أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ناصر بن رجب - سورة الفيل والتّفسير المستحيل!















المزيد.....



سورة الفيل والتّفسير المستحيل!


ناصر بن رجب

الحوار المتمدن-العدد: 6037 - 2018 / 10 / 28 - 19:59
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يأتي هذا المقال كتعقيب وامتداد للحلقتيْن اللّتين نُشرتا هنا منذ أيام حول وجود نصّ توراتي خلفي يمدّ بظلاله على التّفاسير الإسلاميّة التقليديّة لسورة الفيل. فقد حاول الباحث دانيال أ. بيك أن يكشف القناع عن المصدر الرئيسي التي استقى منه المفسّرون المسلمون موادّ قصّة أصحاب الفيل وقدّم بعض الدّلائل على أنّ هذا المصدر ما هو إلاّ السّرديّات التوراتيّة لثورة الأسرة المكّابيّة اليهوديّة. وقد ركّز جلّ بحثه على الموضوع الرئيسي للسّورة المتعلّق باستخدام فِيَلة الحرب.
في هذه العجالة، نودّ أن نذهب أبعد من ذلك. فنحن نعتقد أنّ المفسّرين المسلمين كانوا قد قرؤوا الأسفار المكّابيّة قراءة مباشرة، وليس سماعا عن هذا أو الرّاوي أو ذلك؛ والدليل أنّهم لم يكتفوا بذكر بعض العناصر العامّة للقصّة التوراتيّة بل أنّهم قاموا بهيكلة قصّة أصحاب الفيل هيكلة روائية تكاد تكون متطابقة تماما لقصّة حروب المكّابيّين مع الإغريق وخاصّة في السّفريْن 2 و3 كما ظهر ذلك في المقال السّابق. سنحاول هنا إقامة مقارنة بين السّرديْن التّوراتي والإسلامي وكشف التّوازيات بينهما من حيث السّياق العامّ، والشّخصيّات الفاعلة، والرّسالة الوعظيّة العقَديّة الرئيسيّة... إلخ.
مقدّمة
في عصر التدوين، أي أواسط القرن الثّاني للهجرة، وعندما شرع العلماء المسلمون بالإشتغال بالسّير وجمع الأحاديث وبالخصوص بتفسير القرآن، وجدوا أنفسهم منذ الوهلة الأولى أمام نصّ مُبهَم عَصيّ على الفهم العفوي المباشر، يتميّز أساسا بالاقتضاب الشديد والإيحاء الخاطف، تسوده محذوفات تكاد تكون سِمة كلّ آية فيه، وإضمارات يصعب معها معرفة هذا من ذاك ومَن المتقدِّم ومَن المتأخِّر. فهو لا يذكر في سرديّاته أسماءَ من يتحدّث عنهم، إلاّ نادرا وبدون أن يكلّف نفسه عناء نصب أيّ ديكور واضح المعالم من شأنه أن يُوضِّح للقارئ أو المستمِع المسرح الذي تدور فيه الوقائع، فلا أسماء لأماكن قد تكون قد شكّلت مسرحا للأحداث التي يرويها، ناهيك عن تواريخها والتّداعيات النّاجمة عنها بعيدا عن الرّسالة الوعظيّة التي تقف وراء الوعد والوعيد والعقاب والثّواب التي يَعِد بها أو يتوعّد بها إله القرآن. ولهذا كان اللّجوء إلى التفسير بالمأثور مأخوذا في شكله العام، أي من حيث أنّه يتجاوز أقوال وأفعال وتقرير النّبيّ وصحابته ليشمل التّقاليد اليهوديّة والمسيحيّة وحتّى الزرادشتيّة وغيرها كثير، أمرا طبيعيّا وبديهيّا للغاية. فلا ننسى أنّ مُعظم الرّواة والمفسّرين الأوائل كانوا من أصول يهوديّة أو مسيحيّة.
لم يكن لدى الصّحابة والتّابعين أيّ حرج في الإستعانة بقصص اليهود والنّصارى وسِيَر أنبيائهم وقدّيسيهم لإسناد تفسير آية أو حديث، بل كان الإكثار من ذلك دليلا على التّبحر في العِلم. ألم يُطلِقوا على ابن عبّاس لقب "حِبْر الأمّة"، كما أنّهم لم يعيبوا على ابن إسحاق [ما عدا مالك للعداوة التي كانت بين الرّجُليْن والتّنافس بينهما] ووهب بن منبّه وغيرهم إكثارَهم من استحضار قصص أهل الكتاب. ولا غرو في ذلك، فقد كان هؤلاء الأوائل يعتبرون بدون خجل أو عقدة نقص أنّ الرّسالة القرآنيّة ما هي، في نهاية المطاف، إلاّ امتداد للرّسالات النبويّة السّابقة وبالخصوص منها أنبياء اليهود.
ودون أن نخوض في التّجاذبات التي حدثت بين شتّى المذاهب التفسيريّة حول الأخذ بالإسرائيليات والاعتماد عليها في تفسير آيات القرآن أم لا. فقد ذهب المفسّرون في هذا الخصوص مذاهب شتّى. فمنهم من جوّز استعمال قصص اليهود والنّصارى في التّفسير، ومنهم من حرّم ذلك وتجنّبه إلى اقصى الحدود كالزّمخشري وابن عطيّة، وبالأخصّ المفسّرون المحدثون أمثال رشيد رضا ومحمّد الطاهر بن عاشور. ولعلّ أشهر الجدالات التي دارت في هذا الشّأن هو ذاك الذي دار في القرن الخامس عشر في القاهرة المملوكيّة بين المُفسِّريْن الشّهيريْن السّخاوي والبِقاعي. فقد كان الأوّل ينهى عن الاستعانة بالإسرائيليّات على عكس الثّاني. وقد انطلق الجدل إثر تعرُّض السّخاوي بالنّقد اللاّذع لتفسير البِقاعي "نظم الدرر في تناسب الآيات والسّور" والتّشهير به معتبرا أنّه كتاب أراد به صاحبه "إظهار التّوراة وإخفاء القرآن" وذلك في كتابه "الأصل الأصيل في تحريم النّقل من التوراة والإنجيل" الذي فُقِد ولم يصلنا منه مع الأسف الشديد إلاّ ما قاله البِقاعي في ردّه في مؤلَّفه "الأقوال القويمة في حكم النّقل من الكتب القديمة".
وقد أفرد الباحث وليد صالح للبقاعي عدّة مقالات وحقّق ونشر كتابه المذكور آنفا، وتعرّض بالخصوص إلى منهجه الذي سلكه في تفسيره، فهو يقول: "إنّ كتاب نظم الدرر للبقاعي ليس فقط كتابا عن المناسبات في القرآن، بل هو أيضا أوّل كتاب تفسير في العالم الإسلامي -وللأسف ما زال وحيدا في هذا الشّأن- استعمل فيه المفسِّر المسلِم كتب أهل الكتاب؛ أي كتب التوراة اليهوديّة وكتب الأناجيل للنّصارى، لتفسير ما جاء في القرآن عن أهل الكتاب من قصصهم وأحوالهم وعاداتهم وطقوسهم. هذا الانفتاح -وهو انفتاح بلا وجل وبلا مواربة- كان حدثا دينيّا غير مسبوق في تاريخ التفسير الإسلامي". (مجلّة التّفاهم، عدد 49، ص 261).
غير أنّ ما نريد أن نؤكِّده هنا ليس متعلّقا باستخدام المفسّرين المسلمين للإسرائيليّات في مناسبات لم يكن لهم أيّ مفرّ من اللّجوء إليها كخلق آدم، وقصّة نوح وموسى وعيسى وغيرها، فهذا أمر واضح وجليّ للعيان؛ ولكن بالأحرى الاستعمال الخفيّ والمقنَّع والمسكوت عنه لبعض قصص كتب اليهود والنّصارى، سواء كانت القانونيّة منها أو الأبوكريفا، وتلفيقها على آيات وسور قرآنيّة مُبهَمة ابهاما شديدا كسورة الفيل التي كانت محور المقال المنشور هنا في هذا الموقع أو سورة القدر التي قدّمنا عنها أيضا نصّا مهمّا للباحث الفرنسي ڤِيُّوم دي، نُشِر هنا على عدّة حلقات بعنوان "ليلة القدر هي أم ليلة الميلاد؟"؛ وكذلك الشّأن فيما يتعلّق بسورة المسد التي تظلّ فيها شخصيّة "أبو لهب" جِدُّ غامضة، بالرّغم من جهود المفسّرين لربطها بالنّبيّ وعائلته، وكذلك شخصيّة امرأته التي لا يمكن القَبول بالرّواية الإسلاميّة التي تقول بأنّها كانت تحمل الحطب وتضعه في طريق النبيّ. فهذا تفسير غبيّ وطفولي للغاية. فكيف يمكن أن نَقبَل بمشهد بهذه السّذاجة: زوج شخصيّة مرموقة بحجم عبد العزّى بن عبد المطّلب وثقله في قبيلته وقبائل العرب، فهو من أعيان قريش وعمّ الرّسول، يُصوِّرها القرآن وهي تخرج سافرة في شوارع مكّة تحمل على ظهرها (على الأقل كما فسّروها لنا في المدارس ونحن صغار) حِزَما من الشّوك تزرعه تحت أقدام النبيّ ليَعْقِره (وهل كان النبيّ يسير في الطّرقات حافيا؟) ... ولهذا من الواجب البحث عن السّياق الحقيقي لهذه السّورة وما شابهها من باقي السّور القرآنيّة وعن الشّخصيّات الحقيقيّة التي تتحدّث عنها.
إنّ ما نسعى إلى إيضاحه هنا يتعلّق بصورة خاصّة بالطريقة التي اتّبعها المفسّرون لتلفيق قصّة المكّابيّين اليهود ومعاركهم مع الإغريق الغزاة، من خلفوا الإسكندر المقدوني وتقاسموا عرشه في آسيا الصّغرى ومنطقة الشرق الأدنى والأوسط، على سورة والفيل وجعلوا منها تفسيرا لها تدور أحداثها في الجزيرة العربيّة.
فإذا كان المفسّرون القدامى يستعينون بين الفينة والأخرى بكتب اليهود والنّصارى، فإنّ البِقاعي أراد أن يجعل من ذلك منهجا منظّما ومقاربة اساسيّة في فهم وشرح مناسبات الآيات القرآنيّة وهو ما يمكن أن نطلق عليه بالقراءة الأفقيّة للنّصوص المقدّسة التي لا تكتفي بالتّفسير الدّاخلي للنّص بل تتعدّاه إلى قراءة آنيّة ومتأنّية لنصوص متعدّدة توضع تحت محكّ البحث بصورة متوازيّة.
سوف نقوم فيما يلي بالتّدليل على أنّ المفسّرين، على الأقل الأوائل، كانوا على اطّلاع تفصيلي بمحتوى أسفار أهل الكتاب ومرجعيّاتها التّاريخيّة. ثمّ كيف قاموا باستنباط تفسيرهم لسورة الفيل من خلال تتبّع القصّة الواردة في سِفْريْ المكّابيّين مع أقلمتها وإعادة تركيبها وتلفيقها داخل سياق يمني-عربي-مكيّ مُتَخَيّل.
يمكننا اعتبار الرّواية الإسلاميّة كملخَّص مركَّز لما حبَّره كتّاب اليهود في عدّة أسفار المكّابيّين المتعدِّدة. فقد لفّقوا من مُجمَل أحداثٍ شتّى الحروب التي خاضها يهوذا المكّابي ضدّ عدّة قادة يونانيّين قصّة واحدة بين شخصيْن إثنيْن: أبرهة من جهة وعبد المطّلب من جهة ثانية. وكلّ واحد منها جُمِّعت فيه خصائص طرف من طرفَي النّزاع في الرّوايات التوراتيّة. من ناحة، نجد أبرهة الذي يمثّل كلّ شرور الإغريق، ومن ناحية مقابلة، نجد عبد المطلب الذي تنصهر فيه كلّ خصال يهوذا المكّابي واليهود شعب الله المختار.
يبقى هذا العمل محاولة أوّليّة، قد تبدو سطحيّة نوعا مّا، لا تطمح إلى تقديم حقيقة ثابتة ولكن همّها الأساسي هو فتح مجال واسع للخروج من المسالك المطروقة بالتّدقيق في موادّ تبدو ثانويّة وهامشيّة قدّمها المأثور الإسلامي دون أن يُفصِح عن مصادرها.
لذلك، فإنّ ما هدفنا إليه أوّلا وقبل كلّ شيء هو تقديم البعض من الموادّ الخام، في انتظار ربّما دراسة أكثر دقّة ينهض لها باحث متخصّص أكثر في هذا المجال. وبناء على هذا، فإنّنا سنكتفي هنا بالتّعرّض فقط للخطوط العامّة للتّوافق وحتّى التّطابق بين الرّوايتين من حيث وقائعهما وأغراضهما؛ واعين بالصّعوبات الجمّة التي قد تعترض الباحث الذي يخوض في مثل هذه المواضيع، باعتبار أنّ الانزلاق في المقارنات "التعسّفيّة" سهل، وتَقْوِيل ما لا تقوله النّصوص، ظاهريّا على الأقلّ، يُغري وقد يوجِّه الباحث إلى ارتكاب هفوات خطيرة.
1) الإطار التاريخي والديني:
تروي القصّتان صراعا دار بين شعبيْن مختلِفين عرقيّا ودينيّا. بين شعب يحمي مقدّساته: "الكعبة" في مكّة عند العرب القرشيّين، ومعبد "الهيكل" في أورشليم عند اليهود المكّابيّين؛ وبين شعب ظالم "مُشْرِك" يخرج بجيش ضخم قصد تهديم المعبَديْن: أبرهة من جهة والسلّوقيّون الإغريق من جهة أخرى. وتدور أحداث قصّة التفسير الإسلامي في الجزيرة العربيّة بإجماع العلماء المسلمين، في حدود سنة 570 ميلاديّة مع وجود روايات همّشها المأثور التقليدي تتحدّث عن وقوع ذلك بين 530 و550 م، بين أبرهة الأشرم، الحاكم الحبشي لليمن، وبين العرب وخاصّة قريش، حُماة "بيت الله الحرام"، ؛ في حين تُموضِع القصّة المكّابيّة مسرح الأحداث داخل فلسطين، في منطقة اليهوديّة بالتّحديد، زمن ثورة الأسرة اليهوديّة على الحكم السلوقي بين عامي 167 و152 قبل الميلاد، والمواجهات بين يهوذا المكّابيّ وبعض قادة الجيوش الإغريقيّة مثل نيكانور وأنطيوخس وغيرهم.
فقد جاء في سفر المكّابّيين 2؛ 2: 20-23 ما يلي: " إِنَّ الْحَوَادِثَ الَّتِي وَقَعَتْ لِيَهُوذَا الْمَكَّابِيِّ وَإِخْوَتِهِ، وَتَطْهِيرَ الْهَيْكَلِ الْعَظِيمِ وَتَدْشِينَ الْمَذْبَحِ، وَالْحُرُوبَ الَّتِي وَقَعَتْ مَعَ أَنْطِيُوخُسَ الشَّهِيرِ وَابْنِهِ أَوْبَاطُورَ، وَالآيَاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ مِنَ السَّمَاءِ فِي حَقِّ الَّذِينَ تَحَمَّسُوا لِدِينِ الْيَهُودِ، حَتَّى إِنَّهُمْ مَعَ قِلَّتِهِمْ تَسَلَّطُوا عَلَى الْبِلاَدِ بِجُمْلَتِهَا وَطَرَدُوا جَمَاهِيرَ الأَعَاجِمِ، وَاسْتَرَدُّوا الْهَيْكَلَ الَّذِي اشْتَهَرَ ذِكْرُهُ فِي الْمَسْكُونَةِ بِأَسْرِهَا، وَحَرَّرُوا الْمَدِينَةَ، وَأَحْيَوُا الشَّرَائِعَ الَّتِي كَادَتْ تَضْمَحِلُّ، لأَنَّ الرَّبَّ عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِكَثْرَةِ مَرَاحِمِهِ".
2) أسباب الهجوم والهدف منه:
أ‌- الرّواية التوراتيّة:
عند استيلاء السلّوقيّين على السّلطة في منطقة شرق المتوسّط شرعوا في ممارسة إضطهاد ديني ضدّ اليهود. فقد أرادوا أغرَقَتَهم بإعطائهم الجنسيّة السلوقيّة اليونانيّة وتحويلهم عن دينهم وعبادة الإله الواحد. ولكي يبلغوا هدفهم هذا، قاموا بتواطؤ من رئيس الكهنة اليهودي ياسوس بجعل أورشليم مركزا للثّقافة اليونانيّة ونشر "كُفْرِهم" فغيّروا إسم هيكل أورشليم إلى هيكل "زيوس".
نجد في سفر مك 2؛ 6: 1: "وَبَعْدَ ذلِكَ بِيَسِيرٍ أَرْسَلَ الْمَلِكُ شَيْخاً أَثِينِيًّا، لِيَضْطَرَّ الْيَهُودَ أَنْ يَرْتَدُّوا عَنْ شَرِيعَةِ آبَائِهِمْ وَلاَ يَتْبَعُوا شَرِيعَةَ اللهِ". كما جاء في سفر مك 2؛ 14: 33-36، أنّ نيكانور "أَقْسَمَ قَائِلاً: لَئِنْ لَمْ تُسَلِّمُوا إِلَيَّ يَهُوذَا مُوثَقاً، لأَهْدِمَنَّ بَيْتَ اللهِ هذَا إِلَى الأَرْضِ، وَلأَقْلَعَنَّ الْمَذْبَحَ وَأُشَيِّدَنَّ هُنَا هَيْكَلاً شَهِيراً لِدِيُونِيسِيُوسَ".
وفي مكان آخر من سفر مك 2؛ 9: 1، قال أنطيوخس: "لَآتِينَّ أُورْشَليم وَلَأَجْعلنَّها مَدْفنا لليَهُود".
مك 3؛ 5: 42-43: "فحلف حلفًا باطلاً أنه سيرسل اليهود إلى الجحيم بعد أن تدوسهم ركب الفيل وأرجلهم. وأنه سيقوم بحملة على اليهودية، فيسوّي مدنها بالنار والسيف، ويدمِّر الهيكل الذي لا يُسمح للوثنيين بدخوله، ويمنع عنه الذبائح إلى الأبد، بعد أن كانت تقدّم فيه".
وكان الهدف الأسمى لليهود هو حماية الهيكل قبل كلّ شيء آخر: "وَكَانَ اضْطِرَابُهُمْ عَلَى النِّسَاءِ وَالأَوْلاَدِ وَالإِخْوَةِ وَذَوِي الْقَرَابَاتِ أَيْسَرَ وَقْعاً مِنْ خَوْفِهِمْ عَلَى الْهَيْكَلِ الْمُقَدَّسِ، الَّذِي كَانَ هُوَ الْخَوْفَ الأَعْظَمَ وَالأَوَّلَ" (مك 2؛ 15: 18).
ب‌- الرّواية الإسلاميّة:
كان أبرهة يريد "نسخ الحجّ إلى الكعبة" وذلك بهدمها وإرغام العرب على الحجّ إلى كنيسته "القُلَّيْس" التي بناها تكريما لسيّده النّجاشي. يقول الطبري: "ثمّ كتب [أبرهة] إلى النّجاشي ملك الحبشة: إنّي قد بنيت لك أيّها الملك كنيسة لم يُبْن مثلها لمَلِك كان قبلك، ولستُ بِمُنْتَه حتّى أَصْرِف إليها حاجّ العرب". ج 2، ص .130
ويقدّم الطبري رواية أخرى أنّ أبرهة "رأى النّاس يتجهّزون أيّام الموسم للحجّ إلى البيت الحرام، فسأل: أين يذهب النّاس؟ فقالوا: يحجّون إلى بيت الله بمكّة، قال: ممَّ هو؟ قالوا: من حجارة، قال: فما كسْوته؟ قالوا: ما يأتي ها هنا من الوصائل، قال: والمسيح لَأَبْنِينَّ لكم خيرا منه (...) وأمَر النّاس فحجّوه، فحجّه كثير من قبائل العرب سنين، ومكث فيه رجال يتعبَّدون ويتألَّهون، ونسكوا له، وكان نُفَيْل الخثعمي يُؤَرِّض له ما يكره، فلمّا كان ليلة من الليالي لم ير أحدا يتحرّك، فقام فجاء بعَذِرة فلطّخ بها قبْلته، وجمع جِيَفًا فألقاها فيه. فأُخبِر أبرهة بذلك، فغضب غضبا شديدا، وقال: إنّما فعَلَت هذا العربُ غضبا لبيتهم، لأَنْقُضنّه حَجَرا حَجَرا". ج 2، ص 138
ومن هنا يمكن أن نستخلص أنّ أبرهة نجح نوعا مّا في فرض كنيسته كقبلة يحجّ لها بعض العرب، الشيء الذي يعني أنّهم غيّروا دينهم وبدّلوا شعائرهم. غير أنّ المفسّرين المسلمين لا يُقرّون بهذا صراحة بل يقتصرون على التّلميح له باحتشام كبير.
ولكنّنا نتفاجأ بشدّة عندما نتمعّن في رواية مقاتل بن سليمان في تفسيره. فهو على عكس المفسّرين الآخرين يذكر أنّ الحملة الحبشيّة على مكّة حدثت في مرحلتين مختلفتين. فالحملة الأولى، التي لا نعرف سببها الرئيسي ولا الظّروف التي حفّت بها، تمّت بقيادة ابن أبرهة بن الأشرم (وليس "الأشرم" كما في بقيّة الروايات الأخرى)، أبو يكسوم الذي توجّه " في جيش كثيف إلى مكّة ومعهم الفيل ليخرّب البيت الحرام". وهذه الحملة الأولى، كما يقول مقاتل، كانت قد فشلت فشلا ذريعا بسبب فزع الجنود الأحباش من تصرّف الفيل "محمود" الذي برك ورفض رفضا قاطعا الهجوم على الكعبة "وانصرفوا عامهم ذلك". ثم تأتي الحملة الثّانية بعد الأولى "بسنة أو سنتين" حيث نرى أنّ الأمر لم يعد متعلّقا بالحاكم الحبشي لليمن أبرهة، بل بالنّجاشي نفسه، ملك الحبشة؛ كما أنّه لا وجود لكنيسة عظيمة "القُلَّيس" بناها أبرهة لإرضاء سيّده النّجاشي، بل يقع الحديث عن بَيْعة (هيكل) نصرانيّة متواضعة.
ثمّ نكتشف كذلك أنّ من قاد الحملة الثّانية على مكّة هو شخص يُدعى الأسود بن مقصود (يبدو أنّه اسم نُحِت خصّيصا لهذه المناسبة؟)، أمره ملك الحبشة بتشكيل جيش لهذا الغرض. فقام باستنفار جنود من "مُزارِعي" الأرض، أي من الفلاّحين اليمنيّين الّذين لا علاقة لهم بالحرب. ويروي مقاتل أنّ قوما من قُريْش (هنا إشارة واضحة لقريش بخلاف التّفاسير اللاّحقة التي اكتفت فقط بذكر "بعض العرب") خرجوا في تجارة إلى أرض النّجاشي وأشعلوا نارا ثمّ تركوها وانصرفوا دون إطفائها فهبّت ريح عاصفة "واضطرم الهيكل نارا" [قد يكون المؤلِّف قد خلط هنا (...) وسمعت بذلك ملوك العرب الذين هم بحضرته، فأتوا النّجاشي منهم حُجْر بن شرحبيل [شراحيل في رواية أخرى] وأبو يَكْسوم الكنديان [الكِنْديون عند آخرين]، وأبرهة بن الصَّبَّاح الكندي، فقالوا: أيّها الملك، لا تُكاد ولا تُغلب، نحن مؤازرون لك على كعبة قريش التي بمكّة، فإنّها فخرهم ومعتزّهم على من بحضرتهم من العرب فنَنْسَف بناءها، ونبيح دماءها، وننتهب أموالها (...) فأرسل الملك الأسود بن مقصود (...) فأخرج كتائبه جماهير معهم الفيل، واسمه محمود، فسار بهم ومن معه من ملوك العرب تلقاء مكّة في جحافل تضيق عليهم الطّرق". (مقاتل، تفسير، 4: 848). كما نكتشف أنّ "أبو يكسوم الكنديان، وأبرهة بن الصباح الكندي" كانا من بين الملوك العرب المتواجدين وقتها في حضرة النّجاشي" (مقاتل، ج 4، ص 848).
ومثل اليهود، كان هدف قريش هو بالأساس حماية الكعبة من الدّمار المحيق بها. وبالرّغم من أنّ عبد المطّلب صرّح لأبرهة، كما جاء عند كلّ المفسِّرين والمؤرِّخين المسلمين، بأنّه يطلب فقط أن يردّ عليه ماله عندما قال قولته الشهيرة: "إنّي أنا ربُّ الإِبل، وإنّ للبيت ربًّا سيمنَعُه"، فإنّه يٌفاجئنا في مكان آخر من الرّواية، عند بعض المفسّرين فقط، وهو يضع كلّ أملاكه وأملاك قريش تحت تصرّف الحاكم الحبشي مقابل تَخَلّيه عن هدم الكعبة. قال عبد المطّلب مخاطبا أبرهة: "هل لك أن أُعطيك أهلي ومالي، وأهل قومي، وأموالهم، ولِقاحَهم، على أن تنصَرِف عن كعبة الله؟" (مقاتل، تفسير، 4، ص 849).
"فلمّا بلغ [أبرهة] قريبا من مكّة، خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجِع فأبى وعبّأ جيشه". (الرازي، تفسير، ج 32، ص96)

3) تواطؤ بعض اليهود والعرب مع المحتلّين والغزاة:
تشترك الرّوايتان في أنّ بعضا من السكّان المحلّيين كانوا قد تواطؤوا مع العدوّ طوعا أو اضطرارا خوفا من بطشه أو طمعا في مناصب وأموال يغدقها عليهم.
فكما كان هناك يهود خونة (الحزب اليوناني) قد أعانوا السلوقيّين على قتل وإبادة بني جلدتهم، فقد كان هناك أيضا قبائل عربيّة قدّمت ولاءها لأبرهة وأعانته على قتل عرب ثاروا ضدّه وناصبوه العداء. فقد "توّج أبرهة وأمّر محمّد بن خزاعي على مُضَر وأمره أن يسير في النّاس يدعوهم إلى حجّ القُلَّيْس. ولكنه قُتِل في تهامة وهو ينشر دعوته فزاد ذلك من غضب أبرهة "وحلف ليغزوَنَّ بني كنانة وليَهدِمنَّ البيت". (الطبري، تاريخ، 2، ص 131). واتّخذ أبرهة تدنيس أحد فتيان كنيسته لتجهيز جيش ضخم ومعه الفيل وقرّر "غزو مكّة وهدْم البيت". وكما جاهد اليهود ضدّ الإغريق ذابّين عن حياض دينهم وشعائرهم وعن الهيكل "بيت الله المقدّس" فإنّ العرب عندما سمعت بمسير أبرهة نحو مكّة وأنّه يريد "هدم الكعبة بيت الله الحرام، فأعظموه وفظعوا به، ورأوا جهاده حقّا عليهم..." (الطبري، تاريخ، 1: 132).
وفي كلّ الحروب التي خاضها المكّابيّون ضدّ الإغريق كان هؤلاء ينهبون المعابد ويفتكون أرزاق النّاس عنوة، وكذلك فعل أبرهة عندما وصل إلى المغمّس "بعث رجلا من الحبشة (...) حتّى انتهى إلى مكّة، فساق إليه أموال أهل مكّة من قريش وغيرهم، وأصاب منها مائتي بعير لعبد المطّلب بن هشام". (الطبري، تاريخ، 2، ص 133).
أ‌- الرّواية التّوراتيّة:
وَبَلَغَ نِكَانُورَ أَنَّ أَصْحَابَ يَهُوذَا فِي نَوَاحِي السَّامِرَةِ؛ فَعَزَمَ عَلَى مُفَاجَأَتِهِ يَوْمَ السَّبْتِ دُونَ تَعْرُّضٍ لِخَطَرِ الْحَرْبِ. فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ الَّذِينَ شَايَعُوهُ اضْطِرَاراً: «لاَ تَأْخُذِ الْقَوْمَ بِهذِهِ الْقَسْوَةِ وَالْخُشُونَةِ، بَلِ ارْعَ حُرْمَةَ يَوْمٍ قَدْ أَكْرَمَهُ وَقَدَّسَهُ الرَّقِيبُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ».
وفي مقطع آخر: "فَاتَّصَلَ بِيَهُوذَا خَبَرُ مَقْدَمِ نِكَانُورَ، فَأخْبَرَ الَّذِينَ مَعَهُ بِمَجِيءِ الْجَيْشِ، فَبَدَأَ الَّذِينَ خَافُوا وَلَمْ يَثِقُوا بِعَدْلِ اللهِ يَنْسَابُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَكَانِهِ". (مك 2؛ 8: 12-13)
"وَفِي الْغَدِ جَاءَ يَهُوذَا وَمَنْ مَعَهُ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ السُّنَةُ؛ لِيَحْمِلُوا جُثَثَ الْقَتْلَى وَيَدْفِنُوهُمْ مَعَ ذَوِي قَرَابَتِهِمْ فِي مَقَابِرِ آبَائِهِمْ. فَوَجَدُوا تَحْتَ ثِيَابِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَتْلَى أَنْوَاطاً مِنْ أَصْنَامِ يَمْنِيَّا مِمَّا تُحَرِّمُهُ الشَّرِيعَةُ عَلَى الْيَهُودِ، فَتَبَيَّنَ لِلْجَمِيعِ أَنَّ ذلِكَ كَانَ سَبَبَ قَتْلِهِمْ. فَسَبَّحُوا كُلُّهُمُ الرَّبَّ الْدَّيَّانَ الْعَادِلَ الَّذِي يَكْشِفُ الْخَفَايَا" (مك 2؛ 12: 39-41)
ب‌- الرواية الإسلاميّة:
تروي معظم التّفاسير أنّ أبرهة أخضع كلّ القبائل العربيّة التي حاولت أن تعترض سبيله في المضيّ إلى مكّة، الشيء الذي اضطرّ بعض العرب إلى إعلان الطاعة والولاء له قائلين: "أيّها الملك، إنّما نحن عبيدُك، سامعون لك مُطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتُنا هذا البيت الذي تُريد-يعنون اللَّاتَ- إنّما تريدُ البيتَ الذي بمكّة، ونحن نبعثُ معك مَن يَدُلُّك عليه..." (تفسير القرطبي، ص 479). ومن الجدير بالذّكر أن القرطبي يقصّ الرّواية كما جاءت عند الطّبري أخذا عن ابن إسحاق كاملة ثمّ يورد بعدها رواية الكلبيّ ومقاتل. ويجد القرطبي نفسه مضطرّا، أمام تضارب الرّوايات، إلى محاولة رفع بعض اللّبس الحاصل بخصوص الأسماء الواردة عند مقاتل فيقول أنّ "النّجاشي هو الملك، وأبرهة صاحب الجيش، وأبو يكسوم نديم الملك، وقيل: وزيره، وحجر بن شراحيل من قوَّاده. وقال مجاهد: أبو يكسوم هو أبرهة بن الصّبّاح (...) واختُلِف في النّجاشي، هل كان معهم؟ فقال قوم: كان معهم. وقال الأكثرون: لم يكن معهم". ثمّ يُضيف: "وقال الواقديّ: أبرَهةٌ جدُّ النّجاشيّ الذي كان في زمان رسول الله" (ص 485). وهكذا يكون القرطبي قد زاد الطّين بلّة وعقّد عِوَض أن يُبسِّط وخلط الحابل بالنّابل. هذا بالإضافة إلى أنّ "النّجاشي" هو لقب تلقّب به ملوك الحبشة على غرار "فرعون" الذي أطلِق على حكّام مصر القديمة، وكذلك "كسرى" أطلق على حكّام الفرس، و"قيصر" على ملوك الرّوم، وهلمّ جرّا.
على أيّة حال يبدو أنّ المفسّرين وقع لديهم لبس مُحتَمل آخر، فقد أخذوا اسم "أدوليس"، وهي مدينة ساحليّة أثيوبيّة على البحر الأحمر وأطلقوه على الكنيسة التي يكون أبرهة قد بناها في صنعاء، كنيسة "القُلَّيْس". أو ربّما هي تعريب للفظة الإغريقية ékklésia أي الكنيسة. فما وردنا من المصادر التّاريخيّة والحفريّات المختلفة التي عُثر عليها في مختلف مناطق الجزيرة العربيّة لا تذكر أيّة إشارة إلى كنيسة سُمِّيت بهذا الإسم، ولا تورد أيّ خبر عن تعرّضها للحرق على ايدي جماعة من العرب، ناهيك عن بعض تجّار قريش، كما ذكر مقاتل في تفسيره. الكنيسة التي تعرّضت فعلا للحرق هي كنيسة نجران، التي تبعد كثيرا عن صنعاء، وما تبعها من مذبحة النّصارى على يد اليهود. بالإضافة إلى هذا، تفيدنا المصادر التّاريخيّة المعروفة الآن أنّ أبرهة، وهو ابن تاجر بيزنطي كان يعمل في هذه المدينة السّاحلية، كان قد نشأ وترعرع في أدوليس. وللمزيد من المعلومات المفصّلة، يمكن الرّجوع إلى:
Glen W. Bowersock, Le trône d’Adoulis, les guerres de la mer rouge à la veille de l’Islam, Albin Michel, Paris 2014, p. 133-134.
4) ملابسات الحرب واستعمال الفِيلة:
بخلاف الرّواية الإسلاميّة التي تحصر حملة أبرهة على مكّة في هجوم أو هجومين فقط، فإنّ الرّواية المكّابيّة تصف كلّ الحروب التي دارت بين اليهود والإغريق على مدى 15 عاما.

أ‌- الرّواية التوراتيّة:
"فَاخْتَارَ [بطُلْماوُس] لِسَاعَتِهِ نِكَانُورَ بْنَ بَتْرُكْلُسَ مِنْ خَوَاصِّ أَصْدِقَاءِ الْمَلِكِ، وَجَعَلَ تَحْتَ يَدِهِ لَفِيفاً مِنَ الأُمَمِ يَبْلُغُ عِشْرِينَ أَلْفاً لِيَسْتَأْصِلَ ذُرِّيَّةَ الْيَهُودِ عَنْ آخِرِهِمْ، وَضَمَّ إِلَيْهِ جُرْجِيَّاسَ وَهُوَ مِنَ الْقُوَّادِ الْمُحَنَّكِينَ فِي أَمْرِ الْحَرْبِ.
"بَلَغَ أَصْحَابَ يَهُوذَا أَنَّ أَنْطِيُوخُسَ أَوْبَاطُورَ قَادِمٌ عَلَى الْيَهُودِيَّةِ بِجَيْشٍ كَثِيفٍ، وَمَعَهُ لِيسِيَّاسُ الْوَكِيلُ وَقَيِّمُ الْمَصَالِحِ، وَمَعَهُمَا جَيْشٌ مِنَ الْيُونَانِ مُؤَلَّفٌ مِنْ مِئَةٍ وَعَشَرَةِ آلاَفٍ رَاجِلٍ وَخَمْسَةِ آلاَفٍ وَثَلاَثِ مِئَةِ فَارِسٍ وَاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ فِيلاً وَثَلاَثِ مِئَةِ عَجَلَةٍ ذَاتَ مَنَاجِلَ." (مك 2؛ 13: 1-2)
مك 3؛ 5: 42-43: "فحلف حلفًا باطلاً أنه سيرسل اليهود إلى الجحيم بعد أن تدوسهم ركب الفيل وأرجلهم. وأنه سيقوم بحملة على اليهودية، فيسوّي مدنها بالنار والسيف، ويدمِّر الهيكل الذي لا يُسمح للوثنيين بدخوله، ويمنع عنه الذبائح إلى الأبد، بعد أن كانت تقدّم فيه".

ب‌- الرّواية الإسلاميّة:
"أقبل أبرهة الأشرم من الحبشة ومَن معه من غُزاةِ أهل اليمن إلى بيت الله ليهدمه، من أجل بَيْعة أصابها العرب بأرض اليمن، فأقبلوا بِفيلِهم". (الطبري، تفسير، ج 24، ص 643)
"فخرج [أبرهة] بالحبشة ومعه فيل اسمه محمود وكان قويّا عظيما، وثمانية أخرى، وقيل إثنا عشر، وقيل ألف" (الرازي، تفسير، ج 32، ص 96)
وكذلك كانت حال قريش، إذ هي وإن عقدت عزمها على التصدّي لجيش أبرهة إلاّ أنّها أحجمت عن ذلك لما رأته من انخرام في موازين القوى بينها بين جيوش أبرهة.
5) المدد الإلهي ولصالح مَن؟
تورد القصّتان تدخّل السّماء لإنقاذ شعبيْن اختارهما الله سواء لأنّ أحدهما، وهو الشعب اليهودي، من المؤمنين المخلصين له والموحّدين به، أو، في حالة قريش، لأنهم حُماة الكعبة وسدنتها، وكذلك لأنّهم القبيلة التي اختارها الله ليُخرِج من صلبها نبيّه محمّد. فالحدث في حدّ ذاته، كما تُجمِع عليه كلّ التّفاسير "وقع إرهاصا لأمر محمّد" (الرازي، تفسير، ج 32، ص 101)
أ‌- الرواية التّوراتيّة:
وعلى الرّغم من أنّ اليهود كانوا يقاتلون فعلا أعداءهم بالسّلاح إلاّ أنّ سلاحهم الرئيسي كان إيمانهم بربّهم الذي سيمدّ لهم يد العون لكي ينصرهم على القوم الظّالمين: "وَقَالَ [المكّابيّ]: «إِنَّ هؤُلاَءِ إِنَّمَا يَتَوَكَّلُونَ عَلَى سِلاَحِهِمْ وَجَسَارَتِهِمْ، وَأَمَّا نَحْنُ فَنَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ الْقَدِيرِ، الَّذِي يَسْتَطِيعُ فِي لَمْحَةٍ أَنْ يُبِيدَ الثَّائِرِينَ عَلَيْنَا بَلِ الْعَالَمَ بِأَسْرِهِ".
"وَلَمَّا بَلَغَ الْيَهُودَ قُدُومُ نِكَانُورَ وَانْضِمَامُ الأُمَمِ إِلَيْهِ، حَثَوُا التُّرَابَ عَلَى رُؤُوسِهِمْ، وَابْتَهَلُوا إِلَى الَّذِي أَقَامَ شَعْبَهُ لِيَبْقَى مَدَى الدَّهْرِ مُدَافِعاً عَنْ مِيرَاثِهِ بِآيَاتٍ بَيِّنَةٍ". مك 2؛ 14: 15
"فَلَمَّا اشْتَدَّ الْقِتَالُ، تَرَاءَى لِلأَعْدَاءِ مِنَ السَّمَاءِ خَمْسَةُ رِجَالٍ رَائِعِي الْمَنْظَرِ عَلَى خَيْلٍ لَهَا لُجُمٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ اثْنَانِ مِنْهُمْ يَقْدُمَانِ الْيَهُودَ، وَهُمَا قَدِ اكْتَنَفَا الْمَكَّابِيَّ يُحَفِّزَانِهِ بِأَسْلِحَتِهِمَا وَيَقِيَانِهِ الْجِرَاحَ، وَهُمْ يَرْمُونَ بِالسِّهَامِ وَالصَّوَاعِقِ حَتَّى عَمِيَتْ أَبْصَارُهُمْ وَجَعَلُوا يَخْبِطُونَ وَيَتَصَرَّعُونَ". مك 2؛ 10: 29-30
ب‌- الرواية الإسلاميّة:
"وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثالَ الخطاطيف، مع كلّ طير ثلاثةُ أحجارٍ يحملها؛ حجر في منقاره، وحجران في رجْلَيه مثلَ الحِمَّص والعَدَس". (الطبري، تفسير، ج 24، ص 642)
"ولمّا ردّ الله الحبشة عن مكّة، فأصابهم ما أصابهم من النّقمة، عظَّمت العربُ قريشا، وقالوا: أهل الله، قاتَلَ عنهم، فكفّاهُم مؤونة عدوّهم". الطبري، تاريخ، ج 1، ص 139
6) التضرّع إلى الله وطلب نجدته:
في كلا الحالتين، نرى اليهود وأهل مكّة يبتهلون لإله واحد. ولكن، إذا كنّا نعرف مواصفات الإله التوراتي فإنّنا بالمقابل نقف في حيرة أمام سجع عبد المطّلب وغيره من القرشيّين وهم يستنجدون بإله لا نعرف طبيعته بالضّبط. فهل هو "هبل"؟ أم هو إله محمّد؟
أ‌- الرواية التّوراتيّة:
مك 2؛ 14: 34-36: "فَرَفَعَ الْكَهَنَةُ أيْدِيَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، وَدَعَوْا مَنْ هُوَ نَصِيرُ أُمَّتِنَا عَلَى الدَّوَامِ قَائِلِينَ: يَا مَنْ هُوَ رَبُّ الْجَمِيعِ، الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، لَقَدْ حَسُنَ لَدَيْكَ أَنْ يَكُونَ هَيْكَلُ سُكْنَاكَ فِيمَا بَيْنَنَا، فَالآنَ، أَيُّهَا الرَّبُّ، يَا قُدُّوسَ كُلِّ قَدَاسَةٍ، صُنْ هذَا الْبَيْتَ الَّذِي قَدْ طُهِّرَ عَنْ قَلِيلٍ، وَاحْفَظْهُ طَاهِراً إِلَى الأَبَدِ».
"وَجَعَلَ [المكّابيّ] لَهُمْ كَلِمَةَ السِّرِّ النَّصْرُ بِاللهِ" (مك 2؛ 13: 15)
صلاة سمعان عظيم الكهنة:
مك 3؛ 2: آيات متفرّقة: "فحنى سمعان، عظيم الكهنة، ركبتيه أمام المكان المقدس، وبسط يديه خاشعًا، وتلا الصلاة التالية: "يا ربّ، يا ربّ، يا ملك السماوات وسيّد الخليقة كلها. أيها القدوس بين القدوسين، أيها الملك الضابط الكل. أصغ إلينا نحن الذين يضايقنا رجل شرّير وفاسد، متعجرف في وقاحته وقدرته (...) أنت يا خالق كل شيء وسيّد الكون كله، أنت الحاكم العادل الذي يدين جميع الذين يتصرّفون بكبرياء ووقاحة.
الرواية الإسلاميّة:
دعاء عبد المطّلب:
يقدّم لنا هنا التفسير الإسلامي عبد المطلب وهو يلعب دورا موازيا تماما لدور الكاهن أَليعازر أو سمعان، وذلك بالرّغم من أنّ التقليد الإسلامي لا يقدّمه بهذه الصّفة في مختلف المناسبات التي يتعرّض فيها لهذه الشّخصيّة: "انصرف عبد المطّلب إلى قريش فأخبرهم الخبر [هجوم أبرهة]، وأمرهم بالخروج من مكّة، والتحرُّز في شَعَفِ الجبال والشّعاب، تخوُّفا عليهم من مَعَرَّة الجيش، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة الباب، باب الكعبة، وقام معه نفْر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلْقَة باب الكعبة:
يا رَبِّ لا أرْجُو لهم سِواكا
يا ربِّ فامْنَعْ منهُمُ حِماكا
إنّ عَدُوَّ البيْتِ مَنْ عاداكا
امنعهُم أن يُخَرِّبوا قُرَاكا
وقال:
لا هُمَّ إنّ المرء يمنــــــع رَحْلَهُ فامْنَعْ حِـلالَكْ
لا يَغْلبنَّ صليبُهُمْ ومِحالُهم غَدْوًا مِحالَكْ
فلئِن فعَلْتَ فربَّما أَوْلَى فأَمْرٌ ما بـــدَا لَكْ
ولئِن فَعَلْتَ فإنَّه أمرٌ تُتِمُّ بـــه فِعـــــالَكْ
وكُنْتَ إذا أتى باغٍ بسَلْمٍ نُرَجِّي أن يكون لنا كذلك
فولَّوْا لم ينالُوا غيْر خِزْي وكان الحَيْنُ يُهلِكُهم هُنالِكْ
ولم أَسْمَعْ بأرْجَسَ من رجالٍ أرادوا العزَّ فانتهكوا حرامَكْ
جَرّوا جُمُوعَ بلادِهِمْ والفيلَ كي يَسْبُوا عِيالَكْ

عمدوا حماك بكيْدهم جهلا وما رقبوا جلالك
إن كنْت تارِكَهم وكعــــــبتَنا فأمُرْ ما بدا لك

أضاف الفخر الرّازي البيت التالي:
وانْصُر على آل الصّليــــب وعابديه اليوم آلك
7) العقاب الإلهي:
وهنا نرى التّقارب الأكثر بين الرّوايتين. فكلتاهما تتحدّثان عن أداة العقاب السّماوي المتمثّل في إرسال ملائكة من السّماء لكي تسحق جيوش الطّغاة، ثمّ مصير قادة الجيوش والجنود بعد ما حلّ بهم من البلاء.
وكما سنرى أسفله، فإنّ هناك تطابقا بين الرّوايتين في العديد من الجزئيّات، كوجود الفيل (أو الفِيَلة) في المعركة، ونزول الملائكة (أو الطّير الأبابيل) كمدد من الربّ العليّ القدير، وتعنُّت الفيل محمود ورفضه الهجوم على مكّة، أو ذُعْر فيلة نيكانور وارتدادها ضدّ الجيوش التي تسوقها، أو طبيعة التّنكيل التي لحق بهم، أو الطريقة التي أراد بها سائسو الفِيَلة أن يُهيِّجوها بها، وهي جزئيّة مهمّة جدّا، حسب اعتقادنا، لأنّها تعطينا الدّليل على اطّلاع المفسّرين المسلمين على الأسفار المكّابيّة والتي تتمثّل في إعطاء الخَمْر للفيلة.
أ‌- الرواية التوراتيّة:
"فدعا الملكُ حرمونَ المهتمّ بفيله، فامتلأ غضبًا وغيظًا جعلاه لا يلين. وأمره بأن يسقي كل فيَله، وكان عددها خمس مئة، خَمْرَةً صافية لم تُمزج، وكميّة من اللبان. وحين تمتلئ وحشيّة من الشراب، يقودها من أجل تنفيذ حكم الإعدام باليهود. وبعد أن أعطى (الملك) هذه الأوامر، عاد إلى ولائمه، فجمع كل أصدقائه و(قوّاد) الجيش الذين يعادون اليهود عداء خاصًا. في ذلك الوقت، قام حرمون، مدرّب الفيلة، بما عُهد إليه أحسن قيام". (مك 3؛ 5: 1-4)

"فَأَيَّدَهُمُ الْقَدِيرُ فَقَتَلُوا مِنَ الأَعْدَاءِ مَا يَزِيدُ عَلَى تِسْعَةِ آلاَفٍ، وَتَرَكُوا أَكْثَرَ جَيْشِ نِكَانُورَ مُجَرَّحِينَ مُجَدَّعِي الأَعْضَاءِ، وَأَلْجَأُوا الْجَمِيعَ إِلَى الْهَزِيمَةِ" (مك 2؛ 6: 24)
"لكِنَّ الرَّبَّ إِلهَ إِسْرَائِيلَ الْبَصِيرَ بِكُلِّ شَيْءٍ ضَرَبَهُ [أنطيوخس] ضَرْبَةً مُعْضِلَةً غَيْرَ مَنْظُورَةٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَفْرُغْ مِنْ كَلاَمِهِ ذَاكَ، حَتَّى أَخَذَهُ دَاءٌ فِي أَحْشَائِهِ لاَ دَوَاءَ لَهُ وَمَغْصٌ أَلِيمٌ فِي جَوْفِهِ. وَكَانَ ذلِكَ عَيْنَ الْعَدْلِ فِي حَقِّهِ (...) وَإِنَّمَا بَقِيَ صَدْرُهُ مُمْتَلِئاً مِنَ الْكِبْرِيَاءِ، يَنْفُثُ نَارَ الْحَنَقِ عَلَى الْيَهُودِ، وَيَحُثُّ عَلَى الإِسْرَاعِ فِي السَّيْرِ، حَتَّى إِنَّهُ مِنْ شِدَّةِ الْجَرْيِ سَقَطَ مِنْ عَجَلَتِهِ؛ فَتَرَضَّضَتْ بِتِلْكَ السَّقْطَةِ الْهَائِلَةِ جَمِيعُ أَعْضَاءِ جِسْمِهِ. فَأَصْبَحَ (...) مَصْرُوعاً عَلَى الأَرْضِ مَحْمُولاً فِي مِحَفَّةٍ شَهَادَةً لِلْجَمِيعِ بِقُدْرَةِ اللهِ الْجَلِيَّةِ، حَتَّى كَانَتِ الدِّيدَانُ تَنْبُعُ مِنْ جَسَدِ ذلِكَ الْمُنَافِقِ، وَلَحْمُهُ يَتَسَاقَطُ وَهُوَ حَيٌّ بِالآلاَمِ وَالأَوْجَاعِ، وَصَارَ الْجَيْشُ كُلُّهُ يَتَكَرَّهُ نَتْنَ رَائِحَتِهِ". (مك 2؛ 9: 5-9)
وهذا النّوع من العقاب سوف نجده مأخوذا بحذافيره تقريبا في المأثور الإسلامي بخصوص أبرهة وأتباعه.

ب‌- الرواية الإسلاميّة:
"فلما أرادوا أن يسوقوا الفيل إلى مكة لم يدخل الفيل الحرم، وبرك، فأمر أبو يكسوم أن يسقوه الخَمْرَ، فسقوه الخمْر ويَردُّونه في سياقه، فلما أرادوا أن يسوقوه برك الثانية، ولم يقم، وكلما خلوا سبيله ولَّى راجعا إلى الوجه الذي جاء منه يهرول، ففزعوا من ذلك وانصرفوا عامهم ذلك".
"فخرجوا [أبرهة وبقية جنوده] يتساقطون بكلّ طريق، ويَهْلَكون على كلّ مَنْهَل، فأُصِيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم، تسقُطُ أنامِلُه أُنْمُلَة أُنْمُلة، كلَّما سقطت أُنمُلة أتْبَعتها مِدَّةٌ تُمثُّ قيحًا ودمًا، حتّى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخِ الطّيْر"
8) العبرة من القصّة:
أ- الرّواية التوراتيّة:
الرّب لا يتخلّى عن شعبه الذي اختاره من بين كلّ الشعوب الأخرى فينصره على أعدائه في كلّ حين وساعة ويُنكِّل بكلّ من تُسوِّل له نفسه إلحاق الضّرر بشعبه المختار والأماكن المقدّسة التي باركها الرّب. وهذا ما وقع مع نيكانور الإغريقي في حربه ضدّ يهوذا المكّابي: " ثُمَّ إِنَّ يَهُوذَا (...) أَمَرَ بِقِطَعِ رَأْسِ نِكَانُورَ وَيَدِهِ مَعَ كَتِفِهِ وَحَمْلِهِمَا إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَلَمَّا بَلَغَ إِلَى هُنَاكَ دَعَا بَنِي أُمَّتِهِ وَالْكَهَنَةَ (...) وَأَرَاهُمْ رَأْسَ نِكَانُورَ الْفَاحِشِ وَيَدَ ذلِكَ الْفَاجِرِ الَّتِي مَدَّهَا مُتَجَبِّراً عَلَى بَيْتِ الْقَدِيرِ الْمُقَدَّسِ. ثُمَّ قَطَعَ لِسَانَ نِكَانُورَ الْمُنَافِقِ، وَأَمَرَ بِأَنْ يُقَطَّعَ قِطَعاً وَيُطْرَحَ إِلَى الطُّيُورِ وَتُعَلَّقَ يَدُ ذلِكَ الأَحْمَقِ تُجَاهَ الْهَيْكَلِ. وَكَانَ الْجَمِيعُ يُبَارِكُونَ إِلَى السَّمَاءِ الرَّبَّ الْحَاضِرَ لِنُصْرَتِهِمْ، قَائِلِينَ: "تَبَارَكَ الَّذِي حَفِظَ مَوْضِعَهُ مِنْ كُلِّ دَنَسٍ"، ورَبَطَ رَأْسَ نِكَانُور عَلَى الْقَلْعَةِ، لِيَكُونَ دَلِيلاً بَيِّناً جَلِيًّا عَلَى نُصْرَةِ اللهِ". (مك 2؛ 15: 30-35)
ب- الرّواية الإسلاميّة:
يقول البِقاعي ملخِّصا العبرة من هذه الواقعة: "وهذا [يُشير] إلى أنّ كلّ من تعرّض لشيء من حرمات الله كبيْت من بيوته أو على وليّ من أوليائه أو عالم من علماء الدّين، وإِنْ كان مُقصِّرا نوع تقصير، وقع في مكروه، وعاد عليه وبالُ شرِّه (...) وإلى أنّ مَن جاهَر بالمعصية أسْرَعَ إليه الهلاك بخلاف مَن تستّر". (البقاعي، تفسير، ج 22، ص 255)
9) الغنائم:
نلاحظ في الرّوايتيْن كيف انقلبت الأمور رأسا على عقب. المسلوب يصبح غانما، والغانم يُصبِح مسلوبا منهوبا.
أ‌- الرّواية التّوراتيّة:
"وَغَنِمُوا أَمْوَالَ الَّذِينَ جَاءُوا لِشِرَائِهِمْ (...) وَجَمَعُوا أَسْلِحَةَ الأَعْدَاءِ، وَأَخَذُوا أَسْلاَبَهُمْ (...) وَلَمَّا انْقَضَى السَّبْتُ، وَزَّعُوا عَلَى الضُّعَفَاءِ وَالأَرَامِلِ وَالْيَتَامَى نَصِيبَهُمْ مِنَ الْغَنَائِمِ، وَاقْتَسَمُوا الْبَاقِيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَوْلاَدِهِمْ (...) وَاسْتَوْلَوْا عَلَى حُصُونٍ مُشَيَّدَةٍ، وَاقْتَسَمُوا كَثِيراً مِنَ الأَسْلاَبِ جَعَلُوهَا سِهَاماً مُتَسَاوِيَةً لَهُمْ وَلِلضُّعَفَاءِ وَالْيَتَامَى وَالأَرَامِلِ وَالشُّيُوخِ (...) وَلَمَّا جَمَعُوا أَسْلِحَةَ الْعَدُوِّ رَتَّبُوا كُلَّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ اللاَّئِقِ بِهِ، وَحَمَلُوا مَا بَقِيَ مِنَ الْغَنَائِمِ إِلَى أُورُشَلِيمَ". (مك 2؛ 8: 25-31)
ب‌- الرّواية الإسلاميّة:
في هذه الرّواية يُدِخِل مقاتل شخصيّة أخرى، في مشهد الأحداث لا وجود لها في التّفاسير الأخرى، وهي شخصيّة "أبو مسعود الثّقفي جدّ المختار، وكان كفيف البصر، وكان رجلا نبيا تستقيم الأمور برأيه، وهو أوُّل فاتِق، وأوّل راتِق، وكان خِلاًّ لعبد المطلب" (ج 4، ص850). وهو الذي يقول القولة الشّهيرة: "إنّ لهذا البيت ربّا يمنعه منعة عظيمة ونحن له فلا ندري ما منعه..." (ص 851)
وأبو مسعود هذا هو الذي سيتكهّن بما سيأتي من البحر من الطّير الأبابيل، إذ يطلب من عبد المطلب: "أنظر نحو البحر ما ترى؟"، فيردّ عبد المطّلب: "أرى طيرا بيضا قد انساب من شاطئ البحر".. إلى آخر المشهد. (ص 851)
ثمّ بعد أن أهلك الله جيش أبرهة وفرّوا لا يلوون على شيء، نزل الاثنان من ذروة الجبل حتّى وصلا إلى ما بقي من مواقع جيش أبرهة، وهنا: "عمد عبد المطلب فأخذ فأسا من فؤوسهم فحفر حتّى عمق في الأرض وملأه من الذهب الأحمر والجوهر والجيد، وحفر أيضا لصاحبه فملأه من الذّهب والجوهر..." (ص 852)
خاتمة:
إنّ المتأمِّل في التفاسير الإسلاميّة التقليديّة لسورة الفيل يمكنه أن يلاحظ، حسب اعتقادنا، أمورا ثلاثة هامّة:
1) إجمالا، هناك توافق وترابط في الرّواية لدى عموم المفسّرين الشيء الذي يجعل القارئ يطمئنّ ويشعر بمصداقيّتها وأنّه ليس هناك من داعٍ يدعوه للطّعن فيها،
2) هناك بعض الجزئيّات، مثل إعطاء الخمر لفيل أبرهة أو فيلة القائد الإغريقين من شأنها أن تُحدِث لدى القارئ شيئا من البلبلة، ومن هنا يبدأ التّساؤل والغوص في الجزئيّات التي من شأنها أن تفضح ما تستّر خلف الرّوايات الرّسميّة.
3) بعض أراء المفسّرين الذين شكّكوا في الرواية بشكل عابر وفي سياقها التّاريخي تصبح فجأة منفذا للذّهاب أبعد لتقصّي الحقيقة التي تظلّ، بطبيعة الحال، حقيقة افتراضيّة. مثلا، الفخر الرّازي، في نهاية تفسيره للسّورة، (ج 32، ص 102)، يُبدي رأيا، في شكل سؤال وجواب على طريقته الخاصّة به في التفسير، يشكك في الرّواية: "قال بعضهم: إنّ الحَجّاج خرّب الكعبة، ولم يحدث شيء من ذلك، فدلّ على أنّ قصّة الفيل ما كانت على هذا الوجه، وإن كانت هكذا إلاّ أنّ السّبب لتلك الواقعة أمر آخر سوى تعظيم الكعبة". وكان جوابه في ذلك بطبيعة الحال خال من أيّ دليل يثبت عكس ما يطرحه تساؤله سوى التّبريرات الغيبيّة، فهو يقول: "والجواب أنّا بينّا أنّ ذلك وقع إرهاصا لأمر محمّد، والإرهاص إنّما يُحْتاج إليه قبل قدومه، أما بعد قدومه وتأكُّد نبوّته بالدّلائل القاطعة فلا حاجة إلى شيء من ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم....".

يبدو أنّ الرّازي ظلّ في حيرة إذ لم يكن مقتنعا اقتناعا تامّا بسياق سورة الفيل وأنّ الأحداث كانت متعلِّقة بأبرهة ومشروعه المتمثّل في هدم "البيت الحرام" في مكّة.
ومن هنا قد يصبح من المستحيل علينا بعد الآن، أن نقبَل بكلّ سهولة وعن طيب خاطر بقصّة أصحاب الفيل وملابساتها كما روتها لنا المصادر الإسلاميّة التقليديّة.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,321,074,783
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2)
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1)
- سورة الفاتحة: هل هي مدخَل شعائري لصلاة الجَماعة؟ (2)
- سورة الفاتحة: هل هي مدخَل شعائري لصلاة الجَماعة؟ (1)
- لماذا وكيف يصبح النّص مُقدَّسًا؟ (خاتمة)
- لماذا وكيف يصبح النّص مُقدَّسًا؟ (6)
- لماذا وكيف يصبح النّص مُقدَّسًا؟ (5)
- لماذا وكيف يصبح النّص مُقدَّسًا؟ (4)
- لماذا وكيف يصبح النّص مُقدَّسًا؟ (3)
- لماذا وكيف يصبح النّص مُقدَّسًا؟ (2) بعض الأفكار حول تاريخ ا ...
- لماذا وكيف يصبح النَّص مُقدَّسًا؟ (1)
- المُطَّلِب: إِلَهٌ في نَسَب مُحمَّد (3)
- المُطَّلِب: إِلَهٌ في نَسَب مُحمَّد! (2)
- المُطَّلِب: إِلَهٌ في نَسَب مُحمَّد! (1)
- سورة النّجم: قراءة سريانيّة-آراميّة جديدة (4)
- سورة النّجم: قراءة سريانيّة-آراميّة جديدة (3)
- سورة النّجم: قراءة سريانيّة-آراميّة جديدة (2)
- سورة النّجم: قراءة سريانيّة-آراميّة جديدة (1)
- لَيْلَةُ القَدْر هيَ... أم ليلة الميلاد؟ (7/7)
- لَيْلَةُ القَدْر هيَ... أم ليلة الميلاد؟ (6)


المزيد.....




- الصدر يصف السيسي بـ-المتسلط-.. ويهاجم الوهابيين والسلفيين ال ...
- بالصور... قداس -الجمعة العظيمة- في الفاتيكان يسلط الضوء على ...
- باحثون: كنيسة في سوريا شكلت مصدر إلهام لكاتدرائية نوتردام
- شاهد: محاكاة لصلب المسيح في احتفالات الجمعة العظيمة بالفلبين ...
- در الإفتاء غاضبة لإهانة “راسموس بالودان” للمصحف الشريف
- شاهد: محاكاة لصلب المسيح في احتفالات الجمعة العظيمة بالفلبين ...
- طردوه من المسجد وهشموا سيارته... مصلون يهاجمون مساعد البشير ...
- منفذو الهجمات المسلمون يوصمون بـ -الإرهاب- في الإعلام ثلاث م ...
- هل شكلت كنيسة قلب لوزة في شمال سوريا مصدر إلهام لكاتدرائية ن ...
- إضرام النار في أكبر معهد يهودي بموسكو


المزيد.....

- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ناصر بن رجب - سورة الفيل والتّفسير المستحيل!