أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سامى لبيب - ماهية العشوائية والصدفة فى إنعدام الغائية والترتيب والخطة















المزيد.....


ماهية العشوائية والصدفة فى إنعدام الغائية والترتيب والخطة


سامى لبيب

الحوار المتمدن-العدد: 6055 - 2018 / 11 / 16 - 19:05
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


- نحو فهم الحياة والوجود والإنسان (89) .

- هناك مفاهيم مغلوطة عند التعاطى مع مصطلحات كالعشوائية والصدفة ممن يطلقون أسئلة ساذجة مغلوطة تدافع عن وجود منظم , فيفهمون العشوائية أنه مشهد أو فعل غير معلوم المسببات ولا النتائج ولا يمكن رصدها ولا تخضع لقانون طبيعى لتعتبر فيزياء الكم نموذج للعشوائية , لا بأس من هذا التعريف ولكن لا أراه وافياً لمفهوم العشوائية فى تفسيرها للوجود والحياة , فالجهل بالأسباب والقانون الطبيعى لا يصح أن يكون وسيلة تعريف للعشوائية , فما نجهله يمكن أن نجد له علاقة ما مستقبلاً ولكن يبقى مفهوم العشوائية معنياً بإنعدام الغاية والترتيب والهدف والخطة وهذا ما يجب التعاطي معه , فإنعدام الغاية والقصد والترتيب والتصميم يسقط فكرة الإله فالأمور لا تحتاج لوجوده .

- هناك مفهوم شائع لدى المؤمنين بنظرية الإله المصمم الخالق تعتبر أن رافضى فكرة الإله يؤمنون بالصدفة لينهالوا بطريقة ساذجة تنم عن هشاشة تفكير ورغبة فى خلط الأوراق بتقريع الصدفة , والحقيقة أن مفاهيمهم مغلوطة ومشوهة هذا إذا كانت لديهم مفاهيم أصلاُ , فلا يوجد شئ اسمه صدفة , فالصدفة تعنى ندرة تكرار الحدث بشكل لا يمكن رصده , فلا أعلم كيف يستعملون كلمة الصدفة فى السخرية من فكرة عدم غائية الحياة , فبالفعل لا يوجد بل يستحيل تكرار وتطابق مشهد ما مهما كان نادراً فالماء لا يجرى فى النهر مرتين , فيستحيل أن تتطابق نفس الجزيئات التى مرت بالأمس مع الجزيئات التى تمر اليوم وهذا يدل على أن الطبيعة عشوائية غير مُنظمة تنتج مشاهدها دون تطابق فيستحيل أن تتوفر نفس المواد بنفس العدد من الذرات والجزيئات والظروف وإذا توفر جدلاً فعامل الزمن كفيل بإستحالة التطابق , فلا صدفة لأى مشهد وجودى بمعنى إستحالة تكرار تطابق مشهد وجودى بكل جزيئاته مع مشهد وجودى آخر حتى لو إبتعدت الأزمنة والأمكنة فما نراه هو تشابه أو تقارب , لذا لم ولن تتواجد وحدة وجودية تتطابق مع وحدة وجودية أخرى .. إذا دعونا نقول أن مفهوم الصدفة الذى يلوكونه فى ألسنتهم يقتصر على عدم وجود خطة وغاية وهدف وخطة وترتيب معين .
من هنا تكون جوهر قضيتنا وبحثنا بأننا أمام البحث فى ماهية الطبيعة والحياة والوجود لنرى هل لدى الطبيعة والوجود غاية وهدف ووظيفة وخطة وترتيب أم أن الأمور تسير بشكل طبيعى بلا غاية وخطة ولا تعمد , لنقوم نحن بإسقاط رؤى شخصية على الوجود الطبيعى .

- أنظر إلى النجوم فنحن نقول عنها أنها مصابيح وفقا للميثولوجيا الإسلامية , فهل جرم بمثابة موقد نووى بحجم الشمس وظيفته أن يكون نقطة مضيئة فى سمائنا أم نحن من منحنا الوظيفة لمشهد النجم وفق لإنطباعاتنا وزاوية رؤيتنا وخيالنا ومعارفنا المحدودة .. كذا إستخدام النجوم للرصد الفلكى والملاحة البحرية فهل تم رصها بهذا الشكل لتكون دليلنا عند الملاحة وإدراك الأماكن أم أننا تعاملنا مع وضعية عشوائية للنجوم لننتج علاقات وإتجاهات يتم التعارف عليها .

- بديهيا من السهولة بمكان إدراك أن كل المشاهد الفيزيائية ذات حراك غير غائى ولا هادف ولا مخطط ولا مرتب فيستحيل ان تجد مشهد فيزيائى وراءه غائى يدفعه نحو الفعل والوظيفة , ومن يتوهم ذلك فهو نتاج الجهل بالظروف المادية الفاعلة .. فكل الظواهر الطبيعية هى نتاج تفاعل القوى الفيزيائية فى الطبيعة , فالأمطار والعواصف والأعاصير والبراكين والزلازل وقوس قزح ألخ هى نتاج لتفاعل قوى فيزيائية بدون أى تخطيط أو تدبير فعندما تواجدت تفاعلت لتنتج لنا المشهد الطبيعى .

- لا يجرؤ دعاة الغائية عند التعاطى مع الوجود الفيزيائى القول مثلاً أن غاية الاكسجين هو صدأ الحديد , كذا غاية الرياح إسقاط الأمطار , فسيكون كلامهم مهترئ عابث , فالوعى السائد عن المادة أنها غير واعية بينما السلوك الهادف صفة الواعى , وبالتالى لا يمكن أن تكون الطبيعة هادفة علاوة أن المادة ذات سلوك حتمي لا تحيد عن الخط الحتمي المعروف إلا تحت تأثير سبب خارجى مادي طبيعي آخر .

- عن الأكسجين أيضا نقول أنه يتحد مع ذرتى هيدروجين لتكوين جزئ ماء , فهل هذا الإتحاد مع الهيدروجين أو الحديد ذو ترتيب من الأكسجين .. القول العلمي والعقلي يقول أن الأكسجين عند إتحاده مع الحديد سينتج صدأ وحال تواجد الهيدروجين سينتج ماء .. فهكذا الطبيعة عشوائية بلا خطة ولا غاية ولا خطة ولا ترتيب ولا وظيفة لتنتج حالات مادية فى أدائها وفقاً لما تقابله لتتفاعل معه .

- من هذا الفهم الخاطئ للوجود المادى يصيغ أصحاب الميتافزيقا القوانين الفيزيائية بصيغة غائية تتناسى الحتمية المادية والفعل المادي الغير واعي , لنسمع من يقول أن الحامض يتحد بمركب قلوى من أجل تكوين الملح وهذا قول خاطئ , فكأنما هناك إرادة وغائية ووظيفة للحامض لإنتاج الملح , بينما صوابه القول أنه في حالة تفاعل حامض مع قلوى ينتج ملح , فالعلم يرصد حالة مادية ولا يضيف إليها رأى ووجهة نظر أو وظيفة أو شيئا من خارجها , بينما يسقط الميتافزيقيون الغائية والوظيفة بالباراشوت تعسفاً وبدون إثبات وبشكل مهترئ كونهم يريدون إرساء منهجية تفكير ساذجة باحثة عن إسقاط الأنا لإثبات فعل غائية مجهولة أو تمرير فكرة الإله الغائى.

- المرتع الخصب لأدعياء الغائية تكون فى البيولوجيا ولا يكون هذا إتكاءاً على منطق أو علم يقدمونه بل لكون البيولوجيا شديدة التعقيد والغموض وعصية على الفهم وتحتاج لجهد جهيد وأبحاث كثيفة عميقة لإدراك عمق وجذور وقدم الظواهر البيولوجية لذا تجد الأسئلة تندفع فى السؤال عن كيفية تكوين الخلية الحية والعين والبروتين وهكذا .
يظهر بعض اللاهوتيون بثوب يتمسح بالعلم كأصحاب نظرية التصميم الذكى الذين لا يقدمون أى رؤية علمية بل أسئلة ودهشة وغموض وأفواه مفتوحة تنثر ملاحظات كثيرة عن التعقيد فى الحياة , لنقول كان حرىّ بهؤلاء الذين يسألون أسئلة الدهشة والحيرة أن يقدموا نظريتهم وفهمهم ويشرحوا لنا شرحاً دقيقاً بخطوات كيف تكون البروتين والخلية الحية والعين بواسطة فاعل غائي , ولكن ستجد بالفعل إفلاس وفشل تام فثقافتهم ظنية تلفيقية لا تعدو قصة الخلق الطينية الخرافية لتكون وسيلتهم اللعب على جهل الإنسان وإبهاره بالتعقيد .

- القول بأن وظيفة الجلد حماية الأنسجة الداخلية من عوامل الوسط الخارجى هو مفهوم غائي مهترئ , كأن الجلد موجه لوظيفة وهدف بينما يمكن القول أن وجود الجلد بين الوسط الخارجى والأنسجة الداخلية تسبب في عزل عوامل الوسط الخارجي عن الأنسجة كحال استخدامنا للمواد العازلة للرطوبة والحرارة والصوت فى البناء , فلا يمكن القول أن هذه المواد وظيفتها العزل بل حال وجودها تقوم بعزل الرطوبة والحرارة فهكذا طبيعتها الفيزيائية الكيميائية .

- عندما يقال أن وظيفة الكلوروفيل فى النبات تصنيع النشا يكون هذا القول قولاً غائياً منح الكلورفيل فعلا إرادياً وظيفياً , بينما القول أن النشا يتكون حال وجود الكلوروفيل هو قول حتمي يرصد الحالة بدون إدخال فرضيات ليست فيه كالقول السابق بأن الحامض يتحد بمركب قلوي من أجل تكوين ملح , فكلمة (من أجل) هذه تفتح الباب أمام الغائية بينما الأمور بالنسبة للكلورفيل والملح غير موجهة بل حالة وأداء وتفاعلات طبيعية أنتجت حالة مادية عند إجتماعها بشكل عشوائي لنستطيع أن نميزها ونعطى لها معنى بعد ذلك .

- تكوين الإنسان نفسه يتم بعشوائية تامة أى بلا غائية , فالجنين يتكون من إمكانية تلقيح حيوان منوى واحد من ملايين الحيوانات المنوية فى إختراق جدار البويضة وقد يخفق وهذا يعنى أن هناك فعل طبيعى بحت غير صارم ولكنه يحمل اللاحتمية والحتمية فى آن واحد , فاللاحتمية فى عدم وجود صرامة الإخصاب عندما يتوفر أى حيوان منوى , والحتمية هو أن التفاعل مادى حتى لو إتسم بالعشوائية وقلة الإحتمالية .

- الإنسان تعامل مع المفاهيم الميتافزيقية الخاطئة ردحاً من الزمان ولازال حتى الآن توجد آثار ميتاقزيقية سلبية كالقول بالوظيفة , فكلمة الوظيفة تعنى الفعل العاقل الواعى الإنسانى حصراً لتعمم هذه الكلمة فنقول وظيفة الكلورفيل والعصارة المعوية ووظيفة الكبد واللعاب والمعدة والأسنان والضروس ألخ وهذه أقوال خاطئة نتاج التفكير الغائى , فالمواد الطبيعية ليس لها وظيفة تؤديها كونها تفتقد للفعل الواعى بل أدائها من تجمع ظروف مادية معينة كحال تلاقى الأكسجين مع الحديد أو ذرتى هيدروجين .

- من المفاهيم المغلوطة أيضاً الفصل الميتافزيقى للوجود المادى ليكون هناك فصل بين العمليات والقوانين البيولوجية والفيزيائية , ففكرة الوظيفة نشأت في سياق تفسير العمليات البيولوجية بدون الرجوع إلى القوانين الفيزيائية الأساسية , أي بدون رد البيولوجيا إلى الفيزياء كما نشأت أيضا في سياق فلسفة العقل الغائي الذي يهدف تجاوز المشكلات التي قابلت تفسير العقل الإنساني .

- من العبث القول أن للطبيعة غرضاً وهدفاً بالمعنى الإنساني لهذه الكلمة , لأن كل من يقول بوجود هدف معين فهو يفكر في وجود نموذج سابق يستقى منه رؤيته ويطلب تحقيقه بينما تكوينات النموذج السابق واللاحق هو فكر عقلى بشرى فى النهاية بكل مراحله وفقا لظرفه الموضوعى , فما هى علاقة الطبيعة هنا بنماذج الإنسان ؟!

- من المفاهيم المهترئة القول أن الوظيفة فى الطبيعة سابقة للعضو وأتصور سبب هذا الفهم الغبي هو إسقاط الإنسان لرؤيته التصميمية على الإنجاز بالرغم أنه لا يوجد شئ إسمه تصميم ووظيفة من لا شئ , فنحن نصمم كعملية تركيب وتعديل وتنسيق للمشاهد المادية فقط ووفق قوانينها , ونستقى أفكارنا الإبداعية التصميمية بما هو موجود ومتاح من صور مادية .. ومن هذا السياق يكون من الخطأ القول بالإله الخالق والمصمم فى ذات الوقت.

- مثال آخر فاللغة كتابة أو نطقا ليست ذات معنى ودلالة فى ذاتها , فهى مجرد ذبذبات صوتية إتفقنا على التفاهم بها نطقاً , كما هى رسومات عشوائية إتفقنا على رسمها فى كتاباتنا .. نحن فى وجود عشوائى لا غاية فيه ولا معنى لنخلق نحن نظامه ومعناه , فكل حياتنا هو التعاطى مع عشوائية أو إنتاج عشوائية ليست ذات معنى وغاية لنسقط معانى وغايات ووظائف عليها , فلتنظر لشئ شائع فى وجودنا يمثل حجر الزاوية لوعينا وتطورنا وحضارتنا وهى اللغة فستجد أى لغة عبارة عن كلمات , والكلمات ذات حروف متلاصقة عشوائية بذبذبات عشوائية قمنا بلصقها مع بعضها بشكل عشوائي لننتج كلمة نمنحها معنى ودلالة , فالحروف المتشابكة ليس لها أى بناء أو تنظيم خاص فى كينونتها , بل النظام والبناء جاء من الإنسان الذى اتفق على تشابك حروف بشكل عشوائى ليعطى له معنى ودلاله معينة .. فيمكن لأى انسان ان يشبك مجموعة مختلفة من الحروف , وهذا ما يحدث بالفعل من إختيار أسماء للمعدات والأجهزة والأدوية , فهذا التشبيك العشوائى نترجمه لدلالة وإشارة ومعنى معين حتى تكون شفرة بيننا بإدراك ماهيتها , من الأهمية بمكان التركيز أن أى كلمة لغوية يمكن ان تكون بأى حروف أخرى , اى اننا أخذنا من الوجود العشوائية وأنتجنا نظام .

-نعم الطبيعة تنثر احرفها فى الهواء بعشوائية يكون الإنسان هو الجامع لهذه الحروف ليخلق منها صيغة يعتبرها نظام ,أى يتفق على مجموعة معينة من الحروف والمشاهد ويعطى لها معنى من ذاته ليخلق نظام من فوضى , فماذا نفهم عندما نقول كلمة "أسد " سنقول على الفور إنه الحيوان المفترس ملك الغابة الخ ولكن سؤالى فى كلمة أسد كمفردات صوتية تتكون من أ , س , د فهل كان يمكن أن تكون التفوه بأى كلمة صوتية أخرى لهذا الحيوان ؟ نعم بالطبع يمكنك ذلك فهناك كلمات أخرى فى كل لغات العالم وهذا يعنى أننا من اخترعنا معانى الكلمات العشوائية بأن شبكنا بعض الحروف بشكل عشوائى لنتفق على معنى محدد أى انتجنا النظام من العشوائية.

-عند إستقبالى لنظرية التطور توقفت أمام آلية حدوث التطور , فلم أستطع تمرير مقولة أن الكائنات الحية تتكيف مع الطبيعة ولم أستطع تمرير مقولة أن الكائنات تتطور لتتكيف مع الظروف المحيطة فليس من العقلانية والمنطق تصور أن الكائن الحى عزم على التطور وتغيير كينونته لينسجم ويتوائم مع الظروف المحيطة وكأن له إرادة تقول : هيا نتطور علاوة على عدم وجود إمكانيات ذاتية يتم إستخدامها من قبل الكائن الحي ليتطور!
شكلت هذه النقطة إشكالية فى فهمى للتطور لأجد بعد زمن أن هذه الإشكالية كانت تحير تشارلز داروين نفسه عن آلية التطور والظروف المادية التى تدفعها لحالة تطورية , ليكشف العلم الحديث آلية التطور عن طريق تغير النسخ فى ال D,N.A والطفرات الجينية .
علمنا من علم الجينات أن الجينات لا تنسخ نسخ متطابقة من نفسها وهذا قولى بإستحالة وجود التطابق .. الطفرات البسيطة عند النسخ تنتج كائنات ذات صفات مغايرة عن الكائن الأصلي وهذا يفسر التباين فى الشكل بين الأخوة والتشوهات الخلقية والجنينية , وهذه الصفات قد تكون بلا تأثير على الكائن الحى أو ذات تأثيرات إيجابية أو سلبية ليمارس الإنتخاب الطبيعى فعله فإذا كانت الصفات الوراثية الجديدة منسجمة مع الطبيعة بقى الكائن الحى وتكاثر ونقل صفاته الوراثية أما إذا كانت المستجدات الوراثية غير منسجمة مع الطبيعة قلت فرص تكاثر الحى وبقاءه وهذا يفسر عدم شيوع مجتمعات لأصحاب التشوهات الجسدية .
من هنا نفهم آلية التطور وكيف تتشكل لنتوقف عند رصدنا لتطور الكائنات الحية .. ومن هنا نفهم أيضا أن التطور عشوائي غير هادف ولا موجه فهناك تغير عشوائي غير مقصود فى عملية نسخ الD.N.A فمن يتوائم مع الظروف الطبيعية وتمكن من الغذاء والتكاثر بقى وكل هذا نتاج حالة عشوائية فى تكوين جيناته . من هنا نؤكد فكرة أن الوجود والحياة والطبيعة لم تخطو خطوات مُنظمة مُرتبة مُخططة ذات غاية وهدف بل هى محصلة تفاعلات مادية غير غائية .

-العشوائية فقط هى التى أنتجت الوجود فلا مشهد نظامى مُعتنى ولا يعنى هذا غياب السببية بل قل أننا لا نستطيع ان نتلمس سببيتها , فكل مشهد وجودى عشوائى له سبب انتجه ولكننا نجهل آلياته ولا نجد له إنتظام فى إنتاج مشاهده , فالعشوائية تعنى جهلنا بالأسباب وإعترافنا بقصور التعرف على أسبابها .

-العشوائية مشهد مادى فى النهاية يخضع لظروف المادة فى لحظة معينة .. نقول عشوائية وفوضى لعدم تكرار المشهد وغموض أسبابه وتوقع حدوثه .. النظام جاء كحالة إستثنائية من العشوائية بتقييم وإنطباع إنسانى لنتشبث به كوننا لا نستطيع العيش وسط حالة من الفوضى واللاتوقع ,فنحن لا نتحمل العيش بمنهج الإحتمالات المفتوحة الغير متوقعة فهو الجنون بعينه أن نعيش اللانظام . نحن نحتال على الأشياء لنخرج منها بصيغة نظام!

- الوجود المادى غير معنى ان يصدر لنا مشاهد مرتبطة ببعض بل نحن من نحاول إيجاد علاقات فيما بينها قد نصيب أو نخطأ وهذا يتوقف على قراءتنا للمشهد وزواية رؤيتنا وكلما إقتربنا أكثر من العلاقات المادية بدون أن نقحم تصورات ليست من المادة أمكن ان نجد سببية اكثر ديمومة .

-نحن ندرك أن هناك عشوائية نواريها بكلمة غموض وسر الوجود فنرى أن الكثير من أشكال الحياة طائشة بلا معنى أو رابط للإنسان .. الكثير من أشكال الحياة لا تؤدي لنتيجة محددة هادفة للإنسان وبالتالي في الكون الكثير من اللاإرتباط بالإنسان وهذا يعنى أن الكون عشوائي حتمي وغير مُوجه بخطة .

- النظام ليس معناه وجود فعل وفاعل نظامى , فالنظام تقييمنا نحن للأشياء , فالأشياء ليست منظمة أو غير منظمة فى ذاتها بل نحن من رصدنا علاقات لنقول عن هذه العلاقات منظمة , أى هى تقديرنا وزاوية رؤيتنا وإنطباعاتنا نحن لتكون مشكلتنا فى فهم الوجود أننا تغافلنا أننا من قيمنا الأشياء ونسبناها لمنظم .

- يمكن فهم علاقتنا بالوجود والحياة وماهية القوانين والعلاقات التى نتعاطى بها بملاحظة علاقة الملاح بالنجوم فهو يكون علاقات إستدلالية مع النجوم وفقا لحالها ومنها يهتدى لطريقه , فالنجوم لم يتم رصها عمداً فى الفضاء على هذا النحو لكى تدل الملاح على طريقه , ولكن الملاح أنشأ علاقات افتراضية رياضية تجاه ظواهر مادية كماهى لينتج قانون وفقا لما هو متاح ذو ثبات نوعى .

- كذلك عندما نحدد طريقنا من الغابة إلى المنزل فنحن ننثر أحجار على الطريق كعلامات إرشادية للوصول من النقطة أ إلى النقطة ب , فهنا نحن من أوجدنا العلاقة لنتطور بعد ذلك فى إختيار أفضل الطرق لوضع الأحجار فلا يكون الأقصر فحسب بل الأقل وعورة والأكثر أمنا مثلا .. ما أريد قوله أن المادة فى الوجود لا تخبأ سراً ونظاماً ونحن نكتشفه بل نحن من نخلق علاقات تكون سبيلنا لفهمها والتعاطى معها .

- مشكلتنا فى فهم الوجود أن الأحجار التى ألقيناها بعشوائية فى الطريق من النقطة ألف إلى النقطة باء وإستدلالات الملاح بالنجوم إعتبرناها علاقات خارجة عنا تمنحنا النظام , بينما ما نراه نظاماً ما هو إلا مٌنتج من رحم الفوضى ونحن من أسبغنا عليه نسق النظام بحكم إيجاد علاقة يكون فيها اللحظي قياس لسرمدية الزمكان .

- النظام مفهوم ومنطق إنسانى بإيجاد علاقة لمشهد حياتى ذو وضعية زمنية مكانية , ويمكن تمثيل هذا بخط مستقيم متعرج شديد الطول فعند أى جزئية من هذا الخط سنجد أننا نسير فى خط مستقيم منتظم , فالإستقامة تحققت من كون الإعتناء برصد جزء محدد من الخط المستقيم ولكنه فى الحقيقة منحنى .

- النظام نسبي تكيفى إنسانى يخرج من رحم الفوضى الكونية كإسقاط إستدلالات إنسانية , فالنظام ماهو إلا جزء من قدرتنا فى إيجاد علاقة مرتبة من الفوضى الكبرى .. إذاً النظام لحظة أسقطنا عليها الترتيب فى فوضى.

- من المعروف رياضيا أن أي مجموعة من الأرقام تشكل دالة ما , أي أننا نستطيع استنباط نظام من أي مجموعة أرقام نختارها بعشوائية , وهذا يجعلنا نتساءل حول معنى كلمة نظام, هل هي نظام فعلاً أم هي مفهومنا عن الأشياء .. أرى أن وجهة النظر الثانية هى الصحيحة وهو ما تؤيده العلوم والواقع المادى والإستدلالات الرياضية .

- عند الذهاب إلي الشاطئ نجد أحجاراً متناثرة ليست بعبثيّة الترتيب بل تتدرج من الأكبر إلي الأصغر كلما بعدنا عن الشاطئ , ليقول قائل أن هذا الترتيب المنظم لايمكن أن يكون حدث بدون تدخل أحدهم ، فلا يمكن أن يحدث الأمر صدفة !
الذي يتسائل عن ترتيب الاحجار يظل معتقداً أن هناك من رتّب تلك الاحجار ويرفض كل محاولة للشرح أو المكوث لبضع ساعات ليري أن الأمواج العشوائية هي التي نظمت كل هذا ! فالأحجار الكبيرة نسبياً تسقط قريبةَ من الشاطئ بينما تذهب الأصغر إلي مكان أبعد .. هذا كافٍ لمن يسأل عن ترتيب الاحجار , ولكن المشكلة لا تكمن في الحقيقة إطلاقاً أو الوصول إليها بل فيمن يريد معرفتها فتراه بعد مشاهدة الامواج العشوائية ترتب الاحجار وإدراكة تمام الإدراك أنه لايوجد من يرتبها يتحول إلي سؤال من الذي أتي بالامواج ومن كوّن المياه ؟ ومن أوجد الاحجار في ذلك المكان ؟ وكأن أحدهم قام بهذا كله من أجل ترتيب بعض الاحجار علي شاطئ مهجور ! ..الكون وما يحتويه لم يُخلق ولم يُصنع ولم يتدخل أحدهم لا من قريب ولا من بعيد فيه .!

- أنظر للصور الجميلة فى الطبيعة , فلاشك أنك شاهدت منها الكثير لتعزيها إلى خالق مُبدع بدون تفكير , ولكن لو تمعنت قليلاً من منظور اللاغائية واللاترتيب فلن تجد خالق ولا يحزنون , فلن نجد عاقل سيقول أن هناك ترتيب فى ذرات الغيوم مع الضوء لينتج لنا مشهد غروب جميل تستحسنه عيوننا بل هي جزيئات ماء متناثرة عشوائية بلا أى ترتيب مع حزمة ضوئية غير منظمة وغير موجهة , كذا الطبيعة لم ترص الجزيئات على ظهر فراشة وسمكة وعصفور لتبدو جميلة , وليس هناك من إستخدم الألوان والفرشاة والأزميل لرسم ونحت مشهد طبيعى , كذا مشهد البحر الجميل والشلال لم يتكون من حسابات لتدافع جزيئات الماء بشكل محسوب بل من عشوائية صرفة .

- لا يوجد غاية أو قصد من الطبيعة أن تقدم لك مشهد جميل فهى حركة وتفاعل وأداء ذراتها وجزيئاتها العشوائى لتتشكل هكذا مشاهد لتجد القبول والإستحسان أو القبح وفق رؤيتك الذاتية وتفاعلك مع المشهد العشوائي , ولنا بحث سابق عن فهم ماهية الجمال سيفيد في إدراك لماذا نُقيم الأشياء بالجمال أو القبح .

- هذه هى العشوائية والفوضى يا سادة التى تنتج هكذا منتجات بلا ترتيب ولا غاية فتستحسنونها , ورغم أن المشاهد شديدة العفوية شديدة الصراحة فلا تفطنون أن الطبيعة عشوائية لتضعون العربة أمام الحصان لتتخيلوا وهماً وتعسفاً أن ورائها غاية وليتصور البعض بوجود من يرسم بريشته ويحفر بأزميله .!!

- نحن نتصور ونتوهم بأن هناك نظام ما يحكم الوجود ليرتبه ويقدره ويغمره بحكمته وتدبيره فلا يوجد شئ خارج السيطرة والهيمنة , بينما الحقيقة أنه لا نظام ولا ترتيب ولا حكمة بل الأمور تنحو نحو العشوائية واللانظام واللامعنى , فنحن من نتخيل فقط بأن هناك نظام ما وحكمة ما تُصمم هذا المشهد الوجودى بينما الأمور لا تعدو سوى تصور لحظة نظامية وسط فوضى عارمة .. لحظة هدوء من العشوائية والفوضى مجهولة العلاقات لنتلمس منها علاقة مثل علاقات النجوم للملاح والأحجار للباحث عن طريق لمنزله .

- مشهد المدقات على الطريق أو الأحجار التى ننثرها لتهدينا للطريق يمكن منها فهم علاقتنا مع الوجود العشوائي فلدينا نقطتان ألف وباء نريد التحرك من أ إلى النقطة ب ولا يوجد لدينا وسائل إيضاحية بحكم جهلنا فنلقى بمجموعة من الحجارة أثناء سيرنا من أ إلى ب , لقد اصبحت لتلك الحجارة معنى بينما هى حجارة ليست ذات مدلول كما أننا خلقنا نظام من فعل عشوائى ليصبح الطريق من أ على ب نظاماً .!
بالطبع يمكن أن نثبت الحجارة أو نزرع أشجار أو نرصف الطريق من أ الى ب أو نقلل من المسافات المهدرة لنختصر الطريق ثم نقوم بعد ذلك برسم خريطة لوضع الاحجار التى ألقيناها بعشوائية ونضع قانون لزاوية انحراف كل حجر عن الآخر لنتوهم بعد ذلك أن الوجود منظم .!

- عندما نحاول البحث فى الوجود فهذا يعنى البحث عن رؤية الإنسان وإحساسه وإنطباعاته وإنفعالاته , فهو الكائن الوحيد الذى يستقبل الوجود بوعى ليسقط عليه رؤيته وأحكامه وتقييماته وإنطباعاته وأحاسيسه المتأرجحة بين قطبى الوعى واللاوعى وبين الألم واللذة , لذا يكون فهمنا للوجود هو البحث فى أبعاد الإنسان النفسية وآفاق ومحددات تفكيره ومدارات وآليات الدماغ ومواطن الألم واللذة لتتحرك آليات وعيه حصراً لإيفاء حاجاته الجسدية والنفسية بإنتاجها للأفكار والخيالات والأوهام .

دمتم بخير.
-"من كل حسب طاقته لكل حسب حاجته " أمل الإنسانية القادم فى عالم متحرر من الأنانية والظلم والجشع .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,157,477,535
- الإرهاب فكر فإذا عجزتم عن مواجهته فلتواجهوا مروجى الفكر
- فوقوا بقى– مناظرة فى:هل القرآن بشرى الفكر أم إلهى
- تأملات وثورة فى المسألة الأخلاقية
- الإله الوهم والوجود والأزلية
- مجلتى - العدد الثالث
- فوقوا بقى(1)-الأديان بشرية الفكر والهوى(108)
- تأملات فى الإنسان والحياة والوجود
- تأملات فى الإنسان
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها
- ثقافة تحتفى بالجهل والإنبطاح والبلادة والتهافت
- آن الأوان لتبديد وهم المصمم..إهداء للأخ مروان
- ما الجدوى وكيف - 300 حجة تُفند وجود إله
- المغالطات المنطقية التى تنحرف بنا عن الفهم الصحيح للحياة
- تأملات فى أسئلة لفهم الإنسان والحياة والوجود
- رقصة الكيكى تفضح مجتمعاتنا الهشة وثقافتنا البائسة
- نفهم الحياة من ذكرياتنا وإنطباعاتنا البدئية العفوية
- أوهامنا البشرية - وهم الوعى وإشكالياته
- تتمة مائتان حجة تُفند وجود إله
- العقل الدينى فى محنه,كيف يعتقدون بهذه السذاجة المفرطة .
- تأملات فى لماذا يؤمنون وكيف يعتقدون


المزيد.....




- البيت الأبيض يعلن عن قمة ثانية لترامب وزعيم كوريا الشمالية ف ...
- تركيا تذكر الولايات المتحدة بنكثها بالوعود حول منبج السورية ...
- العراق يكشف رسميا عن اتصالات لإعادة سوريا إلى مقعدها العربي ...
- عضو هيئة التفاوض السورية: بحثنا في لقائنا مع بيدرسون ملفات ع ...
- تسريبات تكشف عن قرار إسرائيلي جديد بشأن قطر
- الشرطة السودانية: لم نستخدم الرصاص الحي في أي تظاهرة
- -موتورولا- تحيي هاتفها الأسطوري
- غوتيريش: بوسعي التحقيق في مقتل خاشقجي بتفويض من مجلس الأمن
- الاحتجاجات في السودان: عمر البشير يحسم موضوع تداول السلطة
- تركيا تخطط لفتح قنصلياتها في 4 مدن عراقية


المزيد.....

- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سامى لبيب - ماهية العشوائية والصدفة فى إنعدام الغائية والترتيب والخطة