أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالرزاق دحنون - لماذا خلق الله الذباب؟














المزيد.....

لماذا خلق الله الذباب؟


عبدالرزاق دحنون

الحوار المتمدن-العدد: 6054 - 2018 / 11 / 14 - 11:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألحَّ الذباب يوماً على أبي جعفر المنصور-ثاني خلفاء الدولة العباسية- في مجلسه حتى أضجره. فقال لحاجبه: انظر من في الباب من العلماء. فقال: مُقاتل بن سليمان. فأُدخل على المنصور فسأله: لماذا خلق الله الذباب؟ وعاين مُقاتل تبرم المنصور وضجره, فأجابه: لكي يُذلّ به الجبابرة.

1
كان المأمون بن هارون الرشيد يجلس للناس يوم الثلاثاء من كل أسبوع, فجاء رجل قد شمَّر ثوبه, وتأبَّط نعله, فوقف على طرف البساط وقال: السلام عليكم, فردَّ المأمون السلام, فقال الرجل: أخبرني عن هذا المجلس الذي أنت فيه, جلسته بإجماع الأمة أم بالغلبة والقهر؟ قال: لا بهذا ولا بهذا, بل كان يتولى أمر الأمة من عقد لي ولأخي, فلما صار الأمر إليَّ علمت أني محتاج إلى إجماع كلمة الأمة في المشرق والمغرب على الرضا بي, ورأيت أني متى خليت الأمر اضطرب حبل الخلق, ومرج أمرهم, وتنازعوا, وانقطعت السبل, فقمت حياطة للخلق إلى أن يجمعوا على رجل يرضون به فأسلم إليه الأمر, فمتى اتفقوا على رجل خرجت له من الأمر. فقال صاحب النعل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وذهب.
2
رجل من عامة الخلق يقتحم مجلس من دانت له الدنيا من مشرق الأرض لمغربها, يقف على بساط الخليفة, متأبِّطاً نعله, يسأله من أعطاه الحق في مجلسه؟ هذا لعمري الخط الأحمر الفاصل بين الحياة والموت, والذي ينبغي ألا يتجاوزه أحد أو حتى الاقتراب منه. ولكن في هذه النادرة يظهر أن العلاقة لم تكن دوماً مشدودة شدَّاً حادَّاً بين السلطان وعامة الخلق, فقد كان هناك مساحات ممتدة متنوعة بينهما تثير الانتباه والدهشة. بل لعلها تتجاوز وتخترق بصورة مباغتة الخطوط الحمراء للسلطة دون أن بترتب على ذلك أي نتائج مأساوية, وإنما يتحول الموقف برمته لنادرة طريفة تنسج خطاباً مراوغاً يضمر السخرية العميقة من صاحب السلطان على حد تعبير الدكتورة هالة أحمد فؤاد.
3
وهنا لا بد من استنطاق هذه العلاقة الشائكة بين الرجلين. صاحب النعل ترك عمله, شمَّر ثوبه, تأبط نعله, وجاء مجلس السلطان يسأل. أيدرك هذا الرجل ما يفعل؟ أهو أحمق بالفطرة أم أنه يخلط بين الهزل والجد ؟ ألا يدرك ما يمكن أن يفعله السلطان لو غضب؟ وغضب السلطان لا تحمد عُقباه. أمن حقه كفرد مؤمن أن يستنطق السلطان ويسأله كيف يدير شؤون الرعية ؟ ماهي الأسباب الملحة التي أقلقته و دفعته لمواجهة السلطان بجرأة, أو تهور, ودخول حضرته هكذا دون أذن و لا دستور؟
4
هي في مجملها أسباب تكشف عن احتياج الرعية المُلح إلى الراعي, ولا تهدد جوهر السلطان, بل تدعمه, وتؤكده, وتكرس له. أنظر إلى صاحب النعل حين سمع جواب المأمون كيف سلَّم وانصرف. هل سكنت نفسه واطمأنت من قلقها على مصير الأمة؟ أكان جواب المأمون شافياً كافياً, سدَّ الذائع من كل وجه؟ وقد نُقل عن المأمون:
ما أعياني جواب أحد مثل ما أعياني جواب رجل من أهل الكوفة, قدَّمه أهلها فشكا عاملهم, فقلت: كذبت, بل هو رجل عادل, فقال: صدق أمير المؤمنين وكذبت أنا, قد خصصتنا به في هذه البلدة دون باقي البلاد خذه واستعمله على بلد آخر يشملهم من عدله وإنصافه مثل الذي شملنا, فقلت: قم في غير حفظ الله, عزلته عنكم.
5
ولا يعنينا في هذا الساق مدى صحة الرواية , وهل هي حقيقة أم من عمل الخيال؟ لأننا نهتم بتحليل تلك العلاقة الملتبسة بين السلطان ورعيته, ولعل ما ينسج ملامح ذلك الالتباس هو أمكانية التشارك في دوافع الاقتراب من المدار السلطوى لاذع المذاق, والتورط في فضاءاته, مما يجعل الحضور داخل هذه الفضاءات مجازفة خطرة قد يترتب عليها في كثير من الأحيان نتائج وخيمة تصل إلى حد التصفية الفعلية مادياً ومعنوياً.
6
وصدر كلامنا عن الذباب شبيه بشيء لا بأس بروايته في هذا الموضع, فقد خطب صاحب الذباب يوماً فقال: منذ أن وليت عليكم رفع الله عنكم الطاعون. فقام رجل في المجلس وقال: لأن الله أكرم من أن يجمع علينا المنصور والطاعون. تُقدم هذه المشاهد العامة أو الخلق أو الرعاع أو الغوغاء إن شئت بوصفها حشداً قادراً على الفعل, وهذه –في ظني-أحدى تجليات المقاومة بالحيلة في مواجهة عسف السلطان وفرديته واستبداده كما أكد عليه جيمس سكوت في كتابه الخطير "المقاومة بالحيلة ...كيف يهمس المحكوم من خلف ظهر الحاكم" . ولا مانع عندي أن يتخذ صاحب الكلمة في محنة كهذه دور المهرج ويستعمل هذا النوع من الخطاب المستتر بالغفلة و الذي يهمس به من وراء ظهر السلطان وهذه الحيلة تعود بنا إلى الحديث النبوي أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,387,284,890
- أنا مش كافر بس الجوع كافر
- أهلاً لينين
- عن ذلك الحصير في القصر الجمهوري
- كيف أصبحتُ شيوعياً
- الصورة الأكثر شهرة في العالم
- هل يجلبُ الطَّاغية شوكولاتة إلى أولاده؟
- حَكَمَ فَعَدَلَ
- طائر سوريَّة السَّكران
- هُناك مكان لمن يُصلي
- غسَّان كنفاني ماركسياً
- كلمة حق عند سلطان جائر
- خطابٌ مفتوح إلى الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة
- قناديل ماركس
- قضية الجورنالجي الشيخ علي يوسف يوم 25 تموز 1904
- كنز الأموال بين الانجيل و القرآن
- رحم الله إيفان شيرفاكوف
- كيف تعرف أن السمك سعيد؟
- الدين النصيحة
- حجارة رجم الزانية سوداء
- مروان بن محمد يمنع لعب الشطرنج في دولته


المزيد.....




- حقائق عن الآباء في الولايات المتحدة
- الشرطة المصرية تواصل تجريف أراضي الوراق والسكان ينشدون الدعم ...
- العرس المغربي.. تقاليد عريقة واحتفالات فريدة
- الرئيس يشتكي البعوض.. معلومات عن ظروف البشير ورفاقه بالسجن
- بالصور... السيسي يجري جولة تفقدية في استاد القاهرة
- هجمات حوثية بطائرات قاصف -2 كا-على مطار أبها جنوب غربي السعو ...
- مصر تفوز على غينيا باستعدادات أمم إفريقيا
- قانون جديد للهجرة لكيبيك الكندية
- تغريم زوجة نتياهو لطلبها وجبات على حساب الدولة
- غرينبلات يرجح تأجيل إعلان خطة السلام


المزيد.....

- الصراع على إفريقيا / حامد فضل الله
- وثائق المؤتمر الثالث للنهج الديمقراطي /
- الرؤية السياسية للحزب الاشتراكى المصرى / الحزب الاشتراكى المصرى
- في العربية والدارجة والتحوّل الجنسي الهوياتي / محمد بودهان
- في الأمازيغية والنزعة الأمازيغوفوبية / محمد بودهان
- في حراك الريف / محمد بودهان
- قضايا مغربية / محمد بودهان
- في الهوية الأمازيغية للمغرب / محمد بودهان
- الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟ / محمد بودهان
- قلت عنها وقالت مريم رجوي / نورة طاع الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالرزاق دحنون - لماذا خلق الله الذباب؟