أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - تحليل ونقد تجارب الثورة والإصلاح في روسيا (2)















المزيد.....



تحليل ونقد تجارب الثورة والإصلاح في روسيا (2)


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi )


الحوار المتمدن-العدد: 6066 - 2018 / 11 / 27 - 21:21
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


عندما تبلغ الثقافة قناعتها الخاصة عن المثال، فإن ذلك يفترض معاناتها إياه في العلم والعمل. وهي معاناة تبدع تصوراتها عن الواجب أو عما ينبغي القيام به، ويستحيل بلوغه دون النزعة النقدية للفكر ودون فرضياته الكبرى.
إذا كان الفكر الروسي المتمثل لقيم المثال الأسمى قد بلغ قناعته الخاصة عن ضرورة الثورة بالنسبة للإصلاح، فان نزعته النقدية اللاذعة تجاه الواقع وفرضياته الكبرى عن الواجب بقت في الأغلب أسيرة المواجهات الفردية والجزئية مع النظام القائم. فالفكر الروسي لم يرتفع في نقده وفرضياته إلى مستوى الرؤية المنظومية، ولم يستطع بلورة وصياغة فلسفته السياسية. وهو السر القائم وراء الاندفاع المتحمس للفكر الديمقراطي الثوري صوب الهيغلية اليسارية أولا والماركسية لاحقا. بحيث جعل لينين يتكلم في وقت لاحق عن المعاناة الروسية في انتظارها للماركسية. ولم يقصد بذلك العثور المفاجئ عليها كما لو أنها الهبة المرسلة من سماء التاريخ الأوربي إلى أراضي روسيا الشاسعة، بقدر ما كان يعني استجابة الماركسية للعناصر النقدية والفرضيات المتراكمة في التاريخ الروسي بشكل عام والثوري الديمقراطي منه بشكل خاص. وليس مصادفة أن يتكلم لينين أحيانا عن "المصير التاريخي" للماركسية في روسيا.
لم تعن مطابقته بين معاناة الوعي الثوري الروسي في بحثه عن "مرشد عمل" وبين العثور عليه في الماركسية سوى إدراك قيمة الماركسية بالنسبة للحرية الاجتماعية الحقيقية. فقد كانت الحرية معضلة روسيا القيصرية ومعضلة الماركسية أيضا، بمعنى انعدامها في الأولى و"غائيتها" في الثانية. وهي فكرة أكد عليها لينين منذ بواكير أعماله النظرية ونشاطه السياسي. فهو يشير في إحدى مقالاته إلى أن روسيا المتحررة من الاضطهاد الطبقي والقومي هي مقدمة تحرير أوربا نفسها من رجعيتها وحروبها الدائمة.
ومن الممكن القول بأن الوعي الروسي الثوري قد تمرس في قبوله لنتاج الفلسفة "الكلاسيكية الألمانية" ابتدأ من كانط وانتهاء بفيورباخ مرورا بهيغل. وبما أن المنطق الهيغلي يفترض بلوغ ملكوت الحرية في مجرى تعمق وعي الذات، فقد اصبح من الممكن إنزال هذا الملكوت إلى أرض الصراع الطبقي المباشر وإعلانه أسلوبا لبلوغ الحرية الحقيقية. وهذه الفكرة التي شكلت عصب الصيرورة الماركسية وروحها الفعال ابتداء من إشكاليات الاغتراب والعمل حتى حتمية الانتقال إلى الشيوعية وضمور السلطة القهرية (أو الدولة بالمعنى التقليدي للكلمة). بهذا المعنى كان "اكتشاف" الماركسية في مجرى المعاناة الثورية الروسية النتاج "الطبيعي" لالتقاء الجهود العلمية (النظرية) والعملية الروسية في البحث عن النموذج الواقعي والمثالي للحرية. وهي فكرة عميقة سوف يجري ابتذالها من جانب الأيديولوجية السوفيتية في وقت لاحق عندما جعلت منها عقيدة مقدسة. واستبدلت معاناة البحث والتضحية الروسية عن "عقيدة الخلاص" بيقين القناعة القائلة بغائية الالتقاء. بحيث جرى تأويل التاريخ الروسي (والعالمي) كله كما لو انه "تحضير" لما تنوي هذه الأيديولوجية قوله وفعله. أما التنظير اللاحق لذلك بمفاهيم الطليعة السوفيتية الشاملة فقد أدى إلى ابتذالها الكامل في البيروقراطية الحزبية وأصنامها المتنوعة. وأفلحت هذه الصنمية في صنع أفلاكها الأيديولوجية الدائرة في خيالات وقناعات الضرورة التاريخية والحتمية الملازمة لانتظار الماركسية (كأحزاب) حتى في البلدان (العربية منها أيضا) التي لم تعان اجتماعيا ولا فكريا ولا روحيا من إشكاليات الضرورات الكبرى وحتميتها. وإذا كان من الممكن فهم هذه القناعات الإيمانية بمعايير الدعاية السياسية، فإن قيمتها النظرية لم ترتق حتى إلى مصاف الأيديولوجيا "الذكية". من هنا تقليديتها الفجة وسطحيتها النظرية.
ومع ذلك، فإن "اكتشاف" الماركسية في روسيا كان يعني بناء صيغتها الروسية. فالماركسية الروسية لم تكن تقليدا أجوف ولا معاناة مغامرة، بل نموا تلقائيا للوعي الثوري الروسي في سعيه للتحرر من القهر والاضطهاد القيصري. من هنا فان تحسس وإدراك الالتقاء التاريخي والروحي بين الماركسية والديمقراطية الثورية يخدم مزاج الرؤية الثورية في بحثها عن "عقيدة الخلاص" وتأسيسها النظري السياسي لتنشيط هذه العقيدة في "الروح الجماعي" الروسي.
لهذا لم يجد لينين في الماركسية "عقيدة خلاص"، بل "مرشد عمل". وهو تباين يتجاوز حد العبارة إلى أسلوب الرؤية والفعل. من هنا تشديده في بواكير أعماله النظرية، على انه لا يوجد ماركسي في روسيا يشترط إلزامية الرأسمالية فيها لأنها موجودة في الغرب، أو يرى في آراء ماركس مخططا فلسفيا تاريخيا ملزما للجميع، أو أكثر من نظرية تخدم مواقف الاشتراكية الديمقراطية ورؤيتها للواقع التاريخي الروسي. وذلك لأن الجوهري هو كيفية تطبيق آراء ماركس في الواقع الروسي. مما جعل لينين يشدد على أن شروط الإبداع الفكري والسياسي للمثقفين الروس يكمن في بحثهم الجاد والمتعمق في روسيا الواقعية لا روسيا المرغوب فيها، روسيا الواقعية لا المثالية. ذلك يعني، أن الجوهري في الماركسية ليس خطتها المجردة ولا حتى أحكامها الملموسة، بل منطقها وماهيتها (العلم والديالكتيك). ولا تعني هذه الأفكار في مضمونها التاريخي سوى المساهمة النظرية في تعميق الرؤية الثورية للتراث الديمقراطي الروسي من خلال تنشيط نقدية الماركسية وفرضياتها المنظومية. فقد استجابت الماركسية كنظرية وحّدت في ذاتها النزعة النقدية والفرضية المنظومية، لنزوع الديمقراطية الثورية الروسية في بحثها التاريخي عن الحلقة المكملة لسلسلة فلسفتها السياسية. لهذا جعل لينين من شرط الإبداع النظري الثوري الروسي سبيله إلى دراسة الأشكال الواقعية الاجتماعية الاقتصادية كاشفا حتمية الاستغلال ومآسيه في ظل سيادة الرأسمالية، وكذلك تفعيل الرؤية العملية الكفاحية.
إن انتظار الماركسية كان يعني أيضا استعداد روسيا المادي والروحي لتأسيس رؤيتها التاريخية والسياسية عن ضرورة البديل الاجتماعي الشامل. لهذا كان ارتقاء الديمقراطية الثورية صوب الاشتراكية الديمقراطية نتيجة لازمة لنضوج الوعي التاريخي الثوري، لا نتيجة للأهواء العابرة. بمعنى تصّير الديمقراطي الثوري ديمقراطيا اشتراكيا، وأن تكون ثوريا يعني أن تكون اشتراكيا. وهو ادراك استعاد تقاليد الثورية الروسية بالشكل الذي جعل من تفعيلها السياسي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، المهمة الأولى للاشتراكية الديمقراطية. من هنا توكيد لينين على أن الماركسيين الروس بالاختلاف عن اشتراكيي الماضي لم يكتفوا بالإشارة إلى واقع الاستغلال، بل وحاولوا تفسيره، ولم يقفوا عند هذا الحد بل واكتشفوا الطبقة التي يمكن أن يوجهوا اهتمامهم إليها من اجل تثوير وعيها الذاتي لقيادة التحولات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية الشاملة. وهي المهمة التي استلزمت في ظروف روسيا، كما يقول لينين، تحويل الطبقة العاملة إلى ممثل للفئات المستضعفة عبر رفع نضالها من حضيض الفتن وردود الأفعال الجزئية إلى مستوى النشاط السياسي المنظم، باعتبارها المهمة الأساسية للاشتراكية الديمقراطية الروسية. وأن بلوغ الحركة الاشتراكية الديمقراطية في رؤيتها النظرية والسياسية درجة تمثيلها للمصالح الجذرية للطبقة العاملة والكادحين هو الذي يمنحها إمكانية السير صوب الثورة الاشتراكية، كما وضع ذلك في كتابه (ما العمل؟).
كان كتاب لينين (ما العمل؟) من الناحية الرمزية انتقالا صريحا من تاريخ الفتن وردود الأفعال الديمقراطية المتحمسة إلى نظام الرؤية السياسية، أي الانتقال من تذبذب "النفس الروسية" بين "من المذنب؟" و"ما العمل؟" إلى وحدتهما الفعالة بالنسبة لتفسير الواقع وتغييره. فقد كان (ما العمل؟) اللينيني الاستكمال السياسي للروح الأدبي (الديمقراطي الثوري) المتجمع في غضون قرن كامل من المعاناة الحقيقية في مختلف ميادين الصراع والإبداع. وأشار لينين في (ما العمل؟) إلى روسيا الظلامية،القمعية، الرجعية، المتخلفة نهاية القرن التاسع عشر. وهي المرحلة التي استنفدت فيها الديمقراطية الثورية رصيدها الخطابي. مما جعل من تغلغل الماركسية في الأدب الثوري والنظري العلمي، الظاهرة الأكثر شيوعا وانتشارا. وأشار أيضا إلى أن الكتاب الماركسي أصبح الأكثر نفوقا في روسيا، والنظرية الماركسية أصبحت الأكثر انتشارا بين الخواص والعوام (النخبة والجماهير). كما أصبح من الممكن الحديث عن ماركسية علنية وماركسية اقتصادية وماركسية مبتذلة وماركسية انتهازية وماركسية تحريفية وغيرها.
فقد انتقد لينين ابتذال الماركسية وضعف مستواها النظري بفعل انتشارها الواسع بين أناس يفتقدون إلى التأهيل المعرفي. ولم يسع من وراء ذلك إلى إهدار قيمة الأيديولوجية في استقطابها للجماهير، بقدر ما وجد في ابتذالها تثليما لروحها الثوري. وهي الظاهرة التي تميز في الإطار العام آلية فعل العقائد الكبرى في الوسط الجماهيري، بغض النظر عن مستوى التطور الاجتماعي الاقتصادي والثقافي. كما أنه "القدر" الذي ميز على الدوام الأديان العالمية والنظريات العقائدية الكبرى بفعل سيادة المبادئ الموحدة (الواحدية والوحدانية) فيها. وأعطى ذلك للجميع إمكانية الانتماء إليها والبقاء في حيزها رغم تباين المعارف والأذواق. بمعنى عدم تعارض البقاء في حيز "الايمان" والارتقاء إلى مصاف المرجعية في العلم والعمل. وإذا كانت هذه العقائد وما تزال تفعل فعلها في استثارة وتنظيم القوى الاجتماعية والسياسية والروحية، فأنها تفرز مع ذلك عناصر التقليد والتقييد بفعل وجودها في "نظام الفوضى"، أي في ظل ضعف وهشاشة البنية الحقوقية للدولة، مما يؤدي في الأغلب إلى جعلها أداة بيد البيروقراطية الحزبية (السلطوية والمعارضة). وليس مصادفة أن يؤدي ذلك إلى انتشارها بين اكثر الناس جهلا بمبادئ العقيدة وأبعدهم أحيانا عن أخلاقها المعلنة.
ومع ذلك أصبحت الماركسية من وجهة نظر لينين الكيان الجامع لمظاهر السياسة المتنوعة في مراحل الصراع الحادة. وكشفت بذلك عن أن رواجها لم يكن صدفة بقدر ما كان استجابة للكلّ الثوري المتبلور في تنوع المدارس والفرق والمذاهب والعقائد والأحزاب والجمعيات في روسيا ما قبل الثورة.
أما الوحدة المتناقضة لرواج الماركسية وتنوعها، ضرورتها في مساعي الحرية و"انحرافاتها" العديدة، فأنها تعكس إشكالية البحث عن النماذج الواقعية للبديل الإصلاحي الشامل. وقد أصاب لينين عندما أكد على أن المبادئ التحررية للماركسية وبراهينها العلمية على ضرورة تصفية الاستغلال، كخطوة لبلوغ الحرية الإنسانية هي التي جعلت من خطواتها في كل مجال ميدانا للمعارك. ولم يكن ذلك ناتجا عن ضغط الرؤية المتبلورة في مجرى قرن من المعاناة الروسية في البحث عن المثال والواجب فحسب، بل وبأثر الانتقال التاريخي للديمقراطية الثورية نفسها إلى مصاف الاشتراكية الديمقراطية. لقد قادت هذه العملية إلى تكون التيار الثوري الاشتراكي بوصفه توليفا روسيا لتقاليد الديمقراطية الثورية والاشتراكية الديمقراطية، ومن ثم تحول الاشتراكية الديمقراطية (الروسية) إلى الممثل الأكثر تجانسا للحركة الديمقراطية الروسية ككل آنذاك.
إن مطابقة الثوري مع الاشتراكي، والاشتراكي مع الثوري جعلت من تيارات "الإصلاحية" الأخرى، بنظر الاشتراكية الديمقراطية الروسية (البلشفية منها بالأخص)، مجرد حركات ليبرالية برجوازية نشأت على أطراف التيار الأصيل للحركة التقدمية الروسية. مما حدد حتمية الصراع معها، وميز التاريخ السياسي الروسي حتى الثورة، عبر صراع الاشتراكية الديمقراطية مع التيار الليبرالي. وإذا كان هذا الصراع السياسي قد اتخذ في بداية الأمر صيغة الصراع النظري مع "الماركسية العلنية" ثم الشعبية ثم "الاقتصادية" و"التحريفية" و"الانتهازية" وغيرها، فانه أدى في ميدان الفعل السياسي إلى تركزه في مجال التعارض التام بين الرؤية الثورية والرؤية الليبرالية البرجوازية في المواقف من إصلاح روسيا. حيث اتخذ هذا الصراع في بداية الأمر صيغة "تنقية" الرؤية الماركسية نفسها والحفاظ على ثوريتها. وافلح هذا الصراع في غضون ثلاثة عقود (قبل الثورة) على تذليل مختلف الماركسيات العلنية والتحريفية والانتهازية، التي كانت تهدف إلى البقاء في حيز الجزئية (كالماركسية العلنية) وتمييع فكرة الصراع الطبقي (كالتحريفية الكاوتسكية) وإلغاء جوهرية الهدف النهائي (كالانتهازية البرنشتينية). وهو صراع أدى إلى بلورت البلشفية، باعتبارها التيار الأكثر تجانسا مع السياسة الثورية في رؤية الوسائل والغايات.
فالصراع مع الماركسية العلنية والكاوتسكية أدى إلى دمج الفكرة القائلة بجوهرية الصراع الطبقي وشمولها العقائدي في المواقف السياسية والآراء النظرية تجاه كافة جوانب الوجود الاجتماعي. في حين أدى الصراع مع البرنشتينية وأفكارها عن جوهرية الحركة لا الهدف النهائي، إلى توكيد وحدة الحركة والغاية. إذ لا يعني إهمال الهدف سوى الإرجاء الدائم للاشتراكية. بينما لا طريق (أو وسيلة) إلى الاشتراكية إلا بالصراع الطبقي، الذي يفترض ضرورة الثورة. وهي الحصيلة التي حالما جرى تثبيتها في المبادئ الكبرى للبلشفية ( باعتبارها التيار الديمقراطي الاشتراكي الروسي الأكثر فاعلية قبل الثورة) ، فأنها أدت إلى تركيز مواجهاتها السياسية الفكرية ضد التيارات البرجوازية بشكل عام والليبرالية منها بالأخص.
وقد أعطى انتصار ثورة أكتوبر للبلشفية أبعادا عالمية باعتبارها أحد النماذج العملية الراقية للماركسية. أما تحولها اللاحق إلى الممثل الشرعي الوحيد للماركسية (والاشتراكية) على النطاق العالمي فقد أدى إلى نتائج خطيرة ومضرة للأحزاب الشيوعية. فتباين المهمات والقدرات والمواقع بين الأحزاب الحاكمة (في الاتحاد السوفيتي وغيره من البلدان آنذاك) أدى إلى إخضاع المزاج الثوري لحركات التحرر لقيود الحزبية الدولتية، في حين أن البلشفية السياسية هي مبادئ عملية تستمد رؤيتها من تفسيرها الخاص للماركسية. لهذا طرح لينين في معرض نقده لليسارية المتطرفة في عمله النظري(مرض الطفولة....) المقدم للكومنترن الثاني ظاهرة استصغارها لقيمة البلشفية. فركز على مبادئ ضرورة الحزب السياسي المرن والفعال (من دخول البرلمان البرجوازي إلى العمل بين الجماهير والنقابات بما في ذلك اشدها رجعية، إلى تطويع الإرادة السياسية بما في ذلك قبول المساومات. ووجد في هذه المرونة المبدئية شروط الكفاءة العملية للحزب في تحقيق الغاية النهاية للحركة الاشتراكية الديمقراطية الثورية ألا وهي الثورة الاشتراكية.
وليس مصادفة أن يرى لينين في التيارات التحريفية والانتهازية في الحركة الاشتراكية الديمقراطية (الأوربية والروسية) تعبيرا عن "أثر ومآثر" الليبرالية البرجوازية. وهذا ما جعله يشدد على أن تاريخ الماركسية بشكل عام (وفي روسيا بشكل خاص) هو تاريخ الصراع ضد الليبرالية البرجوازية في مواقفها وآرائها المتنوعة الهادفة إلى تمييع الصراع الطبقي وإلغاء ضرورة الثورة. وذلك لأن ما يجمع الاتجاهات الليبرالية هو تنظيرها وعملها الهادف إلى عزل مفاهيم وممارسات الديمقراطية والاقتراع العام وإرادة الأغلبية والدولة عن مفهوم الطبقات والطبقية.
ففي مجرى دراسته تاريخ الليبرالية البرجوازية توصل لينين إلى الفكرة القائلة بأن النصف الثاني من القرن التاسع عشر في أوربا وبداية القرن العشرين في روسيا يكشف عن زيف أحكام الليبرالية البرجوازية بصدد قضايا الديمقراطية والاقتراع العام ومفهوم الدولة (اللاطبقي). وهو حكم صحيح من حيث إدراكه جوهر الديمقراطية بالمعنى الماركسي والسوفيتي، رغم إشكاليته التاريخية والاجتماعية. وفي حالة إرجاء الجدل الفلسفي والسياسي حول هذه القضية، فان مما لاشك فيه صواب الفكرة بالنسبة للحركة الثورية في استشراف آفاق البدائل الاجتماعية الاقتصادية والثقافية. ولعل تجارب الديمقراطيات في أوربا الشرقية وروسيا المعاصرة تكشف عن زيف ادعاءات الليبرالية البرجوازية وأحكامها بهذا الصدد، وتبرهن على أن "التعسف السوفيتي" اكثر نزاهة وإنسانية من "حرية الديمقراطية الروسية" لمرحلة يلتسين واعوانه.
لقد كان مثال الديمقراطية الثورية الروسية والاشتراكية الديمقراطية هو التغيير الشامل للنظام القائم (القيصري). وهي الفكرة التي وضعها لينين في أبحاثه وبراهينه العديدة، حتى في فكرته القائلة بأن المرء لا يمكنه أن يكون ثوريا ديمقراطيا في القرن العشرين، في حالة خوفه من السير صوب الاشتراكية. وقد حددت هذه النتيجة الموقف النهائي من تاريخ الإصلاحيات السابقة ككل.
وضعت الماركسية البلشفية فكرة الإصلاح ضمن مفاهيم الثورة، وجعلت من الثورة القابلة الضرورية للتاريخ، والقوة التي ينبغي أن تتخطى عقبات التاريخ الواقعي بنقله إلى أسلوب جديد في الملكية يحدد بدوره مضمون التحولات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية والثقافية ككل. ذلك يعني، إن الإصلاح الحق حسب نظر البلشفية هو الإصلاح الشامل، الذي يفترض مشروعية الثورة باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على أنسنة العلاقات الاجتماعية بالقضاء على الاستغلال الطبقي، وبلوغ ملكوت الحرية.
غير أن بلوغ الحرية الحقيقية والبقاء في إمكاناتها ليس تقنينا شبيها لما في الطوباويات القديمة وتخطيطاتها الشكلانية، بل هي الذروة التي يفترضها "منطق" التاريخ وتناقضات قواه المنتجة وعلاقاته الإنتاجية. بهذا المعنى فإن الثورة إصلاح، كما أن الإصلاح ثورة. أما توليفهما العملي فيمكن أن يتخذ أشكالا يصعب حصرها مسبقا، مما فسح المجال أمام اللينينية لأن تصوغ نظريا إمكانية الثورة السلمية والعنفية، باعتبار أن ذلك يمس الأسلوب فقط. وإذا كان للأسلوب أثر في كيفية تفتح القوى الكامنة في الثورة، فان ذلك مرتبط "بمصادافات" التاريخ وكيفية تجمع عقده المتناقضة لا بالرغبة الجامحة في كسر طوق التاريخ بالعبور إلى ما وراءه. إذ لم تعن الفكرة الماركسية عن تذليل التاريخ سوى القضاء على مقدمات صراعاته المقيدة بالملكية الخاصة. ومن ثم ليس "التاريخ الحقيقي" سوى الإمكانية غير المحدودة في الحرية.
وقد وقف تاريخ الفكر الفلسفي على الدوام أمام إشكالية تحديد الحقيقي من الزائف، وإذا كان من الممكن تجذرهما في المنطق بمقولات الصواب والخطأ، فإن هذا التمييز يتلاشى أمام الرؤية الوحدانية للتاريخ والنشاط الإنساني الخارج عن شكليات المنطق وحدوده الضرورية في بناء العبارة والمعنى. غير أن هذه الوحدانية نفسها جعلت من الحقيقي والزائف محور اهتمامها الجوهري، لأنها أرادت من وراء ذلك كشف المعنى المفترض أو الغاية المتسامية أو الوجوب الوجودي والأخلاقي في الظواهر والأشياء والأفعال. وإذا كانت الرؤية الدينية، على سبيل المثال والمقارنة، قد افترضت المعنى والغاية والوجوب وراء الحياة وجسّدته بمفاهيم الوعد والوعيد والثواب والعقاب والجنة والنار دون أن تهمل حدوده الأرضية (على الأقل في الإسلام) فان النظريات التي جعلت من المطلق الإلهي ميدانا لتأمل الحرية الإنسانية واضطرارها المجبور، حاولت من خلال نماذجها المتنوعة صياغة الأسلوب المناسب في إدراك علاقة "الحقيقي" و"غير الحقيقي" في التاريخ. بهذا المعنى يمكن النظر إلى الرؤية الماركسية عن الحقيقي وغير الحقيقي في التاريخ على أنها امتدادا لتقاليد الوجوب المتسامي. إلا أن وحدانيتها المادية حددت هذا المعنى وربطته بقيم التحولات المادية والتطور الطبيعي للتاريخ لا بمفاهيم الروح الأخلاقي. أنها أرادت التأسيس للأخلاق المتسامية من خلال تذليل "أخلاقية الطبيعة". ومن الممكن العثور في ذلك على صدى الفكرة القائلة بضرورة رجوع الإنسان إلى فطرته الأولى، بمعنى تذليل "الطبيعي" فيه من خلال الاستناد إلى الطبيعي نفسه، أي الإبقاء على الملكية ولكن من خلال تذليل طابعها الخاص. وهو بقاء يفترض فناء الملكية الخاصة بوصفها المبدأ الشامل في الحياة المادية والروحية للإنسان. وإذا كانت هذه النتيجة تبدو للوهلة الاولى بعيدة المنال، فليس ذلك إلا لقصور النفس الإنسانية وضعف قدرتها على تذليل نفعيتها (أو غريزتها الحيوانية). وهي إشكالية سوف يكشف التاريخ اللاحق عن هويتها "الثقافية" لا "الطبيعية". ومن الممكن القول هنا بان الاحتمال الإنساني العميق في الفرضيات الماركسية ومحاولة تطبيقها في الرؤية العملية للبلشفية تبقى في جوهرها من بين أهم وأعمق الإبداعات الفكرية والعملية في القرن العشرين. ولا يغير من ذلك "سقوطها" المرحلي. إذ أن قيمة الفرضيات التاريخية الكبرى لا تقوم في ما إذا كانت قابلة للتنفيذ أم لا، بل فيما تنوي فعله وتريد قوله أولا وقبل كل شيئ. و ما عدا ذلك فمجرد تاريخ!
وشكلت هذه الأفكار المتراكمة في الرؤية الماركسية منذ إرهاصاتها الفلسفية الأولى مرورا بكتاب (البيان الشيوعي) وانتهاء بكتاب (الرأسمال) المقدمة النظرية الكامنة للثورة الشاملة باعتبارها إصلاحا، وللإصلاح باعتباره ثورة دائمة. وإذا كانت الثورة الشاملة قد اتخذت في بادئ الأمر صيغة الثورة العالمية، بينما اتخذت الثورة الدائمة صيغة الفعل المتوجه صوب "التاريخ الحقيقي"، فان التجسيد العملي لهذه الأفكار في البلشفية لم يكن تحجيما لها بقدر ما كان استجابة واقعية وعقلانية لما في التقاليد الثورية للاشتراكية الديمقراطية (الأوربية) بشكل عام والروسية منها بالأخص. فالجوهري بالنسبة للينينية ليس الصيغة النظرية الدقيقة للماركسية، بل فرضياتها الكبرى واحتمالاتها المتجددة. مما أعطى للينينية مرونة عملية هائلة وأبقاها في نفس الوقت ضمن حيز الاستيعاب الثوري للتقاليد الروسية. لهذا واجهت اللينينية إمكانية الانتقال إلى الاشتراكية عن طريق السلم والعنف. فالسلم والعنف بالنسبة لها مجرد أشكال ومظاهر للثورة بوصفها تحولا شاملا للوجود الاجتماعي السياسي والاقتصادي للأمة. فقد نظرت اللينينية إلى الثورة نظرتها إلى أسلوب ضروري للتسريع في بناء المجتمع الإنساني دون انتظار "حتميته" المتراكمة في الحاضر والمستقبل. ولم يكن ذلك تقديما للإرادية أو سقوطا في أحضانها أو انهماكا بالمستقبلية واستعجال آفاقها. على العكس! لقد كان ذلك إدراكا خاصا للعلاقة الواقعية والواجبة بين الحرية والضرورة، والواقع والمثال، وتحديد النسبة "المتذبذبة" لهذه العلاقة في العمل السياسي. الأمر الذي جعل اللينينية "ماركسية القرن العشرين". بمعنى تحويلها الروح الثوري للماركسية إلى روح الثورة الروسية. وبهذا تكون قد وضعت الروح الثوري للماركسية في ثورية العمل، وتركت للعقائديين مهمة الجدل حول ما إذا كان ذلك انحرافا أو ابتعادا أو تمثلا لحقائق الماركسية ومبادئها. كما مارست ذلك تجاه من بدا لها منحرفا أو مبتعدا أو مبتذلا لحقائق الماركسية ومبادئها. وقد كان ذلك جدلا له صداه وأثره التاريخي والمعنوي حتى في الموقف من ماهية الثورة والإصلاح في روسيا القرن العشرين.(يتبع...)
إذا كانت الحصيلة الفكرية لتجارب الحركات الثورية في روسيا قد أدت إلى مطابقة الثوري الديمقراطي مع الاشتراكي الثوري، فان تجسيدها السياسي اتخذ صيغة المطابقة بين الثورة والإصلاح، وإعلان "الإصلاح الثوري" أسلوبا للإصلاح. لهذا كان بإمكان لينين في جدله مع التيارات المختلفة حول ضرورة الثورة ألا ينطلق من معايير وقيم الإدراك المتسامي للإصلاح الشامل والثورة فحسب، بل ومن تحليله لطبيعة التحولات الاجتماعية - اقتصادية على النطاق العالمي والروسي. فالإمبريالية لم تعد مجرد "درجة عليا" في التطور الرأسمالي العالمي، بل ومقدمة "لكسرها في اضعف حلقاتها". وهي الرؤية التي لم تتحدد بالتخطيط المنطقي المجرد لفلسفة التاريخ الماركسية عن التشكيلات الاجتماعية - الاقتصادية، بل حددها روح الثورة واصلاحيته الشاملة. لهذا وجد لينين في الفكرة القائلة بعدم استعداد روسيا للانتقال إلى الاشتراكية نتيجة ضعف مستوى تطورها الثقافي مجرد حذلقة مثقفين لا قيمة عملية لها في إطار الرؤية التاريخية ومهمات الانتقال الثوري إلى الاشتراكية. فالجوهري بالنسبة للينين هنا ليس "مستوى التطور الثقافي"(الذي يصعب تحديد حده وحقيقته)، بل أداة التحول. لهذا وجد في السلطة السوفيتية ضمانة "المستوى الثقافي"، أو القوة (والوسيلة) القادرة على التعويض عن نقص المستوى الثقافي في بناء النظام الاشتراكي.
لم يعن ذلك، بالنسبة لقضية الثورة والإصلاح، سوى أن أولوية السياسة هي أولوية الإدراك العملي لحل إشكالية النظام والحرية، باعتبارها الإشكالية "الخالدة" للوجود الاجتماعي - السياسي للأمم. أما الصيغة الثورية لهذا الحل فهي النتيجة الملازمة لنشوء علاقة الحرية والنظام. ومن ثم فان الضمانة المفترضة في السلطة السوفيتية هي ضمانة النظام (السلطة) والحرية (السوفيتات). وهي الرؤية التي حددت قيمة الثورة الاشتراكية وجعلت منها في نفس الوقت المقدمة اللازمة للإصلاح الشامل في الاقتصاد والاجتماع والثقافة.
لقد تضمن الإقرار بأولوية السياسة بالنسبة للإصلاح الشامل دمج تقاليد الثورية الديمقراطية والاشتراكية الروسية في رؤيتهما لمسألة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية. من هنا قيمة "العنف الثوري" و"الإرهاب الأحمر" و"شيوعية الحرب"، وكل ما كان بخدم بناء وحدة الحرية والنظام بمعايير الثورية الاشتراكية. ولا يغير من ذلك مساوماتها العديدة (كالسياسة الاقتصادية الجديدة وصلح بريست وغيرها). على العكس، أن ذلك يكشف عن المرونة العملية في استيعاب الأولويات السياسية في نظام الرؤية الثورية نفسها. إذ لم يجر وضع أولوية السياسة في متطلبات الاقتصاد والاجتماع، بقدر ما جرى تحويرها بالشكل الذي يخدم الأهداف القريبة والبعيدة للدولة. وتكشّف ذلك للمرة الأولى بعد الحرب الأهلية (1922) عن الإمكانيات الواقعية والأساليب العملية للبناء الاشتراكي. فالفرضيات التجريبية للبناء الاشتراكي تكشف عن أن أولوية السياسة لم تعد جزءا من استمرارية الثورة فقط، بل ومن كيفية الإصلاح الثوري الشامل أيضا. وهو الأمر الذي حدد مجرى الصراع الفكري والسياسي منذ بدء تجارب البناء السوفيتي، وبالأخص الصراع بين التروتسكية وتصوراتها عن "الثورة الدائمة" والستالينية وتصوراتها عن "بناء الاشتراكية في بلد واحد".
فقد كانت الستالينية بهذا الصدد استمرارا للرؤية اللينينية ومن ثم تطبيق استنتاجاتها النظرية في ميدان البناء الاشتراكي. فإذا كانت الفكرة اللينينية عن إمكانية انتصار الثورة الاشتراكية في بلد واحد تتضمن كسر فكرة الحتمية والعالمية، أي اقترابها من واقعية الرؤية الثورية الكامنة في الماركسية، أو بصورة أدق تذليل عاطفية الرؤية الحالمة لا منطق التحليل النظري المجرد، فإن تطبيقها الستاليني في ظروف الاتحاد السوفيتي ما بعد الحرب الأهلية هو الاستمرار الأكثر واقعية في استيعابه لقيم الإرادة والعزم، أو ضمانة السلطة السوفيتية في إنهاض البلاد وإصلاحها الثوري الشامل.
إذ جرى حسم هذا الصراع لصالح الستالينية بفعل ضمانة أو ثبات المقدمات التي رافقت انتصار الثورة ونتائج الحرب الأهلية. عندها اصبح من الضروري دفع "تصفية" بقايا الحرب الأهلية إلى نتيجتها النهائية في الاقتصاد (من خلال مصادرة الملكيات الخاصة ونظام الجمعيات الزراعية)، وفي السياسة (من خلال بناء مركزية الدولة وآليتها الشاملة)، وفي الثقافة (من خلال فرض أيديولوجية الحزب والدولة). وهي المهمات التي كان يصعب تنفيذها دون بناء الأسس المادية والتكنيكية، مما حدد بدوره أولوية التصنيع الثقيل والزراعة الموسعة، أو كل ما كان يخدم مركزة الدولة الواحدة والسلطة الواحدة والأيديولوجية الواحدة والثقافة الواحدة والاقتصاد الواحد واللغة الواحدة والحزب الواحد والوطن الواحد والشعب الواحد. بحيث أدى هذا الاستعجال التوحيدي في وقت لاحق إلى إعلان البعض ظهور الكيان القومي السوفيتي أو "القومية السوفيتية". وبغض النظر عن البواعث الإنسانية العميقة وراء هذه الصياغة، فأنها كانت التعبير المباشر عن استيعاب وترميم الصيغة النظرية المجردة لثنائية الشكل والمضمون (قومية الشكل اشتراكية المضمون). إن مد المضمون الاشتراكي على كافة نواحي الحياة جعل من الممكن احتواء القومية أيضا. وهي صيغة ايديولوجية استجابت في "تنظيرها" للرؤية البيروقراطية في تنظيم الوجود الاجتماعي. فكان ذلك أحد الأسباب الأساسية وراء "اغتراب" القوميات في الاتحاد السوفيتي واستغلال فكرة القومية لاحقا بما في ذلك من قبل "قادتها الامميين". هذا "الارتداد" لم تحدده في حالات عديدة سوء التجربة السوفيتية في ميدان المسألة القومية، بل ارتجالية "الإصلاح الغورباتشوفي"، وتنامي عناصر الرذيلة السياسية والأخلاقية التي شكلت في كلها "منظومة الخيانة" وإفرازاتها الدائمة في تبرير المجرمين وتجريم الأبرياء، وتجميل القبيح وتقبيح الجميل.
اما من الناحية التاريخية الواقعية فقد كانت الواحدية المشار اليها أعلاه نتاجا ملازما للماركسية، وليس للنموذج اللينيني (البلشفي) للماركسية. وذلك لأنها نشأت في مجرى الصراعات السياسية ما قبل ثورة شباط (1917) وبعدها، وفي مجرى أحداث ثورة أكتوبر (1917) وفعل نتائج الحرب الأهلية. وترتب على هذه الأحداث عنفوان "الرؤية الطبقية" التي حاولت تأسيس كل الأشكال المعقولة وغير المعقولة في ما يخص تنظيم الوجود الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للدولة بقومياتها وشعوبها المتنوعة. وهو تأسيس خدم في برامجه العملية وغاياته المعلنة أسلوب "التحدي التاريخي" و"السباق التاريخي" مع الرأسمالية العالمية وقواها الداخلية والخارجية. مما أغرى الرؤية السوفيتية بتصفية وتنقيه وجودها الذاتي في كافة نواحي الحياة و"توحيد" الاتحاد السوفيتي بالشكل الذي يمكنه من تحدي الحصار الخارجي وتمتين بنيته الداخلية. واستثار ذلك حمية الجماهير وقدرة الشيوعيين التنظيمية لدرجة أفلحت في بناء صرح الوحدة الصلبة للدولة ومؤسساتها، والمجتمع وفئاته (وقومياته أيضا)، والحزب في تنظيماته، بحيث تنامت فيه وترّسخت آلية مستقلة، تحولت شأن كل آلية مستقلة بذاتها إلى "الاستكبار والتجبر" على شروط وجودها الأولى. وهذه الآلية صنعت الستالينية وساهمت في بناء صرحها البيروقراطي، مما أدى تاريخيا (في الاقتصاد والسياسة والثقافة) إلى فقدان حدود الاعتدال، وافرغ الثورية اللينينية من مضمونها الأخلاقي والإصلاحي فتراكمت عناصر المركزية والإدارية البيروقراطية (الحزبية وغير الحزبية) في الدولة.
ان هذا الحكم والاستنتاج الذي وضعته ينبغي فهمه ضمن ما ادعوه بإشكالية الثورة والإصلاح، لأن صيرورة الستالينية وأثرها اكثر تعقيدا وأجدر من أن يجري الحكم عليها بمعايير السياسة المباشرة. فقد انطوت في كيانها السياسي والدولتي والعقائدي على أحد النماذج الممكنة لتراث الثورية الروسية ونزوعها الدولتي. وبإمكاننا العثور فيها على روح الديمقراطية الثورية والاشتراكية الديمقراطية والقيصرية الروسية (وبالأخص في نماذج ايفان الرهيب وبطرس الأول). فالستالنية هي الصيغة المباشرة والحازمة للبلشفية والبطرسية. لهذا استطاعت أن تبني في غضون فترة قصيرة نسبيا قوة عظمى وأن تحافظ في نفس الوقت على وجدانيتها الاجتماعية والسوفيتية (كنظام سياسي وإطار قومي).
وأدت الحصيلة النهائية لهذه العملية التاريخية إلى تحول "التطرف" (الفردي والإرادي) إلى أسلوب امثل للممارسة، وبالأخص بعد إن جرى شحن هذا الأسلوب بقيم العقائدية، وبعد تحول هذه العقيدة نفسها إلى قيود عملية مباشرة (لا إلى مبادئ مجردة كبرى أو مرجعيات روحية). إذ تجذّرت هذه القيود في العقل والوجدان كما لو أنها فرائض دينية. وجعلت سواء عند الناس التأييد أو المعارضة. مما أدى إلى تجذير آلية الفعل لا آلية الاحتكام إلى نظام الرؤية العقلانية والأخلاقية الكامنة في فلسفات الإصلاحية الثورية. لهذا أدت أول محاولة لتقييم الستالينية وإصلاحها على يد خروشوف إلى إعادة ترميم آليتها. فقد تمثلت الخروشوفية أسوء نماذج الستالينية، لأنها جعلت من المغامرة الفردية النموذج الأمثل في تهشيم مغامرات الستالينية (إدارتها البيروقراطية وعبادة الفرد). فالخروشوفية لم تستطع توظيف التقاليد الثورية الاشتراكية بالشكل الذي يمكنها من ترميم بناء التجربة الاشتراكية، باعتبارها تجربة التحرير الإنساني، فأخفقت. ووجد ذلك انعكاسه أيضا في البريجنيفية بوصفها الصيغة "التقليدية" لآلية رد الفعل لا الاحتكام إلى نظم الرؤية العقلانية. وهي الآلية التي حددت نماذج الرجوع التقليدي إلى "الستالينية المتنورة" عند اندروبوف وإلى "البريجنيفية المتكلسة" عند تشيرنينكو. وعندما ظهرت للمرة الثانية إشكالية الإصلاح، لم تتخذ سياسيا صيغة "إعادة البناء" (البيروسترويكا) إلا بعد أن مرت بموضوعات "التسريع" و"العلنية" (غلاسنوست). وليس مصادفة أن تطالب كل من الخروشوفية والغورباتشوفية في بداية أمرهما بالرجوع إلى اللينينية، بعد الهجوم المباشر وغير المباشر على الستالينية. إذ لم يستوعب أي منهما أبجدية الإصلاح القائلة، بأن الرجوع إلى الماضي وهم. فالستالينية هي خطوة هائلة بمعناها التاريخي، وشطب البريجنيفية مجرد مغامرة. إن الستالينية والبريجنيفية تقدمان حتى في سلبياتهما النموذج الضروري لبلورة عناصر النقدية الإصلاحية. ومن ثم فان الإمكانية العقلانية الوحيدة لتعمير الصرح الاشتراكي ليست في سياسة رد الفعل والإصلاح الجزئي ودمج الهزيمة في بنية الفكر السياسي، بل في تحديد الأولويات الموضوعية في نظام إصلاحي يعقل إمكانياته وغاياته المباشرة والبعيدة المدى. وهو ما كانت تفتقده الخروشوفية والغورباتشوفية نتيجة طابعهما الفردي والمغامر. وإذا كانت التجربة الخروشوفية قد واجهت في نهاية المطاف "معارضة" رسمية من جانب السلطة والحزب، فان الثانية (الغورباتشوفية) حصلت على "تأييد" من جانب الحزب والشارع على السواء. وهما "معارضة" و"تأييد" حددتهما في نهاية المطاف آلية رد الفعل لا الاحتكام إلى منظومة الرؤية العقلانية وكوامنها الأخلاقية التي عادة ما تميز الإصلاح الكبير عن غيره من الإصلاحات.
حاصر ضعف الاعتدال المميز للرؤية السوفيتية إمكانيات الإصلاح بين مطرقة المغامرة وسندان البيروقراطية. الأمر الذي وجد نموذجه "الكلاسيكي" في الغورباتشوفية الشبيهة بالخروشوفية، من حيث سيادة الثرثرة والبهرجة والتمنطق والشعارات في العبرة والسلوك. فهما لم تكتفيا بالاستناد إلى كل ما لا سند له في الرؤية التاريخية، بل واستمدا طمأنينة النفس من بيروقراطية الحزب الواحد. من هنا يأتي "جلد النفس"، والنظر إلى الإصلاح كما لو انه توبة عاهرة. لهذا تعايشت في الغورباتشوفية وتناغمت قيم ومفاهيم لا يجمعها إلا جلد النفس. من هنا إثارتها للوعي الجماهيري وانهماك الجميع بترديد عبارات عادية بنوع من التقديس والخشوع مثلما هو الحال بالنسبة لكلمات (التسريع) و(الغلاسنوست) أي الجهر بالرأي والعلنية في التعبير، و(البيروسترويكا) أي إعادة البناء، و(الديموكراتيزاتسيا) أي إشاعة الديمقراطية. وشكلت هذه الشعارات أضلاع المربع الأساسية "للتفكير الجديد"، الذي يرى التجديد في ترديد عبارات عادية تصلدت وتكلست في مجرى جلد النفس وكأنها أصنام أغرت الغالبية الساحقة بفعل استسهالها معنى الإصلاح واستخفافها بمعاناته الحقيقية.
لقد كانت هذه الشعارات في تسلسلها الزمني رد فعل على الهزائم، لا إدراكا متعمقا لمغزى أبعادها العملية. من هنا تحولت هزيمة "التسريع" إلى "انتصار العلنية"، وهزيمة العلنية إلى انتصار "إعادة البناء"، وفشل إعادة البناء إلى انتصار "الدمقرطة" (أو إشاعة الديمقراطية). وليس مصادفة أن يظهر لاحقا تعليق لاذع بصيغة جواب على سؤال يستفسر عن ماهية الفرق بين الديمقراطية (كنظام ورؤية) والدمقرطة (بمضمونها الغورباتشوفي): الفرق بينهما كالفرق بين الصراط المستقيم والضراط المستديم! أي أن سلسلة "المهمات" التي جرى تصويرها على أنها "تفكير جديد" ما هي في الواقع سوى الترتيب العفوي لسلسلة الهزائم التي ميزت "التفكير الجديد" و"منظومة الإصلاح الغورباتشوفي". مما أضفى على هذا الإصلاح صبغة كاريكاتورية، وأقفل بصورة محزنة فصل الدراما السوفيتية دون أن يعطي إمكانية لإصلاحها بشكل يجعلها قادرة على "تحدي الأقدار" وبناء "العالم الجديد". لقد ساهمت "الإصلاحية الغورباتشوفية" في "إعادة بناء" الليبرالية الروسية، التي شكلت تاريخيا حامل الوصاية الروحية والسياسية للثورة المضادة. إذ لم يكن انهيار الاتحاد السوفييتي والسقوط المرحلي لأحد النماذج الاشتراكية نتيجة حتمية. فقد كان الانهيار في الأغلب نتاج آلية الخلل القائمة في "التفكير الجديد" لا في استحالة إصلاح المنظومة السوفيتية. وذلك لأن ترتيب وتركيب الهزائم المتراكمة في "إعادة بناء"، هو الذي نخر معنى الإصلاح وقيمته وقدرته على ترميم وتثوير البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. فالإصلاح ليس "إعادة بناء". وإعادة البناء تفترض لغة ومعنى وفعلا الهدم أولا ومن ثم البناء. بينما الإصلاح يستلزم في ظل النظام المتراكم تاريخيا لتجارب الأجيال وتضحياتها هندسة اجتماعية سياسية عقلانية تستند إلى ما فيه، لا إلى ضجيج الثرثرة السياسية ومهاتراتها الضيقة في أزقة البيروقراطية الحزبية (الإدارية والسياسية). فقد كشفت نية الإصلاح عما في المنظومة السوفيتية من قدرات اجتماعية على إدارة نفسها بنفسها وترميم صرحها وبناء الجديد فيه. ومن ثم تقديم النموذج الإنساني للديمقراطية، لا ديمقراطية المال والجاه. وليس مصادفة أن تثير فكرة الإصلاح في المرحلة اشتراكا فعالا من جانب الجماهير والدول جميعا، بغية تحجيم المعنى الديمقراطي للديمقراطيات البرجوازية التقليدية. في حين أدت هزيمة الإصلاح السوفييتي (الاشتراكي) إلى استثارة الكوامن السلبية للديمقراطية البرجوازية وانبعاث روح البعد الواحد فيها. مما يضع في أن واحد إشكالية الديمقراطية والبدائل الاجتماعية السياسية الفاعلة في أولويات الفكر السياسي والفلسفي للحركات الإصلاحية والديمقراطية الاجتماعية والثورية.
فإذا كان الإصلاح العميق هو الصيغة الملّطفة للثورة، فانه يفترض، كما هو الحال في كل الانقلابات الكبرى، معاناة العمل ومقاساة ضبط النفس عن الانجراف وراء غرور المغامرة وإغراء المقامرة المميزين لمراحل الانتقال. فالتغيير ضرورة ملازمة لكل انتقال اجتماعي تاريخي كبير. وهو لزوم يحدد بدوره جوهرية الإرادة باعتبارها القوة العملية الواعية للغايات والوسائل، وللكيان الذي يعكس مستوى التأسيس الفكري للبدائل. فعندما وقفت الماركسية للمرة الأولى أمام الإشكالية النظرية لمرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية، حاولت أن تجعل من الاشتراكية "طريق التنقية" الضروري في مسار الحرية، أي أنها أعطت لتجرية الانتقال طابعا حرا وقيدته في الوقت نفسه بضوابط الغايات (بناء الشيوعية) وبمبادئ ووسائل تجسيدها العملي (كالملكية الاجتماعية، وتنظيم الإنتاج والحياة، ودكتاتورية البروليتاريا، والديمقراطية الاجتماعية، والعدالة). وجعلت من هذه الوسائل مكونات ضرورية للرؤية الواقعية للتناقضات الملازمة لمرحلة الانتقال وأسلوب تذليل هذه التناقضات. وهي نفس الأفكار التي قيدت بها اللينينية مرحلة الانتقال من القيصرية إلى الاشتراكية. وعندما أعلنت الستالينية انتصار الاشتراكية في الثلاثينات وبداية مرحلة البناء الشيوعي، لم يعن ذلك رمزيا، سوى انتهاء مرحلة الانتقال وبداية الاستناد إلى الرؤية المؤسسة لذاتها بمعايير البديل الشامل.
لقد كفت حينئذ قيم وفاعلية التغيير الثوري عن استحواذ ناصية العقل والوجدان، واستعيض عن حماسة الجماهير بإرادة الحماسة المواكبة لسحرية الأحلام الكبرى. آنذاك جرى "تحرير" العناصر الفعالة للإرادة من قيمتها المستقلة بدمجها في صرح الضرورة عبر توظيف القيم الثورية في سلسلة الخطط (الخمسية) والبناء (الجديد). وعندما استمرت هذه السلسلة في التكامل، استعاضت عن عقيدة الزمن الثوري بقناعة الزمن الجديد. بهذا المعنى كف الإصلاح والثورة عن أن يثيرا خواطر الوجدان ومنطق العقل، لأنه لا زمن يفرّق بين ماض ومستقبل. فالإصلاح كالثورة يفترض التحسس الوجداني للزمن ومسابقة النفس في مجراه، لأن الغاية القصوى تبدو كما لو أنها حلم بعيد المنال. لهذا طابقت الأيديولوجية البيروقراطية في وقت لاحق الحصيلة الثورية للماضي مع ماضي الثورة، وحماسة الإرادة مع إرادة الحماسة، مما اقفل أمام الوعي فرصة تجديده ضمن ثنائية الضرورة والحرية، وافرغ تجريبية البدائل من طابعها الحر، لأنها أخضعت كل شيء في الوجود لصنمية التأييد العقائدي. مما أدى تاريخيا إلى اغتراب المثال الاشتراكي عن قواه المنتجة.
وحالما جرى إنزال المثال الاشتراكي من عليائه البيروقراطي إلى "حضيض" الواقع، تلقفته الجماهير كما لو انه التابوت المقدس لرفات الأحلام. واستثار ذلك بالقدر نفسه شعور القيمة الكبرى للزمن الذي تتطلبه وراء الضرورة الحية "للانتقال". من هنا فاعلية الشعار الغورباتشوفي الأول عن "التسريع"، الذي كان يحاكى في حوافزه النفسية ومظاهره السياسية الشعار اللينيني عن ضرورة اللحاق بالرأسمالية والتفوق عليها. لكن إذا كان الشعار اللينيني يستند على نظرية ثورية وعقلانية فلسفية تاريخية للإنتقال، فإن "الإصلاحية الغورباتشوفية" لم يحددها شي غير الرغبة في "تثوير" ما بدا جامدا، مما افقدها منذ البدء معاناة العمل وضبط النفس. فالغورباتشوفية لم تدرك الخلل الجوهري في المنظومة السوفيتية البيروقراطية: ضعف الاعتدال الاجتماعي والأخلاقي والسياسي. وذلك هو سبب غرور المغامرة المميز للغورباتشوفية مع كل "تأييد جماهيري" ودعائي (محلي وعالمي) وإغراء المقامرة مع كل اصطدام جدي بالمعضلات التي أثارتها فاعلية عناصر الإصلاح المشتتة. واستثار ذلك دون وعي سيكولوجية التمتع الحائر "بالانتقال" من مجهول إلى مجهول. فالغورباتشوفية لم تحدد ماهية المجتمع والدولة ولا الأولويات العملية في السياسة الداخلية والخارجية. ولا نعثر فيها على أي مسح سوسيولوجي شامل للدولة والمجتمع والثقافة والاقتصاد،كما لا نعثر فيها على اية رؤية استراتيجية واضحة، بل اكتفت بعبارات عامة فضفاضة، جعلتها اقرب إلى ترديدة كنائسية أغرت الأغلبية الساحقة بسحرية ذبذباتها لا بمعناها. إنها كشفت في كل ما أرادت قوله وفعله عن أنها النموذج الكلاسيكي لتسخيف وتزييف معنى الإصلاح، بفعل تهشيمها القدر الضئيل المتبقي من الاعتدال القائم في المنظومة البيروقراطية السوفيتية، مما مهّد بدوره لتضافر العناصر الأيديولوجية للخيانة.
"فالتفكير الجديد" للغورباتشوفية ما هو في الواقع سوى أحد النماذج القديمة لترتيب الهزائم في "نظام معقول"، وتجريد الفعل الحر للإصلاح من كل مسئولية. فقد جرى تحويل الإصلاح إلى شعارات قابلة للتبدل السريع ليس فقط حسب منطق الفن السياسي المقيد بالمصالح العليا والثابتة للدولة والأمة، بل حسب منطق "الانتقال"، أي تحويل الإصلاح إلى تجريبية خالصة لا ضوابط فكرية لها، مثلما أرادت صنع اشتراكية بلا ضفاف إنسانية. وهذا سر ديماغوجية شعاراتها وأثرها الكبير في "تأسيس" شرعية النسيان. لقد استدعت خفة الذاكرة التاريخية في استبدال كل ما يمكن استبداله من الوقائع والحقائق، وتعاملت مع الوعي الاجتماعي السياسي والأخلاقي كما لو انه حروف سائبة يمكن ترتيبها بما يتناسب مع نسيج الخيانة المحبوك من خيوط المغامرة والمقامرة.
فقد ارتبطت البداية الأيديولوجية لتفريغ الاشتراكية من نزوعها الإنساني في الغورباتشوفية بشعار نزع الادلجة في العلاقات الاجتماعية والدولية. وتبين لاحقا مدى سذاجة هذه الرؤية وسطحيتها وروحها المغامر في ظل العلاقات الدولية للرأسمال واحتكاراته. ثم استكمل ذلك بشعار آخر هو "اشتراكية بوجه إنساني"، أعطى "للإنسانيين" من كل حدب وصوب أوراق الاتهام والهجوم على ما مثلته الاشتراكية في بواعثها وغاياتها وأهدافها من إخلاص للإنسانية الحقة. أما النتيجة "المنطقية" لذلك فهي رأسمالية قذرة بألوان براقة.
إن انجراف الأغلبية الساحقة من النخب السياسية المتصيرة كان أيضا الرد المناسب على "جمود" المنظومة السوفيتية. غير انه لم يكن ردا عقلانيا نتيجة سيادة الحماسة السياسية الأيديولوجية فيه لا سيادة الرؤية الاجتماعية الاقتصادية والتاريخية الفلسفية. لذلك انهمك الجميع في إخضاع كل ما كان قائما إلى جدل مسطح، وولع في تكسير "الأصنام" المادية والمعنوية للتاريخ السوفيتي وتحويله إلى مجرد سبعين عاما فقط، تطابقت في الوعي والسلوك مع كيان مغترب عن الجميع لا صلة ولا علاقة لأحد به. وهي الرؤية المهلهلة والمهزلة المريرة التي مازالت تلألأ في ملامح الدعاية السياسية الديمقراطية الروسية الفجة كلما وجدت نفسها في حالة ميئوس منها أو عاجزة عن تقديم إنجاز عملي مرض. مما جعلها تتعامل مع التاريخ وكأنه لحظات قابلة للابتذال في إمتاع ومؤانسة المؤيدين والمعارضين.
طبعا، إن لهذه الفجاجة أشكالها ونماذجها العديدة، التي أدت الى صنع نمط من الصحافة تتقاسم كل الرذائل المعقولة واللامعقولة في تشويه الوقائع والحقائق. وقد انطبق ذلك آنذاك على الصحافة الرسمية والمأجورة والصفراء والمبتذلة. بل أن الازدهار السريع لهذه النماذج في بضع سنوات يكشف بحد ذاته عن الانهيار المعنوي الهائل في صرح حرية الكلمة والضمير. أما ما يسمى بالسلطة الرابعة للصحافة فإنها لا تتعدى في الواقع كونها حارسا يقظا في بيوت الدعارة. إن وظيفتها الأساسية هي الشحذ الدائم لأساليب تخريب الوعي الاجتماعي والقومي (التاريخي والسياسي والثقافي والروحي).
إن تحويل التاريخ إلى مجرد إمتاع ومؤانسة للقارئين والمستمعين والمشاهدين بمعايير الديماغوجية العلنية والمستترة، يعكس أولا وقبل كل شيء فقدان التاريخ المعاصر. "فالثورة الديمقراطية" التي استكملت الإصلاح الغورباتشوفي هي اللحظة الكبرى في "اقتناع" الجميع بفشل البيروسترويكا وأصنامها الجديدة. والتّوجس الأول الذي رافق برود الأعصاب السوفيتية في التعامل الحذر مع "ما ينبغي"، سرعان ما استثار غرائز بعضهم للنهب والتملك نتيجة غياب الحدود العقلانية للبديل الإصلاحي. لقد أدى ذلك إلى صنع آلية تحرير النفس من مسئولية فعلها، والتشهير بالنفس عوضا عن نقدها، ونقدها المبرح عوضا عن تقويمها، مع إهمال كل ما أحرزه الفكر والممارسة التاريخية في مجال وعي الحرية، التي اتخذت صيغة التملق المفرط والموضة الجديدة للقادة "الجدد" وانفلات الجماهير المسّيبة في أسواق التهريب والمضاربة الصغيرة وضياع القيم وتهرؤ المبادئ.(يتبع....)
***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,613,692,272
- تحليل ونقد تجارب الإصلاح والثورة في روسيا (1)
- الهوية وإشكاليات المرجعية الثقافية في روسيا(3)
- الهوية وإشكاليات المرجعية الثقافية في روسيا (2)
- الهوية وإشكاليات المرجعية الثقافية في روسيا(1)
- أثر المرجعيات الثقافية في المصير التاريخي للأمم
- نقد تقاليد الاستبداد في الثقافة السياسية العربية - على مثال ...
- نقد تقاليد الاستبداد في الثقافة السياسية العربية(3) على مثال ...
- نقد تقاليد الاستبداد في الثقافة السياسية العربية(2) على مثال ...
- نقد تقاليد الاستبداد في الثقافة السياسية العربية(1)
- داوود الطائي- شخصية ومصير
- سفيان الثوري- شخصية ومصير(3-3)
- سفيان الثوري- شخصية ومصير (2-3)
- سفيان الثوري – شخصية ومصير (1-3)
- الحركة الصدرية والمستقبل: من الطائفة إلى الأمة، ومن المدينة ...
- أيديولوجيا الحركة الصدرية – اللاهوت الشيعي والناسوت العراقي
- الحركة الصدرية - الأنا والتاريخ أو اليوطوبيا والمستقبل
- الحركة الصدرية – تيار الداخل وصعود الباطن العراقي
- مقدمات المعترك السياسي والأيديولوجي للحركة الصدرية
- الحركة الصدرية- غنيمة الزمن العابر وتضحية الانتقام التاريخي
- مقتدى الصدر: ميتافيزيقيا -الثورة- الصدرية


المزيد.....




- ترامب: يوفانوفيتش رفضت تعليق صورتي في سفارتنا بأوكرانيا
- دراسة: الشعور بالشبع لا يحدث في المعدة
- الاتحاد الأوروبي يدين عمليات قصف "غير مقبولة" ضد م ...
- الاتحاد الأوروبي يدين عمليات قصف "غير مقبولة" ضد م ...
- الجيش الأمريكي: فقدان طائرة مسيرة تابعة لنا فوق العاصمة اللي ...
- لبنان.. احتفالان بالاستقلال
- اليونان يندد برفض الاتحاد الأوروبي استقبال 3 آلاف مهاجر قاصر ...
- واعدها عبر تطبيق -تدنر- ثم قتلها
- اليونان يندد برفض الاتحاد الأوروبي استقبال 3 آلاف مهاجر قاصر ...
- كيف تتصرف عند تعرضك لتنمر زميلك في العمل؟


المزيد.....

- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وسَلْبِيَّاتُهُ (1) / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وَسَلْبِيَّاتُهُ (2) / غياث المرزوق
- مدخل اجتماعي لدراسة الإلحاد في المجتمع العراقي المعاصر* / محمد لفته محل
- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - تحليل ونقد تجارب الثورة والإصلاح في روسيا (2)