أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عذري مازغ - دائرة المشردين -مريم ملاك-















المزيد.....

دائرة المشردين -مريم ملاك-


عذري مازغ

الحوار المتمدن-العدد: 6062 - 2018 / 11 / 23 - 20:14
المحور: الادب والفن
    


مريم ملاك، هكذا كان يناديها الجزائري عبد الواحد، أما اسمها الحقيقي فهو ماريا أنجيليس، امراة في نهاية الأربعينيات، صغيرة الحجم بشكل لم يعد جسدها يحمل من كنز الأنوثة إلا بعض العضلات الصغيرة المنهكة التي لا زالت تصبغها ببعض الفتنة، وكانت تحكي دائما ان عضلاتها الصغيرة تلك قامت يوما بالسطو على بنك بمدينة ليون بكاستيا دي لامنتشا، وكان ما يدهش عبد الواحد فيها أنها تحفظ الكثير من الكلمات العربية مثل "السلام عليكم" برغم انها تنطقها بلكنة خاصة، وكلمات اخرى تعطي كثيرا من المصداقية لرواياتها الكثيرة حول تجربتها في الحياة، مع عبد الواحد تخبره انها تزوجت من جزائري معروف ببلباو كان يمتهن تجارة بيع حشيش وحدث بعد سلسلة اعتقالات بسبب تجارته هذه ان أصيب بالسقم حتى الموت حيث ودعت جثته التي ستحمل إلى الجزائر في قداس مهيب بمسجد "سان فرانسيسكو" ببلباو الذي لا زالت تحمل بعض الذكريات الحميدة منه، طيبوبة الإمام، وطقس تعازي أصدقاء زوجها من المغرب والجزائر، وتذكر بحميمية فائقة كيف تكفل هؤلاء الأصدقاء الكرماء بإرسال جثة الفقيد إلى الجزائر.
مع نور الدين أيضا وهو من المغرب، تحكي ان اسمها مريم ويعجبها كثيرا ان تتباهى باسمها العربي الذي حولته من ماريا ، اما الإسم الثاني من اسمها وهو انخيليس، فلاتقارنه باسم ملاك لصعوبة الإقتباس ومع ذلك كانت كلما التقت عربيا (أو مسلما وهو القصد غالبا) بالملجأ إلا واخبرته بأن اسمها مريم ولتأكيد الامر تقول بأنها مسلمة، ففي كل مرة تقدم نفسها لعربي، والأحسن أن نقول: " في كل مرة تقدم نفسها لمسلم لاستحسان القصد اكثر، تقدم اسم مريم ثم تختمه بتلاوة الشهادة بنبرة عجمية" ولا يلبث العربي ــ المسلم أن يتحسس قليلا من الحك على مستوى خصيتيه ليبتسم تلقائيا، فكل سكان الملجأ العمومي ب"باراكالدو" من العرب يأخذونها بالأحضان ويتقاسمون معها الدخان، الحشيش، الجعة والكحول بشكل عام والأقراص المخدرة إكراما لزوجيها الجزائري والمغربي الذين ودعتهما معا بنفس الطريقة، نعم لقد اخبرت أيضا نور الدين المغربي بأنها كانت متزوجة بمغربي هو الآخر تاجر حشيش، وكان نور الدين غالبا ما يثير التناقض حول هوية زوجها فترد عليه بدون تردد وبتلقائية رحبة أنها تزوجت المغربي بعد وفاة الجزائري، ولكي يتاكيد من الأمر تلح عليه ان يسأل إمام مسجد "سان فرانسيسكو" ، فهذا الإمام الرائع أشرف بالتوالي على قداس توديع الجثتين، ولكي تطمئن نور الدين أكثر، تقول له بكل صدق بأن زوجها المغربي اكبر سنا من الزوج الجزائري، ومع ذلك، كانا معا طيبين معها، إلا انه، مع ذلك أيضا، وعلى الرغم من طيبوبتهما معا لم يتركا لها من الإرث إلا شهادة الإسلام التي بها تقدم نفسها للعرب على انها مسلمة.
في الملجأ كانت تحظى بعلاقات خاصة مع الجميع، كونها إسبانية لها علاقة جيدة بالإسبان وكونها مسلمة لها علاقة بالمسلمين في الملجأ، لكنها هذه المرة لها علاقة حميمية اكثر بإغناسيو الخبير في الحروب الدولية كونه كان عسكريا وخدم في عدة بلدان منها اليابان أيضا، كان يدعي انه يعرف أربع لغات عالمية حتى اليوم الذي حل فيه الجزائري عبد الواحد الذي يتكلم بدرجات متفاوتة تلك اللغات ليتكسر شأن إغناسيو ويتراجع ليعترف بأنه، وعلى الرغم من تواجده في عدة بلدان، لا يتقن إلا لغته الإسبانية وانه يعرف فقط بعض الكلمات من اللغات الاخرى (ولنترك الآن إغناسيو حتى يحين أوان الحديث عنه بتفصيل أكثر).
كانت مريم كما قلت سابقا تحظى بعلاقات طيبة مع الجميع وكان أساس هذه الحظوة يكمن في كونها تلبي بعض الخدمات الآنية للجميع، وحتى لا يساء الفهم، فقد كانت علاقاتها الجنسية ثابة بشكل ملتزم مع إغناسيو على الرغم من انها، كما قلت سابقا، تثير حساسية الخصيتين، اما خدماتها المميزة فكانت بسيطة للغاية برغم أنها أمور كبيرة جدا في الملجأ ، فقد يصادفها احد من الملجأ وهي في نديم جعة بإحدى حدائق المدينة فتعرض عليه أن يشرب معهم، وقد يكون أحدهم لا يتوفر على سيجارة وقد امضى وقتا طويلا دون تدخين فتتكفل هي بتوفيرها له سواء كان لديها دخان او لم يكن، فقد تطلبه لأحدهم ممن يتوفر لديهم لتمنحه لصديقها الآخر، وهكذا هي تشكل مركز تلبية الحاجات، حتى في مطعم الملجأ، حيث عضلاتها الصغيرة، القوية، التي بها سطت يوما على بنك في ليون ب"كاستييا"، لا تتطلب أكلا كثيرا بشكل تحفظ جزء من أكلها لتمنحه لأولئك الذين لا تكفيهم وجبة المطعم اليومية، كما انها في غالب الأحيان، كانت تلعب دور تلطيف أجواء الخصومات المختلفة في الملجأ، وبهكذا طريقة كانت تلعب في كثير من المراة دور العامل الإجتماعي (asistencia social ) في أن تمضي ايام الملجأ بشكل مبارك، وهي بهذا تراكم يوميا استحسان الجميع.
كانت شخصية مريم هي مزيج مركب من انين موجع، عواطف إنسانية جياشة، حنين لذكريات السطو على الأبناك، ندم موغل بالذنوب نحو ذكريات طفولية، نحو اسرتها التي نسيتها، نحواختها الفاجرة التي تذكرها بشعور متناقض، نحو أمها التي تنكرت لها في أول محنة قادتها إلى السجن ونحو اول حبيب لها ورطها في أعمال السطو على الأبناك، حيث خيرها الأمن الإسباني ذات يوم ان تختار بين سجن طويل الأمد أو ان تشهد بالزور حول نسب سرقات لحبيبها هو بريء منها. ومع انها حكت لنور الدين كل شيء عن سطوها للبنك الليوني، وكيف لا زال ذنب إصابة حارس البنك برصاصة في ركبته لا يفارق مخيلتها، برغم أنها لم تقتله لا زالت كلما تذكرت أنه سببت له إعاقة دائمة، كلما ثملت يقول نور الدين، تتذكر الحدث وتجهش في البكاء .
حين تحكي ماريا عن قصتها في السطو لا تحكيها من باب هيليودية الحدث، لقد امضت على العمل بشكل مخطط وبتصميم من صديقها، كان حدث إطلاق الرصاص هو امر فجائي غير متوقع، لقد اختاروا بنكا صغيرا معزولا إلى حد ما لم يتوقعوا أن يكون فيه حارس على الإطلاق مثل كثير من "الكاخات" بإسبانيا، لقد نجحوا عمليا في السطو ولم يبقى سوى الهروب ليحضر فجاة ذلك الحارس الذي تقول ماريا عنه بلكنة قدرية إسلامية تفويجا عن نفسها بأن قدر ذلك الحارس هو ان يصاب بالعاهة التي سببتها له، وبحس إنساني تقول: لولا قدر الله لما اطلقت عليه أي رصاص. وحتى سجنها كانت ماريا تنسبه إلى قدر الله، لقد وقعت في يد رجال الأمن صدفة بسبب تناول المخدرات، وهي كانت تعتقد أن الامر له علاقة بالسطو، وجوابا عن سؤال مغرض بسيط وقعت هي في الإعتراف وهي في كثير من الاحيان تشبه نباهتها بقد عضلاتها وتعترف ان ليس لها جينات مجرم يحرس أن لا يدلي بأي شيء حتى وإن قارنوه بالدلائل، بل كل ماحصل هو حضور ثقل ذنب إصابتها للحارس على جرمها الصغير في نفث دخان حشيش، لذلك كان نور الدين يسخر منها دائما بالقول:
ــ يديك الصغيرتين لا تصلح لإطلاق الرصاص ..!!!
حصل أن اخبرها رجل الأمن ان تخبره بكل صدق عما جرى لتنال التخفيف، وكان يقصد فقط ان تخبره عمن باع لها غريمات حشيش، في ما هي كانت تعتقد بأنه كان يكلمها عن السطو، ولما اعترفت بالسطو، نسبوا لها عمليات سطو اخرى لم تشارك فيها، ثم ضاعفوا عليها المساومة حين علموا انها من أطلق الرصاص في حادث "ليون"، وربما في اجهاشها المبالغ في البكاء أثناء السكر ناتج عقدة ذنب مركبة، حصرة مركبة ناتجة عن لوم كبير لغفلتها، لتناسب ذكائها مع عضلاتها الصغيرة كما يسخر منها نور الدين المغربي .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,390,640,228
- جمال خاشقجي ومثلث بيرمودا
- الغاشيات
- اشكالية اللغة العربية هي إشكالية طبقية وليست عجز في اللغة (م ...
- اللغة المغربية وخرافة الخدش للحياء العام
- الكلب المهجور
- حول عمل التنسيقيات والمنتديات الاجتماعية
- جار القردة
- حول عسكرة الحسيمة
- ماركس في المغرب، لم يمت بعد!
- سكت دهرا فنطق كفرا
- المقاطعة المغربية وردود الفعل
- حول المقاطعة المغربية
- كل يوم يمضي يكتشف ترامب أنه ليس وحده الحاكم
- المعايير الدولية!؟
- الفرجة الدبلوماسية من خلال صدام قوى وازنة
- إذا تهت فاقبض على الأرض
- الكوارث المضحكة
- الله عاهر
- أزرو وحدها الشاهدة!
- إضرابات -القفاز- بمناجم جبل عوام


المزيد.....




- -طيران الإمارات للآداب- وجائزة -مونتغرابا للكتابة- يوسعان دا ...
- -مهرّب الأحلام- تساؤلات قائمة على المفارقة لمحمد التطواني
- الخلفي : هناك علاقة غير سليمة تعيق الديمقراطية التشاركية
- الموسيقى لا -البريكست- في قاعة مجلس العموم (فيديو)
- اليوم العالمي للاجئين.. كيف استعرضت السينما معاناتهم؟
- المدير الفني لدار أوبرا -لا سكالا- الإيطالية يخسر منصبه بسبب ...
- هلال يشهر الورقة الحمراء في وجه الجزائر
- وزارة بنعتيق تحتفي باليوم العالمي للاجئين
- في ذكرى رحيلها.. نازك الملائكة الشاعرة الثائرة على التقاليد ...
- شهادة ماجستير جديدة عن الشاعر أديب كمال الدين


المزيد.....

- مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان / فواد الكنجي
- الملاكم / معتز نادر
- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عذري مازغ - دائرة المشردين -مريم ملاك-