أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - زياد بوزيان - عن - تاريخانية الإسلام - ، قراءة تأويلية















المزيد.....


عن - تاريخانية الإسلام - ، قراءة تأويلية


زياد بوزيان
الحوار المتمدن-العدد: 6050 - 2018 / 11 / 10 - 23:38
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لا نقصد ﺑ " تاريخانية[1] الإسلام" ها هنا خلق الإله الواحد الأحد في أزليته القرآن الكريم ليؤدي وظيفة تاريخية خاصة ، كان البشر في حاجة إليها من ثمة يزول بزوال مرحلة سواده ، لا لا ، وإنما نقصد بتاريخية الإسلام ظروف تاريخية معينة جاءت بالصدفة كانت سببا في بروز الإسلام وانتشاره وللأسف أرجعها حمال تلك الرسالة بعد نبيهم محمد والمبشرين بها من قواد وخلفاء ، منتهزين الفرصة لرفع القرآن إلى مصاف الديانة السماوية التي لا بعدها و لا قبلها بترصيعه بهالة من القداسة التي لا تضاهيها قداسة ، أرجعوها إلى صحة إنتساب الرسالة المحمدية للآلهة الحقة ؛ آلهة إبراهيم وموسى وعيسى من ثمة يتبوأ الإسلام مكانة اليهودية والمسيحية ، بل سيتجاوزهما عند في بعض فتراته ، ولعلّ انتهاز للظروف التاريخية كهكذا انتهاز تجلّى في نشر الإسلام في شمال إفريقيا الذي واكب مرحلة ضعف الإمبراطورية الرومانية حيث انسحبت جيوشها الخرمة عن بكرة أبيها تاركة حلفائهم الأمازيغ يواجهون مصيرهم لوحدهم أمام جحافل لا تعرف رحمة و لا عدلا كالتي يدعو لها القرآن الكريم نفسه إلا بوجود حد السيف المسنن بجانبه ، فظنّ الأمازيغ من أن جيوش الفاتحين المسلمين قد أرعبت الرومان نتيجة قداستهم وصحة ما يدعون إليه من تعاليم وأخلاق ربانية ، فتشتت صفوفهم حتى قبل أن يلحق الفاتحين/الغزاة المسلمين إلى أراضيهم ، فمنهم من صعد الجبال فسلم ومنهم من قعد فصبأ وأسلم طوعا أو كرها ، ودالت على منوال هذه الصفحة التاريخية إلا قليلا حوالي أربع آلاف كيولمتر من بن غازي إلى قرطبة مرورا بطنجة للمسلمين في ظرف قياسي.

أما علم التأويل Hermeneutics الملائم لمثل هكذا قراءات فأصبح منهجا نقديا لم تخطأه عين البحث الفذ نصر حامد أبو زيد و لاغفل عنه كبار قراء التراث الإسلامي، ترجع أصوله إلى « المدرسة الفلسفية التي تشير لتطور دراسة نظريات تفسير وفن دراسة وفهم النصوص في فقه اللغة و اللاّهوت والنقد الأدبي. ويستخدم مصطلح هرمنيوطيقا في الدراسات الدينية للدلالة على دراسة و تفسير النصوص الدينية. وفي الفلسفة هي المبدأ المثالي الذي من خلاله تكون فيه الحقائق الاجتماعية (وربما أيضا الحقائق الطبيعية) رموزا أو نصوصا والتي بدورها يجب أن يتم تفسيرها بدلا من وصفها أو إيضاحها بموضوعي».[2]

هل ترى كانت تلك الجحافل من جيوش المسلمين بمقدورها غزو/ فتح البلاد التي فتحتها وهي شاسعة ممتدة شرقا وغربا أم أن في الأمر ضربة حظ أسداها لها التاريخ لوحده : في الوقت الذي صادف اندفاعها عن تصور آسر (إيمان) بالصحة المطلقة للإسلام وهو تراجع الحضارة الرومانية الغربية لغاية سقوطها في يد الجرمان وضعف شقيقتها الشرقية/البيزنطية ، ودخول العالم أنذاك أحلك مراحله التاريخية بعد عام 453 م. هل كان بمقدور جيوش المسلمين الأوائل الاندفاع بمثل ذلك الاندفاع لو كانت الإمبراطورية الرومانية في أوج عنفوانها؟ الجواب حتما لا ، لمّا كانت الإمبراطورية الرومانية تعيش أحلك الظروف ؛ اقتصادية وسياسية ، تحكمها البابوية نصف حكم نتيجة عدم فصل السلطات بينهم وبين القادة العسكريين وأباطرتهم أمام صعوبات إجتماعية واقتصادية متفاقمة، لحسن حظها كان جناحها الشرقي المتمثل في الإمبراطورية البيزنطية نوعا ما في حال أفضل ، فعندما دب الضعف في كيان الإمبراطورية الرومانية الغربية استطاعت جيوش المسلمين أن تنال منها وتقتطع منها شمال إفريقيا والأندلس وتضمهما إلى بلاد المسلمين ، ولم يكن بمقدورها التقدم سوى غربا وشرقا لتحتل بلاد لأمازيغ ــ لسوء حظ الأمازيغ أن توازن القوى العالمية آنذاك في غرب المتوسط كان في غير صالحهم ــ وبلاد الفرس وخرسان بينما امتنع عنها الشمال الشرقي لأن المغول كانوا أقوياء ، والشمال أيضا لأن البيزنطيين كانوا صدا منيعا ضدهم ، فلم يظفروا من تركيا إلا ببلاد صغيرة اسمها أنذاك دولة السلاجقة كان لها شأن في عهد قائد اسمه ألب أرسلان ، ولم تعهد روما لبيزنطة بعدما اقتطع المسلمون منها إفريقيا والأندلس بشيء ، لأن في القرن السابع والثامن الميلادي كانت الدولة الإسلامية قد تقوت أكثر، لكن مع بدء مرحلة الضعف في فترة حكم العباسيين الثانية تنبه الرومان للفرصة فأرسل ديمانيوس عام 1051م جيشا قوامه 200 ألف جندي للقضاء على الدولة الإسلامية وتحطيم مركزها مكة والمدينة متذرعين بغلق المسلمين لطرق الحج المسيحي فيما أصبح يعرف باسم الحروب الصليبية ، تماما كما فعل إبراها الحبشي سنة 571 م ، حتى وإن فشل في مسعاه على يد عماد الدين زنكي وابنه نور الدين محمود ثم لمّا إستلم الراية منهما صلاح الدين الأيوبي. لكنه حصّن(ديمانوس) منطقة البلقان وأوروبا الوسطى ضد غزوات المسلمين.
أخشى أن انتهازية الدين للظروف التاريخية ليس حكرا على الإسلام بل هي خاصية الأديان جميعها بالنتيجة اللتعاطي مع عالم ميتافيزيقي خارج إدراك العقل وهو ما نستشفه في صراع المسلمين المرير مع اليهود أيهما شعب الله المفضل المسلمين أم اليهود؟ إذ هناك آيات في القرآن والتوراة تحض على إزدراء الأديان ، وفي الوقت ذاته هناك آيات أخرى تذكر كل منهما بخير، أما الآيات التي أقامت الدنيا جدلا ولم تقعده إلى حد الساعة فحدّث ولا حرج ولم تحظى بتسليط ضوء تأويلي وتفكيكي كاف، لعلّ إحداها قوله في القرآن الكريم :» وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ » كان مقدار كل ألف سنة مما تعدّون ، وقول التوراة أن يهوه خلق السماوات والأراضين في ستة أيام واستراح في اليوم السابع الموافق ليوم السبت، و الناتج من تأويل أصحابها لهاتين الآيتين تعميق احتقار كل طرف للآخر ؛ بقول المسلمين من أن الله منزّه عن التجسد وقول اليهود إلاّ تجسد يهوه الذي يجب أن يكون ، لأن ذلك دليل حب يهوه لبني إسرائيل ، فهو ما أهداهم نعمة العقل إلا ليقرأونه به و يحجسدونه من خلال شريعة التثليث الله وابنه والروح القدس.

أما التأويل وإعمال العقل فمن حق اليهود والنصارى أليس اصطفاء أمة محمد في العالمين كان بسبب محمد؟ فكذلك الأمر بالنسبة لأمة إسرائيل من حقها أن تدّعي أنها مصطفاة كالأمة الاسلامية الأمة الوسط التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أليس النبي الذي أرسله الله لإسرائيل قد اصطفاه ربّه كما أخبرنا القرآن نفسه في قوله :« قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ » هذا التأويل (الاصطفاء) مازال يفهمه المسلمون على أنه تكبر و استعلاء لبني إسرائيل. وما زاد الطين بلة هو اضطلاع من سمو أنفسهم "علماء الاجتهاد في التراث الإسلامي" من أنصاف العلمانيين المعاصرين به ، واجتناب علماء الفقه و أهل السنة والحديث مناهح البحث ذات المنشأ الغربي! واعتذار علماء العلمانية المقتدرين عن الخوض فيه إلا في ما ندر، لضغوطات إجتماعية وسياسية قد يتعرضون لها.

لماذا إسلام بحيري ويوسف زيدان والسيد القمني أساءوا وسيسيئون للعلمانية أكثر كما أساء السلفيون و الإرهابيون للإسلام؟ ــ بخاصة إسلام بحيري الذي أصبح الارهابيون على قنواتهم اليوتيوبية يتوعدونه جهارا نهارا ويردّونه على نحره بالشتم المذل ــ فاذا كان جماعة غلاة المتعصبين استولوا على علم الحديث حسب هواهم ليقدسوه مخوفين الناس فأين أنت منهم يا بحيري؟ أنت لم تشذ عنهم في عنجهيتك ؛ قدمت نفسك كهادي ومخلص لفك شفرة التراث بالقطع الصّريح كـأنك نبي! ، فأين التأويل أو أين كلمة الرأي على لسانك وأين المنهج المتبع! ، فهل أنت تخوض في علوم المادة ، فيها كل شيء واضح أمامك تعمل فيه ما تشاء وتريّه لمشاهديك لتقنعهم به؟!!( على فكرة في هذه الحالة هناك أيضا ما يسمى في السياسة بالأغلبية وهو شيء مهم جدا ، أمثالك الذين بإمكانهم ترجيح أفكارك عددهم قليل جدا في الوقت الراهن) وعلى العموم هؤلاء الثلاثة سيسيئون للعلمانية للثغرات المعرفية والمنهجية الواضحة لديهم ، فالسيد القمني أساء لها بالفعل عندما إعتبر التوراة كتاب تاريخي بالنسبة للباحثين وكله متناقضات ويعتمد في نفس الوقت على آيات من القرآن في أبحاثه الفكرية تلك الآيات ناسخة لكثير مما جاءت به التوراة!! أما عن الشـــكـــل الذي يغلف مضامينهم الفكرية فحدّث ولا حرج : البحيري يتحدث دائما بلهجة القاهرة الغير مفهومة حتى في اسكندرية مع ضرب أمثلة بايخة وشعبية غير ملائمة للمقام ، و القمني وزيدان يمجّان سيجاراتهما مجاﹰ وهما يلقيان محاضرتهما!!

و أن ما قيل عن توسع الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها لأن الله أراد ذلك ، أرادت مشيئته بأمة محمد أن تكون أمة وسط ، و أن يظهره على الدين كلّه أو يهلك دونه ، و يجعلهم أئمة وأسياد الأرض بعد ذلك ، ما كان ليحدث لولا الظرف التاريخي المساعد المساهم في الإنتشار و الظهور بمظهر القداسة العظمى وهو عدم وجود ما يسمى في المفهوم المعاصر توازن عالمي للقوى ولأمر سيان بالنسبة لتوسع للإمبراطورية الرومانية منذ 44 ق.م واكتساحها للشرق الأوسط وشمال إفريقيا المنطقتان اللتان لا تشكلان امتدادا طبيعيا تضاريسيا لأوروبا بأي حال من الأحوال ، ولكنها خَلَت لها فانتهزت الفرصة ، فلولا الولايات المتحدة الأمركية اليوم لشكّل إرهاب الإسلام السياسي منذ تبلوره إثر حرب 1967 خطرا عالميا محدقا ، تذهب ضحيته جميع الشعوب الضعيفة وربما يعيد العالم إلى بدائيته ، و ربما أوروبا وروسيا توقفانه عند حده لكن بخسائر جسيمة. فأحقيته بالنصر الدائم المتوهَمة تنتعش بفضل قوة روحية ألوهية تسنده دائما وترسم له الصعاب المحتملة سهولة ، لكن تشلّه القوة المادية المضادة ( أسلحة الغرب المدمرة والفتاكة) التي لا تسمح علومه في ميدان التكنولوجي من إنتاجها دون مساعدة الغرب والمثال واضح أمامنا مع دواعش الشرق الأوسط ، فلو تخيلنا أنا القاعدة ضربت روسيا وأن الولايات المتحدة لاوجود لها ، فنخشى أن روسيا اليوم وهي القوة العالمية الثانية لا تأخذ مبادرة إزاحة صدام حسين ، ولا الهجوم على طالبان و لا حتى القيام بتخطيط عسكري ومخابراتي لترصد القاعدة والإيقاع بها ، لأن رصيدها التفوّقي إن صح التعبير إن على جميع الأصعدة غير متكامل ، ناهيك عن تساويها في القوة مع أوروبا الغربية والصين ما يُعجزها من اتخاذ القرارات الحاسمة. ولعلّ تأويل عاملا القوة الاقتصادية والعسكرية اللتين وقفتا تاريخيا سدا منيعا أمام الإسلام كقوة غازية أولا ومحقرة للآخر كانت بدايتها مع اليهود الذين كانوا أقوام مستضعفين في شبه الجزيرة العربية ، بينما كانا النصارى فيها أقوياء اقتصاديا وسياسيا مدعومين من خلفهم بمملكة الحبشة ومن أمامهم بقاعدة الأرثذوكس في أنطاكية ، لذلكم تملق الإسلام النصارى كثيرا منذ نشأته وإحتقر اليهود كثيرا بالرغم من أن النصرانية ما هي إلا نسخ لتعاليم توراتية قديمة. وكان نهاية الإسلام كوجه من أوجه التطرف متنمذجا في القاعدة وداعش في انتهازيتهما التاريخية الأولى عقب حرب أفغانستان مع الاتحاد السوفياتي والثانية إثر البؤس ولاعدالة الحكام العرب التي ولدت مظاهرات الربيع العربي.

ــ أحداث الربيع العـربي وانتهازية الحركة الدينية .. تجارب شخصية

ـ عندما عدت إلى الجامعة بعد طول غياب استوقفني البواب عند مدخل الجامعة ، بيد أنه في غمرة من فرح وصراخ وعويل صاحب تواجدي أمام مظاهرات طلابية وأخرى لأسلاك الحرس البلدي اختلط فيها الحابل مع النابل وجدتُني فجأة أنسل وألج الحرم في لحظات ، و لم يكن ذالكم الفعل إنتهاز للفرصة كما قد يتبدا قط. وفي الداخل إذ بأحدهم يدهسني فيسارع لطلب المعذرة "سامحني يا أستاذ سامحني يا أستاذ" .. ياه لم أتصور أبدا أن ينادني عون إداري في يوم من الأيام بالأستاذ وأنا مازلت طالبا! ياه ، فهل أكون كبرت لهذه الدرجة أم تراها تسريحة شعري أوحت له بأني أستاذ؟! وما إن ابتعدت قليلا حتى لاحقتني أعين مجموعة أوانس بالتحديق المهلك حتى ألفيتني أفر من نظراتهن إلى المدرّج فرارا ، أين وجدت الأستاذ يستعد لِإملاء سؤال الإمتحان على طلبته ، فجلست وتناولت الورقة مستعدا لكتابة السؤال ، لكن سرعان ما تلقفتني منه ومن طالباته نفس النظرات ، فأدركت أن في الأمر إنَّ ، ربّما فعلا أكون قد كبرت بشكل لافت! أو أن الأمر يعود لثقافة قد ينعت وسط الأحداث المتسارعة تأوّل كل شيء بل لا بد من أن تأول كل شيء على مقاس ما يحدث من حولها من حراك سياسي وشعبي غير مسبوق ، ولا يهمها حينئذ من أن تعمل من الحبة قبة، وإن كانت بالفعل قد عملت من الحبة قبة ، وهذا ما أبانه رد فعل دخولي الإمتحان معهم وأنا على شكل لم يكن أولا و أخيرا غير شكلي! بعد أن أخذت مكاني كان الأستاذ قد اتجه صوبي وهو يلتفت بين الصفوف لردع محاولات التهيُّأ للغش ، وبعد أن وصل خاطبني قائلا : ــ أنت غايب على طول يا ابني أين مبرر الغياب؟
فقلت له: ـــ ماهو المبرر أمامك ، ألست مسن أمامك ولا إيه؟ فأنا أشتغل حتى أدرس وبصوت مهموس تمتمت« فلماذا دائما تعملون من الحبة قبة! »
فقال : ـــ أنا راح أسمحلك تمتحن بس لازم المبرر بعدين. فاهم ... متّفقين؟

يا لطيف وكان السؤال عن الثورات العربية. لماذا نجحت هنا وفشلت هناك حلل وناقش؟ الراجح أني راح آخذ العلامة الكاملة فالجواب واضح أمامكم ؛ الثوار بين قوسين عن طريق وسائل دعايتهم المختلفة يروحون عاملين من الحبة قبة ، فينهار النظام العربي المتردي نفسياﹰ أولاﹰ ثم لا يحتاج بعد ذلك سوى لبعض الطلقات هنا وهناك حتى يقوم الجميع يكبر ويهلل : الله أكبر، تحيا الثورة أسقطنا النظام ويحيا الثوار .. الله أكبر. وإلاّ يتفطن "النظام" قبل فوات الأمن فيروح مسخّر قواته الرادعة وخططه الاستراتيجية أمنيا وإعلاميا هو الآخر لقمع " الثوار" ثم يظهر أنصاره متفاخرين ؛ تحيا الدولة..يحيا الرئيس..قضينا على المتمردين، قضينا على المجرمين .. قضينا عالكلاب .. هذه سنة الحياة عندما تنجح (الثورة) تسمى ثورة وعندما تفشل تُدعى تمرد وخروج عن القانون، فاكتساح الثورة لأركان الدولة يكون كاكتساح النار للهشيم بل كاكتساح الورم الخبيث العنيد لكامل الجسد ، حتى يصبح في لمح البصر الكل ثوار، حتى الحيوانات ثوارا مجازا : البطالين ثوار و المحرضين ثوار.. أما قادة الجيش (حامي النظام)الذين فرطوا في شبابهم وفي عوائلهم لأجل أمن الوطن وكرامته فجأة يصبحون هم الفساد! والنظام الذي يَامَا أكّلنا عيش لسنوات طويلة هو البهدلة والديكتاتورية نفسها! وفي منتهى القسوة! والله العظيم ليذكرنا تكبير الأشياء فوق ما تستحق ونحن نتأمل نهايات آخر شرارات ما سمي ﺑ "مظاهرات الربيع العربي" يوميا في سوريا واليمن بالثورة التكنولوجيا في عالم الجينات ، أين تمكّن العلماء من تكبير حبة الفاصولياء ليضاهي حجمها حبّة التمر، لكن هل يا ترى سيصبح لها نفس المذاق الطيب بهذا الحجم؟ حتما لا، الأمر سيان عندما يكبر البطن إما أن يقول للرأس غني وهذا حال رفاهية المجتمعات الغربية ، أو أن يقول له إعمل من الحبة قبة عشن أتناول فطوري بالزيادة حتى وإن كان بدون طعم! وهذا حال المجتمعات الشرق الأوسطية.

ولعلّ الزج بالدين في صراعات هو في غنى عنها خاصية الدين المفتقد لسمة الاعتدال. الاعتدال المنوط بحركة العقليين الموجهين له( كان مع الإسلام متمثلا في المعتزلة وهو مع المسيحية بارز في تأثير القساوسة الفلاسفة والتصوف الكاثوليكي) لكن ستجد تلكم الحركات حركات مناوئة ، و في كل عصر من يجتهدون زجاﹰ به في براثن الصراعات معتقدين أنهم ينصرونه! من هؤلاء علماء الدعوة السلفية الحاليين القائلين بوجوب طاعة الحاكم في غير معصية لله إثر أحداث الربيع العربي، وهم السلفيون الذين لهم حظوة في كذا من بلد عربي ، في حين أن المعتزلة قالوا بعدم جواز ذلك عندما لا تتوفر شروط الثورة على الحاكم الظالم وهي القدرة ، فلو عُمل برأي المعتزلة لتحاشت الأنظمة العربية انتهازية الحركة السلفية ومن سار في دربهم ، وصولاََ إلى انتهاز الهمج الذين ساروا وراء محرضيهم في ربوع كذا من قطر عربي ، فسقط من سقط من أبرياء وحدثت ما حدث من مآسي نتيجة لانتهازية واستغلالية الفكر الديني الحاجر على نعمة العقل ، وهو المعنى الذي أردت استجلاءه في مقال السابق لي بعنوان « مظاهرات الربيع العربي وقفة للتذكر والتأمل » عندما قلت فيه لولا استغياب العصا لما عصى من عصى ، المعنى الذي يلتمس فيه ذم للأنظمة العربية الإستبدادية بأسلوب توكيد الذم من خلال المدح ؛ مدح ثقافة الخنوع والحجر عن العقل في المجتمعات العربية التي إطّلعت بحمايتها الأنظمة العربية ، فكم من مقال أسيئ تأويله حتى لا أقول أسيئ قراءته و لم يفهم من قبل القائمين على الموقع فضلا عن سواهم ، لأنه يتطلب جهدا قِراءاتيا إن لم نقل جهدا عقليا تفكيكيا مرتكزا على تجارب من الواقع. ومازال منهم من السلفيين ومن شابههم متطفلين على موقع لا يخصهم كموقع "الحوار المتمدن" مترصدين مقالات بعينها ليسارعوا إليها ليمنحوها أصواتهم السالبة!

وبالعودة إلى انتهازية الفكر الديني المحجّر لحاسة العقل ، فلننظر كم من ثورة تدور رحاها في العالم في كل يوم بل في كل ساعة ـــ ولم تعمل من الحبّة قبّة ـــ إنها الثورات المدنية ، أصحابها متدينون تدينا مدنيا ؛ إنها ثورات الضمير التي تجعل الوزير ( أو أي مسئول وطني كان أو محلي ) الذي يعتقد بعد تتسبب الأحوال الجوية في مقتل العديد من مستعملي الطريق مثلا ، أنه هو المتسبب الذي لم يهيئها لهم ، فخاف مقام ربه من سلم من عقاب الضمير وعقاب المجتمع المدني فاستقال ، ولم يسلم من آمن بأنه سيزحزح عن الجنة في بغلة إن لم يهيئ لها الطريق ، لأنه ظل في منصبه حتى خلعته الثورة شر خلع. وقد يذهب إثر انزلاق حافلة و مقتل العشرات من ركابها ليس وزير النقل فقط بل الحكومة بكاملها تستقيل، بل قد يسحب البرلمان ثقته من الرئيس المنتخب شرعيا. إنها الثورة الحقة ؛ الثورة التي تدور عجلتها مع الزمن ، مع التاريخ إلى الأمام و لا تنتكس لتدور إلى الخلف ، إلى السكون والانتهازية والتحجر أبدا.


[1] - يقصد محمد أركون بالتاريخاني المنهج المستعمل في نقد العقل الإسلامي ينظر حديد أسماء : تاريخانية فهم النص القرآني عند محمد أركون ، أطروحة دكتوراه ، جامعة سطيف2 2017 ، ص32.
[2] - ينظر الموقع على النت : cite_note-1 #علم التأويل(فلسفة)/https://ar.wikipedia.org/wiki





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,059,028,468
- آراء حول الفكر الديني والعلمانية و التصَهيُن
- الرواية الجزائرية الجديدة ونقد الخطاب الديني، رواية الغيث لم ...
- التنوع الإثني بالجزائر ، عروش قبيلة مطماطة النوميدية أنموذجا
- صبحٌ بلا مساء
- مظاهرات الربيع العربي ، وقفة للذكرى والتأمل
- الاعلام العربي الجديد أخلاقيات المهنة و تحديات الواقع ، الجز ...
- -الإعلام العربي الجديد- أخلاقيات المهنة و تحديات الواقع الجز ...
- الشموع الذاوية وعقيدة البَخس الإعلامي
- بين النقد الأدبي الأكاديمي والنقد الأدبي الصحفي ، إطلالة على ...
- قيم الإنسان بين الزمن الجميل و زمن الشّدة
- العقل والإيمان رؤية نقدية من منظور بنيوي
- بين الإيمان والإدراك ، رؤية نقدية من منظور بنيوي
- التنظير النقدي الأدبي في الجزائر وإشكالية غموضه - نماذج مختا ...
- مآلات راعي الحُضنة
- إشكالية المنهج النقدي أم إيديولوجية النخب؟
- أدونيس وأرباب الآلهة ، إطلالة على منظومة الفكر العربي الراهن


المزيد.....




- إسرائيل ترتب لزيارة نتنياهو لدولة -إسلامية-
- أكبر دولة إسلامية في العالم تفتخر بتعايش الثقافات
- باكستان تستدعي القائم بالأعمال الأمريكي عقب تصريحات ترامب بش ...
- الجيش العراقي يشن ضربات جوية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سو ...
- الجيش العراقي يشن ضربات جوية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سو ...
- الحركة الإسلامية بالسودان تدعم ترشيح البشير لولاية ثالثة
- بينيت: -البيت اليهودي- لن يترك الائتلاف
- أتلانتيك: كل شيء مسيس عند ترامب حتى قتل بن لادن
- بالصور.. قديروف يزور المسجد النبوي ويصلي فيه
- الولايات المتحدة: ترامب يتهم أسلافه وباكستان بالتراخي حيال ب ...


المزيد.....

- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون / خميس بن محمد عرفاوي
- لكل نفس بشرية جسدان : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - زياد بوزيان - عن - تاريخانية الإسلام - ، قراءة تأويلية