أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - الارث- قصة قصيرة














المزيد.....

الارث- قصة قصيرة


داود السلمان
الحوار المتمدن-العدد: 6031 - 2018 / 10 / 22 - 16:26
المحور: الادب والفن
    


كان من عادة اهل المدينة الفقيرة (مدينة الفقر) المسماة على اسم اهلها الموغلين في خواء العوز والفقر، من عادتهم أن الفتاة اذا تزوجت يسقط ميراثها من ابويها، لأنهم يعتبرون أنه من المعيب جداً أن تطالب بذلك الارث، والفتاة التي تفعل ذلك يعدونها خارجة عن تلك القوانين، فتاة لعوب ناكرة للجميل الذي اسداه لها ابويها، وكذلك يعدونها انسانة تخالف عرف اهل (مدينة الفقر) التي عاشت وترعرعت فيها.
وعليه لم تتجرأ أية فتاة خرق تلك العادات والاعراف السارية المفعول في تلك المدينة، لكن عائلة محمود المنسي هي العائلة الوحيدة التي خرقت تلك القوانين، حتى اصبحت حديثاً على لسان صغير المدينة وكبيرها. "كيف تجرأت هذه العائلة على خرق هذا القانون، يا للعيب".
محمود المنسي كان رجلا طيب القلب، لطيفا، محبوب جدا وسط ناس المدينة، والكل تكن له التقدير والاحترام، لأنهم عهدوه من زمن طويل لا يتدخل في شؤون الآخرين ابدا، واذا ما مرض احدا من أهل المدينة تجده على رأس الوافدين الذين يزورون المريض ويطمأنون على صحته، واذا ما اقيمت حفلة زفاف لأحد ابناء المدينة تجد محمود المنسي اول المهنأين، ويكون حضوره فاعل وذو حراك وسط الناس يشار اليه بالبنان، فهو بحضوره كأن حفل الزفاف لأحد ابنائه وليس لفرد من افراد المدينة. هذا وغيره من الامور التي كانت يعرف بها محمود المنسي، علاوة على ذلك انه كان دمث الخلق معطاء، يحب جميع الناس على حد سواء، ولا يفرق بين كبير وصغير.
أما زوجته، فهي الاخرى تماز في نفس هذه الصفات الحميدة التي يتصف بها زوجها، حتى كانت مضرب الامثال لدى نسوة المدينة بذلك. فكانت بعض النسوة يحاولن تقليدها في بعض الصفات التي كانت تمتاز بها هذه المرأة الجنوبية، فمثلا كانت حينما تزرها احداهن في بيتها، فهي تحاول أن لا تقاطعها وهي تسرد بحديث، حتى وان كان ذلك الحديث تافه وليس له معنى، كانت تستمع اليها بإنصات الى أن تتم حديثها، وحينما تهم بالخروج لا تتركها تذهب الا وأن تعطيها حاجة من حاجات المنزل كهدية وامتنان لحسن الزيارة، فكانت النسوة يتسابقن في زيارتها كتسابق فرق كرة القدم حينما يتسابقون وراء الكرة ايهما يستطيع أن يصلها قبل الآخر حتى يركلها برجله لدخولها الى عارضة الخصم.
وفي ليل يوم من ايام ذلك الصيف اللاهب فزع اهالي المدينة على صوت صراخ منبعث من منزل محمود المنسي، فتبين أن زوجة محمود المنسي قد وافاها الاجل فلسمت روحها الى بارئها اثر ارتفاع ضغط الدم المفاجئ.
وظلت اهالي المدينة حزينة عليها ثلاثة ايام، يستذكرون مواقفها الاجتماعية والانسانية معهم، ويتأسفون على الروح الشفافة التي تمتلكها تلك الامرأة، "انها لخسارة كبيرة ستبقى الى الابد"، هكذا كانوا يعلقون.
وظل محمود المنسي يندب زوجته ويبكيها، لا يكاد أن يتحمل فراقها وبُعدها القاسي الذي ظل يضرب كضرب السياط على ظهر معاناته، فالمسكين قد اضناه فراقها واظلمت الدنيا في عينيه لأجلها، لأنها كانت هي الامل المشرق في طريقه، فضلا عن انها كانت تداريه مدارة الام لوليدها الصغير، فهو بعدها شعر بفراغ هائل، حتى بدأ يذوي رويداً رويداً، وراحت الآلام تتسابق على مساحة جسده الناحل، وتتكالب عليه الامراض المختلفة من كل حدب وصوب، حتى صار كالغصن الجاف والورقة اليابسة، حتى لحقها خلال اقل من عام، فأبكته المدينة بكاءً مراً.
محمود المنسي قد ترك لذريته الخمسة (ولداً واربعة بنات) ترك منزلا قديم البناء، لكن المساحة التي بني عليها المنزل تقدر ببضعة ملايين دينار. البنات الاربعة عقدن العزم واتفقن على اخذ ميراثهن من المنزل، حتى وأن كان ذلك يخل بقانون المدينة وقانون العرف السائد فيها، وأن يضربن كل ذلك عرض الحائط.
ولما سمع اخاهن بذلك اخذه العجب والغضب معاً، اذ لم يدر في خلده أن اخواته سيفعلن ذلك وهم جميعهم من أب واحد وأم واحدة. فراح يرعد ويزبد، ويوعد ويهدد، رافض اعطائهن من ارث ابيه فلساً واحداً، حتى لو يدفع حياته ثمنا لذلك. فبعث لهن وفود كثيرة من اهل المدينة للحؤول بينهن وبين فكرة اخذ الارث، وكثرت المراسلات بين الطرفين، وتعددت المباحث. لكن اصرارهن ظل ثابتاً ولم يخضعن الى أي تأثير، بل ازداد اصرارهن اكثر من ذي قبل، لكنه كان مصراً، هو الآخر، على رأيه.
وبعد عدة اشهر اشيع خبراً في وسط المدينة مفاده أن حسان محمود المنسي قد اختفى عن الوجود على حين غرة، ولم تعرف اسباب اختفائه، وظل اهل المدينة يشرّقون ويغربون في الكلام، وبات حديث الناس هو اختفاء حسان محمود المنسي ليس في حديثهم غير هذا حديث، وبعضهم ذهبت به الظنون الى أمور أخرى.
وبعد عدة أيام عثرت الشرطة على جثة رجل مجهول الهوية، مطعونة بعدة طعنات بسكينة، قيل ان الجثة تعود الى حسام محمود المنسي.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,054,916,371
- اسباب عزوف المعرّي عن الزواج
- محنة نصر حامد ابو زيد
- آدم وحواء- قصة قصيرة
- الطوطم معتقد خرافي لايزال ساري المفعول
- الرأي الاخير في قضية المرأة
- المتشائم- قصة قصيرة
- متظاهر- قصة قصيرة
- معاناة دفع رباعي- قصة قصيرة
- تأملات في حضرة الارق- قصة قصيرة
- طه حسين وشيوخ المنابر
- الرصافي و(كتاب الشخصية المحمدية)(9)
- أم القيمر وجعبة الاسئلة
- اغتصاب جثة!
- الرصافي و(كتاب الشخصية المحمدية)(8)
- تحقيق بجريمة لم تحدث!
- الرصافي و(كتاب الشخصية المحمدية)(7)
- الرصافي و(كتاب الشخصية المحمدية)(6)
- الرصافي و(كتاب الشخصية المحمدية)(5)
- الرصافي و(كتاب الشخصية المحمدية)(4)
- الرصافي و(كتاب الشخصية المحمدية)(3)


المزيد.....




- وفاة المسرحي اللبناني زياد أبو عبسي
- -القصة القديمة-.. مسلسل ينقل تل أبيب إلى عمّان ويثير سخط الأ ...
- أميرة أردنية تتعلم اللغة التركية في عمان
- العثور على قطعة فنية ثمينة عمرها 1600 عام بعد 4 عقود على سرق ...
- ما تبعات حرب اليمن على التراث الثقافي؟
- الفنان بانكسي المعروف والمجهول
- فنانة خليجية تضع مولودتها الاولى من زوجها الأمريكي واسمها غر ...
- معرض الكتاب الكويتي يلفظ مدونا إسرائيليا ويؤكد عروبة القدس
- مشروع القانون المالي على طاولة مجلس المستشارين
- شاهد... فنانة سعودية تنشر فيديو لها من داخل مستشفى الولادة


المزيد.....

- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - الارث- قصة قصيرة