أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - الباطن صافي صافي















المزيد.....

الباطن صافي صافي


رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 6072 - 2018 / 12 / 3 - 22:43
المحور: الادب والفن
    


الباطن
صافي صافي
أن يسرد طفل احداث رواية من ألفها إلى ياءها ليس بالأمر السهل، فهذا يحتاج إلى تقنيات سردية متعلقة بعقلة الطفل، باللغة الخطاب الموجهة للقارئ، ومثل هذه اللغة ستكون معضلة عند السارد، فكيف سيتنحى الكاتب جانبا ويعطي الطفل مكانته في السرد، بحيث يُوصل الفكرة ويقدم الحدث بعقلية ولغة طفل، فإذا ما جنح إلى لغة الأدبية العالية سيقع في ورطة السرد، من هنا عليه أن يسرد الأحداث ضمن مساحة محدودة متعلقة بذهنية الطفل ومحصورة بلغته، اعتقد هنا تكمن أهمية هذه الرواية.
الطفل السارد لا يفصح عن اسمه، لكنه يعرفنا بوضعه من خلال قوله:
"أنا لم أبلغ الحلم بعد، فتى لم يتجاوز العاشر من العمر" ص9، من هنا علينا أن نأخذ ما جاء في الرواية على أنه صادر عن طفل، فهل منطق الطفل مقنع لنا، أم هو منطق جاهل غير مدرك للحياة/للكون/للواقع/للقوانين والشرائع/للخالق؟، سنجد الاجابة في رواية "الباطن" والتي تعطي اهمية خاصة للمكان كما هو الحال في رواية "الخواص" لحافظ البرغوثي" لكن هنا المكان له أثر فكري وعملي على السارد، فهو الذي يخلق الافكار ويغير السلوك، بمعنى أن المكان في "الباطن" يفعل ويعمل ويؤثر كما هو حال الفعل الإنساني/ وأحيانا يأخذ فعل الإله/الأنبياء، بينما كان حضور المكان في "الخواص" كمكان مجرد، له مكانته وأثر الحاصل والكامل، بمعنى أن المكان كان كاملا في وجوده وفاعليته وأثره، فلم يتم تطوير سلوكه أثره على السارد، بينما هنا في "الباطن" يفعل ويتفاعل ويتوحد مع السارد ليصبحا شيء واحد موحد.
الطبيعة
الرواية تجري احداثها في منطقة ريفية فلسطينية "بيت اللو ودير عمار" ومن يعرف طبيعة فلسطين الجبلية يعلم أن لهذه الطبيعة أثر على تفكير الإنسان، خاصة على الأطفال، فهناك الجبال التي تُمكن الإنسان من مشاهدة الشروق والغروب والتأمل في السماء ما فيها، وهناك الوديان التي تمثل عالم أرضي، والتي تبدو احيانا مخيفة، خاصة عندما يكون هناك حيوانات مفترسة ومغر مهجورة، على النقيض من عالم السماء المنفتح والذي يعطي آفاقا للإنسان.
هذه الطبيعة تؤثر على السارد بهذا الشكل:
"ربما يكون السبب عدم رضاي عن السكن في هذه السقيفة، ربما لأني اطلق لفكري العنان، ... أو لأني أبحث عن الله في كل حين، فأراه عند أذان العصر، وحين تحجب بعض الشمس غربا، ... أبحث عن الذي خلقني، فأتمثله كما يقول الشيخ عبده في غية تتشكل في الصباح، غيمة ضخمة، بيضاء اللون" ص9، إذن هناك علاقة بين الطبيعة والطفل، تجعله يفكر في الله، في الخالق، فيتصوره على شكل غيمة ضخمة بيضاء، وهنا نتوقف عند هذا الفكرة، فإذا ما عدنا إلى طفولتنا وكيف كنا نشاهد الغروب والشفق وما فيه من ألوان ومشاهدة والأفكار التي كنا نسقطها عليه يمكننا أن نقتنع بأن هذه الفكرة صادرة عن طفل حقيقي وليس عن الكاتب، وهذا نجاح يحسب له، ونؤكد على هذا النجاح من خلال حديثه عن الغيوم، الغيوم المتحركة والمتعددة الاشكال والصورة، مما يجعل عقل الطفل في حالة من الحركة والتفكير والتحليل فيخلق عوالم كبيرة وشاسعة وواسعة لا يمكن أن يحدها شيء، فالطبيعة تؤثر على عقلية الطفل وهذا الأثر يمكن أن يجعله يخرج أفكارا وصورا لا يستطع العقل المنغلق الوصول إليها.
فالطبيعة هي الملهمة للطفل والمفتحة لأفكاره ولذهنه، والطبيعة ليست العالم السماوي فسحب بل الطبيعة الأرضية أيضا، فأرض كنعان ألهمت الكنعاني على كتابة أهم ملحمة إنسانية "ملحمة البعل" التي تبحث في الخلق والكون والخالق والإنسان، وإذا ما اضفنا المقامات التي اقيمت على رؤوس الجبال ليتفرغ فيها النساك للتأمل بالكون والخالق يمكننا أن نقول أن الطبيعة والكنعاني هما أكثر النماذج على صدقا على التكامل والتأثير المتبادل بينهما، وهذا ما أكده الطفل السارد الذي يقول:
"الفضاء واسع، يطوق الطبيعة من حوالي، يغلفها، يعلو فوقها، كم من جبل عاش على هذه الأرض، وكم هي الاجيال التي ستعيش بعدنا؟، حاولت أن أغني، رفعت صوتي قليلا، سرت في جسدي قشعريرة، طربت لها... شعرت بقيمة الغناء الهادئ، أنه يشبه الطبيعة من حولي، مثله مثل حفيف أوراق الأشجار، مثل النسائم التي حولي، مثل صوت مياه الينابيع، كم تمنيت لو استمر هكذا إلى أجل غير مسمى" ص23 و24، لأن نأخذ الكلام إلى مكان غير مكانه، فالمتكلم طفل، وهو يعبر حقيقة عن ذهنية وعقلة الطفل، ولكن هل أراد هذا الطفل أن يقول أنه مرتبط بالمكان، ولهذا نجده يحدثنا عن أثره عليه، وكأنه المعلم والملهم والمفرح له؟.
يتقدم الطفل من الطبيعة أكثر، بحيث تجعله يشعر بحاجته إليها، فبدونها سيكون هناك شيء ناقص في حياته:
"يجب أن أتوحد مع هذه الطبيعة، وعندما أكون في المقثاة أصير جزءا منها، وحين أكون في المطر أصير جزء امنه، وأكون جزءا من الصباح والمساء وكل الأوقات" ص31، هذا التوحد والتكامل في الوجود بين الطفل والطبيعة/المكان يعطينا فكرة أنهما لم يعودا كائنين، بل كائن واحد، خاصة بالنسبة الإنسان/الطفل، وهذا ما جاء على لسان الطبيعة التي قالت للطفل:
"وحين تكون معي تصير جزءا مني، فأنا الشمس والقمر، والقيظ والمطر، ولجبل والتل والوادي، وبصمت علي نادي، وإن كرهت فأصمت، أفهمك، فالله خلقك وقدرك، وإن غبت فإلي مرجعك" ص31، هذا الكلمات جاءت بخط مغاير، فالمتحدث هي الطبيعة وليس الطفل، وهي تبادله المشاعر التي يبديها، لهذا نجدها تؤكد على هذا التوحد والتكامل بينهما ليصل إلى حالة الانصهار الكلي.
وهنا يجد الطفل ذاته في الطبيعة، فهما أصبحا شيئا واحدا، يُمتع كلا منهما الآخر:
"أقف أو يخيل لي أني أقف في مركز التل مباشرة، أغتسل بنور الشمس، وبدفئها، وبمياه الينابيع كلها، وبالنسيم الذي يطهرني، ويخفيني، وأرخي أذني للريح، وحفيف الأشجار، وصوت العصافير، رفرفتها وزقزقتها، وهمهمات أشجار العليق والعبهر، وأسبح مع الهواء، فأطير أينما أطير، مثل ريشة تعرف مسارها ومبتغاها" ص34، رغم أن اللغة أدبية وجميلة، لأن أنها لم تخرج إلا من الطفل الذي انصهر مع الطبيعة، فهي لغة مقنعة، أنها لغة الطفل المنصهر والمتماهي مع الطبيعة، التي وقف عندها متأملا، فأعطته هذا اللغة وهذا الشعور وهذا الاحساس الناعم والهادئ.
"أنا أتحول إلى روح، تراقب جسدي، تراه كما تراه، وترى الآخرين، دون أن يشعروا بوجودي، أنا الطبيعة، أنا الشجرة، أنا نسمات الهواء، أطير بأجنحتي وأحط بخفة ورشاقة، أعلو إلى السماء السابعة، وارجع من جديد كما أشاء، لا يستغرقني ذلك وقتا، حتى إنني أقوم بكل هذه معا، ليس هناك زمن، الزمن أنا وأنا الزمن، فليس هناك قبل ولا بعد، تتوقف الحياة، وتبقى الروح، أنا الروح والروح من حولي" ص113، حالة الانصهار تتجلى بهذا المشهد، فالطبيعة والطفل هما شيء/كائن واحد، ولم يتوقف الأمر عند المسائل المادية، بل نجده يتعادها إلى الروح، وإلى ما هو أبعد من الإنسان، الزمن، وهذا يمثل ذروة العلاقة بينهما.
يبدو لنا وكأن الطبيعة أخذت وأعطت صفات الإله أو الإنسان النبي، الذي يعطي دون أن ينتظر الشكر أو رد الجميل، فهي تعطي لأنها معطاءة، وإذا ما اخذنا أن هناك حالة من الانصهار بين الإنسان/الطفل والطبيعة/المكان، يمكننا أن نتفهم هذه الصورة:
"عجبت لأمر هذا الهواء الذي يحمل الحرارة بعيدا، ويبقي جسدي منتعشا، وددت لو أخلع ثيابي، فخلعت، وددت أن أمشي عاريا بين أشجار الزيتون، ومشيت، وددت أن أدخل دعل عين أبو شرعة، فدخلت، وددت لو استحم بالماء، فاستحممت، وددت أن أغني بأعلى صوتي، فغنيت" ص127، فالطبيعة تمنح الطفل كل ما يريده، كل ما يشتهيه، لكنها لن تكتفي بهذا العطاء الروحي والطبيعي، بل تجعله يتقدم أكثر فكريا، بحيث تكون افكاره طبيعية، وناتجة عن الطبيعة، ومن هنا تأتي الأسئلة التي تجعلنا نتوقف عندها متأملين، متفكرين، فهي مجرد أسئلة، لكنها أسئلة وجودية، تتناول العديد من الأفكار.
الأسئلة
دائما النص الأدبي الذي يقدم أسئلة يجعلنا نتوقف عنده متأملين، فالسارد لا يريدنا مجرد متلقين لنصه، بل فكرين ومتأملين فيه، لنصل نحن إلى الأفكار، حتى لو كانا مختلفين معه، بداية نشير أن الأسئلة صادرة عن الطبيعة أو هي من تأثير الطبيعة على الطفل السارد، لهذا يمكن أن تكون بسيطة لكنها بحاجة إلى اجابات حتى لو بدت أنها سهلة:
"كم جيل عاش على هذه الأرض، وكم هي الأجيال التي ستعيش بعدنا؟
هل هي الحياة التي أعرفها الآن أم كانت مختلفة كثيرا؟ ما الذي اختلف؟ وهل اللاحقون سيعيشون كما نعيش نحن الآن؟ هل نحن نعيش في الحياة الدنيا؟ هل يوجد أدنى منها؟ هل تحس الحيوانات كما نحس نحن؟ بماذا تختلف عني" ص23، هذه بداية التفكير بالكون وبالحياة وبالموجودات عن الطفل السارد، وهي اسئلة تنسجم تماما مع عقليته، لكنه لا يتوقف عندها، بل يتقدم أكثر من الطبيعة فتجعله يطرح مجموعة أخرى من الأسئلة:
" الطبيعة! أين تبدأ وأين تنتهي؟ لا أعرف. ماذا هناك تحت سطح الأرض؟ التراب والحجارة! وماذا تحت تحتها؟ وماذا فوقها؟ السماء! وماذا بعد السماء؟ وهل هناك سماء للسماء؟ هل هناك حياة في السماء كما في الأرض؟ أين تصعد أرواحنا؟ في أي منطقة يمكن أن تكون؟ أيمكن أن تكون فوق هذه الجبال وكفى؟ ما هي الروح؟ هل لها أجنحة تطير؟ كيف تعيش بعد الموت؟ لا جواب لكن من حقي أن أسأل" ص25، رغم أن بعض الجهات والجماعات ترفض طرح هذه الأسئلة وتعتبرها زندقة، وفي أحسن الحالات يجب تجاهلها وعدم الخوض فيها، إلا أنها تبقى تشكل هاجس عند الإنسان، ومن حقه أن يطرحها، وبما انها جاءت من طفل، فلنا أن نتقبلها وأن نجيب عليها، إذا استطعنا إليها سبيلا.
وبعد أن يقع بين يدي "أم صفية وأم عفاف" ويقمن بتغسيله ومداعبته وبعد أن تأخذه اللذة إلى عالم لم يعرفه، يطرح هذه الأسئلة:
"... فقط سألت نفسي، وظللت أدور حوله: يا الله، لم خلقتنا ذكرا وأنثى؟ هل كنا كذلك منذ البدء، أم كنا واحدا، ففلقتنا فلقتين؟ وهل يحن الواحد لنفسه لو كان واحدا؟" ص105، فالأسئلة تدور حول خلق الله، وهذه من الأسئلة المحظورة والممنوعة، لكنها بما أنها صادرة عن طفل لم يبلغ الحلم، فهو أن يقول ما يشاء.
عالم الطفل لم يتوقف عند خلق الإنسان فحسب، بل نجده يتناول الحيوانات ايضا:
"لماذا لا نكون مثل القطط؟ لماذا أرسل الله مئات الانبياء، وبعض الرسل ليرشدنا إلى الخير ولنؤمن به؟ لماذا لم يفعل ذلك أيضا مع الحيوانات الأخرى مثل القطط؟ ربما أرسل لها كتبه إليها، ولا نستطيع فهمها؟ فكيف لنا أن نفهم كتبها من خلال سلوكها؟ ربما أرسل أنبياء، للكائنات الي نعتقد أنها أمكثر تطورا من غريها/ ربما أرسلها للنمل والنحل" ص116و117، اعتقد أن مثل هذه الأسئلة مشروعة ومن حق الطفل السارد أن يطرحها، رغم أن الاجابة عليها صعبة جدا.
والأسئلة لم تتوقف عند الأفكار، بل نجده يقدم لنا أسئلة من خلال أعمال نقوم بها على أنها طبيعية وعادية جدا:
"كم يبكيني حين يذبح أحدهم سخلا، وهو يصرخ أن لا، تحز السكين رقبته، ويسيل الدم، ويحاول التشبث بالحياة دون فائدة، نأكله، ونستمتع بطعم لحمه، هل نحن واعين لحياتنا؟ هل هناك ما يمثل ما هو أكبر وأكثر وعيا منا، نعيش ليستفيد هو منا، يقتلنا ليعيش؟ ربما، ربما المرض، يهاجمنا، ويعاركنا، وحين نموت يأكلنا" ص80، أسئلة في الصميم، لماذا يحق للإنسان أن يقتل "السخل" ويستمتع بلحمه، رغم رغبته في الحياة؟ وهل الكون/الطبيعة فقط للإنسان؟، أم أنه هو أيضا للطبيعية، لكائن أكبر منه سيستمع بأكله كما يستمتع الإنسان بأكل "السخل"؟.
الأب والأم والمعلم
الأم والأب والمعلم لهم أثر على الأطفال، ويبقوا حاضرين في الذاكرة، أفكارهم، وسلوكهم له وقع خاص واستثنائي، فكيف كان هذا الأثر والوقع على الطفل السارد؟:
"أب يحرسني من بعيد بقوة عضلاته، كان يكفي أن أخبر أكبر زعيم في القرية بأني أبن فلان، فأرده، ... لا بد أن عضلات أبي كانت تحوم حولي، وتهدد هذه المفترسات" ص27و28، صورة الأب القوي/ الحامي والمدافع، وهي صورة واقعية للأب عند غالبية الأطفال، فهم يرون الآباء وكأنهم (سوبرمان) الذي يفعل كل شيء.
هذه صورة الأب وقت الشعور بالخطر، لكن سلوك الأب غالبا ما يكون فيه قسوة، وهذه القسوة تعكر حالة الطفل النفسية، وتجعله يميل نحو أمه التي تتعرض هي الأخرى لما يتعرض له من عنف وقسوة:
"لم أفهم لماذا هذه القسوة التي يمارسها أبي ذدنا، حتى أني شككت أن يكون أبي، ...سبني بل أنواع المسبات، أبوك، أمك، عمك، خالك...، والعصا تعلو وتهبط على ذراعي ووسطي، وأنا أختبئ وراء أمي، وهي لا تحميني، وكأن الأمر لا يعينها، بكيت بأعلى صوتي، وتألمت بأعلى صوتي عله يتوقف" ص57، صورة الأب القاسي، وهي صورة تعم غالبية الاعمال الروائية، فغالبا ما يأتي الاب بهذه الصورة القاسية، وكان السارد يربط ـ في العقل الباطن ـ بين النظام الرسمي والأب، ونجد الأم التي من المفترض ان تدافع عن ابنها، نجدها من شدة القمع والقسوة التي تتعرض لها تقف دون حراك، ولا تبدي أي ردة فعل، فقسوة الأب أماتت فيها الحركة/الحياة، لهذا نجدها جامدة دون حراك.
أما المعلم فهو أيضا لم يكن إلا كحال الأب/النظام، يمارس القسوة والعنف وبشهوة، وهي معلم فاسد/فاشل لا يقوم بواجبه:
"...يمشي كأنه يدب على الأرض دبا، يتكلم بأقل العبارات الممكنة، حتى أنه في الصف يكلف أحد الطلبة ليقوم بالتدريس، وتسجيل الحضور والغياب، وجمع الوظائف، وأرشفتها، توزيعها، غرفة الصف هي غرفته الخاصة، فيها يأكل ويشرب، وينام أحيانا بين الحصص الدراسية...تجرأت أن أكلم الأستاذ بلهجته، وسألته: كيف تأكل هذا الشيء المقرف؟
.. فإذا به بكفه تلطم وجهي، وتطيح بي أرضا" ص61و62، صورة طبق الأصل عن النظام الأبوي الذي يرفض أن يُسأل، فهو يمثل الرب الذي يجب أن نسلم بكل مل يقوم ويصدر ويتكلم به.
الوضوء والصلاة
يتمرد الطفل السارد على شكل التمسك بالوضوء ويعطينا فكرة جديدة عن الطهارة والوضوء من خلال هذا المشهد:
"قررت أن أصلي، ولكني دون وضوء، قلت في نفسي: الله يقبل ذلك، فما الضوء إلا طقوس قبل الصلاة، ولا وقت لدي للنزول إلى الوادي والصعود ثانية، توضأت بالهواء، فيحن كان الماء توضأوا به، وإلا فالتراب، يُتوضأ به، والمنطق أن يكون الهواء هو ثالثهما، فالوضوء رمز إلى النور والضياء، بالماء والتراب والهواء" ص120، اعقد أن هذا الفعل الصادر عن الطفل مبرر وواقعي، ويخدم فكرة التحليل التي يجب أن تلازم أي فعل أو عمل، وكأن السارد أردنا بهذا السلوك أن يقدمنا أكثر من فكرة الطهارة، فأضاف الهواء كعنصر للحياة، للطهارة.
الزواج
يقدم لنا الطفل السارد فكرة جديدة عن الزواج من خلال الحوار الذي تم بينه وبين صفية:
"ـ هل تقبلين أن تتزوجيني؟
ـ هل تقبل أن تتزوجني؟
...
ـ نحتاج إلى شاهد يا صفية.
ـ الشاهد هو الله، وهذه الجبال والتلال والأودية.
.. صخت بأعلى صوت، وفعلت هي كذلك، حتى ارتدت أصوتنا لتؤكد شهادتها...

ـ ألا تشعرين بالبرد يا صفية؟
ـ اشعر بالدفء وأنت بجانبي، أقترب أكثر تدفأ أكثر.ـ وماذا نفعل الآن؟
ـ مثلما يفعل العروسان.
...
همست: أنت زوجي.
همست: أنت زوجتي." ص82 -85، عقلية الأطفال وجدت هذه الطريقة ليكونا زوج وزوجة، فهما يستشهدان الطبيعة، ويكتفيان بها، بعيدا عن الناس.
الاغتسال
الاغتسال يعني التحول من حالة إلى أخرى، من حالة فكرية/اجتماعية إلى أخرى، هكذا جاء مفهوم الاغتسال في الاساطير القديمة، وهذا ما أكدته العقائد الدينية، ففي المسيحة التعميد بالماء وفي الإسلام الاغتسال، وفي ورواية "الباطن" أيضا اعطنا فكرة التحول من حالة إلى حالة جديدة:
"...قالت دعني أساعدك بالاستحمام، قالت لي سأنظف جسدك كما ينظف العريس جسده ليلة دخلته،... بت غير قادر على تميز أعضائي، اختلطت علي الأمور أيما اختلاط، بيت لا أعرف أين أنا، ولا أعرف من اكون، شعرت بماء دافئ يسكب على جسدي، يبلله من كل جهة، ارتعش قليلا، أهز رأسي علني أصحو، ولا أدري إن كانت قد فعلت، سمعت صوتا من ركن في المغارة يقول: لا تخجل، كن رجلا، لا أدري إن استجبت، ولا أدري متى سأصبح رجلا، لماذا يجب علي ذلك؟" ص127و128، الحالة الجديدة التي حدثت بعد الاغتسال تتمثل في "لا أدري" وهذه لا تعني الضياع والتيه بقدر أنها تشير إلى حالة الخروج من حالة إلى أخرى، لهذا كان الطفل "لا يدري" عن واقعه/حالته قبل الاغتسال، فالاغتسال كان يمهد له للدخول إلى حالة جديدة، والتي وجدناها في الأسئلة والأفكار التي طرحها وفي تصرفه الجديد في طقوس (الزواج من صفية) ومن طريقة الوضوء التي اكتشفها وقدمها لنا.
الرواية من منشورات جسور للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، والرعاة للدراسات والنشر، رام الله، فلسطين، الطبعة الأولى 2017







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,092,441,968
- النظام التقليدي والكتب
- الفساد في القانون أم فيمن وضع القانون
- سورية الجديدة
- واقع روسيا القيصرية في رواية -الآباء والبنون- ايفان تورغينيف
- خلاصة تجربة إبراهيم مالك
- اللفظ والمضمون في قصيدة -من أنا- سلطان الخضور
- الأهل والأصدقاء
- مناقشة ديوان -أمشي إليها- للشاعر سامح أبو هنود
- -غوايات الماء- سامح كعوش
- قصيدة -ضياء تشرين- موسى الكسواني
- الفعل والحرف في قصيدة -أنا من تعبت- جروان المعاني
- جلد الذات في رواية -درب الحيب- باسم سكجها
- المسؤول
- مناقشة قصائد عمار خليل
- دور القصيدة في ديوان -حارس المعنى- أحمد الخطيب
- المد في رواية -بحر تموت فيه الأسماك- ممدوح أبو دلهوم
- قصائد عمار
- الأيتام مشاريع العظماء خليل حمد
- التنوع والتعدد الأدبي في مجموعة -مسا ... فات- سمير الشريف
- مسرحية زمن الخيول البيضاء


المزيد.....




- العرض الترويجي للجزء الأخير من -Game of Thrones- يحصد ملايين ...
- شاهد.. فيديو مؤثر عند أهرامات مصر بعد فيلم خوفو الجنسي
- الشاعرة الكويتية المتميزة سعدية مفرح
- نجم باب الحارة أبو عصام يتراجع عن موقفه تجاه صلاح الدين الأي ...
- الجامعة العربية...اجتماع مشترك لوزراء السياحة والثقافة العرب ...
- فيلم -المنتقمون- يلقى رواجا خياليا قبل إطلاقه!
- البام يستدعي بوريطة لمناقشة لقاء جنيف حول الصحراء المغربية
- بمناسبة عيد الميلاد.. أول فنان عربي يغني في الفاتيكان!
- بالفيديو .. هنا يرقد الخليفة العباسي المستعصم بالله
- من الرواية إلى الدراما.. الطريق ليست دائما فضية وذهبية


المزيد.....

- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - الباطن صافي صافي