أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الصباغ - الصنايعي The Machinist : تحية إلى ديستويفسكي















المزيد.....



الصنايعي The Machinist : تحية إلى ديستويفسكي


محمود الصباغ
الحوار المتمدن-العدد: 6046 - 2018 / 11 / 6 - 16:35
المحور: الادب والفن
    


كيف تستيقظ من الكابوس إذا لم تكن نائماً أصلاً؟.ألا يقودنا هذا إلى السؤال التالي الأكثر عمقاً وخطورة بآن معاً؛ :كيف يحتال العقل على الجسد ؟؟ كيف يقود العقل الجسد المتعب نحو راحة مزيفة غير حقيقية؟
ننهض صباحاً مثقلين في العادة بهواجس الليلة الفائتة المغمورة بافتراضات عديدة يجب علينا التخلص من بعضها , ونصل أحياناً إلى مرحلة لا نستطيع رمي تلك الافتراضات وراء ظهرنا , فتلتصق بذاكرتنا و ترافقنا طيلة بقية حياتنا , ونحن لا نشكك عموما بافتراضاتنا لأنها مقولات بنيت عليها حياتنا وواقعنا , ليس فقط لأنها (أي الافتراضات)موجودة فعلا , بل أيضا لاعتقادنا بأنها موجودة بالفعل ,وهذا ربما ما يجنبنا الغرق في العزلة , بل يجعلنا نبحث غالباً عن معاني الالتصاق بمن نحب وعن الحميمية حتى لو أتت من أطراف غير متوقعة نظراً لأن هذه الأطراف لديها افتراضات تشترك معنا في ذات التصورات.تلك جوهر تساؤلات فيلم"The Machinist "،من خلال ما يقوم به عقل "تريفور ريزنيك" الذي يعتقد أن إنكار حالته الأصلية وخلق عوالم جديدة ستجعله بمنأى عن الخطر الداهم الذي يلاحقه ,هو أشبه بطفل يلعب مع أقرانه وهو يعتقد مثل الطفل تماما أنه إذا أغمض عينية فلن يراه أحد. للأسف هذه الدعامات التي يحاول عقله أن يبنيها هي دعامات هشة وقلقة و رخوة بدليل تردي حالته الصحية مع مرور الوقت وتفاقم وضعه النفسي و تزايد اضطراباته "العقلية و الجسدية", و يتم التعبير عن ذلك بمشهديه متقطعة "فلاش باك" ومن خلال قصاصات ورقية ملصقة على ثلاجته تشبه الأحجية , فالكلمة المطلوبة ستكون واضحة للجميع إلا له , أو ربما هو يتحاشى الوصول لها و نطقها.و تبقى المشاهدة هي التي تعطينا الانبهار المطلوب. تبدأ القصاصات الورقية بالسؤال التنبيهي الغامض" من أنت؟"وهنا تتملكنا الرغبة فعلا بمعرفة من هو تريفور رزنيك .
هذا بعض مما التقطته من الفيلم ،وما سبق يقع في طبيعة الحال في باب القراءة الانطباعية لجملة "افتراضات" قد تتقاطع أو قد لا تتقاطع مع افتراضات الآخرين عن الفيلم، مهذا بحد ءاته يقدم إغراءت متعددة لمزيد من القراءات الانطباعية أو النقدية التخصصية، إذ تسعى السينما باعتبارها فناً بصريا/سردياً إلى خلق دلالات وعي يقوم على منطق الذائقة الفنية لنا كمشاهدين و متلقين لمفرداتها التي نتعرف من خلالها عن المعرفة التي يتم إنتاجها في هذا السياق ومدى حياديتها أو انحيازها للذات المنتجة لهذه المعرفة.
لعل أهم سؤال يواجهنا أثناء مشاهدة فيلم "الصنايعي" هو :كيف يمكن للسينما أن تقوم بتطبيق مقولات التحليل النفسي , وقدرتها على التواصل مع هذه المقولات حتى النهاية دون ضجر .فماذ لو كان المخرج أقل مهارة وقدرة على الخيال؟ هل سينهار المعمار الدرامي الفيلم ؟ .وبصرف النظر عن الملاحظات المفرطة في الثقة التي يمكن أن يبديها التحليل النفسي هنا ؛فنحن لابد أن نتساءل في نهاية الفيلم عن طبيعة عملية إنتاج المعرفة في مثل هذه الأفلام وما ينتج عنها من علاقات متشابكة بين المشاهد و السردية البصرية.
تدفعنا الأفلام التي تتناول الجوانب النفسية للشخصيات المركبة للتساؤل عن قدرة تعامل السينما مع مقولات التحليل النفسي لاسيما تلك التي تدور حول المرضى النفسيين أو المعاقين ذهنيا على اختلاف أعراضهم وصراعاتهم الداخلية والتي قد تودي بصاحبها إلى الهلاك أو الجنون ، فالأرق والهلوسة وضعف الشهية وفرط العصبية والسلوكيات الأخرى التي يلجأ لها صاحبها تتسلل من خيط رفيع , رفيع جدا يكاد لا يرى لتتعاظم و تتكاثر و تأخذ مظاهر متنوعة كمحاولة خلق حياة جديدة ظناً منه أنه سيتخلص من جانبه المظلم.
يتحدث الفيلم عن تريفور روزنيك الصنايعي أو الطورنجي ت العامل في مصنع على آلة خراطة كما يبدو .. (الفيلم من إخراج براد اندرسون . لم يحقق الفيلم عند عرضه في العام 2004 نسبة عالية سواء على صعيد المشاهدة أو المردود المالي، غير أن هذا النوع من الأفلام تزداد نسبة الاهتمام به بعد مرور الوقت)
يعاني تريفور من أرق يلازمه منذ نحو عام لأسباب غامضة (سنعلمها لاحقا), فتتحول حياته إلى ما يشبه الجحيم وينعكس الأرق على صحته البدنية والعقلية, فيصبح على إثرها أشبه بالآلة(وهنا لعنوان الفيلم أهمية ) , فهو لا ينام مثل الآلة , فالآلة لا تنام , الآلة لا تجد لذة في الاستمتاع في الأكل أو الموسيقا أو الجنس أو القراءة , الآلة لا يدفعها فضول المغامرة نحو ارتكاب جريمة ما , بقصد أم دون قصد, الآلة ليست سوى "أداة" يتم تشغيلها فلا تتوقف عن العمل , هكذا هو ريزنيك ,آلة بشرية تخلق كوابيسها وتكاثِر هذه الكوابيس إلى حد الجنون ,معيشه اليومي مثل المكائن التي يعمل عليها , دقة وصرامة تثير الاعجاب , وكل شيء مخطط له , يدفع فواتيره بانتظام , يدون ملاحظاته وطلباته و يلصقها على الثلاجة بهدوء و بحيادية مذهلة دون أي شعور بالملل أو الضجر أو الرغبة بكسر الروتين , باستثناء خرق أو خرقين ( علاقته بستيفي المومس و ماري النادلة في مقهى المطار .)
يبدا الفيلم بمشهد فلاش باك يكاد يكون مثالياً للتعبير عن الغموض الذي سيكتنف بقية الفيلم حين يظهر تريفور وهو يقوم بلف جثة و رميها في البحر، وهذا ليس سوى تمهيد لذكرى مؤلمة ستكون لها عواقب على حياته ,وهنا يتحول وعيه إلى شخوص وصور تتحرك وتتجسد على شكل واقع معاش فيزداد شحوبه و تتدهور صحته بحدة وتزداد سوءً مما يهدد حياته فيصبح قليل الأكل و النوم أو لاينام بالمرة (( لابد من الإشارة هنا إلى أداء "كريستيان بل " الذي كان مميزاً،و يكفي أن نعلم أنه فقد حوالي 28 كليوغرام من وزنه خلال أربعة أشهر قبل بدء التصوير كي يبدو ملائما لشخصية الفيلم, فالجسد النحيل هو أهم ميزة في شخصيته فضلا عن أن هذا النحول سيضفي بلا شك تقاسيم إضافية للوجه تعبر عن مدى القسوة التي يعانيها , شكل الجسم و حركته كانت حاضرة طوال الفيلم وهو يذكرنا بريموند بابيت في " رجل المطر" أو جان ناتش في "العقل الجميل" وسواهما. لاشك أن "كريستيان بل" امتلك موهبة فطرية على درجة عالية من التطور مع كل مشهد مما جعله يؤدي الدور بطريقة مدهشة. بيد أنه على الرغم من الإصرار بأنه لم ينم لمدة سنة. فالواقع الحقيقي لايؤكد مثل هذه المزاعم فنحن نعلم أن أكثر مدة تم تسجيلها لعدم النوم بلغت 266 ساعة أي ما يزيد بقليل على أحد عشر يوماً متواصلاً, لشخص يدعى توني رايت في العام 2007 وذلك حسب تقرير للبي بي سي , علما أن موسوعة غينيس تقد وقفت عن استخدام هذا النوع من سجلاتها لما في من مخاطر على الصحة العامة للأشخاص.)).
وهكذا حين يحاول تريفور تخطي حالته واكتشاف سبب بؤسه وعذابه ,يظهر في حياته فجأة شخص أو أشخاص يسعون لتدميره , (سنعلم لاحقا أن هؤلاء الأشخاص غير حقيقيين), ومع تقدم الفيلم تسوء حالة تريفور الصحية و النفسية فيتسبب في قطع ذراع أحد زملائه في المعمل بسبب شروده , كما أنه يتعرض لذات الموقف حين تنحشر ذاراعه هو في الآلة و لايتقدم أحد لمساعدته , وهنا ينعطف الفيلم نحو ذروة محببة لدى صناع السينما وهي المؤامرة حين يعتقد ريزنيك أن زملاؤه يتآمرون عليه فيتم طرده من المصنع.
يتواصل التصعيد حتى حافة الجنون "وهو أيضا من المواضيع المفضلة في السينما " ليصل ريزنيك إلى مرحلة لم يعد فيها قادر على التفريق و الفصل بين الحقيقة و الخيال .عند هذه اللحظة لايستطيع بعض المخرجين السيطرة على الفيلم أو على الشخوص إن جاز لنا القول , ولو كان براد أندرسون أقل مهارة وقدرة على الخيال لانهار بنيان الفيلم من الأساس ولكن بفضل استخدامه للفلاش باك والتنافر و الإضاءة الخافتة أصبحت الحبكة سهلة القياد و سوف نرى أنه عندما تبدأ قصة الفيلم بالتكشف , يصبح من الصعب على تريفور أن يروي قصته كما تأملنا ذلك في بداية الفيلم ,إذ لم يعد لديه الكثير مما يقوله , لذلك سيترك هذه المهمة لغيره " إيفان , ستيفي , ماري" وعندها فقط سنعرف ما يخفيه , وليس أفضل من تقنية الفلاش باك للتعبير عن هذه المساحة البصرية للفت انتباهنا والتركيز على تفاصيل مهملة سيكون لها كبير الأثر في فهم قصته لاحقا : مثل الولاعة , السرعة الجنونية للسيارة, توقف الساعة عند الواحدة و النصف .
لابد من التوقف هنا لنرى كيف عمل المخرج على التضحية ببعض جوانب السردية على صعيد مسار بعض الأحداث, فنحن لن نعرف على وجه الدقة سبب تخليه المفاجئ عن ستيفي رغم إحساسنا بحاجته لأن تكون معه, إن نسيان الصورة في غرفتها , و تمثله لإيفان كشريك تخونه ستيفي معه غير كافٍ لفهم الانقلاب السريع ضدها , لعل ما يريد السيناريو التخلص منه هنا هو ضروري من أجل التركيز على ذكريات تريفور الأخرى التي تخدم سياق الحبكة , ومن بين هذه السياقات يبرز الماضي ,فالماضي هو أقوى "شخصية" في الفيلم , الحضور القوي للماضي هو الذي جعل السيناريو يضحي بقطع السرديات الأخرى التي قد يكون لامتدادها إضافات ملهمة. فإذا اتفقنا على أن الفيلم يعالج الجوانب النفسية و إذا اتفقنا مبدئيا أن الفيلم مشغول بشكل جيد فلابد له أن يحتوي على النقاط الرئيسية التالية : على الفيلم أن لا يغرقنا في متاهات بصرية على حساب الموضوع (الصورة مقابل السرد) بل سيسارع المخرج بنا نحو خلق تصعيد علينا استخلاصه ليلقي أمامنا لغز نشعر على إثره أننا جزء منه ،ثم على الفيلم أن يخلق أيضاً حالة من الاهتمام به تتولد داخل المشاهد إذا كان فعلا يرغب في"فهم الفيلم جيدا " وأخيرا على الفيلم أن يكون مغرياً لنا لإعادة مشاهدته ليس فقط للقبض على التلميحات التي يتطرق لها , بل لمعرفة ما إذا كان الفيلم جيداً بطريقة ما أكثر من الالغاز التي يطلب منا أن نساهم في حلها , فاللغز ينبغي أن يكون وسيلة للفكرة و ليس بديلاً لها أو كبش فداء.
فهل حقق الفيلم هذه الشروط؟
قد يجيب البعض بنعم , والبعض الآخر بلا , ولكن لننتبه هنا , هل علينا الغوص عميقا بطريقة مفرطة هكذا؟ أليس هناك مخاطر من هذا التعمق ؟ ألا يمكن لمثل هذا التعمق الوصول بنا إلى حالة يتم فيها تقويل الفيلم ما لم يقله؟
غير أن إغراءات الفيلم تدفعنا نحو مطارح أكثر عمقا؛ ولاشك أن المخاطرة في التعمق مفيدة هنا، إذ أن مايطرحه الفيلم يجعلنا لا نكتفي بخدش السطح , بل تتولد الرغبة لدينا في النظر نحو الامتدادت البعيدة لما يريد الفيلم قوله, فكل تلك الإشارات تتيح لنا الاقتراب أكثر من عوالم ريزنيك المشابه لعوالم روايات دويستويفسكي , وليس مصادفة أن يظهر ريزنيك وهو يقرا " الأبله" لديستويفسكي التي يمكنها أن تقدم مفاتيح مهمة لفهم بعض الجوانب النفسية للعديد من الأشخاص على شاكلة ريزنيك, وليس مستغربا إذن أن نجد رموز أخرى تشير إلى ديستويفسكي مثل" الجريمة و العقاب". .وهنا يمكن اقتراح أن إيفان يمثل إسقاطاً لحالة تريفور الذهنية بواسطة آليات عقلية يصفها التحليل النفسي حين يحاول شخص التخلص من دوافع ذاتية أو أجزاء منها غير مقبولة عن طريق دفعها "خارجاً".
في الحقيقة لايعنينا من هو إيفان(قياساً لانشدادنا نحو ريزنيك وأسراره", فهو في الواقع شخصية وهمية خلقها عقل تريفور كناية عن ذنبه (قتل الطفل نيكولاس دهساً بسيارته).وهذا يعني أننا أمام حالة شيزوفرينيا نموذجية. أليس إيفان يمثل معادل "داخلي" لخطيئة ريزنيك؟ ألا يمثل إيفان أحد أوجه الوحش الكامن في كل واحد منا؟ هل إبفان بمارس صغطاً يكفي لأن يجعل ريزنيك يمقت الناس و ينظر لهم بعين الشك و الريبة ؟ لماذا يعتزل الناس؟ وتشغله قضية واحدة غريبة , غامضة يحوم حولها كمن يحوم على حافة الجنون المطلق.حتى صرمته ودقته المدهشة في تدوين تلك الملاحظات على ثلاجته ليست حيلة ذهنية من صنع خياله . هناك العديد من المشاهد في الفيلم الذي يظهر فيها وبشكل واضح أن إيفان ليس حقيقياً (ما يقوله زملاء روزنيك في العمل له , ماري التي تنظر له بغرابة اثناء انفعاله ، ظهور إبفان عندما كان يهم بإلقاء الجثة ،ثم اختافئه وغيرها ). نيكولاس أيضاً ليس حقيقياً . فكل ما يراه روزنيك ليس سوى اختلاق عقلي .ماري والدة نيكولاس التي رآها روزنيك بعد أن صدم ابنها أيضاً ليست حقيقية . في كل مرة كان يذهب فيها روزنيك إلى المقهى كان يتصور في ذهنه أحداث عن حوار ما بينه و بينها؛ وهذا أيضا غير حقيقي فالحوار ليس سوى سلسة حوارات في ذهنه .والرحلة إلى حديقة الملاهي لم تحدث و زيارة ماري في بيتها لم تحدث. فقط يتيفي وسريرها وعمال المصنع هم الأشخاص الحقيقيون والذين شعروا بالقلق إزاء سلوكه معتقدين ان ثمة أمر ما غير طبيعي عنده( يتيفي هي الشخص الحقيقي الوحيد من خارج المصنع حيث يعمل) . التصعيد النفسي لريزنيك يتعارض مع مشاهد الواقعية البطيئة الأخرى التي يشعر بها المشاهد قبل أن يصل للذروة. و للتقليل من حدة الإرباك يحاول المخرج أن يبقينا على مسافة لابأس بها بعيدين عن روزنيك ، مما يتيح لنا أن نشهد حالة البارانويا المتعاظمة عنده دون أن ننخرط أو نتورط مع هذه الحالة , لذلك، عندما يصل الفيلم إلى ذروته، نجد أن مشاعرنا تميل نحو النفور باستثناء أنه هنا نحن أكثر جرأة في مقاومة التعاطف مع روزنيك. وعلينا ألا ننسى أن معظم ما نراه هو نسيج من اللاوعي تفرصه حالة السعور بالذنب التي يعاني منها ريزنيك، التي يقدمها الإخراج عبر المجاز والاستخدام القوي للترميز، لعل أكثرها وضوحاً شكل ريزنيك نفسه ،فعند رؤيتنا هذا الهيكل العظمي ينتابنا شعور غامض ،لكنه قوي بالتضامن معه كأن ترغب في إطعامه و الاعتناء به؛ ولاشك بأن هيئته هذه كانت وسيلة فعالة للمخرج ليخلق مثل هذا الجو التضامني معه في معظم لحظات الفيلم ويدفعنا لنأخذه على محمل الجد كما لو أننا نقرأ الأبله أو الجريمةو العقاب ونشعر بأنه علينا كسر عزلة ريزينك الوجودية القريبة من عبث كامو و كافكا و عوالم ديستويفسكي, تلك العزلة القاتمة التي يريد رزنيك التخلص منها عندما يمضي بمحض إرادته للسجن في نهاية الفيلم على أمل أن يحصل على مبتغاه وهو أن ينام .. فقط ينام.
لنلاحظ أن عوارض وسواس روزنيك القهري بالنظافة تختفي تماماً عندما يختفي إيفان من حياته , لذلك يقول جملته الأخيرة بكل وعي “فقط أريد أن أنام”.
يمكن الاستعانة بعلم النفس لفهم شخصية إيفان و ربطها بما يعرف باسم ” نموذج الشبح البدئي” كما شرح ذلك كارل غوستاف يونغ حين يرى في هذا النموذج جانب من جوانب العقل الباطن والظل كنموذج أصلي يمثل الحالة السلبية المكبوتة. فالشبح - إيفان- هو في جوهره الأصلي ظل روزنيك و “قرينه” لو شئنا الإتكاء على ديستويفسكي.
وبتكرار المشاهد و انضغاطها يكاد بهرب الفيلم من قبضة المخرج ويتحول إلى مجرد تحليل لفرضيات علم النفس الفرويدي لولا براعته في التضحية"افتراضاً"ببعض الأحداث وإهمالها من أجل التأكيد على قيمة و أهمية الرموز المختلفة التي يضعها السيناريو أمام روزنيك و التي على المشاهد أن يبدا بتفكيكها واحدة تلو الأخرى بطريقة مسلية,و الاختيار بين الجحيم أو طريق الخلاص .
وبهذا يمثل روزنيك حالة مثالية للدراسات النفسية لحالة الشعور بالذنب ومدى عمق تأثيرها وفرادتها من شخص لآخر رغم الإشتراك العام بالحالة الذهانية ذاتها , وتتمثل العوارض السلبية المكبوتة كأحد جوانب العقل الباطن في تعاملنا مع شخصية إيفان “المعادل الشرير و الوحشي” الذي يساعد وجوده في التعرف على روزنيك وهو يحاول أن يقنعه بالاعتراف واقعياً وشعورياً بقتل نيكولاس.ولا ينبغي أن يغيب عن بالنا أن إيفان هو اسم الشخصية الرئيسية في "الإخوة كارامازوف” وهي شخصية حقيقية،بعكس إيفان التخيلي قرين روزنيك وهذا يحيلنا بدوره إلى استنتاج فضفاض بأن كل ما نراه في الفيلم ينطوي ،في الحقيقة،على ما يتخيله عقل روزنيك..أشياء تعيدنا إلى حياة روزنيك قبل الحادث ،وهنا تظهر مهمة إيفان واضحة،إعادة ريزنيك إلى الماضي الذي يحاول تريفور أن ينكره و ينكر وجوده و أحداثه. يقول إيفان أثناء لقاءه الثاني مع ريزنيك في الحانة أنه ينبغي له أن يظهر لأن لا أحد في المصنع يصدقه، ولاحقا يذهب ريزنيك للمصنع و بينما يحاول صيانة الآلة, تعلق ذراعه بداخلها ويكاد أن يفقدها ,يصرخ طلباً للنجدة , لكن لا أحد يكترث له , عندها يبدأ في اتهام الجميع بأنهم يتآمرون عليه و أن شخصاً ما قد عبث في الآلة عمداً ربما بداعي الانتقام , وعند هذه النقطة يبدأ تريفور بملئ فراغات الأحجية النلصقة على ثلاجته بالأحرف فيرى أن حروف اللعبة تقترب أكثر من اسم ميللر (زميله الذي بترت ذراعه بسبب شروده). فيذهب لرؤيته وهو مقتنع بأن أحد ما قد عبث بالآلة.
يا له من سنياريو لفهم ميكانكية اللاوعي المتجسد بشكل شخص وصور بنزعة تعبيرية ثقيلة في كيفية بث الرسائل والصور للوعي. يدخل تريفور في رسم الكثير من الاحتمالات من خلال أربعة مربعات في بحث متسلسل ومتناسق فهل الأحجية تعني كلمة أم ؟ ليغوص بعدها في ذكرياته عن أمه , أم كلمة ميللر؟ زميله الذي تسبب ببتر ذراعه وهكذا يستمر في البحث عن الكلمة المناسبة وهو في الحقيقة بحث عن الذات دون كلل وبذات الوقت دون الوصول لمآل نهائي لبحثه " أو ربما هو يعرف النتيجة لكنه ينكرها ". فتشتت الذهن يصور لريزنيك أن الكلمة التي يبحث عنها في الأحجية ربما تكون " الأم"،فيستحضر ماري والدة نيكولاس ( ومن غير المرأة من ملجأ؟). لذا يسعى روزنيك لغرس قلقه على صدر ستيفي (المشابهة تقريبا لناستازيا ديستويفسكي ) التي تحبه بشدة إلى درجة أنها على استعداد للتضحية بكل شيء مقابل أن يقبل العيش معها وهي مستعدة للقبول بكل حماقاته وتجاوزاته المتواصلة لعلها تستطيع أن تنسيه مرارة وضعه و ما يحاول الهروب منه .
وثمة -هنا-من سيقول أن الحقيقة تمنحنا الحرية، مهما كانت مؤلمة.فهي كائن يمشي بيننا ,غير أن “مأساتها” تتمثل بأنها ”كائن” لا واع , أخرس , تتلطى في داخلنا منذ أن وجدنا , أحيانا نفقد الاتصال بها , نبتعد عنها , ثم نعود لها بواقع يومي معاش؛وهنا سنتساءل كيف اكتشف ريزنيك حقيقته ؟ في فيلم مليء بالإثارة و الحقائق المفزعة التي تتكشف توالياً, وتخلق التصعيد المطلوب منها فنيا مما يغرينا في القبض على التلميحات التي يتطرق لها ونحن كمشاهدين ربما سنكون معنيين أيضا باكتشاف أن هذا الفيلم يمثل تحية خاصة لواحد من أعظم العبقريات الأدبية التي عرفها تاريخ الرواية , صاحب الجريمة و العقاب و الأبله و الإخوة كارامازوف و غيرها من الأعمال الخالدة .

سوف يسمنا طيف ديستويفسكي في كل لحظة ونحن نتابع شخصية ريزنيك وهي تئن تحت وطأة أو تواطىء تعذيب الضمير أو ضميرها المعذب , فشخصية ريزنيك تبعث فينا أجواء ديستويفسكي كونها خليط مذهل ودقيق من راسكولنيكوف ومن الأخوين ديمتري وإيفان كرامازوف و الأمير ميشكين استطاع المخرج جمعهم بمشهدية بصرية و حركية مميزة , بما في ذلك الطريقة التي يتم بها طرح الأسئلة القلقة و المثيرة , لعل أبرزها في البداية لماذا رزنيك ضعيف و هزيل ؟لماذا هو مصاب بالحمى و الهذيان؟ لماذا هو هيكل عظمي أكثر منه إنسان عادي؟ثم من هو إيفان الذي يظهر فجأة ويعمل معه في نفس المصنع والذي يرى أنه يسعى إلى تدميره والقضاء عليه ؟ وماهو سر تلك القصاصات الورقية على ثلاجته؟ وتلك الرسوم الغريبة؟ التي سنكتشف لاحقاً بأنها ليست سوى عمل ريزنيك الذهني بوصفها جزء من ذكرياته و ربما بطريقة واعية و انهماكه و حماسه في محاولة حل الأحجية .ثم كيف استطاع المخرج أن يجعل إيفان يتسلل إلى عقل ريزنيك في غفلة منا.
عموما, يقدم لنا الفيلم فرصة للتعرف على حالات البارانويا وتشخيصها وصياغة التغيرات النفسية لمريضها . وفي يتعلق برزنيك، يمكن للمرء أن يشير إلى أن شخصيته السابقة لمرضه وذكرياته مع والدته في المنتزه , وعدم احتفاظه بعلاقات حميمية "إذا استثنينا علاقته بستيفي", والميل الواضح لديه للاكتئاب و معاناته من فقدان الشهية الشديد و عدم النوم ,الذي أدى بدوره إلى إضعاف مهامه المعرفية هي الجوانب المرئية التي تشكل الحافز الذي يدفع برزنيك نحو حافة الجنون ( الخلفية البصرية لهذا السرد هي الحادثة التي حصلت له قبل عام حين كان يقود سيارته مسرعا اثناء عودته من رحلة صيد , في لحظة ما كان يحاول البحث عن ولاعة السجائر فانحرفت السيارة مما أدى بها للاصطدام بالطفل نيكولاس غير أن ريزنيك لم يتوقف , بل اختار أن يهرب , ومنذ تلك الحظة توقف،في الواقع، عقله عن التطور ،لقد اختار أن ينمو في الماضي مما تولد عنده إحساس متعاظم من الشعور بالذنب فيزداد اكتئابه بشكل مطرد حتى أنه يتحول إلى حالة ذهانية شديدة الالتصاق به ليصل إلى ما يشبه الجنون النفسي مع ما يترافق ذلك من هلوسات سواء بصرية أم سمعية.) فنحن هنا أمام سردية "يابقة"لأحداث الفيلم ،وهءا ما يزيد تعقيد المشهد البصري أكثر حيث يكون أداء الشخصيات المركبة من أعقد الأدوار و أصعبها؛ لاسيما تلك التي تدور حول المرضى النفسيين أو المعاقين ذهنيا سواء عانوا من أمراض كالتوحد وازدواجية الشخصية، أو نتيجة لصراع نفسي داخلي يسببه تأنيب الضمير قد تؤدي بصاحبها للهلاك أو فقدان العقل، وذلك قد يكون عبر مراحل،… الأرق، الهلوسة ،ضعف شهية الأكل، والعصبية الزائدة عن حدها ؛كل هذه عوامل قد تكون نتيجة مباشرة لصراع تأنيب الضمير. وتؤدي لبروز سلوكيات وانطباعات غريبة تسيطر على تصرفات من يعاني من هذا الصراع والتي يلجأ صاحبها للتقرب من شخوص أو رموز مجسدة بشخوص لمحاولة خلق جو آخر وحياة جديدة ظناً منه أنه سيتخلص من جانبه المظلم فريزنيك تحول إلى هيكل عظمي لقلة الأكل أو لفقدان الشهية بسبب من إحساسه بمشاعر الهلع و الفزع لإيمانه بأن الجميع يتآمر ضده ..لقد أصبح شبح إنسان يعيش على حافة الجنون؛ تلك العلة التي يراها فوكو علة إنسانيّة يسهل التعرف عليها وهي ليست طارئة بل موجودة على الدوام، والطريقة التي نتحدث بها عن الجنون بوصفه واقعاً ضمن هي ما تمنحه تاريخًا قابلًا للسرد. وهذا لاينفي عنه بأنه بلا شك حقيقية، وخطرة.
ومن ناحية أخرى لايستجدي المخرج غرائزنا ليثير فينا مشاعر الاستحسان للفيلم , بل يشدنا للفيلم حتى آخر لحظة لمعرفة مصير ريزنيك من خلال خلفية مظلمة كئيبة تتناسب مع توجه الفيلم الأساسي بحديثه عن مفهوم الجريمة و الخلاص بطريقة غير رخيصة بتاتاً.
لقد استطاع أندرسون ملء شخصية تريفور بكل ما هو قاس فعلاً ولبس مجازاً ,حين تتحول المتطلبات البسيطة في الحياة إلى حلم صعب المنال , فكم سيكون صعبا علينا لو تخيلنا أنفسنا بدون نوم لأيام ,وكم ستكون الحياة قاتمة لو كان الماضي يحاصرنا ليس في أحلامنا فحسب بل في كل لحظة واقعية نعيشها ,ومهما تحدثنا أو كتبنا ,ستبقى الصورة و الحركة المجسدة هي التعبير الأصدق عن حالة ريزنيك سواء في الأداء(الصورة و الحركة) أو السرد للوصول إلى النهاية الصادمة غير المتوقعة باعتبارها معادلا موضوعيا لإدهاش الكتابة ,وهو ما استطاع المخرج أن يوصله لنا بكل ثقة مع الزعم بأن تريفور استمر حياً,رغم هزاله الشديد, من أجل أن يروي لنا قصته , إذ كما يقال " لا أحد يموت من الأرق".  ولكن حتى عند هءه المزاعم المعدة أصلاً لتقديم مشهد سينمائي سوف نجد أنفسنا منساقين لعدم تصديقها، وسوف ينعقد لساننا دهشة من إصرار تريفور أنه لم ينم منذ عام و لن نصدق بطبيعة الحال هذا القول , وبكل تأكيد سنقسم بأنه يكذب, فهل حقا لم ينم لمدة عام ؟من المستحيل طبعا أن لاينام الإنسان لمدة عام و يبقى حيا ,الأمر الذي يجعلنا نقول أن روزنيك كان ينام في الحقيقة و لكنه لم يكن يدرك ذلك ,ربما يعود السبب إلى انشغاله الدائم في التفكير بهواجسه وتداخل أحلامه و امتزاجها بين ما هو حقيقي وبين ما هو محض وهم أو خيال ,ومايؤكد ذلك هو الحضور المباغت لإيفان في كل مرة يحاول فيها روزنيك أن يغفو ,وهذا يعني بلغة الواقع أنه في تلك اللحظة يكون نائم و أن إيفان هو جزء من حلمه الذي يبدأ بالتشكل فور أن يغفو ,لنتذكر أيضا أن ميللر الذي بترت ذراعه يقول أن روزنيك كان نائما في اللحظة التي طلب منه المساعدة , ولكننا نعلم أيضا أن روزنيك في تلك اللحظة كان يراقب إيفان ,وعلاوة على ذلك، عندما يتوقف في منتصف الطريق لحظة انقلاب شاحنته، يتم قطع المشهد فجأة و الانتقال بسرعة إلى مقهى المطار حيث نراه يتحدث مع ماري.و المشهد في المنتزه أيضا يبدأ مسبوقا بلقطة يظهر فيها وهو ينظر باهتمام إلى فنجان القهوة ولذلك ربما كل هذا يشير بأنه،في كل تلك الأوقات، يكون فيها نائم و لكنه أيضا منهمك بجزئيات أحلامه المتناثرة تلك ربما من غير قصد منه.
‏عموماً ريزنيك شخص حزين مشوش غير قادر على التمييز بين الحلم و الواقع لكثرة انهماكه في هواجسه التي سببها الأساس كما يبدو لنا هو حادثة موت نيكولاس , إن هذه الجوانب من حبكة الفيلم تظهر أنه فيلم مشغول بشكل جيد تقنيا و إن كان أقل تعقيدا في العمق مما قد يبدو عليه في البداية وقد تعامل المخرج بذكاء مع تطور حبكة الفيلم وصولا للنهاية ,فكثير من اللقطات التي قد تبدو غير مهمة ,نكتشف لاحقا أن لها أهمية في فهمنا للمسارات الأخيرة لحبكة الفيلم فمثلا حادث السيارة و هروبه تبدو لنا فكرة حمقاء في البداية , ولكن مع تطور الأحداث والتعرف على قصة ريزنيك , نصل إلى الذروة الدرامية التي يريدها المخرج , تلك المفارقة التي تضع أمام سؤال "مع من نقف؟" , هل سنتضامن مع ريزنيك, هل أحببنا ماري؟ , هل أخذتنا الشفقة على ستيفي, وميللر؟, هل كرهنا إيفان؟, تلك هي مفارقة الدراما
‏هذا فيلم يقدم تساؤلات أكثر مما يقدم أجوبة , وربما هنا يكمن أحد أهم جوانب جودته وقدرته على مزج الحقيقة بالوهم , ومحاولته خداع المشاهد في كثير من الأحيان لجهة عدم التمييز بين الحدود التي تفصل بينهما , والتي تبدو غير واضحة تماما عند ريزنيك , فتفاصيل الحياة اليومية التي لا يعيرها بعضنا بعد الانتباه تبدو مهمة جدا عند ريزنيك فالولاعة في شاحنته تأخذ حيزا مهماً عنده و تنظيف أرضية الحمام وتدوينه لمشترياته، هذه التفاصيل ستظهر أهميتها عند الاقتراب من المشاهد الأخيرة للفيلم , ولايستطيع المشاهد التأكد من ذلك إلا حين يصل إلى نتيجة ترى أن إيفان هو في الواقع جزء من ريزنيك نفسه أو من خياله ،أو هو بالأحرى ذنبه الذي يطارده حتى يضطره إلى القيام بالخيار الصحي (تسليم نفسه للشرطة) . كنهاية مقنعة أو على الأقل مرضية بحدها الأدنى لتفسير كل الالغاز التي احتواها الفيلم .
إذا كانت ستيفي هي ملاذه, يمارس معها الجنس كتلبية للاحتاج البيولوجي ليس إلا فإن ماري هي الوجه الآخر للبهجة حيث يحلو له أن يعترف لها بأنه لم ينم منذ عام . وهي تتساءل بدورها ما الذي يدفعه لقطع كل هذه المسافة ليأتي إلبها حيث تعمل نادلة في المطار ؟هل فقط من أجل تناول فنجان من القهوة وقطعة حلوى؟. ألا يوجد شيء آخر ؟ فهي كما تبدو لنا لا مانع لديها من مواعدته و النضي معه لأبعد من ذلك. ولكي لا نخلط الأمور , ليس من المتوقع أن يسعى روزنيك لإقامة علاقة حميمية مع ماري لأننا سنعلم تالياً أن ماري ليست سوى حلم أو جزء من حلم في حين أن ستيفي هي واقعه. 
هذا فيلم ليس من اليسير هضمه مرة واحدة فالأسلوب وتصعيد التوتر يعززان الطبيعة النفسية للشخصيات التي تتلوى طويلاً قبل أن تفصح عن حقيقتها وهذا ما تؤكده أوهام رزنيك التي خلقت لديه انطباع قوي بأن ماري قد غفرت له قتل ابنها ,وينعكس ذلك واقعياً في في الطريقة التي غفر له ميللر بتر ذراعه .
يقدم لنا الفيلم البطل بطريقة مشوقة سواء من ناحية السرد أو التصوير . وقد استطاع الممثل “كريستيان بل” تجسيد مشاعر الفزع و الهلع ببراعة ملفتة , حقا إنه دور استثنائي , ومع ذلك تبقى ميزة الفيلم هو القدرة على بعث أجواء ديستويفسكي بدقة عالية ,و التغلغل العميق في النفس البشرية و تصوير أكثر أفكار الإنسان خصوصية و أشدها غرابة, لاسيما تلك المشوبة بالشر الإنساني و الإيمان و عدمه و الجريمة اللامبررة، تلك الأفكار التي لانجرؤ على التصريح بها في العلن رغم أننا نفكر بها و تشغل حيز لابأس به من منظومتنا الفكرية وهي التي يعتبرها ديستويفسكي ميزة يشترك فيها كل البشر ,فكل واحد منا يمتلك قابلية الفعل المباشر أو غير المباشر للجريمة و الشر , بل نحن في حقيقة الأمر -وفقا لديستويفسكي- لسنا سوى أشرار نشعر بمتعة و لذة لرؤية عذابات غيرنا و مصائبهم. لنتذكر لحظة احتضار العجوز مارملادوف في الجريمة و العقاب حيث يتجمهر جيرانه أمام باب بيته يراقبوه ,ويصف ديستويفسكي ما يعتمل في داخلهم "إنهم يقفون الآن وكلهم يشعر بذلك الشعور الغريب؛ شعور (الارتياح) الداخلي الذي يظهر دائماً، حتى عند أقرب المقربين، عندما تحل نكبة مفاجئة بقريب لهم. هذا الشعور الذي يبديه كل إنسان بدون استثناء بصرف النظر عن أعظم الأحاسيس إخلاصاً وشفقة".
تظهر هذه الصورة الممتزجة بالمتناقضات عند الأمير ميشكين في"الأبله" بوصفه ملاك رقيق و لطيف للغاية لايقدر على أذية أحد , ومع ذلك يمتلك القدرة على التمدد بوداعة و النوم بجوار المرأة التي أحبها وهي تسبح في بركة دمها بعد أن قتلها صديقة رازموخي.لاشك أن ميشكين يبدو مستمتعاً بهذا المشهد و بتلك الليلة الهادئة التي لاتعوض وهو يرنو نحو حبيبته الغارقة بدمها.وأشد ما يكون وضوح مثل هذه الأفكار مع ديمتري كارامازوف الذي قتل خادم أبيه وبعد ذلك ذهب بكل برود لمنزل صديقته محاولاً أيضا قتل خادمتها, غير أنه فجأة يبتسم لها و يطلب منها بهدوء غير متوقع و آسر للغاية أن تعد له كوباً من الشاي ,ثم بعد ذلك يغادر مشحوناً بأشد الأفكار نقاء و طهارة وبذهنٍ صافٍ قادر على هدم و بناء العالم من جديد وكأنه لم يرتكب جريمة قبل قليل.وكذلك يفعل نبي ديستويفسكي ( راسكولنيكوف ) ,حين نراه يجلس مع والدته و أخته وهو ممتلء بشعور مفعم بالسعادة لنجاح خطته.ثم فجأة يقف و يقول لأمه أنه سيغادر في الحال و لا يرغب برؤيتها من جديد.. هكذا دون استئذان أو إشارة، يغادر و يعتزل الجميع متفرغا لأفكاره الغريبة.
حول هذه الأفكار و العوالم يحوم الفيلم حين يحاول أن بحاورنا عن الجريمة و الخلاص بطريقة يتداخل فيها شعور الخوف و التشاؤم بطريقة جدية وغير مبتذلة حيث لا يسعى المخرج لاستجداء غرائزنا ليثير فينا مشاعر الاستحسان للفيلم , بل يشدنا للفيلم حتى لآخر لحظة لمعرفة مصير روزنيك من خلال خلفية مظلمة كئيبة تتناسب مع توجه الفيلم الأساسي الذي لا يخلو من ذكاء في التصوير , وهو بهذا المنظور أقرب إلى عوالم هيتشكوك سواء من حيث المعالجة أو المحتوى أو الموضوع, رغم عدم احتوائه على تلك الإثارة الهيتشكوكية، لكنه بكل تأكيد أحد أفلام الإثارة النفسية الآسرة. ‏وساهم أسلوب العمل الإخراجي على تعزيز الطبيعة النفسية للحبكة.
لقد كان هيتشكوك دائم الخوض و التجول في ثنايا العقول الملتوية لشخصياته, غير أن براد أندرسون يزيد من مستوى الجودة باستخدامه بعض الحيل السينمائية كالمطاردة والموسيقى التصويرية الحادة التي ترفع سوية التوتر في ذات الوقت الذي تقوم فيه الاضطرابات العقلية بثقب ذهن ريزنيك ليبقى مشتتاً ،حائراً ما بين التلاشي شبه التام و التداخل في الزمان و المكان بطريقة مبهمة لتكريس تلك الأجواء الضبابية في الحلم. وتكاد حيادية ريزنيك تصدم المشاهد, فالوجه مشغول بحيادية قاتلة , تعابير زجاجية حتى في أشد حالات الخوف و الفزع أو حتى الضحك و الشهوة , لكن هذه الحيادية لاتمنع ريزنيك من أن يعيش أرقاً يهدد حياته و ينعكس بشدة على حالته النفسية وعند هذه اللحظة يتحول الوعي إلى مجرد شخوص وصور في جزء كبير منها وهم و كوابيس تهدد سلامة عقولنا وحياتنا.
وما هو أكثر أهمية من الإشارة إلى روايات ديستويفسكي على صعيد التفسير النفسي و تأويل المجاز هو البحث في الأسباب الكامنة وراء تلك الإشارات، بحيث يمكن النظر إليها من زاوية أخرى مثلما يقول كلود ليفي شتراوس أن علينا من وقت لآخر الأخذ بعين الاعتبار لجميع جوانب الأسطورة وليس الركون إلى تفسير بدئي أولي ؛ ففهمنا للأسطورة تبدل بتبدل التأويل ،وإذا كان الأمر كذلك فلن تكون الأسطورة مجرد جملة من الأفكار و الموتيفات تنتمي لبنيتها المركزية فقط ،بل ما ينقصها هنا هو تأويلنا نحن و تفسيرنا نحن بوصفناء قراء معاصرين نختلف في استراتيجياتنا للقراءة عن القراء الأقدم ،و يدلل شتراوس على هذا بما يرى فيه رؤيتنا لأوديب"ما بعد الفرويدي". فاستخدام فرويد لقصة أوديب غيّر من وظيفة القصة وفهمنا لها ،وعلى هذا النحو، بتنا نفهم أوديب الآن بطريقة تختلف عما كان يفهم منها الأثيني القديم ,وبالتالي, الإشارات لديستويفسكي ليست متضمنة بوصفها إشارة خفية فحسب ، بل كجزء من تجربة تريفور بوصفه قارىء لديستويفسكي , فموضوع الشعور الذنب و المعاناة التي يسببها هذا الشعور هو من الموضوعات الشائعة في أعمال ديستويفسكي ,لا سيما في الجريمة والعقاب، والتي تشبه إلى حدما ما يشعر به روزنيك .إذن الإشارات إلى الرواية التي تظهر في كوابيسه الوهمية هي في الواقع مقارنة عقله اللاشعوري بين الرواية و حياته.رسالة الفيلم ربما هي كما تظهر في الملصق :كيف يمكن لك أن تستيقظ من كابوس إن لم تكن نائما أصلا!
إنه فيلم صعب و مثير للقلق.وقد يرى البعض أن الفيلم تلوى كثيراً، مثل شخوصه، قبل أن يصل لخاتمته. ولكن يمكننا على الأقل أن نميز الوهم عن الحقيقة التي اختارها رزنيك " أريد فقط أن أنام" هكذا يقول ، وهو يساق إلى زنزانته، فالحقيقة تمنحنا الحرية، مهما كانت فظيعة.
دعونا في النهاية نأمل لريزنيك أن ينام بسهولة أكثر من معظمنا بعد مشاهدة هذا الفيلم القاتم كثير التلوي.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,055,938,065
- شوكولاة : نكهة اللذة و فائض الألم
- Shutter Island: الجنون كوسيلة لقهر  فوضى هذا العالم
- الأب ثاوذورس داود: الهروب أماماً نحو الماضي
- -تكيف- Adaptation: -أن تكون تشارلي كوفمان-
- ليلى و الذئب:قصة أخرى
- عماد حقي:مرثية الزمن القادم
- الحدود تجاعيد الأرض
- Blue Jasmine: انكشاف الطبقة الارستقراطية و أوهام الحياة المع ...
- تاجر البندقية:مجاز لحم ودم ،لم يدركه اللورد بلفور
- روسيا البوتقة:بين مطرقة روما الخالدة وسندان قرطاج الآثمة
- آرثر ميللر وساحرات سالم و إسرائيل
- Quills: وبعض الحقيقة مؤلم ،فكيف كلها؟
- Her: جدلية التجسيد و التجريد في الاقتران الإنساني-الرقمي
- القارئ The Reader :سردية الضحية و تمثل الغائب
- حكاية مخيم أوله حارة فدائية و آخره مقبرة شهداء
- اللص و الكلاب: طوبى لدنيا يقتصر أوغادها على من نعرفهم فقط
- سأحدثكم عن أيمن
- القدس أم أورشليم؟ إنها قسمة ضيزى
- النكبة:وعي الهزيمة والذاكرة المثقوبة
- Mulholland Drive: العقل؛ دعابته و لعنته


المزيد.....




- متحف -تريتياكوف- الروسي بصدد رقمنة تحفه الفنية بتبرعات خاصة ...
- رحيل المسرحي اللبناني زياد أبو عبسي عن 62 عاما
- يوتيوب.. 100 فيلم مجاني من إنتاج هوليوود
- وفاة المسرحي اللبناني زياد أبو عبسي
- -القصة القديمة-.. مسلسل ينقل تل أبيب إلى عمّان ويثير سخط الأ ...
- أميرة أردنية تتعلم اللغة التركية في عمان
- العثور على قطعة فنية ثمينة عمرها 1600 عام بعد 4 عقود على سرق ...
- ما تبعات حرب اليمن على التراث الثقافي؟
- الفنان بانكسي المعروف والمجهول
- فنانة خليجية تضع مولودتها الاولى من زوجها الأمريكي واسمها غر ...


المزيد.....

- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الصباغ - الصنايعي The Machinist : تحية إلى ديستويفسكي