينما شكّلت نمطها العالمي باتت "رجعية" تمنع تقدم كل العالم الذي لم يستطع التقدم حينها (وحتى قبل ذلك حين كانت قادرة على سحق كل محاولات التطور كما فعلت مع تجربة محمد علي باشا). وباتت راسمالية الأطراف ملحقة بها، متشابكة معها، وتلتزم رؤيتها ومصالحها، بالتالي لم تعد معنية بتحقيق هذه النقلة.  لهذا حاولت فئات وسطى ريفية تحقيق ذلك، لكن ميلها للترسمل دفع فئات فيها إلى نهب التراكم الذي اصبح بيد الدولة عبر التأميم والنشاط الاقتصادي، ومن ثم فشِل التطور. هذا ما جعل الأمر يتعلق بالعمال والفلاحين الفقراء بالتحديد، لأن مصالحهم تفرض إلغاء الملكية الخاصة وليس إعادة إنتاجها. لأنهم لا يملكون، وبالتالي يستطيعون التمسك بالملكية العامة إلى النهاية. لهذا يستطيعون إعادة إنتاج الثروة في إطار مجتمعي، وهي الضرورة من أجل تحقيق التطور.
لكن ضرورة تحقيق هذه النقلة يفرض تحقيق المهمات الديمقراطية التي حققتها الرأسمالية، وإنْ في صيغة طبقية أخرى كما أشرنا. لهذا يجب بلورة "النمط الاقتصادي" الذي يحقق التطور، ويحقق في الوقت ذاته حلاً جذرياً لمشكلات الطبقات الشعبية، أي البطالة والفقر وانهيار التعليم والصحة والسكن. هذه هي المسألة المركزية في الثورة الراهنة، حيث ثارت لأنها تعاني من كل هذه المشكلات. وهو نمط يقوم على بناء الصناعة وتطوير الزراعة، وليس من الممكن أن يتحقق ذلك إلا من خلال الدولة بالضبط لأن الرأسمالية تهرب من التوظيف في هذه القطاعات المنتجة. ولهذا هو نمط يتجاوز الرأسمالية وإنْ كان لا يفرض الاشتراكية، بل يفرض تعزيز دور الدولة في الاقتصاد، ويسمح للرأسمال الخاص ان ينشط بما يخدم تطور الاقتصاد المنتج وليس الاقتصاد الريعي. وبالتالي لا بد من تكوين مركب، محوره الدولة التي ستقوم بأهم ما يحتاجه التطور الاقتصادي، أي الصناعة والبنية التحتية، والمشاريع الكبيرة.
والدولة هي التي يجب أن تعيد بناء التعليم وفق سياسة تسمح بتعميم العقلانية والموضوعية، والعلمية، وتقوم على التعلُّم على التفكير والمحاكمة والنقد. تتضمن كل منجزات الحداثة لكي تنقل المجتمع من سيادة الوعي التقليدي إلى الوعي الحديث. وتعمم الثقافة الموضوعية والنقدية. وهي بذلك لا بد من أن تكون علمانية ديمقراطية. فكل ذلك مبتدأ تطور الوعي الاشتراكي، وهو المبتدأ الضروري لتجاوز وعي تقليدي مفوت.
الدولة هنا يجب أن تعبّر عن الطبقات الشعبية، بحيث يتضمن النمط الاقتصادي الذي تفرضه حلاً لمشكلاتها، لكن أيضاً أن تخدم سياساتها هذه الطبقات، فهذه الطبقات بقيادة العمال والفلاحين الفقراء  هي السلطة. وهو الأمر الذي يطرح مسألة طبيعة السلطة كبنية، أي "شكلها". أي ما هي طبيعة الديمقراطية التي تنحكم إليها؟ ما هي آليات حكم تلك الطبقات؟ كيف تعبّر عن تصوراتها ومطالبها، التي ستكون على قدر من الاختلاف، وحتى التناقض في بعض الأحيان؟ هذه مسائل تحتاج إلى تحديد لكي تتأسس دولة علمانية ديمقراطية. لسنا مع حكم "الحزب الواحد" لأننا مع سلطة طبقة، طبقة لها أشكال متعددة من التعبير عن ذاتها، وربما يتشكل من داخلها أحزاب متعددة. ولا نريد أن تتشكل بيروقراطية حزبية تجثو على بنية الدولة وتأخذ في التمايز عن الطبقة، ومن ثم احتكار نسبة أكبر فأكبر من الثروة التي تقع تحت "ملكية" الدولة. لهذا لا بد من تأسيس دولة لا تسمح باحتكار حزب، سيتحوّل بعد أن يصبح في السلطة الجاذب لكل الانتهازيين الذين يريدون تحقيق "تحسين في الوضع الطبقي" عبر استغلال موقعه في الدولة.
9)
لقد تشكّل العالم الحديث انطلاقاً من نشوء وسائل إنتاج جديدة: الصناعة، وكما أشرنا تأسست البنية الاقتصادية السياسية على ضوء ذلك، لكن ما أصبح مفصلاً في التشكيل العالمي هو بناء الدولة/ الأمة، الدولة القومية بعد قرون من التفكك في أوروبا، وسيادة الإمبراطوريات في القرون القديمة. ولهذا بات بناء الصناعة يستلزم بناء الدولة القومية، حيث يجب توحيد السوق الداخلي الذي هو ضرورة لتصريف السلع الصناعية.
وإذا كانت أمم العالم قد تشكلت في دولة قومية، فإن هناك أمم لم تتوحد بعد، فهي مجزأة وبعضها غير مستقل. هذا ما نشهده في الوطن العربي (عربيا) حيث الأمة مجزأة وأجزاء منها محتل. وإذا كان وضعه مفككاً في ظل الإمبراطورية العثمانية، وبعضه مستقل عنها فلقد فُرضت عليه التجزئة بفعل الحاجة الاستعمارية التي أرادت السيطرة ومنع التطور لكي يبقى سوقاً للحصول على المواد الأولية رخيصة السعر، ويكون سوقاً للسلع التي تنتجها المصانع في المراكز. وكان إنشاء "كيان يهودي" في فلسطين جزءاً من هذه الإستراتيجية، لكي يلعب دور الحاجز والرادع، ولهذا تشكّل كقاعدة عسكرية جرى إقامة "مجتمع" عليها لإخفاء الأهداف ولضمان فاعليتها.
إن تحقيق التطور يفرض تأسيس الدولة/ الأمة، فهذه عنصر جوهري لتحقيق التطور، بصفتها تؤسس لنشوء سوق واسعة تسمح ببناء الصناعة، سواء نتيجة وجود عوامل ذلك (اليد العاملة والرأسمال) أو وجود السوق الواسعة التي تحتاجها الصناعة. ولهذا فإن هدف تحقيق التوحيد القومي هو جزء من المهمات الديمقراطية التي يحملها العمال والفلاحون الفقراء. إن تحقيق الاستقلال القومي، وتوحيد الأمة في دولة واحدة هما أساسيين في الطموح من أجل التطور والحداثة، التي يسعى العمال والفلاحون الفقراء لتحقيقها وهم يتقدمون من أجل انتصار الاشتراكية.
لقد أوضحت الثورات التي بدأت من تونس وتوسعت بشكل متسارع إلى كل البلدان العربية مدى الترابط القائم بين الطبقات الشعبية، وما يسكن في أعماق طموح هذه الطبقات التي تمتلك شعوراً قومياً كان يظهر في بعض الأحداث لكنه ظهر واضحاً في امتداد الثورات. هذا الأمر جعلنا معنيين بان نوحد النشاط، وأن نبلور إستراتيجية واحدة تسمح بأن نلعب دوراً في تطوير مسار الثورات بما يجعلها ثورة واحدة، خصوصاً بعد أن ظهر واضحاً أن النظم تميل إلى التوحد ضد الثورات لكي تبقى مسيطرة، وتنشط لإجهاض كل حراك في بلد لكي لا تمتد الثورة إلى "حضنها". وربما "تتوحد" جميعاً من اجل مواجهة "الغول" المنفلت الذي انطلق نهاية سنة 2010 وتوسع بشكل جنوني في كل المنطقة.
هذا الأمر، بكل خلفياته التاريخية، يفرض أن يتبلور البديل المعبّر عن العمال والفلاحين الفقراء في الوطن العربي، في البلدان العربية، وأن يتنظم نشاط هؤلاء جميعاً،فالاستيلاء على السلطة في هذه البلدان يهدف إلى إنهائها وبناء الدولة/ الأمة، الدولة القومية التي تمثل الطبقات الشعبية، والتي عبرها تعمل من أجل الاستقلال الحقيقي والتوحد والتطور والحداثة، من أجل إنجاز المهمات الديمقراطية والانتقال لبناء الاشتراكية.
لكن تحقيق الدولة/ الأمة في الوطن العربي لا يسمح لنا بأن نتجاهل حقوق القوميات الأخرى، ولا الأقليات القومية التي تقيم على الأرض العربية. فمن حق كل الأمم الاستقلال والوحدة، وهذا ما يجعلنا مع حق الأكراد في بناء الدولة الأمة، وحق كل القوميات المتداخلة مع العرب في الاستقلال القومي. وأيضاً مع حق الأقليات القومية بالتعبير بلغتها وحماية ثقافتها، والحصول على حقوقها كأقليات كاملة، واعتبار أنها جزء من مواطني الدولة الموحدة. وأن كل اختلاف أو تداخل بين الأمم، او فيما يخص الأقليات القومية لا بد من أن يحلّ في إطار سلمي ديمقراطي وبما يحقق مصالح الشعوب. مع التأكيد على الطابع الفيدرالي للدولة الموحدة كشكل إداري ضروري في دولة متسعة.
10)
نحن نتحدث عن الثورة في البلدان العربية، لكن لا بد من التنبه إلى أنها حدثت بعد الأزمة المالية الكبيرة التي انفجرت في 15 أيلول/ سيبتمبر سنة 2008، حيث فتحت الأزمة إلى انفجار "الحلقة الأضعف" في البنية التي أسستها الطغم الإمبريالية تحت مسمى العولمة. فقد عانت البلدان العربية من النهب منذ أن فُرض عليها الخصخصة وتحرير الاقتصاد والاستدانة، وجرى تحويل البنى الاقتصادية بحيث تسمح بنهب أعلى من خلال تعميم اقتصاد ريعي يقوم على الخدمات والعقارات والسياحة والاستيراد والبنوك والبورصة. وهو التكوين الذي فرض ارتفاع البطالة إلى ما يزيد عن الـ 30%، والفقر إلى نسبة 60 أو 70%، وتشكيل مناطق واسعة مهمشة. وكان في أساس تصاعد الاحتقان لدى الطبقات الشعبية. وحيث ترافق ذلك مع ممارسة السيطرة والاحتلال بشكل راكم احتقاناً آخر، وأسس لترابط عام، كان التعبير عن رفض كل ذلك. تمثّل في السيطرة الصهيونية، ووجود الدولة الصهيونية أصلاً، والسيطرة الإمبريالية الأميركية واحتلال العراق سنة 2003. حيث كان النهب يترافق مع تعميق السيطرة، والغطرسة الإمبريالية.
لكن أزمة الرأسمالية لم تنته، وربما تزداد المفاعيل التي ستجعل انفجارها مرة أخرى ومرات أمراً مؤكداً. فقد اصبح مجمل الاقتصاد الرأسمالي اقتصاداً "ريعياً" يقوم على المضاربات في اسواق المال وعلى السلع والخدمات، وعبر المشتقات المالية، ومن خلال المديونية. بينما تراجع وضع الاقتصاد الحقيقي (الصناعة والزراعة) إلى الهامش في بنية الاقتصاد الرأسمالي ذاته، حيث أن 90% من حركة رأس المال تذهب إلى النشاط المضارب. وهو الأمر الذي يعني نشوء "الفقاعات" التي تعني نشوء تراكم تضخمي في القيم دون الحصول على فائض، لكنه يصل إلى لحظة يتوقف عندها ليحدث انفجار الفقاعة. وبالتالي حدوث انهيارات كبيرة في الاقتصاد الحقيقي. وهذه حالة باتت جزءاً من تكوين الرأسمالية تشير إلى تعفنها. حيث يصبح التراكم السريع عبر المضاربات والمديونية والمشتقات المالية هو السمة المسيطرة في مجمل بنية النمط. لكن هذه الحالة تؤدي بالضرورة إلى النشوء المستمر للفقاعات، وبالتالي الحدوث المستمر لانفجارها. ومن ثم انعكاسها على مجمل الاقتصاد الرأسمالي، خصوصاً هنا على البنوك التي تحدث كل هذه العملية عبرها وبفعلها نتيجة التراكم المالي الهائل الذي يتكدس لديها دون أن يجد مجالاً للتوظيف في الاقتصاد الحقيقي، الذي يعاني من حالة الإشباع بحيث لا إمكانية لزيادة ضخ الرأسمال فيه، خصوصاً أنه يعاني كذلك من أزمة كساد مديدة.
ولا شك في أن الطابع المالي، بالتالي، هو الذي يهيمن في النمط الرأسمالي عموماً، وان الاقتصاد الحقيقي، إضافة إلى أزمة فيض الإنتاج وحالة الكساد التي يعاني منها، ينوء تحت ضغط مفاعيل النشاط المالي. فالأرباح الضخمة التي تنتج عن المضاربة تدفع الرأسمال إلى الانتقال للنشاط من الاقتصاد الحقيقي إلى المضاربات والمديونية. وتركز النشاط الاقتصادي في هذا القطاع يصاعد من تضخم القيم دون أن يكون لها أساس فعلي، وهو الأمر الذي يقود حتماً إلى نشوء فقاعات وانفجارها. وانفجارها يقود إلى انهيار البنوك والمؤسسات المالية، مما يدفع الدولة إلى تعويضها لكي لا ينهار مجمل الاقتصاد ، ومن ثم تزيد من مديونيتها. كما أن المديونية التي فُرضت على الدول في الأطراف، وفي بلدان جنوب أوروبا وشرقها، أوقعت هذه البلدان في أزمة سداد فوائدها وأقساطها، وهو الأمر الذي بات يهدد البنوك والمؤسسات المالية كذلك. وإذا كانت مجمل السياسات الاقتصادية بما فيها المديونية قد سمحت بنهب الأطراف وإفقار شعوبها، فإنها قادت إلى أن تلجأ بلدان رأسمالية (في جنوب أوروبا وشرقها) إلى إفقار شعوبها عبر سياسة تقشف صارمة، كما فعلت بلدان الأطراف قبلاً، ولا زالت.
الرأسمالية في أزمة عميقة، بدأت وهي مستمرة وتتفاقم، وتطال كلية النمط الرأسمالي نتيجة ما أشرنا إليه. لكن كل انفجار للأزمة سوف يقود إلى انفجار ثورات اجتماعية، وبالتالي فإننا في وضع عالمي ثوري، وضع سيشهد تفاقم الصراع الطبقي على صعيد عالمي، وسوف تعم الثورات الأطراف، وأيضاً بلدان راسمالية في المراكز (أو في أطراف المراكز)، من جنوب وشرق أوروبا إلى أوكرانيا وروسيا وتركيا وإيران، إلى آسيا وأميركا اللاتينية وافريقيا.
لقد ضعفت "القبضة الإمبريالية"، وتراجع وضع المركز المهيمن ليفتح على صراعات تنافسية بين البلدان الإمبريالية، في وضع كلها مهدد بأزمة "مالية"، وبانهيار كبير، بالضرورة سوف يطالها جميعاً. وهو الأمر الذي سوف يضعف تأثير المراكز الإمبريالية على العالم، ويفتح أفقاً لانتصار الثورات التي تهدف بالضبط إلى تجاوز الرأسمالية.
هذا الأمر يفرض ان نعمل على تطوير الرؤية حول الوضع الإمبريالي الراهن، وأن نفهم آليات انفجار الأزمات في الراسمالية، وأثر ذلك على العمال والفئات المتوسطة في المراكز ذاتها (وفي أطرافها)، وأثره على العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين في الأطراف. وأن نعمل ذلك من اجل بلورة إستراتيجية عالمية توحد نضالات العمال والفلاحين الفقراء، وتوحد المواجهة الحتمية مع الطغم الإمبريالية من أجل تجاوز الرأسمالية.
لهذا لا بد من إعادة بناء الحركة التي تعبّر عن هؤلاء في مجمل بلدان العالم، وأن نؤسس الرؤية التي تحدد طريق الانتصار، والوصول إلى الاشتراكية. لا بد من مركز عالمي ينظم نضالات العمال والفلاحين الفقراء، نضالات الماركسيين، وكل الحركات التي تسعى لتجاوز الرأسمالية.
الرأسمالية في أزمة هي أعمق من كل الأزمات السابقة، ولا حلّ لها مطلقاً، فقط يمكن إدارتها أو تأخيرها. وهي تنعكس في سياسة تفقر الشعوب وتعزز نهب الأمم، وبالتالي تؤسس لوضع ثوري.
إذن، الثورة راهنة في كل العالم. وعلينا أن نبني الأدوات التي تقود حتماً لانتصارها من أجل تجاوز الرأسمالية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
القسم السابع: الملاحظات على الأرضية:
 
 أولا المقدمة:
"نحن في وضع ثوري.... ولا شك في أن انفجار الثورات قد فتح على إعادة بناء هائلة"
هذه الفكرة سليمة بالمعنى العام وليس الخاص. أي صحيح أن الثورة الديموقراطية الكبرى العربية، -مع افاقها الاشتراكية – لم تستنفذ بعد وما حصل حتى الان ليس سوى "جولة" والمعارك الحقيقية لا تزال أمامنا بالضبط، الا أن الوضع العياني الذي نعيشه اليوم ليس وضع ثوري عربي بالمعنى الدقيق. كل انتفاضة شعبية يواجهها ثلاث مصائر، ثلاثة احتمالات:
1-     اما أن تتطور الى ثورة بالمعنى التاريخي للكلمة (انتقال من نظام اجتماعي-سياسي الى اخر)
2-    أن يتم النجاح بقمعها، وتكون القوى الثورية بهذه الحالة قد خسرت جولة.
3-     ان يتم تحويلها الى ثورة مضادة عبر الحلف المقدس الثلاثي: الامبريالية + الطبقات الحاكمة + القوى اليمينية والاصولية.
 
-       كموقف عملي أفضل أرى أن نبدأ الاعداد للجولة القادمة.
ان 2011 ألغى ما قبله صحيح، ودخل العالم العربي بمرحلة جديدة باعتبارات جديدة وظروف وعوالم جديدة. لكنها ليست ثورية بالكامل وليست تقدمية أو نحو الافضل بالكامل. أعتقد أننا يجب أن نتعامل مع الربيع العربي كمرحلة قد انتهت، ولم تستثمر بالشكل الصحيح والسليم، والبدء برص الصفوف لمواجهة هذا "الحلف المقدس" الشرس، نظريا وسياسيا وتنظيميا.
-       يوجد نقطة أخرى في (المقدمة):
-        صحيح اننا ندافع ونمثل بشكل " طبيعي " وتلقائي مصالح كل المفقرين والكادحين وصغار الكسبة والفلاحين وجميع المتضررين من أنظمة الطغيان الحالية بلا استثناء وعلى أوسع نطاق، لكن أرى أنه يجب أن نحدد تبنينا ل " المنهج" البروليتاري تحديدا كمنهج طبقي، لطبقة محددة بعينها، وهي بحكم وضعها التاريخي تعبر عن مصالح أغلب فئات المجتمع.  منهج هذه الطبقة واضح ومحدد وهو مختلف عن " مناهج " الطبقات الاخرى الفلاحين والبرجوازيين الصغار. الخ (فكل طبقة لها نظرية وايديولوجيا ومنهج وكل منهج هو طبقي) الا هو منهج الاشتراكية العلمية.
في (2) مسالة تحديد " المسالة المركزية " او الصراع المركزي:
1-                 ليس مدني ديني بالتأكيد كما يريده الليبراليين والمتمركسين الليبراليين.
2-                لكنه ليس أيضا بين الاستبداد والديموقراطية. فما هو كذلك لا من وجهة النظر الشعبية ولا التاريخية ولا النظرية.
3-                أرى أن الصراع المركزي اليوم (أو التناقض الاساسي) هو: امبريالية / أمة.
الاسلاميون اليوم هم وحدهم من يعبرون عن هذا الصراع نسبيا لكنهم لا يعبرون عنه الا بأسوأ صورة بأكثر الاشكال خصاءً وغباء! يعبرون عنه بصورة قروسطية أصولية، مع أجندات سياسية وطبقية مشبوهة. لكن ورغم كل ذلك، ولعدم وجود غيرهم الجماهير تتبعهم نسبيا!
 هنا الصراع المركزي البروليتاري الاشتراكي الحقيقي الذي علينا التقاطه والدخول فيه كرأس حربة مقاتل وطليعي فنكون المعبرين في ان واحد: عن مصلحة البروليتاريا، عن مصلحة الامة، وعن مصلحة التقدم التاريخي الاممي عبر ما سنقدمه للبروليتاري العالمية، إذا ما تمكنا من توجيه ضربة قاضية للإمبريالية في ديارنا.
نقطة ثانية في (2):
أنى ارى ضرورة التمييز في نقدنا لمختلف التيارات الماركسية المشوهة والتي حرفت روحها، فمثلا لا يجوز الخلط بين " الماركسية السوفياتية " و "الماركسية الليبرالية" في سلة واحدة فلهذه اخطاء تختلف عن الاخرى. على النقد أن يكون مفصل ومحدد بغية تحقيق تدمير وكنس ممنهج لهذه التيارات القميئة. ان تيارنا الجديد سيتناول أفكار هذه التيارات وسياساتها وآرائها على ألسنة كويتبيها بشكل منظم حتى نصفي الحساب معها على الاخر، ولكل منها أوانه.
في (3):
مسألة أسبقية الحزب – ثورة:
ان الحزب الثوري (أو الاحزاب) هي شرط تحول الانتفاضة الشعبية التي هي عفوية (ولا يمكنها أن تكون الا كذلك) الى    "ثورة " بالمعنى الحقيقي للكلمة فما بالكم انتصارها!
أولا الحزب ... قبل الثورة بأشواط ومراحل، وخلال الثورة، وبعدها. دون " الذات الثورية الفاعلة" لن تنجح الثورة في ان تكون.
في (4):
لن أتعمق الان في الطرح الفلسفي والنظري اذ يجب ان نخوض به الجدال على حدي. لكن هنا نقطة يجب تسجيلها:
 لا يمكن الفصل بين المنهج و " العقيدة". كل منهج – أيا كان – سينتج مذهب. أي في قلب كل مذهب، منهج.
أفضل المناهج (المادية الديالكتيكية) ستنتج أصوب العقائد، واكثرها صحة وصوابيه تاريخية وهنا الرهان والتحدي. وهنا مهمتنا، استنباط الماركسية اللينينة العربية (عقيدة العصر) من المنهج المادي الجدلي.
ان نقول اننا فوق العقائد والايديولوجيات كأن نقول اننا فوق الطبقات، هو وهم. الصواب هو التحزب للطبقة الاكثر ثورية، والايديولوجية الاكثر علمية وتطويرها سياسيا ونظريا وفكريا. هكذا يتطور العلم. عبر الايديولوجيات.
-        مسألة الثنائية: حزب طبقة كنا قد تناقشنا فيها سابقا: حاجة الطبقة الى قيادة (الى حزب) وحاجة الحزب الى طليعة. هذه هي ثوابت السياسة الحديثة منذ القرن العشرين: التفويض.
ثم اننا لا نعاني اليوم من هذه المشكلة (حزب منفصل وعن الطبقة) نحن ليس لدينا حزب اساسا. وعلينا اليوم اتباع كافة الوسائل لتحقيق هذا الحزب واكثرها فاعلية دون ان توقفنا اعتبارات جامدة ومشكلات مفترضة. عندما تظهر هذه المشكلات نواجها في أوانها. لن نضع حلولا لكافة الازمان والمراحل.
(المسائل النظرية والفلسفية سيكون لنا اليها عودة بشكل مفصل)
في النقطة (8):
حول دور الدولة في المرحلة الانتقالية: هو سحق الرأسمالية! وليس " تنشيطها " أو " توجيهها" في المجالات الصناعية الخ هذه كينزية، في أحسن الحالات ناصرية او شافيزية.
نجن لسنا يسار "معتدل" او وسط.
ستقبض البروليتاريا على الدولة بيد من حديد. ستكنس اعدائها الطبقيين. ستتبعها الجماهير الديموقراطية من فلاحين وكادحين ومنتجين. وستبني دولتها التي ستكون " عتبة الاشتراكية ".
 
 
تقبلوا تحياتي
 
نهاية المراسلات





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,095,556,189





- أهلا وسهلا بالحاج سالفيني
- البرلمان العربي يحث فرنسا على تنفيذ مطالب المتظاهرين والإفرا ...
- ماكرون يضحي بـ11 مليار دولار استرضاء لـ -السترات الصفراء-
- -إلى الشارع...-
- أسامة سعد وحنا غريب يؤكدان على التحرك الشعبي من أجل انقاذ ال ...
- تظاهرات مطلبية في البصرة وذي قار للمطالبة بحقوق وظيفية ومالي ...
- الحكومة تعلن الاستراتيجية الوطنية لمناهضة العنف ضد المرأة
- فريد زهران يعلن تضامنه مع مطالب حزب التحالف الشعبي الاشتراك ...
- تصريح صحفي صادر عن ائتلاف الاحزاب القومية واليسارية
- اليسار الإسرائيلي يطالب بفتح تحقيق مع ابن نتنياهو بعد حركة ب ...


المزيد.....

- مراسلات سلامة كيلة مع رفيق / أنس الشامي
- ماو تسى تونغ و بناء الإشتراكية (نقد لكتاب ستالين / شادي الشماوي
- الرأسمالية المعولمة وانهيار التجربة الاشتراكية / لطفي حاتم
- راهنية ماركس – الوجه الكامل والمتكامل لثورية الفيلسوف الفذّ / خليل اندراوس
- كلمة الأمين العام في اللقاء اﻷممي اﻟ20 للاحزاب ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- المنظمة الماركسية ــ اللينينية المغربية "إلى الأمام": الخط ا ... / موقع 30 عشت
- الماركسية والفلسفة / آلان وودز
- القانون واستبطان العنف - ترجمة : سعيد العليمى / جاك دريدا
- كتاب مدخل إلى الفلسفة الماركسية - 2018 / غازي الصوراني
- كناب النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية - المجلد ا ... / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - أنس الشامي - مراسلات سلامة كيلة مع رفيق