أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حنان محمد السعيد - الثمن الباهظ














المزيد.....

الثمن الباهظ


حنان محمد السعيد

الحوار المتمدن-العدد: 6042 - 2018 / 11 / 2 - 17:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ أن تفتحت عيني على الدنيا وأنا لا اسمع الا عن أهمية الصدق وكيف أن الصدق منجاة هذا ما كان يؤكده أبي خريج الأزهر، وهذا ما كنت اتلقاه في مدرستي التي كانت تديرها الأم اليساباص الراهبة والتي كانت تدير مدرستي بكفاءة متناهية وكانت التربية لديها تسبق التعليم، وحتى الحكايات التي كانت تقصها أمي علينا كانت نهايتها مكافئة للصادقين.
إذا هذه هي طريقة الحياة المثلى التي ستوفر عليك الكثير من الجهد المهدر، عليك ان تستقيم ولا تفعل شيئا تخجل من أن يعرفه الأخرون أو يجعلك منكس الرأس غير قادر على احترام نفسك.
وظللت على هذا المبدأ في حياتي وحتى تخرجي من الجامعة بدون مشكلة تذكر فالأمر سهل للغاية، التزمي .. اجتهدي .. كوني صادقة .. ليس هناك ما هو اسهل من ذلك.
ولكن وبعد التحاقي بسوق العمل وتفتح مداركي على ما يدور في بلدي من أحداث لم يعد الأمر سهلا الى هذه الدرجة، فالحياة البسيطة التي كانت تتراوح بين المذاكرة ومساعدة امي في شؤون المنزل والقراءة والرسم وعزف الكمان والتحدث الى الصديقات وحضور فاعليات الجامعة ومحاضراتها وانشطتها المختلفة لم تعد كذلك، لقد اتسع العالم فجأة من حولي ولم يعد محكوما بهذه القواعد البسيطة المستقيمة.
فعندما صرخت رافضة لبيع الغاز المصري لاسرائيل بأقل من تكلفة خروجه من الأرض تعرضت للأذى، وعندما رفضت قيام طبيب شهير بتزوير نتائج عينات أطفال مصابين بالسرطان تعرضت للأذى.
وعندما اعترضت على غرور طبيب اخر يعتقد انه بامكانه تعيين ابن اخته خريج المعهد التجاري لادارة معمله ليس فقط المعمل الخاص ولكن معمل الجامعة ايضا حيث يناديه الجميع بالدكتور فلان ويقدم له الأطباء فروض الولاء والطاعة رغبا أو رهبا من خاله، وهو نفس الغرور الذي جعله يصنع من فراش مكتبه "دكتور" اخر .. أيضا تعرضت للأذى.
حتى عندما سافرت الى الخارج واعترضت على التنكيل بالمعارضة في احد البلدان والاستيلاء على حقوق طائفة لصالح طائفة اخرى تعرضت للمزيد من الأذى.
والأن لا يمكنني الصمت على التخلي عن حق بلادي في ماء النيل وتخريب الزراعة المصرية والتخلي عن حقول الغاز وثروات مصر من بترول وذهب واراضي وخامات اخرى واغراقها في الديون وسجن افضل شبابها، ولكن ما اتعرض له يوميا من اذى يفوق احتمال اي انسان!
لم اكن أدرك ان ثمن الصدق فادح الى هذه الدرجة، لم اكن اصدق ان الشر لديه كل هذه الجيوش المجيشة وكل هذه الامكانيات وانه قادر على فعل ما شاء له من جرائم امنا من المحاسبة.
كنت اتصور ان الحقيقة اقصر الطرق للوصول ولكن على ما يبدو انها في بلادي والمنطقة العربية ككل اقصر الطرق للهلاك فكل من ينطق بالحقيقة في هذا البلد يتم التنكيل به بصور لا تخطر على بال الشياطين انفسهم.
كنت اعتقد أنه لا يهم ماذا يقول احد الكارهين عنك طالما كنت مستقيما ففي نهاية الأمر الناس لديها عقول وعيون ويمكنها أن تحكم بنفسها على حقيقتك، ولكن هذا لم يحدث مع الأسف، فالناس تعشق الشائعات وتصدق كل ما هو سيء.
وأكثر ما يدهشني في الامر أن المجرمين يستغلون ضحاياهم في التنكيل بمن يرفض جرائمهم، اي أنهم ينكلون بك بواسطة من تدافع انت عن حقهم في بلادهم وفي عيش حياة كريمة أدمية تليق بالبشر.
إن الصدق في بلادي يوغر صدور الطبقة المتحكمة عليك حتى انهم لن يتركوك تعيش لحظة بدون ايذاء أو تنكيل، هم لا يجرؤون على مواجهتك أو قول الحقيقة مثلك ولكن لديهم من النفوذ والامكانيات ما يمكنهم من احالة حياتك الى جحيم مقيم بدون ان يحركوا اصبعا فالكل في خدمتهم.
إن هذا هو بالضبط ما عبر عنه ببلاغة شديدة الكاتب الكبير نجيب محفوظ في رائعته اولاد حاراتنا حيث قال:
“ومن عجب أن أهل حارتنا يضحكون! علام يضحكون؟ إنهم يهتفون للمنتصر أياً كان المنتصر، ويهللون للقوي أياً كان القوي، ويسجدون أمام النبابيت، يداوون بذلك كله الرعب الكامن في أعماقهم. غموس اللقمة في حارتنا الهوان. لا يدري أحد متى يجيء دوره ليهوي النبوت على هامته.”





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,427,277,299
- مؤتمر الشباب ودعم الخبز
- صفعة القرن
- القهر
- ادعموا القتلة والخارجين عن القانون
- لماذا تكرهوننا؟
- المواطن المخبر
- المجرم الخائب
- على شفا الهاوية
- أعداء الثورة
- الكفيل
- طريقة اللواءات في حل المشكلات
- التطور الطبيعي للفساد
- مصر دولة مش معسكر
- انفراط العقد
- الخوف
- معركة النفس الطويل
- ثمن القهر
- نقاب حلا
- المسرحية
- الحمار مسعود يواجه حرب الشائعات


المزيد.....




- اليمن.. -مسام- ينتزع 1318 لغماً وذخيرة غير منفجرة خلال أسبوع ...
- بومبيو: واشنطن تأمل باستئناف المفاوضات مع بوينغ يانغ في غضون ...
- صدام لم يمت
- إيران ومضيق هرمز: ظريف يؤكد أن طهران لا تسعى إلى أي مواجهة م ...
- تنديد دولي وعربي بهدم إسرائيل منازل مقدسيين
- -أنصار الله- تتهم الجيش بشن هجوم واسع جنوب الحديدة
- الخوذ البيضاء: روسيا تكذب
- مع تصاعد الضغط الدولي على طهران.. خامنئي يصف خطة السلام بـ-ا ...
- إصابة مدنيين أتراك بقذيفة تم إطلاقها من الأراضي السورية
- إعلاميون عراقيون في إسرائيل.. كيف تفاعل زملاؤهم مع الأمر؟


المزيد.....

- لصوص رفحا وثورتنا المغدورة في 1991 / محمد يعقوب الهنداوي
- الهيستيريا النسائية، العمل المحجوب، ونظام الكفالة / ياسمين خرفي
- ثورة وزعيم / عبدالخالق حسين
- التنظير حول الطبقية في الدول الناطقة باللغة العربية أفكار وا ... / نوف ناصر الدين
- العامل الأقتصادي في الثورة العراقية الأولى / محمد سلمان حسن
- مجلة الحرية عدد 4 / محمد الهلالي وآخرون
- مجلة الحرية عدد 5 / محمد الهلالي وآخرون
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- أ.د. محمد سلمان حسن*: مبادئ التخطيط والسياسات الصناعية في جم ... / أ د محمد سلمان حسن
- الانعطافة الخاطئة في العولمة، وكيف تلحق الضرر بالولايات المت ... / عادل حبه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حنان محمد السعيد - الثمن الباهظ