أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - شيرين وفرهاد: بقية الفصل الخامس















المزيد.....

شيرين وفرهاد: بقية الفصل الخامس


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 6062 - 2018 / 11 / 23 - 22:55
المحور: الادب والفن
    


3
ذلك الصيف، كان قد أعدّ جلسة جميلة في حديقة شقته، الأمامية.
ثمة على طرف مدخل المنزل، المطلة عليه نافذتا المطبخ وغرفة الأطفال، وضعَ طقماً خشبياً من طاولة وكرسيين. كان يجلس هنالك غالباً عند العصر، حينما تكون الشمسُ قد حجبت عن حديقته الأخرى، الكبيرة.
أحد جيرانه، وهوَ فلسطينيّ دمشقيّ في نحو الخمسين من العمر، اعتادَ آنذاك مشاركته في احتساء المشروبات مع أنفاس النرجيلة. كانت شقته ملاصقة لشقة تلك المرأة السمراء، المطلقة. ذات يوم، صادفَ أن خرجت هيَ من عند جارة " دلير "، السويدية. حَدَجَتْ ضيفه بنظرةٍ غير طيبة، فيما كانت تلقي السلام.
" يا لها من فتاة فاسدة ورَخِصَة..! "، قالَ له مواطنه الدمشقي بصوتٍ منخفض وهوَ يشيّعها بدَوره بنظرة احتقار. ثمّ أردفَ قائلاً " إنها تعاشرُ عدداً من الغزاويين، الذين يبيعونها أشياءَ مسروقة بثمنٍ زهيد ". لم يعلق هوَ بشيء. راحَ الضيفُ يُضيف معلوماتٍ أخرى، منها أنها تستعير من الناس مفاتيحَ حجراتِ القمامة والأشياء المنزلية المهملة لكي تبحث فيها عن أغراضٍ صالحة للبيع: " وربما هيَ ترسل بعض هذه القاذورات مع معارفها إلى بلادها، على أساس أنها هدايا من السويد! "، قالها وهو يضحكُ بصخب. " الأستاذ محمود " هذا، كان بنفسه قد أقام في بلادها لمدة ثمان سنوات. قضى هذه الفترة في الدار البيضاء، معلماً للغة العربية. وكان يفخر دائماً أمام " دلير "، بصداقته لأدباء مغاربة معروفين.

***
بضعة أيام على الأثر، قابل السمراءَ عند موقف الحافلات الكبيرة. كانت إذاك مع امرأة عجوز، عجفاء وكامدة اللون. فما لبثتْ أن عرّفته بها: " إنها أمي. وهيَ كانت في زيارةٍ لشقيقتي الكبيرة، المقيمة في فرنسا.. ". تحادثا قليلاً، وإذا بها تقول له همساً: " صديقتي، التي حدثتك عنها، ترغب بصورة لك.. ". ثمّ استطردتْ وقد عمقت بحّة صوتها " إذا أردتَ أن ترسل لها هدية ما، فإنّ الوالدة تستطيع إيصالها! ". مع بداية الخريف، سمعَ " دلير " أنّ المرأة السمراء قد اقترنتْ بقريبٍ لجارها ذاك، الفلسطيني.
ذات ظهيرة، سمعَ صوت الجارة السمراء ينطلق بأقذع الألفاظ، السوقية. كان عندئذٍ جالساً في شرفة حديقة شقته، المطلّة على الشارع العام، فرآها وهيَ متّجهة مع ابنها وزوجها الجديد إلى موقف الحافلات. الإبن، وكان في نحو السادسة من عمره، سبقَ لأبيه أن رماه إلى الأم بعدما تزوجت.
بمَسلكه المنحرف، المتناقض مع حداثة سنّه، بدا هذا الولد كأنما يمتّ للشيطان أكثرَ منه للطفولة. لقد دأبَ على الاعتداء على أنداده في المنطقة، ولم تسلم من شروره حتى الأشجار والأزهار. لاحقاً، فاجأ ولدا " دلير " الصغيران أباهما، لما هُرعا ذات ظهيرة صيفية لإعلامه بأنّ ذلك المتفرعنَ كان يحمل سكيناً ويهدد به رفاقهما. السلطات السويدية المختصّة، عادةً ما تنتزع أطفال الأجانب من ذويهم لمجرد أن جاراً ادعى أنه سمعَ صوت بكائهم. أما حينما يتعلق الأمر بولدٍ منحرف، فإنّ الجنّة السويدية تصبحُ تحت قدميّ أمه.
أخيراً، لاحَ لعينيه الجارُ الدمشقي ( الفلسطيني الأصل ) بعدما فضّلَ أن يختفي عنهما لعدة أسابيع. كان يوماً خريفياً جميلاً، هارباً من الصيف المنصرم. جلسا في حديقة الدار، وكلّ منهما يسحبُ دخانَ نرجيلته. بغير قليلٍ من الحَرَج، راحَ الرجلُ يقصّ على المضيف حكاية اقتران قريبه من أمّ الشيطان الصغير: " كان يعيش مع امرأة سويدية، ثم اختلفت معه وأبلغت البوليس بأنها لا تريده. اختبأ المسكين لفترة خوفاً من الترحيل، إلى أن دبّرتُ له هذه العروس المصونة! "، قالها مُطلقاً ضحكة رنانة. أجاب " دلير " بضحكةٍ أقل رنيناً، قبل أن يذكر له كيفَ شهدها مرةَ وهيَ تشتم رجلها أمام الخلق. فعقّبَ على كلامه وقد عبَسَت أساريره: " يا سيدي، بل هيَ تضربه فوق ذلك..! ".
هذا الجار، المُجِدّ والطيّب، كان قد ابتليَ أيضاً بامرأة لا تقل شراسة. مجهود عمله لأعوام طويلة في هذه الغربة، كان قد وضعه ثمناً لفيللا. فعل ذلك إرضاءً لأم أولاده، التي كانت ترغبُ بالتنفّج أمام أقاربها وصديقاتها. ولكن عبثاً. فقد كانت ما تفتأ تنكّد عليه عيشه، ولا تتورّع عن شتمه أمام الأبناء الكبار. ثمّ وصل بها الأمر ذات يوم، أنها أنهتْ مشادة معه بطرده من المنزل. بعد ذلك، جلبَ هوَ امرأة أخرى من الوطن: " أرملة ومستورة، كما أنها كانت قد زوَّجت آخر بناتها. الأخرى، سبقتني بالاقتران من رجل من ريف اللاذقية، يصغرها كثيراً بالعُمر، دونما أن تخجل من شيبتها أو من أولادها الشباب. على الرغم من ذلك، جنّ جنونها حين تزوجتُ. صارت في كل مرة تتصل مع امرأتي، بحُجَجٍ تتصل بابننا الصغير، كي تشتمها وتهددها! ". هذا الغلام، وكان آنذاك على عتبة سنّ البلوغ، شاهده " دلير " أكثر من مرة وهوَ يلهو في ملعب الأطفال. أحياناً، كان يتواجد هناك مع امرأة أبيه، التي كان واضحاً أنها تعامله كأم. في المقابل، كان الغلامُ يتجنّب الاحتكاك بالسمراء وشيطانها المسخ. التقى " دلير " مع هذه الأخيرة فيما بعد، وكانت خارجة من شقة جارته السويدية المسلمة، فمازحها بالقول أنها محظوظة بعريس شاب ولطيف وأنّ عليها ألا تفرّط به. فأجابته وهيَ ترسم ابتسامة ساخرة على شفتيها الممتلئتين: " أنا لستُ مثل امرأة عمّه، التي تستقبل زوجها بعد عودته من العمل وهيَ تحمل طشت الماء، لكي تغسل قدميه..! ".

4
بعد زواجها، استقبل السمراء في شقته لمرةٍ وحيدةٍ حَسْب.
ولم يكن عليه فعلُ ذلك، على الرغم من أنّ الأمرَ كان خارج أيّ شبهة. من المفيد أولاً، ذكرُ أنّ ولديّ جارته السويدية، المسلمة والمحجبة، اعتادا على التواجد في منزله خلال زيارات ابنيه المماثلَيْن لهما في السنّ.
كان يومئذٍ في قعدته المألوفة في الحديقة الأمامية، بعيداً عن صَخَب الأولاد ورفاقهم. إذاك رأى السمراءَ تتقدّمُ إلى جهته، فاعتقد أنها بصدد لقاء تلك الجارة السويدية. قالت له في الحال، أنها تودّ محادثته في موضوعٍ مهم. " خير إن شاء الله؟ ". فعادت هيَ للقول، أنّ الأفضل التحدث في الداخل. بدا أنها غير متعجّلة فيما كانت تنتقل بتؤدة، متأملةً لوحاته المائية، المعلّقة على جدران مدخل وصالون الشقة، وكما لو أنها تراهم للمرة الأولى.
" أتبيع مثل هذه الرسوم الجميلة..؟ أتربح كثيراً من المال في البيع؟ "، كانت تقول له وقد اشتدّ بريقُ عينيها السوداوتين. طلبَ منها أن تذهبَ إلى شرفة الحديقة، مضيفاً أنه سأوافيها تواً مع الشاي. ثمّة على وقع ضجيج الأولاد، استمع منها إلى حكايةٍ كان يعرف تفاصيلها الرئيسة: " لقد حَسَبْتُهُ عليّ زوجاً، هذا المحتال الوغد! تنصّتُ عليه أكثر من مرة، وكان يتكلم هاتفياً مع امرأته السويدية الأولى، التي سبقَ أن طردته. ولسوفَ أطرده بدَوري، قريباً! "، قالتها مختتمة الحكاية. كانت تتكلم بقسوة، ولكن دونما انفعال. هنا سألها عن الموضوع الهام، المفترض أنها جاءت لأجله. بقيتْ تحدّق بعينيه هنيهة، قبل أن تجيبه بأنّ الأمر يخصّ شقيقاً لها: " جاء بفيزا دعوة مع والدتي، إلا أنه رفض العودة معها وبقيَ في ستوكهولم عند أحد أصدقائه ". ثمّ استطردتْ لترجو منه أن يسكنه مؤقتاً في الشقة، على أن تدفع هيَ ما يطلبه من إيجار. قبل أن يتكلم، إذا بأحدهم يمرّ حَذاءَ سور الحديقة، فيلقي عليه السلامَ بصوت مرتفع وكأنما يقول: " ضبطّكما بالجرم المشهود..! ". كان أيضاً من فلسطينيّ الشام، رجلٌ على أبواب شيخوخته ومُبتلى بعدة أمراض كالسكر والضغط والعشى الليلي.
كان معروفاً في منطقتنا بالتطفّل والإغتياب والنميمة؛ وهيَ أيضاً أمراضٌ.

***
قالت له، مُشيّعةً بعينيها ذلك الرجل العابر: " إنه شخصٌ أخرق..! ".
دقائق قليلة، على الأثر، وإذا بها تنهضُ ملهوجةً لتقفز إلى داخل الشقة كالقطة. عادّ بعينيه إلى الناحية الأخرى، ليرى زوجَ السمراء وعمّه وهما يجتازان الشارع باتجاه موقف الحافلات. كان جلياً، أنّ الأمرَ ليسَ مصادفة. من وَصَفَته هيَ بـ " الأخرق "، كان على الأرجح قد استعملَ موبايله للوشاية. بعد بضعة أيام، مرَّ العمّ من أمام الحديقة. ألقى " دلير " إليه التحية عن بُعْد، ولكنه لم يُجِب. خيّل له عندئذٍ أنّ شفتيّ الرجل كانتا تتمتمان بنأمةٍ ما، أو ربما شتيمة.
بيْدَ أنّ طلاق السمراء من زوجها، الذي جَدَّ بعد وقت قصير، ما كان له علاقة بذلك الموقف. استنتج " دلير " الأمرَ من خلال زوجة العمّ، التي بقيتْ تحييه بودّ حينما كان يلتقيها في الشارع أو في حجرة الغسالات العامّة. ومنها علم، أنّ ابن أخي زوجها ذاك قد تمّ ترحيله إلى الشام. لحُسن الحظ، فإنّ السمراء انقطعتْ رجلها من بيت الجارة السويدية، المسلمة.
تلك الجارة، الطيّبة واللطيفة، أطلّتْ عليه ذات يوم من الخريف نفسه. كان وقتئذٍ يقوم بتقليم أزهار الحديقة، وكانت هيَ تتحدث مع امرأة من كردستان تركيا. تقدّمتْ إليه إذاً بحجابها وجلبابها وطولها الفارع، حتى حاذت السياجَ المعدنيّ. وكعادة السويديين، دخلتْ فوراً إلى الموضوع. أخبرته، بأنّ المغضوبة عرَضَت عليها أن تتزوّج شقيقها، الذي ما زال موجوداً في ستوكهولم بالرغم من انتهاء فيزا الدعوة: " رفضتُ ذلك طبعاً، مؤكّدة لها أنني لا أريد تكرارَ مأساة زواجي الأول. بعد ذلك، راحت هيَ تروّجُ بأنني مدمنة مخدرات وسحاقية وغير ذلك من اختلاقات سخيفة..! ". في مناسبة أخرى، سابقة، كانت جارته قد روت تفاصيل اقترانها بأبي أولادها الثلاثة، الجزائريّ الأصل. هذا الرجل، كان قد طُرد من السويد بعد قضائه حكماً بالسجن في قضية سرقة. آنذاك، سألها " دلير " عن مغزى تمسّكها بالحجاب والجلباب بعدما مرّت بتجربة قاسية مع رجلٍ مسلم. وكان جوابها: " لن أترك ديني، المؤمنة به، من أجل أيّ كان! ".
السمراء، لم يعُد يصادفها سوى نادراً وبشكلٍ عابر، خصوصاً وأنها انتقلت إلى شقّة في حيّ آخر. وما عتمَ الدورُ أن لحقه بنفسه، فترك شقته أيضاً ليسكن في مركز المدينة.

5
السفرة إلى الصويرة، المزمعة الأسرةُ القيام بها في صباح الغد، كانت قد خلطت كلّ خططه بشأن تجديد محاولة العثور على مسكن شقيقيّ المرحوم، تاجر الأثاث. علمنا أنهما كانا يقيمان في غيليز، في شقة بعمارة تقع بمنتصف المسافة بين الساحة الرئيسة، " البلازا "، والمقصف الليليّ " بار 68 ". وعليه كان أن يتجشمَ، المرة تلو الأخرى، مشقة سؤال بوابي العمارات هنالك عن العنوان المطلوب، قبل أن يتأكّد محبطاً أن العثور عليه ليس بالأمر اليسير. الشيء المثير لليأس، أكثر مما عداه، كان فشله في معرفة الشقة العريقة تلك، التي سكنها على التوالي كلّ من الشقيقين الدمشقيين وأخيهما غير الشقيق، علاوةً على " رفيق "؛ رجل الأعمال العراقيّ، القتيل. البواب، وكان بحَسَب تأكيده أمضى نحو خمسة أعوام في عمله، لم يكن يؤمل منه غير الجهل بموضوع الرجل المغدور، طالما أنه بقيَ حائراً حين سئل عن سلفه في وظيفة حراسة مدخل العمارة: " من يمارسون مهنتنا، يتبدلون باستمرار أو ينتقلون إلى رحمة ربهم! "، ردّ العجوز ببلادة.
" دلير..! "، نطقت إحداهن الاسمَ بصوتٍ أليف قاطعةً تدفقَ أفكاره. قبل قليل، كانت سيّدة الدار قد ندهت عليه من الأسفل، طالبةً نزوله كي يشارك في شرب الشاي. فلما تأخر جوابه، فإنها بادرت لإرسال ابنة ربيبها. فوجئ بصدور الصوت المألوف، نظراً لانقطاع صاحبته زمناً عن زيارة منزل جدّها. ثم أطلت عبرَ باب الحجرة المفتوح، " لويزة "، بوجهها الجميل الأسمر، المنحوت القسمات بدقة، وما لبثت أن ناولته صينية الشاي. رمقته للحظة بنظرةٍ مشرقة، العينانُ القاتمتان والمائلتان مثلما لدى الغزال. لا بدّ أنهم استدعوها من منزلها، أين تقيم مع زوجها وطفلتهما، وذلك لكي تقوم بالمساعدة في تدبير شؤون منزلهم. كون " حياة " تغيب في عملها خلال معظم ساعات النهار، كان على إحداهن أن تخدم ذكر الدار الملول، الذي ستسافر امرأته في الغد إلى الصويرة. بسبب طبيعة علاقة " لويزة " مع أسرة حميه، كان " دلير " قلّما يراها في منزلهم. لقد تعرّف عليها في " ليلة الحنّة "، الخاصّة بعروسه، ثم لم يعُد يلتقي معها في فترات زياراته لمراكش حتى كانت ليلة الاحتفال بختان ولده بعد ذلك بحوالي العام ونصف العام. ترمومتر علاقة الأسرة بابنة " إدريس "، كان كفيلاً لوحده باستشفاف العقلية القروية، الضاربة جذورها عميقاً في تربتهم: المزاجية والأنانية والانتهازية، فضلاً عن قلّة الحساسية أو انعدامها؛ كلها صفات سلبية، تميّز أصحاب هذه العقلية!

***
عندما جرى التلميحُ أكثر من مرة، هنا في سياق السيرة، عن شعور كاتبها بالإثم وتأنيب الضمير، فإنّ ذلك كان متواشجاً بشكل من الأشكال مع هذه الغزالة، المتسمة أيضاً بالدهاء والمكر. ولكنها لم تكن من النوع اللعوب، اللهم إلا في حالةٍ تكون فيها متيّمة بشدّة أو مفتقرة جداً. لعلها، وهيَ المدفونة في الفقر، كانت قد سمعت منذ البداية عن كرم النسيب السوريّ وكان ما يفتأ بصفة الخطيب. كون والدها بدَوره ما ينفكّ على خصام آنذاك مع أفراد الأسرة على خلفية الخلاف حول الميراث، فإنها أدهشتهم بحضورها ليلة الحنّة. إحدى الصوَر الخاصّة بالليلة، المحتَفَظ بها في ألبوم عائليّ، تظهرها بملامحها الرقيقة ولون بشرتها البرونزيّ، المذكّر المرء بالفتيات الخلاسيات. في المقابل، يتذكّر " دلير " أنّ عينيها كانتا عندئذٍ مفعمتين بالغموض أكثر منه الحسد. بيْدَ أنها ليلة الختان، مَن تعيّن عليها أن تُخلّد في ذاكرته مع الإحساس بتبكيت الذات.
كان الوقت مبتدأ الربيع، حين قدم إلى المدينة الحمراء من بلد الإقامة السويديّ، المكتسي بعدُ بحلة العروس الناصعة. جاء إذاً مع أسرته الصغيرة، بهدف ختان الصبيّ البالغ بالكاد ثلاثة أشهر من عُمره الطريّ. ذلك كان موسم الاحتفالات المماثلة، فيه تزدهر أعمال الفرق الموسيقية الشعبية. ولقد استدعيت إحداها في تلك الليلة الحافلة، وكانت من نوع " الغناوة "، المعروف طاقمها بتقديم الألحان والأغاني بطريقة طريفة وصاخبة. الحفل، جرى في حي دُكالة العريق، في منزل أسرة صديقة لا يقل عراقة بعمارته الشبيهة بالرياض ومفارشه الوثيرة. وبالطبع، كانت الصالة الأرضية هيَ مكان الحفل. كون " لويزا " الوحيدة من الأسرة الغريمة، الحاضرة في تلك الليلة، لاحَ أن بعضهن ارتأين إغاظتها سواءً بوساطة حركاتهن الراقصة أو بغمز ولمز الأعين والألسن. وكردة فعل، يبدو أيضاً أنّ ذلك قد أنعشَ الطبيعة الماكرة لدى القريبة اللدودة.
بما أنّ الحفل سيستمر إلى أذان الفجر، وكان قد بانَ الإرهاق على الصهر السعيد، فإنهم نصحوه بالإخلاد لساعة رقاد في البيت العلويّ. وقادته امرأته بنفسها عبر الدرج الحجريّ الضيق والمعتم، وصولاً إلى صالة كبيرة كان أثاثها يفتقدُ للبذخ المعهود في شقيقتها الأرضية. هنالك، وبينما كان يهوّم، انتبه لدخول إحداهن للمكان. كان راقداً على أريكة عتيقة، مقابلة لخزانة خشبية أثرية ذات مرآة في كلا بابيها. خيّل إليه أنه يحلم، حين أنطبع مشهدٌ مذهل على سطح المرآة: كانت " لويزة "، التي أعطته ظهرها فيما كانت تخلع بلمحةٍ جلبابها الجميل، المخصص للسهرة، عن بدن عارٍ من أيّ لباس داخليّ. ولكنها بدت أكثر تمهلاً، لما انحنت بمؤخرتها الثقيلة كي تلتقط ثوب النوم من كيس نايلون مكوّم على أرضية الحجرة. ثم ما لبثت أن همدت على الأريكة الأخرى، الملتصقة بالأولى، وكان يفصلهما مشبك خشبيّ بفتحات واسعة. بقيَ لدقائق يلتقط أنفاسه، متصنعاً النومَ. فلما تزحزحَ إلى الجهة المقابلة، فإن أنفاسه طارت منه مجدداً: العجز الثقيل، كان إذاك في متناول بصره وجسده على السواء، وبكل عريه الصاعق. دقائق على الأثر، عندما قرعت إحداهن بابَ الصالة، كانت القريبة الماكرة قد استعادت هيئتها الرزينة. قالت للقادمة متثائبة، وكانت " حسنة " لحُسن الحظ: " اضطررت لقفل الباب، لأن ابنتي العفريتة كانت تفلت من حضني كل مرة وتحاول الخروجَ! ".

***
بغض الطرف عن كل شيء، في الوسع القول أنّ " لويزة " على جانب من الطيبة والبساطة كأبيها سواء بسواء. على أنّ سوء الطالع، كان لها بالمرصاد في غالب الأحيان. هذا على الرغم من حقيقة أنّ رجلها، " السوسي "، كان إنساناً حسن العشرة وعلى شيء من الوسامة. كان يدأب على العمل طوال النهار والمساء في عيادة الأسنان، ليحظى بالفتات من لدّن معلّمه السوريّ. أضف إلى ذلك، أنه في الأثناء كان على " لويزة " قضاء الوقت تحت نير حماتها، العجوز اللئيمة القاسية القلب. فسحة الراحة والغبطة لدى المرأة المسكينة، آنَ كانت تُستدعى هاتفياً لمنزل أبيها كي تساعد الوالدة في شأنٍ من الشؤون. كذلك الأمر، ولا غرو، لما كان زوجها يضعها وابنتهما خلفه على الدراجة النارية في الطريق لمنزل أسرة جدها.
في واقع الحال، كانت علاقة " لويزة " بأفراد الأسرة امتداداً لتاريخٍ من سوء الفهم، المستهل بحلول أبيها في منزلهم وكان فتى بعدُ؛ بل وربما امتداداً لزمن أسبق، ابتدأ بتشكيل الأسرة الموازية.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,166,328,280
- تورغينيف وعصره/ القسم الخامس
- شيرين وفرهاد: الفصل الخامس 2
- شيرين وفرهاد: الفصل الخامس 1
- شيرين وفرهاد: الفصل الرابع 5
- طريدة منفردة
- شيرين وفرهاد: الفصل الرابع 4
- تورغينيف وعصره/ القسم الرابع
- شيرين وفرهاد: الفصل الرابع 3
- تورغينيف وعصره/ القسم الثالث
- شيرين وفرهاد: الفصل الرابع 2
- تورغينيف وعصره/ القسم الثاني
- شيرين وفرهاد: الفصل الرابع 1
- تورغينيف وعصره
- شيرين وفرهاد: الفصل الثالث 5
- شيرين وفرهاد: الفصل الثالث 4
- شيرين وفرهاد: الفصل الثالث 3
- متاهة
- شيرين وفرهاد: الفصل الثالث 2
- شيرين وفرهاد: الفصل الثالث 1
- شيرين وفرهاد: الفصل الثاني 5


المزيد.....




- نتنياهو يرد على قاسم سليماني باللغة الفارسية
- كواليس الجلسة الأولى بين وزراء ثقافة الشرق والغرب الليبي في ...
- الأعاقة الفكرية والجسدية
- لندن تحتضن معرض أعمال نحات روسي شهير
- السعودية تنظم -تحدي الثيران- على الطريقة الإسبانية
- أكبر موسوعة بالإنجليزية توثق تاريخ فلسطين لأربعة قرون
- مهرجان السينما في بغداد
- بن شماش:مجلس المستشارين منكب على مراجعة نظامه الداخلي لتحقيق ...
- رحيل المخرج اللبناني جورج نصر
- الشامي:اتفاق الصيد البحري يعكس دينامية تعزيز الشراكة الاسترا ...


المزيد.....

- عريان السيد خلف : الشاعرية المكتملة في الشعر الشعبي العراقي ... / خيرالله سعيد
- عصيرُ الحصرم ( سيرة أُخرى ): 71 / دلور ميقري
- حكايات الشهيد / دكتور وليد برهام
- رغيف العاشقين / كريمة بنت المكي
- مفهوم القصة القصيرة / محمد بلقائد أمايور
- القضايا الفكرية في مسرحيات مصطفى محمود / سماح خميس أبو الخير
- دراسات في شعر جواد الحطاب - اكليل موسيقى نموذجا / د. خالدة خليل
- خرائط الشتات / رواية / محمد عبد حسن
- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - شيرين وفرهاد: بقية الفصل الخامس