أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سمير زين العابدين - لمحات من التاريخ السياسي للأزهر (الجزء الأول)















المزيد.....


لمحات من التاريخ السياسي للأزهر (الجزء الأول)


سمير زين العابدين
الحوار المتمدن-العدد: 6047 - 2018 / 11 / 7 - 08:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الأزهر في عصر عبد الناصر
في عام 1955 تقدم المفكر الكبير وعميد الأدب العربي, الدكتور طه حسين, باقتراح الي عبد الناصر من أجل إلغاء الأزهر تماما.
لقد كانت فكرة وزير المعارف السابق هي الغاء نظام (الكتّاب) والمعاهد الأزهرية, وإلغاء نظام التعليم الأزهري الابتدائي والثانوي (القليلة في ذلك الوقت), ودمجها في النظام التعليمي العام, وتحويل جامعة الأزهر إلى كلية للدراسات الدينية العليا, يتم دمجها في النظام الجامعي الحديث آنذاك, وكذلك إلغاء (إدارة الأزهر) نفسه.
كانت نظرة طه حسين نظرة شاملة لتطوير وتحديث التعليم, بشكل يتوازن مع احتياجات المجتمع الحديث كما هو الحال في المجتمعات الأوروبية, وهو يري أن الأزهر (وهو من أبنائه) مؤسسة غير قابلة للتحديث, ولم تفلح معها محاولات الإصلاحيين الأزهريين منذ القرن التاسع عشر, وهي غير قادرة علي مسايرة التغيير الإجتماعي الذي بدأ يأخذ خطواته الأولي في المجتمع بعد 1952.
وبالطبع لاقي اقتراح طه حسين مقاومة شرسة من رجال الأزهر, مع سعيهم لاحتكار الدين والمنافع الإقتصادية المترتبة عليه سواء بالسعي لإستعادة الأوقاف أو من مصادر أخري..
كان قد سبق ذلك توجيه ضربة قاسمة لمؤسسة الأزهرعبر تأميم الأوقاف في عام 1952, وعبر استبعادهم من المحاكم في عام 1955.

الّا أن النظام الناصري كان له رؤية مختلفة عن رؤية طه حسين, فقد رأي أن الأزهر يمكن استخدامه سياسيا كمؤسسة وطنية, ويمكن أن يكون ذا فائدة للنظام, وقد تجسد ذلك في استخدام منبر الجامع أثناء العدوان الثلاثي, ومن ثم فهو يعطي شرعية دينية لعبد الناصر, كما أنه أداة لضرب الأخوان المسلمين المناهضين له.
وبدلا من زرع التعليم الديني في التعليم والعالم الحديث, عمد عبد الناصر الي توسيع مؤسسة التعليم الديني, من خلال إضافة المعرفة الحديثة إلى المناهج الأزهرية, من المرحلة الابتدائية إلى التعليم الجامعي العالي, وإضافة كليات علمية حديثة فيما سمي بمشروع إصلاح الأزهر.
كان مشروع تطوير الأزهر في حقيقته هو وسيلة للرئيس للسيطرة سيطرة محكمة ومباشرة على المؤسسة الدينية والاستيلاء على وظيفتها الدينية وتوجيهها, بدون أن تختفي من الحياة العامة, ومن خلال تحويل كل العاملين في الأزهر الي موظفين لدي الحكومة.
قام عبد الناصر بتطوير الأزهر عام 1962 بغية استخدامه سياسيا للتصدي للنفوذ السياسي للإخوان المسلمين, وأيضا لمواجهة مشروع الاسلام السياسي (الوهابي) التي يتبناه النظام السعودي, اذا تم إصلاحه بشكل صحيح, الّا أن هذا التطوير كان رهانا غير محسوب, حيث جاءت النتائج معاكسة للهدف الذي تم من أجله.
وحقيقة القول, أنه بالإضافة لمقترح طه حسين بإلغاء ادارة الأزهر ومنشآته التعليمية ودمجها في التعليم العام, لم يكن عبد الناصر نفسه علي قناعة كاملة بإمكانية أن يغيّر علماء الأزهر منهجهم الديني بما يتوافق مع التطور المجتمعي الحديث, ووضح ذلك في الحملات العدوانية التي كانت توجه للأزهريين في عهده, وعلي سبيل المثال وعلي لسان عبد الناصر نفسه:
"لا يفكر الشيخ في أي شيء, ما عدا الفرخة والطعام الذي يملأ بطنه, إنه ليس سوى عميل للرجعية والإقطاع والرأسمالية"
وفي مجال معارضته المكانة الخاصة لرجال الدين وتكسبهم من ذلك قال:
"منذ البداية, كان الإسلام يدعو إلى العمل, وكان النبي يعمل مثل أيّ شخص آخر, الإسلام في حد ذاته، لم يكن مهنة مطلقا"
وليس من المستبعد أن تكون تلك القناعات من ضمن الأسباب التي كانت وراء تأميم الأوقاف في عام 1952.
كذلك كان السماح بالتركيز الإعلامي المكثف علي حادث وقع في صيف عام 1955, اتهم فيه القاضيين الشرعيين الشيخ الفيل والشيخ سيف بإقامة علاقة جنسية محرّمة مع سيدتين متقاضيتين في دعويين منظورتين أمامهما, والذي في أعقابه تم الغاء القضاء الشرعي واستبعاد الشيوخ من المحاكم.
لم يسفر تطوير الأزهر عن أي تغيّر أيديولوجي واستمر رجال الأزهر في إنتاج إسلام تقليديّ محافظ, ولم يكن أمامهم سوي الرضوخ لرغبات النظام, وإضفاء الشرعية على السلطة السياسية القائمة, وهو ما أسفر عن انعزال الشيوخ عن قطاعات المجتمع التي تمر بعملية التحديث, وصار هناك رفضا لوجهات نظرهم التقليدية..
علي الجانب الآخر وبغض النظر عن الجانب الأيديولوجي, أسعد التطوير الكثير من رجال الأزهر, فقد أصبح لديهم وظيفة رسمية, وأصبحوا هم وحدهم المكلفين بالشأن الديني الرسمي, كما أن افتتاح الكليات غير الدينية والتوسع فيها أغبط المتشددين نظرا لقصورها علي المسلمين دون المسيحيين.
الأزهر في عصر السادات
كانت ردود أفعال بعض رجال الأزهر علي نكسة 67 مؤشرا واضحا لحقيقة مكنوناتهم, فبعد أن أحكم عبد الناصر قبضته علي الأزهر, وبعدما سحق الإخوان المسلمين وسجنهم بمباركة رسمية من الأزهر, وبعد أن أجازوا الأيدولوجية الاشتراكية رضوخا له, وابتعدوا نسبيا عن الظهور العام, كانت النكسة فرصة لأن يتجرأ بعض رجال الأزهر ليثيروا فكرة التوبة, وتحولت خطاباتهم علنا من الإشادة بالاشتراكية إلى التذكير بسيادة الإسلام, وطالبوا بإعطاء الدين المزيد من الأهمية في الحياة العامة, في إشارة مقصودة الي أن الهزيمة كانت عقابا نتيجة للإبتعاد عن الدين والانحياز للنظام الشيوعي, وكانت أشهر المواقف اعلان الشعراوي سجوده لله شكرا بعد علمه بالهزيمة تأكيدا لهذه الإشارة.
وكتب الشيخ عبد اللطيف السبكي (رئيس تحرير مجلة الأزهر) يقول: "لقد أعطى الله أعداءنا انتصارهم ليس لأنه لا يحبّنا, ولكن من أجل أن يتمادوا في المعصية, انتصارهم هو علاج وتوبيخ لنا, لأننا حقّرنا أنفسنا... ونحن الآن قادرون على تحقيق ما كنا قد تركناه وراءنا ونتذكر ما نسينا".
ولهذا كانت علاقة السادات بالأزهر ذات سياق مختلف, فهو قد استخدم الأزهر أيضا لأغراض سياسية, ولكنه اتخذ طريقا مختلف, بدأه بتخفيف القيود السياسية, وقدّم للعلماء مساحة أكثر انفتاحا نسبيا للتعبير.
أراد السادات أن يحصل علي الشرعية الدينية (أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة) بديلا للشرعية الشعبية الساحقة لعبد الناصر, وأراد الابتعاد عن الإشتراكية ليسلك طريق الانفتاح الإقتصادي, وهدف الي التخلص من معارضيه من اليسار الناصري, واليسار عموما, فحرر الساحة السياسية أمام رجال الأزهر ليعاونوه في ذلك.
وقد أبلي الأزهر في ذلك بلاءا حسنا, وكما لاءم الأزهر رسميا بين الإسلام والاشتراكية من خلال فتاوى العلماء الرسميين, قام الأزهر ذاته بعد مرور عشر سنوات ليمنح الشرعية للتوجهات السياسية والاقتصادية الجديدة لنظام السادات.
وفي أعقاب مظاهرات الطلبة عام 1972, وصف شيخ الأزهر (محمد الفحام) الشباب اليساري ضمنيا بالكفار, ونصحهم بأن يتوبوا ويعودوا إلى الإسلام.
وفي عام 1975 لم يتردد الشيخ (عبد الحليم محمود) في استخدام سلاح التكفير ضد الشيوعيين المصريين لتلبية احتياجات النظام وأصدر فتواه "الشيوعية كفر, والمؤمنون بها ليسوا مسلمين".
وفي عام 1979 كتب الشيخ محمد البهي - الذي أشرف على إصلاح جامعة الأزهر في عصر عبد الناصر - "ثورة يوليو 1952 قد تسببت بـ فراغ ديني ودمّرت الدين, كما فعل الاستعمار, ففي ظل نظام عبد الناصر احتلت القومية العربية محل الإسلام, بينما تاريخ العرب هو في الواقع تاريخ الإسلام.
حقيقة الأمر أن السادات ضمن سياسة الإنفتاح, أطلق سوق (السلع الدينية) وحررها من القواعد التي كانت تقيدها, وهو ما أثمر عن حالة من السيولة للإسلام السياسي, شارك فيها الأزهر.
أراد السادات أن يحصل علي الشرعية الدينية, فحرر الساحة السياسية أمام رجال الأزهر, وأطلق أياديهم, وتولي (الشيخ عبد الحليم محمود) مشيخة الأزهر بين عامي 1973 و1978, ويشهد التاريخ أن الرجل استغل الفرصة بأفضل ما يكون.
قام الشيخ بدور رئيسي في توسيع الأزهر, ونجح في فتح المزيد من معاهد الأزهر الابتدائية والثانوية لإستقبال أعداد متزايدة من الطلاب, بعد أن جاب القرى والمدن يدعو الناس للتبرع لإنشاء المعاهد الدينية, ثم أطلق ما أسماه بنفسه (استراتيجية متكاملة) لإعادة المجتمع للإسلام, وركز علي المزج بين الهوية المصرية والإسلامية للأزهر, معتبرا أنه مؤسسة تخدم العالم الإسلامي بأسره.
في العام 1974 حين حاولت جماعة متطرفة احتلال الكلية الفنية العسكرية تمهيدا للإستيلاء علي السلطة, هزّت المحاولة النظام, وقرر السادات تقليص السلطة الدينية, واعادتها بالكامل تحت سطوة النظام, وأصدر قرارا يتحدي سلطة شيخ الأزهر, بموجبه تعطي صلاحياته الي وزير الأوقاف, ويكون تابعا له, هنا احتج الشيخ عبد الحليم محمود وقدم استقالته, والمثير للدهشة, أنه طالب بتطبيق (اصلاح الأزهر) الذي قام به عبد الناصر, والذي يمنح شيخ الأزهر درجة وزير, حيث لا يجوز أن يتبع وزيرا آخر.
والمثير أيضا للدهشة, أن هذه الأزمة انتهت بانتصار كبير لشيخ الأزهر (عبد الحليم محمود) عندما سحب السادات قراره وأصدر القانون رقم 350 لسنة 1975, الذى بمقتضاه صار شيخ الأزهر بدرجة رئيس وزراء, من الناحية المالية, ويتبع رئاسة الوزارة إدارياً وعاد الشيخ الي مشيخته أكثر قوة عن ذي قبل.
في العام 1976 أرسل شيخ الأزهر الي قادة وملوك الدول العربية في طلب تبرعات مالية لتوسعة الأزهر بما يخدم هذا الهدف, وبحجة مكافحة المبادئ المنحرفة مثل (الإشتراكية) التي تمثل خطرا علي الدول الإسلامية, وتلقي (رسميا) تبرعات وصلت الي 3 ملايين من الدولارات معظمهم من السعودية والكويت, وان كان المبلغ الفعلي يفوق ذلك بكثير.
وبدأ الشيخ عبد الحليم محمود يسعي الي كسب المزيد من النفوذ السياسي, وإحياء دورهم التقليدي كمستشارين للحاكم, وأسس عدة لجان في مجمع البحوث الإسلامية مهمتها دراسة تطبيق الشريعة, وانتاج دستور إسلامي.
وفي نفس العام دعا الحكومة والبرلمان عبر (رسالة) أرسلها الي رئيس المجلس والي رئيس الوزراء, مطالبا بتطبيق الشريعة الإسلامية, وأصر علي إصدار العديد من النصوص القانونية لتطبيق الحدود, كان قد سبق إعدادها بواسطة رجاله, مستعينين بمتخصصين (محامون وأساتذة قانون), لوضع المجتمع في قالب من القانون الإلهي, من خلال فرض حكم الله مباشرة على الأرض.
ومن ضمن ما جاء في رسالته الي رئيس البرلمان:
"الحكم بالشريعة ليس قضية تخضع للمداولة تحت رحمة المناقشة باسم الديمقراطية... لا اجتهاد مع وجود نص شرعي"
في يونيو 1977 نشأت أزمة أخري حين اغتالت (جماعة التكفير والهجرة) الشيخ الذهبي وزير الأوقاف الأسبق, فقد طلب دفاع المتهمين شهادة شيخ الأزهر لأنهم يعلمون شغفه بتطبيق الشريعة كاملة, ولكن المحكمة العسكرية اكتفت بسماع بعض العلماء من جامعة الأزهر ووزيرين سابقين للأوقاف, ولمّا كانت شهادتهم لا تكفي لإدانة القتلة, وتحججوا بطلب مزيد من الوقت للإطلاع علي أدبيات وفكر (جماعة التكفير والهجرة), الأمر الذي دعا المحكمة الي عدم الإستئناس برأيهم, وأصدرت حكمها, وقالت:
"ووا أسفا على إسلام ينزوي فيه رجال الدين في كل ركن هاربين متهربين من أداء رسالتهم أو الإفصاح عن رأيهم أو إبداء حكم الدين فيما يعرض عليهم من أمور، فلا هم أدوا رسالتهم وأعلنوا كلمة الحق، ولا هم تركوا أماكنهم لمن يقدر على أداء الرسالة".
وهنا شعر شيخ الأزهر بأن البساط ينسحب من تحت إقدامه, فأصدر بيانا يتهم فيه المحكمة بالتعجل وعدم التثبت, وأنها لم تكن مؤهلة للحكم على هذا الفكر, وأنها تجهل الموضوع الذي تصدت لمعالجته, وكان يجب عليها أن تضم قضاة شرعيين يقفون موقفها ويشاركونها المسئولية, ويتمكنون من الاطلاع على جميع ظروف القضية ونواحيها, فيتمكنون من إصدار الحكم الصحيح.
الا أن الصحف امتنعت عن نشر بيانه ولم تنشره سوي صحيفة الأحرار.
توفي الشيخ عبد الحليم محمود في 1979, وعيّن السادات الشيخ محمد عبد الرحمن بيصار شيخا للأزهر, والرجل ظل إلى جانب السلطة, وعرف برفضه لفكرة المعارضة إلا في الأمور الجوهرية, وسعى لتجنيب الأزهر الصدام مع النظام.
وعندما قامت ثورة الخميني في طهران في سنة 1979, اتخذ السادات منها موقفًا معارضا, وقام بحل جمعية أهل البيت ومصادرة ممتلكاتها.
وقد وقف بيصار إلى جانب السادات وأصدر فتوى تحرم التعبد بالمذهب الجعفري, لتبطل فتوى سابقة كانت تجيزه صادرة عن شيخ الأزهر الأسبق محمود شلتوت.
كما أعلن دعمه لإتفاقية السلام قائلا "أن مصر تعيش هذه الأيام أمجد أيامها بالزيارة التي يقوم بها الرئيس السادات لتوقيع معاهدة السلام", وأرسل إلى الرئيس السادات برقية تهنئة بمناسبة توقيعه المعاهدة.
وفي اطار سعي السادات للحكم مدي الحياة, ورغبته في كسب تأييد التيارات الإسلامية المتنامية, عمل علي إصدار تعديل مايو 1980 للدستور, الذي بموجبه يفتح مدد الرئاسة, ويعدل المادة الثانية, من (مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع) الي (الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع) ولكنها لم تشفع له, واغتيل السادات علي يد جماعة الجهاد الإسلامي في أكتوبر 1981.
نشير هنا لي أن عمل الحكّام علي تقييد حركة الأزهر, و تجريده من نفوذه السياسي هو ما دفع بعض علماء الأزهر الي التفكير في التحرك بعيدا عن القيود التي طوقت الأزهر, ومن ثم ظهرت الحركات الإسلامية بفصائلها المختلفة, و منذئذ ظل الأزهر يخرّج لكثير من الحركات الاسلامية كوادر دينية على مستوى متميز, تلك الحركات التي نازعت الأزهر في دوره كمرجعية وحيدة في مجال العلوم الشرعية والفتوى, وبدأ الكثير من المسلمين يضعون ثقتهم في العديد من الناشطين الذين ينتمون للحركات الاسلامية, والذين يطلق عليهم الدعاة, ثم انبثقت منها الجماعات الدينية المتطرفة والمسلحة.

علاقة الأزهر بالأخوان المسلمين
في مايو 2011 وفي خضم الحالة الثورية صرح الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر في لقاء ضمه بقيادات جماعة الأخوان قائلا: "الإخوان جزء من الأزهر.. ونصف أعضاء الجماعة أزهريون", والحقيقة أنه كان صادقا, وان أضفنا المتعاطفين مع الأخوان, هؤلاء الذين يعتلون المنصات التعليمية ويشغلون المناصب الرئيسية في المشيخة, فنحن أمام نسبة لا يستهان بها.
لقد دعم الأزهر جماعة الأخوان منذ نشأتها فقد كانت علاقة الشيخ المراغى بحسن البنا علاقة وطيدة, ولذلك حدث تجاوب بين المراغى والبنا فى سنة 1935، عندما ذهب اليه البنا ومعه عدد من الإخوان, وعندما توفى رشيد رضا ووقع الاختيار على البنا لرئاسة مجلة (المنار) الاسلامية, سعد شيخ الأزهر لهذا, وأشادت جريدة الإخوان بذلك, كما أعتمدت الجماعة في نشأتها علي الكثير من علماء الأزهر أمثال الشيوخ طنطاوي جوهري والباقوري والغزالي وعبد اللطيف دراز وغيرهم.
أما الصراع بينهما فقد كان خلافا علي السلطة وعلي مستوي القمة فقط, حينما أباحت الجماعة لنفسها أن تكون مرجعية دينية موازية أو بديلة, وخاصة عندما أنشأت في عام 1945 قسما للفتوي, وهو ما أثار شيخ الأزهر حينها وجعله يطالب بحل الجماعة.
ومن حينها فالمعلن هو شد وجذب دائم بين الأزهر والجماعة ولا يسلم أي من الطرفين من لسان الآخر ونقده, وفي نفس الوقت يستمر الأزهر في تخريج الأخوان وتوليتهم المناصب, ومازلنا نذكر ميليشيات الأخوان في جامعة الأزهر وتنظيمهم للعرض العسكري في ديسمبر 2006, ونذكر أن القرضاوي وعبد البر والبلتاجي وغيرهم هم من خريجي الأزهر.
واللافت للنظر أن الأزهر لا زال يحتفظ برموز كبيرة منهم, أمثال محمد عمارة وهو عضو بارز فى هيئة كبار العلماء ومحل ثقة شيخ الأزهر والمقرب منه, وعباس شومان الذي كان يشغل منصب وكيل الأزهر, الرجل الثاني في المشيخة حتي شهر مضي وآخرين.

الإنقسام في صفوف رجال الأزهر
لقد أدي تطوير الأزهر, وتوسع اداراته ومنشآته التعليمية, التي لم تعد تقتصر علي العلوم الدينية, الي خلخلة طبيعة الأزهر, وهويته الدينية الخالصة, ومع بزوغ الحركات الإسلامية المستقلة والمنافسة, وفي مرحلة انفتاح (السوق الدينية), وحالة السيولة للإسلام السياسي والتنافس مع علماء دين آخرين تواجدوا علي الساحة بشكل قوي, حدث تحول راديكالي متنوع الهوية السياسية لعلمائه, تجسدت بشكل أكثر وضوحا في حقبة الثمانينات والتسعينات, وتفرق رجال الأزهر البارزين الي فئات ثلاث:
الفئة الأولي (فئة الموظفين)
هي الفئة التي اتخذت طاعة شيخ الأزهر ومن ثم طاعة النظام السياسي الحاكم طريقا آمنا للحفاظ علي الوظيفة أو المنصب, وهم الذين اعتمد عليهم الأزهر في ممارسة الدعوة الرسمية داخل الأزهر وخارجه والمطابقة للتوجهات السياسية للنظام, وهم من يمكن أن نطلق عليهم فئة الموظفين.
مع بزوغ العنف على الساحة المصرية في النصف الثاني من الثمانينيات استعاد معظم العلماء الرسميين (الموظفون) وظائفهم كوسطاء وسماسرة سياسيين, واعتمد عليهم النظام في مجابهة جماعات الإسلام السياسي ذات التوجهات المتشددة والعنيفة, سواء من خلال الوعظ في المساجد والتجمعات, أو من خلال الظهور والكتابة في وسائل الإعلام الرسمية, وكذلك من خلال الخروج في قوافل للحوار مع الإسلامويين الشباب, واعتمد عليهم أيضا في اجراء المراجعات الدينية للمتطرفين في السجون, وأخيرا في مجابهة العلماء من غير الأزهر, المنتشرون في القنوات التليفزيونية الخاصة, والمسيطرون علي أعداد كبيرة من المساجد, يبثون فكرا متشددا, ولا يحترمون الأزهر.
الفئة الثانية (فئة المتميزين)
هي الفئة التي ابتعدت عن تبني السلوك الرسمي للأزهر حرفيا, وفضلت الاستقلال النسبي, ومن خلال ممارسة الدعوة وعبر الوعظ, أدخلوا أفكارا تعبر عنهم أكثر من تعبيرها عن الأزهر, تحمل توجهاتهم الاسلامية السياسية, وهي تختلف أحيانا عن توجهات المؤسسة الرسمية, وقد حظوا بشعبية جيدة, وكانت لهم كلمة مسموعة, ولكنهم استمروا تحت سقف الأزهر, أمثال الشيخين الغزالي والشعراوي, وهم من يمكن أن نطلق عليهم فئة المتميزين.
عملت فئة المتميزين بشكل مستقل, واسع النطاق علي وسائل الأعلام والندوات والتجمعات, واحتلوا مكانة دينية عالية, وتركز اهتمامهم علي تبسيط التفسير الديني, وشرح الفلسفات الإسلامية, بما يدعم نقد ومحاربة العلمانية, ومحاولات التنوير المنادية بفصل الدين عن السياسة, وكانت شروحهم تهدف في الأساس الي الدفاع عن التراث الفقهي محل الجدل وتأكيد صحته, كما تجسد موقفهم السياسي في رفض الأعمال العنيفة للجماعات المسلحة, ولكن رفضوا أيضاً قمع النظام لهم, وطالبوا الحكومة بالإفراج عن السجناء الإسلامويين والتفاوض مع الجماعات الإسلاموية, وعرضوا أن يكونوا الوسطاء في تلك المفاوضات السياسية, لقد قدّموا أنفسهم كـ (طرف ثالث) بين الجماعات الإسلاموية الراديكالية وبين النظام ورفض نظام مبارك ذلك.
الفئة الثالثة (فئة المستقلين)
هي الفئة التي رفضت السير في ركب الأزهر, لقد تلقوا تعليمهم في الأزهر, ولم يكن لهم مناصب ولا يتلقون مرتبات من الحكومة, ولكنهم كانوا وعّاظ ومعلمين بارعين, في المساجد الخاصة والجمعيات الإسلامية ولهم توجهاتهم السياسية الخاصة التي قد تناهض النظام, مع احتفاظهم بهويتهم الأزهرية, أمثال الشيوخ كشك والمحلاوي وصلاح أبو إسماعيل, وهم من يمكن أن نطلق عليهم فئة المستقلين.
لقد خرجوا عن سيطرة الدولة منذ السبعينيات, وتطورت مساراتهم المهنية خارج الأزهر, وأدخلوا أفكارا إسلاموية (الإسلام السياسي) مختلفة عن الأزهر, وبالرغم من هويتهم الأزهرية إلا أن الجمهور أكسبهم مكانة عالية ولم ينظر إليهم أبدا كمساندين للعلماء الرسميين الخاضعين للنظام في قمة الهرم الأزهري, وتركزت أفكارهم في تطبيق الشريعة الإسلامية, ومعارضة القمع الذي يمارسه النظام ضد المتطرفين الإسلامويين, وكان لبعضهم دور بارز في العمل بالإفتاء للجماعات المتطرفة ومن الأمثلة الأكثر وضوحا لذلك, (الشيخ عمر عبد الرحمن) الزعيم الروحي للإسلامويين في جماعتي الجهاد والجماعة الإسلامية.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,045,729,690





- بشار الأسد يستقبل رهائن السويداء المحررين دون ظهور زوجته
- عودة الهدوء بين إسرائيل وغزة بعد أعنف 24 ساعة منذ حرب 2014
- هجمة جبانة: لماذا غادر نتنياهو باريس
- الغرب يخنق روسيا
- احتفالات فلسطينية وهدوء حذر مع توقف إطلاق النار في قطاع غزة ...
- احتفالات فلسطينية وهدوء حذر مع توقف إطلاق النار في قطاع غزة ...
- الاتحاد الإماراتي مستاء ونظيره المصري يبرر وصلاح -المتهم- ال ...
- ترامب يختار الجنرال المتقاعد جون أبي زيد سفيرا بالسعودية
- أعضاء بالكونغرس: تصويت لمعاقبة السعودية قريبا
- النرويج تتهم روسيا بحادثة إغراق سفينتها


المزيد.....

- الحوار المستحيل / سعود سالم
- النظرية الثورية عند كارل ماركس / عبد السلام أديب
- اللامركزية المالية / أحمد إبريهي علي
- سقوط الوهم / بير رستم
- المنظومة التعليمية فى مصر التحديات والبدائل / كريمة الحفناوى
- نظرة على الأوضاع الاقتصادية في الضفة والقطاع (1-2) / غازي الصوراني
- كيف ساهم -اليسار الجديد- بصعود -اليمين-؟ / فرانسيس فوكوياما
- مدخل في الاقتصاد السياسي للعراق الدولة الريعية من المركزية ا ... / مظهر محمد صالح
- الحكم الصالح وإدارة الدولة / جاسم محمد دايش
- صلوات سياسية ونصوص متنوعة الكتاب / أفنان القاسم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سمير زين العابدين - لمحات من التاريخ السياسي للأزهر (الجزء الأول)