أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - فؤاد النمري - الحزب الشيوعي العراقي (2/1)















المزيد.....

الحزب الشيوعي العراقي (2/1)


فؤاد النمري

الحوار المتمدن-العدد: 6056 - 2018 / 11 / 17 - 11:21
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


في الرابع عشر من تموز 1958 كنت مريضاً في مستشفى الهوسبيس في القدس إذ كان قبل أربعة أيام قد أجريت لي عملية جراحية، وسمعت من سريري ذاك الصباح ضجيجاً عاليا في الشارع فحملت نفسي إلى الشرفة لأتبين الأمر وإذ بالراديو من بغداد ينقل بيانات الثورة والإطاحة بالنظام الملكي وإعلان الجمهورية، والمحلات في الشارع توزع الحلوى على المارة إحتفاء بالثورة . فجمعت أغراضي في الحقيبة وحملتها خارجا من المستشفى دون إذن الطبيب فلاقاني عدد من الممرضات نازلا الدرج ولم يسمحن لي بالخروج إلا بعد إذن الطبيب وكان ردي هو أنني سأخرج سواء إذن الطبيب أم لم يأذن، فكان جوابهن حسنا لكن بعد أن نغير عل الجرح فوافقت على ذلك وخرجت لكن ليس قبل استئذان الطبيب كما قدرت . وحال وصولي بيتنا الحزبي السري في رام الله أخبرني الجيران أن الأمن سألوهم في الأمس عن سكان البيت المغلق فقالوا لهم أنه موظف في المساحة وزوجته أردنيان وذهبا في إجازة إلى الأردن . وهكذا ترتب علي أن أبحث عن تغيير المسكن في الحال فطفت أحياء رام الله البيرة أفتش عن بيت مناسب للرحيل إلية بينما الجرح ينزف دما . كان معي في البيت الدكتور يعقوب زيادين يعنى بالجرح لكنه بعد يومين خرج ليجتمع بقيادة الجيش في الضفة الغربية التي قررت القيام بانقلاب عسكري ورأت أن تبحث الأمر مع الحزب فتم اعتقاله حال خروجه قبل أن يصل إلى المكان الموعود، ولعل هذا ما كان قد ألغى الإنقلاب .
في المسكن الجديد كان مؤشر الراديو يؤشر إلى راديو بغداد ليل نهار وكانت أخبار بغداد وأخبار الحزب الشيوعي ودوره في القضاء على التمرد القومي في الموصل تثلج الصدر حتى وإن كانت موالاة الحزب لعبد الكريم قاسم تفيض عن المقبول . استمر ذلك حتى يوم الأول من أيار عيد العمال العالمي في العام 59 حين أراد الحزب الشيوعي العراقي أن يعرض قوته الكبيرة أمام عبد الكريم قاسم كما بدا من أجل أن يعترف قاسم بأن الحزب الشيوعي عمود رئيسي للثورة، الأمر الذي ترك أثراً سلبياً على قاسم فسمعته من على شرفة وزارة الدفاع يطعن مواراة بالشيوعية والشيوعيين بينما الشيوعيون في الشارع يهتفون عالياً.. " ما فيه زعيم إلا كريم" وهذا يعني أن الشيوعيين العراقيين لم يعودوا شيوعيين فقط بل هم أيضاً يطعنون بالشيوعية وراء قاسمهم، وهو ما يرفضه الشيوعيون بالطبع .
لم نكن نعلم أن قاسم كان قد رفض أن يسمي أحد الشيوعيين وزيراً في حكومته بل رفض أيضاً ترخيص الحزب الشيوعي وزاد في ذلك أن رخص لمنشق هو داؤود الصايغ باسم الحزب الشيوعي . وفي العام 62 حكم على نفر من الشيوعيين بالإعدام . كما لم نكن نعلم أنه أخذ يعيد الضباط القوميين الذين كانوا قد تآمروا عليه في الموصل إلى قيادة وحداتهم العسكرية مستهدفاً بناء جبهة معادية للشيوعيين .
كنا نعلم أن الحزب الشيوعي العراقي كان يضم في عضوينه 300 ألفاً من الأعضاء، وأن لديه من المنظمات الشعبية الموالية حوالي 700 ألفاً وهو ما يعني أن لديه زهاء مليون من الأعضاء والأنصار من مجموع الشعب العراقي الذي كان يعد حوالي 10 ملايين نسمة فقط أي أن غالبية الشعب تقف مع الشيوعيين وهو ما لم يحدث على الإطلاق خارج البلدان الإشتراكية . ذلك ما كان يدفع بنا إلى استهجان موقف الحزب الشيوعي بعزوفه عن إزاحة قاسم الذي بات يعادي الشيوعية دون لبس وإعلان الثورة الإشتراكية في العراق خاصة ونحن نعلم أن فرصة الثورة تلوح مرة واحدة للحزب الشيوعي ومن لا يلتقط تلك الفرصة يخون الثورة ولا يعود حزباً شيوعياً ؛ ولذلك قال لينين أن الحزب الشيوعي يخون الثورة مرة واحدة فقط .

الضباط القوميون الذين أعادهم قاسم بهدف تحجيم الشيوعيين هم الذين انقلبوا عليه وقتلوه في 8 شباط 63 . لدى إعلان الإنقلاب تجمع الشيوعيون في بغداد أمام وزارة الدفاع وطالبوا قاسم بفتح مخازن السلاح كيما يقاوموا الانقلابيين لكن قاسم االذي لا يعرف أقنوماً واحداً من أقانيم الثورة فضل أن يستسلم لعصابة القوميين قادة الإنقلاب بعد أن وعدوه بمحاكمة عادلة ولا يفتح مخازن السلاح للشيوعيين كيلا يسيطر الشيوعيون على الدولة في حال قضوا على الإنقلاب كما حدث في الموصل . وفي هذا وحده قمة العداء ليس للشيوعيين فقط بل وللثورة أيصاً .

كوارث كبرى حلت بالشعب العراقي جرّاء تخلف عبد الكريم قاسم وخوفه من الشيوعيين إلا أن المؤرخ له أن يستقصي سبباً آخر وهو خيانة الشيوعيين للثورة وصدوعهم لتعليمات خروشتشوف بألا يقوموا بالثورة الإشتراكية ويزيحوا قاسم ففي مارس آذار 59 أذاع خروشتشوف خطاباً مباشراً على الراديو على عير عادة القادة السوفييت يطمئن عبد الناصر من أن الشيوعيين لن يستولوا على السلطة في العراق، وكنا اعتبرنا إذاك أن خروشتشوف تجاوز حدوده المعروفة لدى الشيوعيين . كان خروشتشوف يرى أن إعلان الثورة الإشتراكية في العراق من شأنه أن يستجلب مواجهة حامية مع الولايات المتحدة والدول الإمبريالية وهذا يعارض خطه السياسي في المصالحة مع الدول الإمبريالية .

كان على الحزب الشيوعي العراقي أن يعترف بخيانته للثورة كيما يبرر احتفاظه بالإنتساب إلى الشيوعية على الأقل، بالرغم من أن القاعدة اللينينية تقول أن الحزب الشيوعي يخون الثورة مرة واحدة فقط – وللمناسبة حدث في نهاية التسعينيات أنني كنت أدير حواراً في منتدى الفكر الإشتراكي في عمان وإذ بأحدهم يطلب الكلام ولما أذنت له تبين من كلامه أنه من قادة الحزب الشيوعي العراقي فقاطعته بفظاظة استهجنها الحضور وقلت .. أنتم الشيوعيين العراقيين خونة الثورة ولا يحق لكم المحاورة في موضوع الاشتراكية . كانت خشونة فظاظتي تزيد عن اللازم وقد تذكرت أيام الإنقلاب الهمجي والوحشي في 8 شباط 63 حين كنت في الزنزانة الإنفرادية في سجن المحطة في عمان والراديو يلعلع فوق رأسي يحصي خسائر الشيوعيين من القتلى وقلبي يمزقه الألم والحزن على مصير الشيوعيين . كان راديو عمان يتابع حثيثا مذبحة الشيوعيين في العراق حيث كان الملك حسين، كما أفشى فيما بعد، أنه الوحيد الذي كشف عن سر محطة البث العائدة للمخابرات البريطانية القذرة (MI6) في السفارة البريطانية في الكويت ترشد الإنقلابيين في بغداد عن أماكن تواجد الشيوعيين في العراق بهدف تصفيتهم . طبعا ما كانت المعلومات الدقيقة لتصل لتلك المحطة السرية من غير عملاء المخابرات البريطانية المنتشرين في كل العراق والمشاركين في الإنقلاب .

ما لا مندوحة عن الإعتراف به هو أن الشرعية الأساس لقيام أي حزب شيوعي هو مساعدة الثورة الشيوعية في المركز وهي في موسكو منذ العام 1917 ؛ ولذلك تشكلت جميع الأحزاب الشيوعية في العالم بعد إعلان لينين للثورة الإشتراكية العالمية في مارس آذار 1919 حين تأسيس الأممية الثالثة وتحول انتفاضة البلاشفة في أكتوبر 1917 إلى ثورة اشتراكية عالمية . بناءً عليه فإن خيانة الحزب الشيوعي العراقي للثورة في مطالع الستينيات لا تعتبر خيانة كاملة الأوصاف طالما أن الثورة لم تعد موجودة بعد أن تخلى عنها بل وحاربها المركز في موسكو، لم يعد هناك ثورة ليخونها . لكن صدوعه لأوامر الخونة في موسكو من جهة وعزوفه عن إلتقاط الفرصة السانحة للثورة في بغداد من جهة أخرى لا تبرئ الحزب الشيوعي العراقي من تهمة الخيانة ؛ امتشاقه السلاح للثورة ضد الدكتاتورية الصدامية المتوحشة في التسعينيات ليس كافياً أيضاً . ما يفتح الطريق أمام هذا الحزب من أجل أن يدعي أنه عاد حزباً شيوعياً، حزب القائد فهد، هو تحديدا قيامه بممارسة النقد الذاتي يدين تخاذله في ممارسة العمل الثوري وإعلان الثورة الإشتراكية بعد إزاحة الضابط العسكري المتخلف قاسم في بداية الستينيات، وقيامه من جهة أخرى بثورة فكرية وثقافية تدين كل انحراف عن القوانين العلمية للماركسية .
الحزب الشيوعي العراقي لم يطرق مثل هذا الطريق ولذلك ظل يرفل بعباءة الخيانة .
لم يقل كلمة في أسباب نجاح بضع مئات من القوميين بقتل عشرات الآلاف من الشيوعيين في انقلاب 8 شباط 63 . الاكتفاء بالقول أن قاسم حجب عنه السلاح وتركه عرضة للقتل هو حجة أقبح من ذنب تدين الحزب أكثر مما تدين قاسم إذ كيف لحزب شيوعي يعد أعضاؤه مئات الألوف أن يترك أمر أمنه الكلّي بيد قاسم وهو من عبر أكثر من مرة عن كراهيته للشيوعية والشيوعيين !؟ أم هو هنا غفوة في حلم ليلة صيف قائظ !!؟
الحزب الشيوعي العراقي دمغ نفسه ثانية بدمغة الخيانة إذ تخلص نهائياً من الماركسية اللينينية وهو ما حفز عدداً من أعضائه القياديين لأن يطالبوا الحزب بتغيير اسمه وحذف صفة "الشيوعي" كيلا يظن أحد ما على أن الحزب ما زال شيوعيا . الذين عارضوا هذا الطلب المبرر عارضوه ليس لأتهم ما زالوا شيوعيين بل لأنهم إنتهازيون حيث الإحتفاظ بصفة "الشيوعي" تسمح لحزبهم الذي لم يعد شيوعيا حقيقةً بأن يرفل بأمجاد وبطولات الحزب الشيوعي سابقا، حزب القائد الستاليني فهد وهو من نحن الشيوعيين في الأردن مدينون له بما لا يُستوفى . كتب الرفيق فهد ينقل عن كتاب ستالين بعنوان "الواجبات الملحة للحزب" 1901 يقول .. " حزبنا حزب الإشتراكية العلمية وليس حزب الاشتراكية الديموقراطية" كما في غرب أوروبا .
الحزب الشيوعي العراقي اليوم ينقلب على قائده ومؤسسه الرفيق فهد ويعلن أن برنامجه يقوم على الديموقراطية والتعددية وتداول السلطة والعدالة الإجتماعية . إستغنى الحزب عن الاشتراكية واكتفي بالديموقراطية التي لا تعني غير الديموقراطية البورجوازية التي تتأسس على استغلال البورجوازية للعمال . كما أن تداول السلطة والتعددية تعنيان مساكنة العمال مع الطبقة البورجوازية والتخلي عن كل نهج ثوري تبعاً لذلك . وكان الإقتصادي الإنجليزي جون كينز John Keynes الحارس اليقظ للنظام الرأسمالي الإمبريالي أسبق إلى شعار العدالة الاجتماعية من الحزب الشيوعي العراقي .
(يتبع)





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,157,583,837
- الحرية مفهوم طبقي (روزا لكسمبورغ في مواجهة فلاديمير لينين)
- الحزب الشيوعي اللبناني
- أيتام الأفاقَين تروتسكي وخروشتشوف
- صمٌ بكمٌ ... ليسوا شيوعيين
- الشيوعية ستنتصر قريباً رغم أنف -الشيوعيين-
- شيوعي يعلن إفلاسه
- ماذا يقول التاريخ عن الربيع العربي ؟
- مناظرة قوى الحرب الروسية بنظيرتها الأمريكية
- أعداء ستالين أعداء الشيوعية
- أدعياء الشيوعية أعداء الشيوعية
- تجاهل قوى التاريخ
- شيوعيون ومع ذلك يعرضون عن التعرّف على الإتحاد السوفياتي !! ( ...
- شيوعيون ومع ذلك يعرضون عن التعرف على الإتحاد السوفياتي !! (5 ...
- شيوعيون ومع ذلك يعرضون عن التعرف على الإتحاد السوفياتي !! (4 ...
- شيوعيون ومع ذلك يعرضون عن التعرف على الإتحاد السوفياتي !! (3 ...
- شيوعيون ومع ذلك يعرضون عن التعرف على الإتحاد السوفياتي !! (2 ...
- شيوعيون ومع ذلك يعرضون عن التعرف على الإتحاد السوفياتي !!
- الشيوعية - المؤنسنة ! -
- ما زال العالم يعيش عصر الثورة الإشتراكية - 12
- ما زال العالم يعيش عصر الثورة الإشتراكية - 11


المزيد.....




- بحيرة القرعون أكبر حفرة صحية
- الأمم المتحدة تدعو زيمبابوي للتوقف عن قمع المتظاهرين واستخدا ...
- الأمم المتحدة تدعو زيمبابوي للتوقف عن قمع المتظاهرين واستخدا ...
- بث مباشر: ندوة “أضواء على الحراكات الشعبية عبر العالم”
- ما رأي شبيبة المحافظين والاشتراكي الديمقراطي في انتخاب رئيس ...
- ما رأي شبيبة اليسار والوسط في انتخاب رئيس حكومة جديد؟
- بيان النهج الديمقراطي بجهة الجنوب
- صحة غزة: إصابة 19 فلسطينيا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي شر ...
- إلغاء خدمة الدين العام، ليدفعوا هني تكاليف الانهيار.
- إدفعوا من جيوبكم بدل زيادة فاتورة الكهرباء.


المزيد.....

- I. معضلة المنهج كإحدى تجليات الأزمة الراهنة (الفصل الأول من ... / وائل السعيد
- كتاب الرأسمالية السودانية : النشأة والتطور والخصائص / تاج السر عثمان
- تراث روزا لوكسمبورج / سيمون أوللي
- الحرية مفهوم طبقي (روزا لكسمبورغ في مواجهة فلاديمير لينين) / فؤاد النمري
- روزا لكسمبورغ / احمد خليل أرتيمتي
- روزا لوكسمبورغ: مناضلة ثورية ومُنظرة ماركسية / فرانسوا فيركامن
- السترات الصفراء: النتائج والأفق بعد شهر من النضال / جاد بوهارون
- كتاب دراسة في برنامج الحزب الشيوعي السوداني / تاج السر عثمان
- مسار امرأة ثائرة: جيانغ جينغ (الحلقة الثانية) / 8 مارس الثورية
- الماديّة التاريخيّة أم التصوّر الماديّ للتّاريخ؟ / سلامة كيلة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - فؤاد النمري - الحزب الشيوعي العراقي (2/1)