أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فرانسيس فوكوياما - كيف ساهم -اليسار الجديد- بصعود -اليمين-؟















المزيد.....



كيف ساهم -اليسار الجديد- بصعود -اليمين-؟


فرانسيس فوكوياما
الحوار المتمدن-العدد: 6021 - 2018 / 10 / 12 - 00:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ضد سياسات الهوية.. كيف ساهم "اليسار الجديد" بصعود "اليمين"؟


مقدمة
مع اقتراب موعد الانتخابات الأميركية النصفية في السادس من تشرين الثاني المقبل، تقوم ورقة الدُّكتور فرانسيس فوكوياما، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ستانفورد ومؤلف كتاب نهاية التاريخ، باستشراف المشهد الأميركي وتقصّي أسباب توجه مزيد من الناخبين الأميركيين والأوروبيين، على حد سواء، للأحزاب اليمينية، وفي صورةٍ أكثر سخطًا، لدعم حركات اليمين البديل. تخلى اليسار عن الشرائح التي دافع عنها طويلًا، لم يعد معنيًا بحقوق العمّال أو العدالة الاقتصادية، واختار بديلًا عنها حقوق الفئات المهمشة من المثليين والأفارقة وغيرهم، ونجم عن هذا الاتجاه تحوُّل شرائح اجتماعية بأكملها، كانت لتمنح صوتها لليسار فيما مضى، لدعم الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، والأحزاب اليمينية في أوروبا الغربية، بالإضافة لاستشراء حركات وتيارات اليمين المتطرف في الجمهوريات الأوروبية التي انضمّت إلى مظلّة الغرب في التسعينيّات والارتداد عن الديمقراطية الليبرالية. لكن تأثيرات هذه الظاهرة امتدَّت إلى عمق الديمقراطية الليبرالية نفسها، لتنهشها من الدَّاخل؛ مؤذنةً بمستقبل مظلِم. هُنا، يتقصى فوكوياما جذور هذا النزوع وآثاره الحالية والمستقبلية على الغرب والعالم.



نص التقرير
منذ بضعة عقود، بدأ المشهد السياسي حول العالم يشهد تحولا دراماتيكيا. بين أوائل السبعينيات والعقد الأول من هذا القرن، ارتفع عدد الدول التي لديها أنظمة ديمقراطية انتخابية من نحو ٣٥ إلى أكثر من ١١٠ دولة. خلال الفترة نفسها، تضاعف الإنتاج العالمي للسلع والخدمات أربعة أضعاف، وتوسع النمو الاقتصادي ليشمل كل منطقة في العالم تقريبا. وانخفضت نسبة الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع، من ٤٢% من سكان العالم في عام ١٩٩٣ إلى ١٨% في عام ٢٠٠٨.



لكن لم يستفد الجميع من هذه التحوّلات. في العديد من البلدان وخاصة في الديمقراطيات المتقدمة، ازداد التفاوت الاقتصادي وانعدام المساواة في توزيع الثروة بشكل كبير، حيث تدفقت فوائد النمو في المقام الأول إلى الأثرياء وطبقات المتعلمين. لكن النمو في حجم البضائع والأموال والأشخاص الذين ينتقلون من مكان إلى آخر أحدث تغييرات عميقة، ففي البلدان النامية، وجد القرويون الذين لم تكن لديهم كهرباء في السابق أنفسهم فجأة يعيشون في المدن الكبرى، يشاهدون التلفاز، ويتصلون بالإنترنت عبر هواتفهم المحمولة. ظهرت طبقات وسطى جديدة ونما حجمها بشكل كبير في الصين والهند، ولكن العمل الذي اكتسبوه حل محل العمل الذي كانت تقوم به الطبقات المتوسطة القديمة في العالم المتقدم. انتقل مركز ثقل التصنيع بشكل تدريجي من الولايات المتحدة وأوروبا إلى شرق آسيا ومناطق أخرى تكاليف العمالة فيها هي عادة منخفضة. وفي الوقت نفسه، كانت النساء تحل محل الرجال في سوق العمل الذي أصبحت تهيمن عليه قطاعات الخدمات بشكل متزايد، كما وجد العديد من العمال ذوي المهارات المنخفضة أنفسهم وقد حلّت مكانهم الآلات الذكية.





بشكل قد يكون لا مفر منه، أدّت هذه التغييرات إلى تباطؤ التحول الذي كان جاريا نحو نظام عالمي يتسم بالانفتاح والليبرالية، والذي بدأ يتعثر ثم يتراجع إلى الخلف. أتت الضربة القاضية مع الأزمة المالية العالمية في عامي ٢٠٠٧ و٢٠٠٨، وأزمة اليورو التي بدأت في عام ٢٠٠٩. وفي كلتا الحالتين، أدّت السياسات التي وضعتها النخب إلى ظهور فترات من الركود الكبير، وارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض المداخيل لملايين من العاملين. وبما أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كانا النموذجين الرائدين للنظام الديمقراطي الليبرالي، فقد أضرّت هذه الأزمات بسمعة ذلك النظام ككل.



في الواقع، في السنوات الأخيرة، انخفض عدد الديمقراطيات، وتراجعت الديمقراطية في جميع مناطق العالم تقريبا. في الوقت نفسه، أصبحت العديد من الدول الاستبدادية، بقيادة الصين وروسيا، أكثر قوّة بكثير. وانزلقت بعض الدول التي كانت قد بدت لوهلة أنها قد تصبح ديمقراطيات ليبرالية ناجحة خلال تسعينيات القرن الماضي -بما في ذلك المجر وبولندا وتايلاند وتركيا- إلى الوراء باتجاه منحى أكثر استبدادية. وفيما نجحت الثورات العربية في الفترة ما بين عامي ٢٠١٠ و٢٠١١ في تقويض الأنظمة الديكتاتورية في جميع أنحاء الشرق الأوسط فإنها لم تسفر عن شيء يُذكر فيما يتعلق بالديمقراطية، بل تمسّكت الأنظمة الاستبدادية في أعقابها بالسلطة، مما أدى إلى نشوب عدد من الحروب الأهلية في العراق وليبيا وسوريا واليمن. لكن ما قد يكون أكثر إثارة للدهشة وربما أكثر أهمية هو نجاح التيارات القومية الشعوبية في الانتخابات التي أجريت عام ٢٠١٦ في اثنتين من أقوى الديمقراطيات الليبرالية في العالم: المملكة المتحدة، حيث صوّت الناخبون لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، حيث سجل دونالد ترامب مفاجأة انتخابية مذهلة عندما فاز بالسباق إلى البيت الأبيض.



بطريقة ما، ترتبط هذه التطورات بالتغيُّرات الاقتصادية والتكنولوجية التي جلبتها العولمة، لكن جذورها تمتد أيضا إلى ظاهرة مختلفة، وهي صعود سياسات الهوية. تاريخيا، كانت السياسة طوال القرن العشرين تهيمن عليها أساسا القضايا الاقتصادية. على اليسار، تركزت محاور السياسة على أوضاع العمال، والنقابات، وبرامج الرعاية الاجتماعية، وسياسات إعادة توزيع الثورة. وعلى اليمين، كان التركيز في المقام الأول على تقليص دور الحكومة وتعزيز القطاع الخاص. لكن السياسة اليوم هي أقل اهتماما بالقضايا الاقتصادية أو حتى الأيديولوجية مقارنة بمسائل الهوية. فاليوم، في العديد من الديمقراطيات، يركز اليسار بشكل أقل على خلق مساواة اقتصادية واسعة وبشكل أكبر على تعزيز مصالح مجموعة واسعة من الجماعات المهمشة، مثل الأقليات العرقية والمهاجرين واللاجئين والنساء والمثليين. في هذا الوقت، قام اليمين بإعادة تعريف مهمته الأساسية للتركيز على حماية الهوية الوطنية التقليدية، التي ترتبط في كثير من الأحيان صراحة بالعرق والدين.




لطالما تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن "مأساة" انهيار الاتحاد السوفيتي، ولطالما هاجم الولايات المتحدة وأوروبا بسبب استغلالهم المزعوم ضعف روسيا خلال التسعينيات

رويترز

لقد قوّضت هذه التطوّرات تقليدا طويلا يعود إلى زمن كارل ماركس على الأقل، عندما كان ينظر إلى الصراعات السياسية على أنها انعكاس للصراعات الاقتصادية. ولكن على الرغم من أهمية المصالح الذاتية المادية، فإن البشر مدفوعون بأشياء أخرى أيضا، أشياء قد تفسر ما يجري اليوم بشكل أفضل.



في جميع أنحاء العالم، قام القادة السياسيون بحشد أتباعهم بالزعم أن كرامتهم قد تعرضت للإهانة وأنه يجب عليهم استعادتها. وبالطبع، في الدول الاستبدادية، فمثل هذه المزاعم ليست جديدة على الإطلاق. فلطالما تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن "مأساة" انهيار الاتحاد السوفيتي، ولطالما هاجم الولايات المتحدة وأوروبا بسبب استغلالهم المزعوم ضعف روسيا خلال التسعينيات من أجل توسيع عضوية حلف الناتو. هذا فيما يلمح الرئيس الصيني شي جين بينغ كثيرا إلى "قرن الإذلال" لبلده، وهي فترة من الهيمنة الأجنبية على الصين تعود إلى عام ١٨٣٩.



الجديد هو أن الاستياء من "الإساءات" قد أصبح قوة محرّكة قوية في الدول الديمقراطية أيضا. مثلا، نشأت حركة "حياة السود مهمة" بعد سلسلة من مصرع العديد من الأميركيين السود على أيدي أفراد الشرطة في حوادث حظيت بتغطية إعلامية واسعة، فأجبرت بقية العالم على الاهتمام بقضية وحشية الشرطة خاصة ضد الأميركيين من أصل أفريقي. كمثال آخر، في حرم الجامعات وفي أمكنة العمل في طول الولايات المتحدة وعرضها، وصل غضب النساء إلى ذروته ضد ما يبدو أنه وباء من التحرش والاعتداء الجنسي ضدهن، خلصن بعدها إلى أن أقرانهن من الذكور لا يرونهن على قدم المساواة معهم. كما أصبحت حقوق الأشخاص المتحولين جنسيا، الذين لم يكونوا يعتبرون من قبل أهدافا للتمييز، من القضايا البارزة في المشهد العام. أضف إلى ذلك شعور الكثيرين من أولئك الذين صوتوا لصالح ترامب بالحنين إلى وقت كانت فيه مكانتهم ضمن مجتمعهم مُصانة أكثر، كما يعتقدون.





هكذا، أصبحت الجماعات تعتقد أن هوياتها -سواء كانت قومية أو دينية أو عرقية أو جنسية أو جندرية أو غير ذلك- لا تحظى بالاعتراف الكافي. لم تعد سياسات الهوية ظاهرة ثانوية تظهر فقط في حرم الجامعات أو توفر خلفية للمناوشات الهامشية في إطار "الحروب الثقافية" التي تروج لها وسائل الإعلام، بل أصبحت سياسات الهوية مفهوما رئيسيا يشرح الكثير مما يجري في الشؤون العامة.



نتيجة لذلك، تواجه الديمقراطيات الليبرالية الحديثة تحديا وجوديا. لقد جلبت العولمة معها تغيرا اقتصاديا واجتماعيا سريعا وجعلت هذه المجتمعات أكثر تنوعا بكثير، مما حث الجماعات التي كانت فيما مضى غير مرئية لعموم المجتمع على البدء بالمطالبة بالاعتراف. وقد أدّت هذه المطالب إلى رد فعل عنيف بين المجموعات الأخرى، التي تشعر بأنها تفقد مكانتها وامتيازاتها من جرائها. ما يحدث هو أن المجتمعات الديمقراطية تتشرذم اليوم إلى شرائح تتمحور حول هويات أضيق، مما يقوّض من أفق التعاون والعمل الجماعي من قبل المجتمع ككل. هذا الطريق سوف يؤدي فقط إلى انهيار الدولة، وفي النهاية، الفشل. ما لم تتمكن هذه الديمقراطيات الليبرالية من العودة إلى مفهوم كوني للكرامة الإنسانية، فإنها ستحكم على نفسها -وعلى العالم- بالعيش في صراع مستمر.



الجزء الثالث من الروح
يفترض معظم الاقتصاديين أن البشر مدفوعون بالرغبة بالأشياء والسلع المادية. هذا المفهوم للسلوك البشري له جذور عميقة في الفكر السياسي الغربي ويشكل أساس معظم العلوم الاجتماعية المعاصرة. مع ذلك، فإنه يُسْقِط عاملا كان الفلاسفة الكلاسيكيون قد أدركوا أن له أهمية حاسمة، أي عامل "الكرامة". اعتقد سقراط أن التوق إلى الكرامة يُشكّل "جزءا ثالثا" لا يتجزأ من النفس البشرية، جنبا إلى جنب مع "الجزء الراغب" و"الجزء المحتسب". في كتابه "الجمهورية"، وصف أفلاطون هذا الجزء بـ "الثيموس"، وهذا مفهوم يُترجم بشكل ناقص إلى كلمة "روح".







في السياسة، يتم التعبير عن الثيموس في شكلين. الأول هو ما أسميه "الثيموس المفرط" وهو الرغبة في أن يتم الاعتراف بتفوق المرء المزعوم. كانت المجتمعات ما قبل الديمقراطية قائمة على التسلسل الهرمي، وكان إيمانهم بالتفوق المتأصل لطبقة معينة من الناس -النبلاء، والأرستقراطيين، والأسر المالكة- أمرا أساسيا لاستمرار النظام الاجتماعي. المشكلة مع "الثيموس المفرط" هي أنه في مقابل كل شخص يُعترف به كشخص متفوق، هناك عدد كبير من الناس سوف يُنظر إليهم على أنهم أقل شأنا ولا يتلقون اعترافا بقيمتهم كبشر. ينشأ شعور قوي بالاستياء عندما لا يشعر الشخص بأنه يتم احترامه كما يستحق. هذا الشعور القوي الذي أسميه "الثيموس الناقص" يجعل الناس يريدون بقوة أن يُنظر إليهم على أنهم أشخاص ذوو قيمة مثلهم مثل أي شخص آخر.



إن صعود الديمقراطية الحديثة هو قصة انتصار "الثيموس الناقص" على "الثيموس المفرط"، فقد تم استبدال المجتمعات التي تعترف فقط بحقوق عدد قليل من أفراد النخبة، بأخرى تعترف بأن الجميع متساوون بطبيعتهم. خلال القرن العشرين، بدأت المجتمعات المنقسمة طبقيا بالاعتراف بحقوق الناس العاديين، فيما سعت الدول التي وقعت تحت نير الاستعمار إلى الانعتاق والاستقلال. كانت النضالات العظيمة في التاريخ السياسي للولايات المتحدة حول العبودية والفصل العنصري، وحقوق العمال، ومساواة المرأة، مدفوعة بمطالب بأن يوسع النظام السياسي دائرة الأفراد الذين يعترف بهم كبشر ذوي حقوق كاملة.



ولكن في الديمقراطيات الليبرالية، لا تؤدي المساواة بموجب القانون إلى مساواة اقتصادية أو اجتماعية تلقائيا. لا يزال التمييز قائما ضد مجموعة كبيرة من المجموعات، وتُنتج اقتصادات السوق مستوى مرتفعا من عدم المساواة في توزيع ثمارها. بل شهدت الولايات المتحدة والدول المتقدمة الأخرى، على الرغم من ثراء هذه الدول، زيادة هائلة في التفاوت في مستوى الدخل خلال الثلاثين عاما الماضية، إذ تعاني شرائح واسعة من سكان هذه الدول من الركود في نمو مداخيلهم، بل إن شرائح بأكملها من المجتمع قد تحرّكت هبوطا في مستواها.





قد تفسّر التهديدات المتصورة للوضع الاقتصادي للناس صعود النزعة القومية الشعبوية في الولايات المتحدة وأماكن أخرى من العالم. لقد تعثّر مستوى معيشة الطبقة العاملة الأميركية، التي تم تعريفها على أنها تتكوّن من أشخاص لديهم تعليم ثانوي أو أقل، في العقود الأخيرة، وهذا لا يترجم فقط من خلال الركود أو الانخفاض في المداخيل وخسائر الوظائف، بل أيضا من خلال الانهيار الاجتماعي. بالنسبة للأميركيين الأفارقة، بدأ هذا المسار الانحداري في عقد السبعينيات، بعد عقود من الهجرة الكبرى، عندما انتقل السود إلى مدن مثل شيكاغو وديترويت ونيويورك بحثا عن وظائف في قطاعات مثل صناعة تعليب اللحوم أو صناعة الصلب أو صناعة السيارات. مع انتكاس هذه القطاعات الصناعية، بدأ الرجال يفقدون وظائفهم، مما تبعه سلسلة من الأمراض الاجتماعية، بما في ذلك ارتفاع معدلات الجريمة، وآفة الإدمان على الكوكايين، وتدهور الحياة الأسرية، مما ساهم في توريث الفقر من جيل إلى جيل.



على مدى العقد الماضي، انتشرت عدوى مماثلة من الانحدار الاجتماعي بين الطبقة العاملة البيضاء، كما أدى تفشي آفة الإدمان على المواد الأفيونية إلى تجويف مجتمعات الطبقة العاملة الريفية البيضاء في جميع أنحاء الولايات المتحدة. في عام ٢٠١٦، أدى الاستخدام الكثيف للمسكنات الأفيونية إلى أكثر من ٦٠،٠٠٠ حالة وفاة من جراء تناول الجرعات الزائدة، أي ضعف عدد الوفيات الناجمة عن حوادث السير كل عام في البلاد. انخفض متوسط ​​العمر المتوقع للرجال البيض بين عامي ٢٠١٣ و٢٠١٤، وهو تطور غير متوقع في بلد متقدم كأميركا. وارتفعت نسبة الأطفال البيض من الطبقة العاملة الذين نشأوا في أسر ذات عائل وحيد من ٢٢% في عام ٢٠٠٠ إلى ٣٦% في عام ٢٠١٧.



لكن قد يكون أحد أهم الدوافع وراء القومية الجديدة التي وضعت ترامب في البيت الأبيض (وقادت المملكة المتحدة للتصويت لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي) هو تصور الطبقة العاملة أنها أصبحت "غير مرئية"، حيث صب المواطنون في الطبقة الوسطى المستاؤون من فقدان مكانتهم جام غضبهم على كل من النخب الأعلى منهم، لأنهم لا يأبهون بهم كما يعتقدون، وعلى الفقراء الذين هم أدنى منهم، إذ يشعر هؤلاء المواطنون الغاضبون بأنه يتم تفضيل الفقراء بشكل غير عادل على حسابهم هم! هنا، غالبا يتم تصور التدهور الاقتصادي على أنه فقدان للهوية أكثر من كونه خسارة للموارد، ففي نظر البعض، يجب أن يمنح العمل نوعا من الكرامة إلى العاملين. لكن العديد من الأميركيين البيض من الطبقة العاملة يشعرون بأن كرامتهم غير معترف بها، وأن الحكومة تعطي مزايا غير مستحقة للأشخاص الذين لا يرغبون في العمل وفق القواعد.


إن فهم هذا الرابط بين الدخل والمكانة يساعدنا في تفسير السبب في نجاح الدعوات القومية أو الدينية المحافظة بشكل أكثر فعالية من النداءات التقليدية القائمة على القضايا الطبقية. فالقوميُّون يقولون للمواطنين الساخطين بأنهم كانوا يوما جزءا من أمّة عظيمة قبل أن يأتي الأجانب والمهاجرون والنخب ويتآمروا لإفشالهم. يقولون لهم: "بلدكم لم يعد ملكا لكم" و"إنكم لا تنالون الاحترام حتى وأنتم في بلادكم". ويتبنى اليمين الديني سردية مماثلة فيقول: "أنت عضو في جماعة كبيرة من المؤمنين الذين تعرضوا للخيانة من قبل غير المؤمنين.. هذه الخيانة أدت إلى إفقاركم وهي خطيئة ضد الله".



إن انتشار مثل هذه السرديات هو السبب في أن الهجرة أصبحت قضية مثيرة للجدل في العديد من البلدان. فمثلها مثل نمو التجارة، تعزز الهجرة من إجمالي الناتج المحلي، لكنها لا تفيد جميع الفئات داخل المجتمع، وغالبا ما تعتبر الأغلبية العرقية أنها تشكل تهديدا لهويتها الثقافية، خاصة عندما يتدفق الناس عبر الحدود بأعداد كبيرة كما حصل في العقود الأخيرة.



ومع ذلك، فإن الغضب من الهجرة لا يمكن أن يفسر وحده جاذبية اليمين القومي في السنوات الأخيرة لدى الناخبين الذين اعتادوا دعم أحزاب اليسار، في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، بل يعكس الانجراف نحو اليمين أيضا فشل الأحزاب اليسارية المعاصرة في إقناع أولئك الذين تدهورت أوضاعهم نسبيا نتيجة العولمة والتغير التكنولوجي. في الحقب الماضية، كان التقدميون يجتذبون الناس من خلال التركيز على التجارب المشتركة من الاستغلال والاستياء من الرأسماليين الأغنياء، وهو ما تجسّد في شعار "يا عمال العالم، اتحدوا!". في الولايات المتحدة، دعم الناخبون من الطبقة العاملة بشكل كبير الحزب الديمقراطي بعد حقبة "الصفقة الجديدة" في الثلاثينيات، حتى زمن صعود رونالد ريغان في ثمانينيات القرن العشرين. هذا فيما صعد نجم الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية من خلال العمل النقابي والتضامن العمالي.



لكن خلال حقبة العولمة، غيّرت معظم الأحزاب اليسارية من إستراتيجيتها. وبدلا من السعي إلى التضامن بين مجموعات كبيرة مثل الطبقة العاملة أو أولئك المستغلين اقتصاديا، بدأوا بالتركيز على مجموعات أصغر وجدت نفسها مهمشة بطرق محددة وفريدة من نوعها. هكذا تم مسخ مبدأ الاعتراف العالمي والمتساوي بالحقوق إلى دعوات بالاعتراف المحدود والمخصّص. بمرور الوقت، انتقلت هذه الظاهرة من اليسار إلى اليمين.



انتصار الهوية




في الستينيات، ظهرت حركات اجتماعية جديدة قوية في الديمقراطيات الليبرالية المتطورة في العالم. طالب نشطاء الحقوق المدنية في الولايات المتحدة بأن تحقق البلاد وعد المساواة الذي جاء في إعلان الاستقلال ثم في دستور الولايات المتحدة الذي كُتب بعد الحرب الأهلية. وسرعان ما تبع ذلك الحركة النسوية، التي سعت بالمثل إلى معاملة متساوية للنساء، وهي قضية يحفزها التدفق الهائل للنساء إلى سوق العمل. بالتوازي مع ذلك حدثت ثورة اجتماعية من نوع آخر أدّت إلى تحطيم الأعراف التقليدية فيما يتعلق بالجنس والأسرة، ثم أتت الحركة البيئية ساعية إلى إعادة تشكيل النظرة العامة تجاه الطبيعة. ثم شهدت السنوات اللاحقة تحركات جديدة تركّز على حقوق المعاقين والأميركيين الأصليين والمهاجرين والمثليين من الرجال والنساء ثم الأشخاص المتحولين جنسيا أخيرا. ولكن حتى عندما تغيرت القوانين لتمنح المزيد من الفرص والحماية القانونية للمهمشين، استمرت المجموعات في التمايز عن بعضها البعض في سلوكها وأدائها وثروتها وتقاليدها وعاداتها، وبقي التحيز والتعصب شائعا بين الأفراد، واستمرّت الأقليات بالمعاناة من التمييز والإجحاف وعدم الاحترام وعدم الاعتراف.



هنا، فرض على كل مجموعة مهمشة الخيار التالي: إما أن تطالب المجتمع بمعاملة أعضائها بالطريقة نفسها التي يعامل بها أعضاء الجماعات المهيمنة، وإما أن تتمكن من التأكيد على هوية منفصلة لأعضائها وتطالب باحترامها على أساس أنهم مختلفون عن المجتمع المهيمن. بمرور الوقت، بدا أن الإستراتيجية الثانية كانت هي الجواب. مثلا، في البداية، طالبت حركة الحقوق المدنية المبكرة تحت قيادة مارتن لوثر كنغ المجتمع الأميركي بمعاملة السود بالطريقة نفسها التي يعامل بها البيض. لكن مع نهاية ستينيات القرن العشرين، ظهرت جماعات مثل "الفهود السود" و"أمة الإسلام"، التي كانت تقول بأن السود لديهم تقاليدهم ووعيهم الخاصّان بهم ومن وجهة نظرهم، كان على السود أن يفخروا بأنفسهم كما هم وأن لا يهتموا بما يريده المجتمع الأوسع لهم. حتى إنهم قالوا إن الوعي الداخلي الأصلي للأميركيين السود لم يكن مطابقا لوعي الأشخاص البيض، بل إنه قد تم تشكيله من خلال تجربة السود في الحياة في مجتمع معادٍ لهم يهيمن عليه البيض. هذه التجربة كانت غالبا مليئة بالعنف والعنصرية والاحتقار ضدهم، ولم يكن من الممكن للأشخاص الذين نشأوا في ظروف مختلفة أن يقدّروا معنى ذلك، دائما برأيهم.



تبنّت حركة "حياة السود مهمة" بعضا من هذه الأفكار. بدأت هذه الحركة بمطالب إحقاق العدالة لضحايا عنف الشرطة من الأفراد، ولكنها سرعان ما توسعت لتوعية الناس بطبيعة الحياة اليومية للأميركيين السود. وقد ربط كتّاب مثل تا ناهسي كوتس عنف الشرطة المعاصر ضد الأميركيين الأفارقة بتاريخ العبودية الطويل وسحل السود. في نظر كوتس وغيره، يشكل هذا التاريخ جزءا من سوء الفهم التاريخي الذي لا يمكن تجاوزه بين السود والبيض.





لقد حدث تطور مماثل داخل الحركة النسوية. إذ تركزت في البدء مطالب الحركة النسوية السائدة على الحصول على معاملة مساوية للرجال في العمل والتعليم والمحاكم وما إلى ذلك. لكن منذ البداية، اقترحت فئة مهمة من المفكرات النسويات أن الوعي والتجارب اليومية للمرأة هي مختلفة جوهريا عن تلك الخاصة بالرجال، وأن هدف الحركة لا ينبغي أن يكون مجرد تسهيل تحوّل تصرف المرأة وتفكيرها ليكون مثيلا لما هو لدى الرجال.



بعدها، سرعان ما أدركت حركات أخرى أهمية التجربة المعاشة في سرديات نضالهم. بدأت المجموعات المهمشة بالمطالبة ليس فقط بأن تعاملها القوانين والمؤسسات على أنها متساوية مع الجماعات المسيطرة، بل كذلك أن يقوم المجتمع الأوسع بالاعتراف وحتى الاحتفاء بالفوارق الجوهرية التي تميزها عنه. وأصبح مصطلح "تعدد الثقافات" -الذي كان يشير أصلا إلى التنوع في المجتمع- شعارا لبرنامج سياسي يعطي قيمة لكل ثقافة منفصلة وكل تجربة معاشة، في بعض الأحيان من خلال جذب الاهتمام نحو المجموعات التي كانت غير مرئية أو تم التقليل من شأنها في الماضي. في البداية، ركّز هذا المسعى على المجموعات الثقافية الكبيرة، مثل الكنديين الناطقين بالفرنسية، أو المهاجرين المسلمين، أو الأميركيين الأفارقة. ولكن سرعان ما تحوّل إلى رؤية ترى المجتمع على أنه مقسّم إلى العديد من المجموعات الصغيرة ذات التجارب المتميزة، وكذلك المجموعات التي يحددها تقاطع الأشكال المختلفة من التمييز، مثل النساء الملونات، اللاتي لا يمكن فهم تجارب حياتهن من خلال زاوية العرق أو الجنس كل على حدة.



بدأ اليسار في اعتناق التعددية الثقافية في بداية حقبة كان قد أصبح فيها من الصعب صياغة سياسات من شأنها إحداث تغيير اجتماعي اقتصادي واسع النطاق، إذ إنه بحلول الثمانينيات، كانت المجموعات التقدمية في جميع أنحاء العالم المتقدم تواجه أزمة وجودية. لنفهم ذلك نحتاج إلى بعض الخلفية التاريخية. أوّلا، في النصف الأول من القرن العشرين، كان اليسار الجذري يعرّف نفسه من خلال القيم الماركسية الثورية والمساواة الجذرية. أما اليسار الاشتراكي الديمقراطي، فكان لديه أجندة مختلفة: حيث قَبِلَ الديمقراطية الليبرالية ولكنه سعى لتوسيع دولة الرفاه لتشمل المزيد من الناس بالمزيد من الحماية الاجتماعية. المشترك بين الماركسيين والاشتراكيين الديمقراطيين هو أنهم كانوا يأملون في زيادة المساواة الاجتماعية الاقتصادية من خلال استخدام سلطة الدولة، لتوسيع نطاق الوصول إلى الخدمات الاجتماعية لجميع المواطنين وإعادة توزيع الثروة بينهم.






لكن مع اقتراب نهاية القرن العشرين، أصبحت الحدود القصوى لما يمكن لهذه الإستراتيجية تحقيقه واضحة. كان على الماركسيين مواجهة حقيقة أن الأنظمة الشيوعية في الصين والاتحاد السوفيتي قد تحولت إلى دكتاتوريات قمعية. في الوقت نفسه، أصبحت الطبقة العاملة في معظم الديمقراطيات الصناعية أكثر ثراء وبدأت في الاندماج مع الطبقة الوسطى. هكذا، سقط وعد الثورة الشيوعية وإلغاء الملكية الخاصة من على جدول أعمال الاشتراكيين. كما وصل اليسار الديمقراطي الاشتراكي إلى طريق مسدود عندما اصطدم هدفه المتمثل في دولة رفاهية دائمة التوسع مع واقع القيود المالية خلال فترة السبعينيات المضطربة. ردّت الحكومات عن طريق طباعة النقود، مما أدى إلى التضخم وسلسلة من الأزمات المالية. وانتهت برامج إعادة توزيع الثروة إلى إنتاج حوافز ضارة لا تشجع على العمل والادخار وريادة الأعمال، مما أدّى بدوره إلى تقلص حجم الاقتصاد الكلي. هذا بالتزامن مع بقاء انعدام المساواة راسخا بعمق، على الرغم من الجهود الطموحة لاستئصاله، مثل مبادرات المجتمع العظيم للرئيس الأميركي ليندون جونسون. ثم مع تحول الصين نحو اقتصاد السوق بعد عام ١٩٧٨ وانهيار الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١، انهار اليسار الماركسي إلى حد كبير، فيما أُجبر الديمقراطيون الاشتراكيون على التصالح مع الرأسمالية.



تقلصت طموحات اليسار في تحقيق الإصلاح الاجتماعي-الاقتصادي الواسع النطاق مع احتضانه سياسات الهوية والتعددية الثقافية في العقود الأخيرة من القرن العشرين. وفي حين أن تماهي اليسار مع شغفه بقضية المساواة -أي مع "الثيموس الناقص"- قد استمر، فإن جدول أعماله تحول من التركيز السابق على الطبقة العاملة إلى التركيز على مطالب دائرة متزايدة الاتساع من الأقليات المهمشة. بدأ العديد من الناشطين برؤية الطبقة العاملة القديمة ونقاباتها على أنها طبقة ذات امتيازات ليس لديها الكثير من التعاطف مع قضايا المهاجرين والأقليات العرقية، فسعوا إلى تعزيز حقوق المجموعات المهمشة بدلا من تحسين الظروف الاقتصادية للأفراد. وعبر قيامهم بذلك، ترك هؤلاء الناشطون الطبقة العاملة القديمة وراءهم.



من اليسار إلى اليمين
كان تبني اليسار لسياسات الهوية مفهوما وضروريا. فالتَّجارب المعاشة للمجموعات الهوياتية المميزة تختلف وغالبا ما تحتاج إلى المعالجة بطرق خاصة بتلك المجموعات. غالبا ما يفشل أولئك الواقعون خارج المجموعات المضطهدة في إدراك الضرر الذي تسببه أفعالهم، كما أدرك العديد من الرجال في أعقاب الكشف عن حركة #MeToo (أنا أيضا) بشأن التحرش الجنسي والاعتداء الجنسي. إذن تهدف سياسات الهوية إلى تغيير الثقافة والسلوك بطرق لها فوائد حقيقية بالنسبة لكثير من الناس.




وسّعت حركة #MeToo من مستوى الوعي الشعبي بالاعتداء الجنسي، وفتحت نقاشا مهما حول عدم ملاءمة القانون الجنائي الحالي للتعامل مع هذه القضية

رويترز

فمن خلال تسليط الضوء على التجارب المحدّدة لانعدام المساواة والظلم، أحدثت سياسات الهوية تغييرات إيجابية وملموسة في الأعراف الثقافية والسياسات العامة ساعدت الكثير من الناس. مثلا، جعلت حركة "حياة السود مهمة" مراكز الشرطة في جميع أنحاء الولايات المتحدة أكثر وعيا بالطريقة التي تعامل بها الأقليات، على الرغم من أن انتهاكات الشرطة لم تتوقف. هذا فيما وسّعت حركة #MeToo من مستوى الوعي الشعبي بالاعتداء الجنسي، وفتحت نقاشا مهما حول عدم ملاءمة القانون الجنائي الحالي للتعامل مع هذه القضية. وقد تكون أهم نتيجة لنشاط هذه الحركة ​​هو التغيير الذي حدث بالفعل في الطريقة التي يتفاعل بها الرجال والنساء مع بعضهم البعض في أماكن العمل.



لذا ليست هناك أي شائبة في مثل هذا النوع من سياسات الهوية، بل هي استجابة طبيعية ومحتَّمة للظلم. لكن اتجاه سياسات الهوية للتركيز على القضايا الثقافية حول الموارد والاهتمام بعيدا عن التفكير الجاد من جانب التقدميين حول كيفية عكس الاتجاه الذي ساد في الثلاثين عاما الماضية في معظم الديمقراطيات الليبرالية نحو مزيد من عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية. فالجدل حول القضايا الثقافية يظل أسهل من تغيير السياسات، كما أنه من الأسهل إدراج مؤلّفات الكاتبات النساء ومن الأقليات في المناهج الجامعية مثلا، من زيادة المداخيل وتوسيع الفرص المتاحة للنساء والأقليات خارج الأبراج العاجية للعالم الأكاديمي. في الحقيقة، إن العديد من القواعد الشعبية التي كانت محور الحملات الأخيرة المدفوعة بسياسات الهوية، مثل المديرات التنفيذيات الإناث في وادي السيليكون ونجمات هوليوود الإناث، هم في قمّة الهرم من حيث توزيع الدخل. أي إنه في حين أن مساعدتهم على تحقيق قدر أكبر من المساواة هو أمر جيد، فإنه لن يفعل شيئا يذكر لمعالجة التفاوتات الصارخة بين الواحد في المئة من أثرى الأثرياء وعامة الشعب.



إن سياسات الهوية اليسارية اليوم تحول الانتباه أيضا بعيدا عن مجموعات كبيرة أخرى مهمشة أو يتم تجاهل مشكلاتها الخطيرة. مثلا، حتى وقت قريب، لم يكن لدى الناشطين في اليسار أي شيء ليقولوه عن أزمة الإدمان على المسكنات الأفيونية المتعاظمة، أو مصير الأطفال الذين ينشأون في أسر فقيرة ذات عائل وحيد في المناطق الريفية في الولايات المتحدة. ولم يطرح الديمقراطيون أي إستراتيجيات طموحة للتعامل مع الخسائر الهائلة المحتملة في الوظائف التي تصاحب تقدم الأتمتة أو التفاوت في الدخل الذي تجلبه التكنولوجيا لكل الأميركيين.



علاوة على ذلك، تشكل سياسات الهوية اليسارية تهديدا لحرية التعبير والخطاب العقلاني اللازم للحفاظ على الديمقراطية. فالديمقراطيات الليبرالية تلتزم بحماية الحق في قول أي شيء في ميدان الأفكار، خاصة في المجال السياسي. لكن الانشغال بالهوية يتصادم مع الحاجة إلى خطاب مدني حرّ. إذ إن التركيز على التجربة المعاشة من قبل مجموعات الهوية يعطي الأولوية للوعي العاطفي الداخلي على حساب المعاينة العقلانية للقضايا في العالم الحقيقي خارج الوجدان، ويعطي الأولوية للآراء على حساب أي عملية تفكير نقدية تجبر المرء على التخلي عن الآراء السابقة. بعبارة أخرى، غالبا ما يُنظر إلى أي قول مسيء لشعور شخص ما بقيمته الذاتية على أنه سبب لإسكات الشخص الذي أصدره أو تعييبه.




ربما يكون أسوأ ما في سياسات الهوية كما تتم ممارستها اليوم من قبل اليسار هو أنها حفزت صعود سياسات الهوية لدى قوى اليمين

رويترز

كما أن الاعتماد على سياسات الهوية له نقاط ضعف كبيرة كإستراتيجية سياسية. فالخلل الوظيفي الحالي للنظام السياسي في الولايات المتحدة وانحطاطه هما نتيجة للاستقطاب الحاد والمتزايد، الأمر الذي جعل من سياسة حافة الهاوية شيئا روتينيا في طريقة حكم البلاد. يمكن وضع معظم اللوم هنا على اليمين. وكما قال كل من العالمين السياسيين توماس مان ونورمان أورنستين، فإن الحزب الجمهوري تحوّل إلى جناحه اليميني المتطرف أكثر مما فعل الحزب الديمقراطي في الاتجاه المعاكس، لكن كلا الطرفين ابتعدا عن الوسط. وبالفعل، فمن النادر أن يمثلَّ الناشطون اليساريون الذين يركزون على قضايا الهوية الناخبين ككل. وفي الحقيقة، فإن مخاوفهم غالبا ما تنفر الناخبين العاديين.



ولكن ربما يكون أسوأ ما في سياسات الهوية كما تتم ممارستها اليوم من قبل اليسار هو أنها حفزت صعود سياسات الهوية لدى قوى اليمين. ويرجع هذا إلى حد ما إلى احتضان اليسار الصوابية السياسية، وهو معيار اجتماعي يحظر على الناس التعبير علانية عن معتقداتهم أو آرائهم دون خوف من التعيير الأخلاقي. توجد في كل مجتمع وجهات نظر معينة تتعارض مع أفكاره التأسيسية الشرعية، وبالتالي فهي من المحظورات في الخطاب العام. لكن اليوم، من الصعب مواكبة الاكتشاف المستمر للهويات الجديدة والمعايير المتغيرة لما يعتبر خطابا مقبولا. وفي مجتمع حساس بشكل كبير لكرامة الجماعات، تظهر محظورات جديدة كل يوم، والطرق في الكلام أو التعبير عن الذات المقبولة اليوم قد تصبح مسيئة غدا. اليوم، على سبيل المثال، قد يتم تفسير مجرد استخدام عبارة "هو" أو "هي" في سياقات معينة على أنها علامة على عدم الحساسية للأشخاص ثنائيي الجنس أو الأشخاص المتحولين جنسيا. لكن مثل هذه الألفاظ لا تهدد أي مبادئ ديمقراطية أساسية، بل كل ما تفعله هو أنها تتحدى كرامة مجموعة معينة من الناس وقد تشير إلى نقص في الوعي أو التعاطف مع نضالات تلك المجموعة في أسوأ الأحوال.



في الواقع، هناك فقط عدد صغير نسبيا من الكتاب والفنانين والطلاب والمثقفين على اليسار يتبنون الأشكال الأكثر تطرفا للصوابية السياسية. مع ذلك، فإن هذه الحالات المحدودة يتم التقاطها من قبل وسائل الإعلام المحافظة التي تستخدمها للتشهير باليسار ككل. قد يفسر هذا أحد الجوانب الغريبة للانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأميركية عام ٢٠١٦، ألا وهي شعبية ترامب بين مجموعة أساسية من المؤيدين على الرغم من أن سلوكه لو حدث في أي حقبة أخرى كان سيُحكم عليه بالفشل. فخلال الحملة، سخر ترامب من الإعاقات الجسدية لدى أحد الصحفيين، ووصف المكسيكيين بالمغتصبين والمجرمين، وتسرب تسجيل له يتفاخر فيه بأنه كان يلامس النساء بطرق غير مقبولة. إن تلك التصريحات لم تكن تجاوزات ضد الصوابية السياسية بل تجاوزات ضد الحياء العام، والكثير من مؤيدي ترامب لم يوافقوا بالضرورة على هذه التعليقات أو غيرها من التعليقات الفاضحة التي أدلى بها ترامب. لكن في الوقت الذي يعتقد فيه العديد من الأميركيين أن الخطاب العام تتم مراقبته بشكل مفرط من قبل "شرطة الصوابية السياسية"، فإن مؤيدي ترامب يعجبهم أنه لا يمتثل للضغوط التي تطالبه بتجنب التفوه بالإساءات. وفي حقبة تهيمن عليها الصوابية السياسية، يمثل ترامب نوعا من الأصالة التي يعجب بها العديد من الأميركيين: قد يكون خبيثا ومتعصبا ولا يتصرّف كرئيس، لكنه على الأقل يقول تماما ما يفكر به!





ومع ذلك فإن صعود ترامب لم يعكس رفضا محافظا لسياسات الهوية، بل في الواقع إنه يعكس احتضان اليمين لسياسات الهوية. فالعديد من أفراد الطبقة العاملة البيضاء الذين يناصرون ترامب يشعرون بأنهم تعرضوا للتجاهل من قبل النخب، بينما يعتقد الناس الذين يعيشون في المناطق الريفية، وهم العمود الفقري للحركات الشعبوية ليس فقط في الولايات المتحدة ولكن أيضا في العديد من البلدان الأوروبية، في كثير من الأحيان أن قيمهم مهددة من قبل النخب الحضرية المتنوعة والكوزموبوليتانية. وعلى الرغم من أنهم أعضاء في مجموعة عرقية مهيمنة، فإن العديد من أعضاء الطبقة العاملة البيضاء يرون أنفسهم ضحايا مهمشين. لقد مهدت هذه المشاعر الطريق لظهور سياسات الهوية بالنسخة اليمينية التي تتخذ، في أقصى حالاتها، شكل القومية البيضاء العنصرية الوقحة والصريحة.



ساهم ترامب بشكل مباشر في هذه العملية. تحول ترامب من رجل أعمال فائق الثراء ونجم لبرامج تلفزيون الواقع إلى شخصية سياسية بارزة بعد أن أصبح أشهر مروج لنظرية المؤامرة العنصرية "بيرثير" (المترجم: التي ادّعت أن الرئيس باراك أوباما زور شهادة ميلاده الأميركية) التي تُلقي بالشكوك على أهلية باراك أوباما كرئيس. عندما كان مجرد مرشح رئاسي، تملص ترامب من الإجابة عندما سُئل عن دعم زعيم جماعة كلوكس كلان العنصرية دافيد ديوك له، كما زعم أن قاضيا اتحاديا أميركيا يشرف على دعوى قضائية ضد جامعة ترامب كان يعامله "بشكل غير عادل" بسبب أصول القاضي المكسيكية. بعد مسيرة للعنصريين البيض تخللتها أعمال عنف في شارلوتسفيل، فيرجينيا، في أغسطس/آب ٢٠١٧، حيث قام عنصري أبيض بقتل أحد المتظاهرين المناهضين للمسيرة، قال ترامب إنه كان هناك "أناس طيبون للغاية على كلا الجانبين"! وقد أمضى ترامب الكثير من وقته في التهجم على الرياضيين والمشاهير السود، كما قام باستغلال مشاعر الغضب بعد إزالة التماثيل التي تكرم قادة الكونفدرالية المؤيدة لعبودية السود من حقبة الحرب الأهلية.



بفضل ترامب، انتقلت القومية البيضاء من الهامش إلى الحيز السائد. يشتكي أنصار هذا المعسكر أنه على الرغم من أنه من المقبول سياسيا الحديث عن حقوق السود، أو حقوق المرأة، أو حقوق المثليين، فإنه من غير الممكن الدفاع عن حقوق الأميركيين البيض دون أن يوصم الإنسان بالعنصرية. قد يجادل ممارسو سياسات الهوية على اليسار بأن مزاعم اليمين حول الهوية غير شرعية ولا يمكن وضعها على المستوى الأخلاقي نفسه للمطالب الخاصة بالأقليات والنساء والمجموعات المهمشة الأخرى، لأنها تعكس وجهة نظر مجتمع مهيمن تاريخيا. هذا صحيح بالتأكيد. إذ يبالغ المحافظون إلى حد كبير في ادعاء أن لدى الأقليات الكثير من المزايا، تماما كما يبالغون حول أثر الصوابية السياسية على حرية التعبير. إن الواقع بالنسبة للعديد من المجموعات المهمشة يظل على حاله: لا يزال الأميركيون من أصل أفريقي يتعرضون لعنف الشرطة؛ ولا تزال النساء يتعرضن للاعتداء والمضايقة.



لكن ما هو لافت كيف اعتمد اليمين لغة اليسار وتأطيره للأفكار ولكن بإسقاطها على فكرة أن البيض هم الضحايا، وأن وضعهم ومعاناتهم غير مرئية لبقية المجتمع، وأن الهياكل الاجتماعية والسياسية المسؤولة عن ذلك -خاصة وسائل الإعلام والمؤسسة السياسية- لا بد من تحطيمها. باختصار، فإن سياسات الهوية هي العدسة التي يتم من خلالها رؤية معظم القضايا الاجتماعية اليوم، عبر مختلف أجزاء الطيف الأيديولوجي.



الحاجة إلى عقيدة

لا تستطيع المجتمعات الإنسانية الابتعاد عن الهوية أو سياسات الهوية. فالهوية هي "فكرة أخلاقية قوية"

رويترز

على المجتمعات حماية الفئات المهمشة والمستبعدة فيها، ولكن عليها أيضا أن تسعى إلى تحقيق أهداف مشتركة من خلال المشاورات والتوافق. إن التحول في جداول أعمال كل من اليسار واليمين نحو حماية هويات المجموعة الضيقة يهدد في نهاية المطاف تلك العملية. لا يتمثل الحل في التخلي عن فكرة الهوية، التي تعتبر عنصرا مركزيا في الطريقة التي يفكر بها الناس المعاصرون حول أنفسهم ومجتمعاتهم، بل يتمثل في تحديد هويات وطنية أكبر وأكثر شمولا تأخذ في الاعتبار التنوع الفعلي للمجتمعات الديمقراطية الليبرالية.



لا تستطيع المجتمعات الإنسانية الابتعاد عن الهوية أو سياسات الهوية. فالهوية هي "فكرة أخلاقية قوية"، بحسب الفيلسوف تشارلز تايلور، وهي مبنية على الخاصية الإنسانية العالمية للثيموس. تقول هذه الفكرة الأخلاقية للناس بأن لديهم ذوات داخلية أصيلة لا يتم الاعتراف بها، وتلمّح إلى أن المجتمع الخارجي قد يكون كاذبا وقمعيا. وهي تركّز الغريزة الطبيعية لدى الناس لطلب الاعتراف بكرامتهم وتوفر لغة للتعبير عن الاستياء الذي ينشأ عندهم عندما يكون هذا الاعتراف غير موجود.



لن يكون من الممكن أو الصائب أن تختفي المطالبات بهذه الكرامة. إذ تقوم الديمقراطية الليبرالية على حقوق الأفراد في التمتع بدرجة متساوية من القدرة على الاختيار واتخاذ القرار المستقل حول حياتهم السياسية الجماعية. لكن العديد من الناس غير راضيين عن الحصول على الاعتراف فقط بأنهم بشر متساوون. بمعنى ما، هذه ظاهرة تصاحب الحياة الحديثة، لأن الحداثة تعني التغيير المستمر وظهور خيارات لم تكن موجودة من قبل، وهذا أمر جيد إلى حد كبير، فعلى مدى أجيال، فر الملايين من المجتمعات التقليدية التي لم تقدم لهم خيارات، إلى المجتمعات التي أتاحت لهم ذلك. لكن الحرية ودرجة الاختيار الموجودة في مجتمع ليبرالي حديث يمكن أن تجعل الناس غير سعداء ومقطوعي الصلة بالناس الآخرين. قد يجدون أنفسهم يشعرون بالحنين إلى المجتمع والحياة التي لها بنية منظمة واللذين يعتقدون أنهما مفقودان، أو التي كان من المفترض أن يمتلكهما أسلافهم. هذه الهويات "الأصيلة" التي يبحثون عنها هي تلك التي تربطهم بأشخاص آخرين. إن الناس الذين يشعرون بهذه الطريقة يمكن إغراؤهم بسهولة من قبل القادة الذين يزعمون لهم إنهم تعرضوا للخيانة والإهانة من قبل هياكل السلطة القائمة، وأنهم أعضاء في مجتمعات مهمة سوف تستعاد عظمتها مرة أخرى.




أول مكان يمكن البدء فيه هو مواجهة الانتهاكات التي تؤدي إلى اضطهاد وتهميش جماعات بأكملها، مثل عنف الشرطة ضد الأقليات والتحرش الجنسي

رويترز

لكن طبيعة الهوية الحديثة هي دوام التغيير. قد يقنع بعض الأفراد أنفسهم بأنّ هويتهم قائمة على بيولوجيتهم وأنها تقع خارج سيطرتهم. لكنّ مواطني المجتمعات الحديثة لديهم هويات متعددة، تتشكل من خلال التفاعلات الاجتماعية، هويات محددة حسب العرق والجنس ومكان العمل والتعليم والاهتمامات وغيرها. وعلى الرغم من أن منطق سياسات الهوية ينحو باتجاه تقسيم المجتمعات إلى مجموعات صغيرة تركّز على ذاتها، فمن الممكن أيضا خلق هويات أوسع وأكثر شمولية. لا يتعين على المرء أن ينكر التجارب المعاشة للأفراد لكي يعترف بأنهم يستطيعون أيضا مشاركة بعض القيم والتطلعات مع دوائر أوسع من المواطنين. بعبارة أخرى، يمكن أن تصبح التجربة المكتسبة مجرد تجربة، شيء يربط الأفراد بأشخاص غير متشابهين، بدلا من تمييزهم عن بعضهم البعض. إذن، على الرغم من أنه لا توجد ديمقراطية محصنة ضد سياسات الهوية في العالم الحديث، فإن كل هذه الدول يمكنها أن تقود سياسات الهوية إلى أشكال أوسع من الاحترام المتبادل.



أول مكان يمكن البدء فيه هو مواجهة الانتهاكات التي تؤدي إلى اضطهاد وتهميش جماعات بأكملها، مثل عنف الشرطة ضد الأقليات والتحرش الجنسي. لا ينبغي أن يعني أي نقد لسياسات الهوية أن هذه الأشياء ليست مشاكل حقيقية وملحة تتطلب حلولا ملموسة. لكن على الولايات المتحدة والديمقراطيات الليبرالية الأخرى أن تذهب أبعد من ذلك. يجب أن تركز الحكومات ومجموعات المجتمع المدني على دمج المجموعات الأصغر في مجموعات أكبر. تحتاج الديمقراطيات إلى تعزيز ما يطلق عليه العلماء السياسيون "الهويات الوطنية العقائدية"، التي لا يتم بناؤها حول الخصائص الشخصية المشتركة، أو التجارب المعاشة، أو العلاقات التاريخية، أو المعتقدات الدينية، بل حول مروحة من القيم والمعتقدات الوطنية الأساسية، حيث إن الفكرة هي تشجيع المواطنين على التعرّف على المُثُل العليا لبلدانهم واستخدام السياسات العامة من أجل استيعاب الوافدين الجدد بشكل مدروس.



إن مكافحة التأثير الخبيث لسياسات الهوية سوف يكون أمرا صعبا في أوروبا بالتحديد. في العقود الأخيرة، دعم اليسار الأوروبي شكلا من أشكال التعددية الثقافية يقلل من أهمية دمج الوافدين الجدد في الهويات الوطنية العقائدية. أي إنه تحت راية مناهضة العنصرية، قللت الأحزاب الأوروبية اليسارية من أهمية العديد من البراهين التي تشير إلى أن التعددية الثقافية هي عقبة أمام الاندماج. أما اليمين الشعبوي الجديد في أوروبا، فهو من جانبه ينظر بالكثير من الحنين إلى الثقافات الوطنية البائدة التي كانت قائمة على العرق أو الدين وكانت قد ازدهرت في مجتمعات كانت خالية إلى حد كبير من المهاجرين.



يجب أن تبدأ المعركة ضد سياسات الهوية في أوروبا بتغييرات في قوانين الجنسية. إن مثل هذه الأجندة تتجاوز قدرة الاتحاد الأوروبي، الذي تدافع دوله الأعضاء الـ ٢٨ بحماس عن امتيازاتها الوطنية وتقف على أهبة الاستعداد للاعتراض على أي إصلاحات أو تغييرات مهمة في هذا المجال. لذلك أي إجراء يجب أن يحدث على مستوى البلدان نفسها. أي يجب على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي لديها قوانين جنسية تستند إلى قانون الدم -"حق الدم" الذي يمنح المواطنة وفقا لعرق الأهل- أن تعتمد قوانين جديدة مبنية على "قانون مسقط الرأس"، أو "حق التربة"، التي تمنح الجنسية لأي شخص يولد في أراضي البلاد، وذلك للحد من امتيازات بعض المجموعات العرقية على حساب الآخرين. لكن ينبغي للدول الأوروبية أيضا فرض شروط صارمة على تجنيس مواطنين جدد، وهو ما فعلته الولايات المتحدة لسنوات عديدة. في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى الحاجة إلى إثبات الإقامة المستمرة في البلاد لمدة خمس سنوات، يتوقع من المواطنين الجدد أن يكونوا قادرين على القراءة والكتابة والتحدث باللغة الإنجليزية، وأن يكون لديهم دراية بتاريخ الولايات المتحدة ونظام حكمها، وأن يتمتعوا بسلوك حسن (أي ليس لديهم سجل جنائي)، ثم إثبات قبولهم بمبادئ ومثل الدستور الأميركي عن طريق أداء قسم الولاء للولايات المتحدة. يجب على الدول الأوروبية أن تتوقع الشيء نفسه من مواطنيها الجدد.




قبل نحو ٢٠ عاما، اقترح أكاديمي ألماني من أصل سوري يُدعى بسام طيبي جعل ما يسمى بالألمانية "ليتكولتور" (Leitkultur) (أو الثقافة الرائدة) أساسا لهوية وطنيةة ألمانية جديدة. (مواقع التواصل)


بالإضافة إلى تغيير المتطلبات الرسمية للمواطنة، تحتاج الدول الأوروبية إلى الابتعاد عن مفاهيم الهوية الوطنية القائمة على العرق. قبل نحو ٢٠ عاما، اقترح أكاديمي ألماني من أصل سوري يُدعى بسام طيبي جعل ما يسمى بالألمانية "ليتكولتور" (Leitkultur) (أو الثقافة الرائدة) أساسا لهوية وطنية ألمانية جديدة. وعرّف مفهوم ليتكولتور على أنه إيمان بالمساواة والقيم الديمقراطية التي ترتكز بقوة على المثل الليبرالية لعصر التنوير. لكنّ الأكاديميين والسياسيين اليساريين هاجموا اقتراحه قائلين إن هذه القيم لا يجب أن تكون متفوقة على القيم الثقافية الأخرى. من خلال القيام بذلك، أعطى اليسار الألماني ذخيرة للإسلاميين والقوميين اليمينيين المتطرفين على حد سواء، الذين لا تعنيهم كثيرا مُثُل التنوير. لكن ألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية الكبرى بحاجة ماسة إلى شيء مثل الـ "ليتكولتور" بمعنى استحداث تغيير معياري يسمح مثلا للألمان من أصول تركية بالتحدث عن أنفسهم على أنهم ألمان، والسويديين من أصل أفريقي التحدث عن أنفسهم على أنهم سويديون، وهكذا. لقد بدأ هذا يحدث، ولكن ببطء شديد. لقد خلق الأوروبيون حضارة رائعة يجب أن يكونوا فخورين بها، لكنها حضارة يمكن أن تشمل الناس من الثقافات الأخرى مع الوعي بتميز كل منها.



بالمقارنة مع أوروبا، كانت الولايات المتحدة ترحب بالمهاجرين بشكل أكبر، ويرجع ذلك جزئيا إلى أنها كانت قد طورت هوية وطنية في وقت مبكر من تاريخها. كما أشار عالم السياسة سيمور مارتن ليبسيت، يمكن أن يُتهم مواطن أميركي بأنه "منافٍ للأميركية" (un-American) بطريقة لا يمكن وصف المواطن الدنماركي بأنه "منافٍ للدنماركية" مثلا… تعرّف هذه "الهوية الأميركية" (Americanism) على أنها مجموعة من المعتقدات وطريقة حياة، وليست هوية عرقية معينة.



اليوم، يجب إعادة إحياء الهوية الوطنية الأميركية العقائدية تلك، التي كانت قد ظهرت في أعقاب الحرب الأهلية، والدفاع عنها ضد الهجمات من اليسار واليمين. على اليمين، يريد القوميون البيض استبدال الهوية الوطنية الأميركية العقائدية بأخرى قائمة على العرق والدين. وعلى اليسار، يسعى أبطال سياسات الهوية إلى تقويض شرعية السردية الوطنية الأميركية، بالتركيز على سردية الاضطهاد بشكل يوحي بأن العنصرية والتمييز الجندري وأشكال أخرى من الاستبعاد المنهجي هي في الحمض النووي للأمة الأميركية. هذه العيوب كانت ولا تزال من سمات المجتمع الأميركي ويجب مواجهتها، لكن يجب على التقدميين أيضا أن يروا سردية مختلفة من تاريخ الولايات المتحدة، تظهر كيفية تغلب مجموعات متزايدة من الناس على العوائق التي كانت تحول دون الاعتراف بكرامتهم.



على الرغم من أن الولايات المتحدة قد استفادت من التنوع، فإنها لا تستطيع بناء هويتها الوطنية لتتمحور حول التنوع. يجب أن تتضمن أي هوية وطنية عقائدية فعالة أفكارا جوهرية، مثل الدستورية وسيادة القانون والمساواة بين البشر. إن معظم الأميركيين يحترمون هذه الأفكار، ولدى الولايات المتحدة تبرير قوي لحجب الجنسية عن أولئك الذين يرفضونها.



الرجوع إلى الأساسيات




بمجرد أن يحدد البلد هوية وطنية عقائدية مناسبة تكون مفتوحة للتنوع الفعلي في المجتمعات الحديثة، فإن طبيعة الخلافات حول الهجرة سوف تتغير حتما. في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، يعتري هذا النقاش الكثير من الاستقطاب اليوم. يسعى اليمين إلى وأد الهجرة كليا ويرغب في إعادة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، فيما يؤكد اليسار في الديمقراطيات الليبرالية على التزام غير محدود تقريبا بقبول جميع المهاجرين. إن كلا هذين الموقفين لا يمكن الدفاع عنه منطقيا. بدلا من ذلك، ينبغي للنقاش الحقيقي أن يكون حول إيجاد الإستراتيجيات الأفضل لاستيعاب المهاجرين في الهوية الوطنية العقائدية لكل بلد. يجلب المهاجرون الذين يندمجون جيدا التنوع الصحي معهم، فيما يشكّل المهاجرون الذين لا يندمجون جيدا عبئا على الدولة وفي بعض الحالات قد يشكّلون تهديدا أمنيا أيضا.



تتحدث الحكومات الأوروبية علانية عن الحاجة إلى اندماج أفضل، لكنها تفشل بما يتعلّق بالتطبيق. في الحقيقة، لقد وضعت العديد من الدول الأوروبية سياسات تعيق الاندماج بفعالية. مثلا، في ظل النظام الهولندي للعزل المجتمعي للطوائف السياسية (verzuiling)، يتم تعليم الأطفال في مدارس منفصلة تمولها الدولة، مثلا كاثوليكية للكاثوليك، ومسلمة للمسلمين، وعلمانية للعلمانيين. لكنّ تلقي التعليم بهذا الشكل دون الاحتكاك مع أشخاص من خارج ديانة المرء لا يعزز الاندماج السريع.



في فرنسا، الوضع مختلف بعض الشيء. فالمفهوم الفرنسي للمواطنة الجمهورية، مثل نظيره الأميركي، عقائدي ومبني حول المثل الثورية للحرية والمساواة والأخوة. يفصل قانون فرنسا لعام ١٩٠٥ حول العلمانية (laïcité) رسميا بين الدين والدولة، ويجعل من المستحيل للمدارس الدينية أن تحصل على التمويل من الدولة بخلاف ما يحدث في هولندا. لكن فرنسا لديها مشاكل كبيرة أخرى. أولا، بغض النظر عما يقوله القانون الفرنسي، فإن التمييز الواسع النطاق يعيق المهاجرين في البلاد. ثانيا، ظل أداء الاقتصاد الفرنسي ضعيفا لسنوات، حيث بلغت معدلات البطالة ضعف معدلات البطالة في ألمانيا المجاورة. بالنسبة للمهاجرين الشباب في فرنسا، فإن معدل البطالة يقترب من ٣٥%، مقارنة مع ٢٥% للشباب الفرنسي ككل. يجب على فرنسا أن تساعد في دمج المهاجرين من خلال تسهيل إيجادهم للوظائف، وذلك يمكن تحقيقه في المقام الأول عن طريق تحرير سوق العمل. وأخيرا، تتهم فكرة الهوية الوطنية الفرنسية والثقافة الفرنسية بكراهية الإسلام، وفي فرنسا المعاصرة، فإن مفهوم الاستيعاب والاندماج بحد ذاته ليس مقبولا سياسيا للكثيرين في اليسار. هذا مؤسف، لأنه يسمح للناشطين والمتطرفين في الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة بوضع أنفسهم كمدافعين حقيقيين عن النموذج الجمهوري المتمثل في المواطنة للجميع.




يمكن تعزيز الهوية الوطنية العقائدية الأميركية من خلال الخدمة الوطنية الإجبارية، التي سوف تؤكد على فكرة أن المواطنة الأميركية تتطلب الالتزام والتضحية

رويترز

في الولايات المتحدة، تبدأ أجندة الاندماج بالتعليم العام. لكن تعليم التربية المدنية الأساسية يتدهور منذ عقود، ليس فقط بين المهاجرين ولكن أيضا بين الأميركيين المولودين في الولايات المتحدة. كما يجب على المدارس العامة الابتعاد عن البرامج ثنائية اللغة والمتعددة اللغات التي أصبحت شائعة في العقود الأخيرة. (يقدم نظام المدارس العامة في مدينة نيويورك دروسا بأكثر من اثنتي عشرة لغة مختلفة). في حين أنه يتم تسويق هذه البرامج كوسائل لتسريع اكتساب اللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها، ولكن الأدلة التجريبية تقول إن النتائج مشكوك فيها وقد تؤخر عملية تعلم اللغة الإنجليزية.



كما يمكن تعزيز الهوية الوطنية العقائدية الأميركية من خلال الخدمة الوطنية الإجبارية، التي سوف تؤكد على فكرة أن المواطنة الأميركية تتطلب الالتزام والتضحية. يمكن للمواطن أداء مثل هذه الخدمة إما في الجيش وإما من خلال العمل في أدوار مدنية، مثل التدريس في المدارس أو العمل في مشاريع للحفاظ على البيئة ممولة من القطاع العام مشابهة لتلك التي أنشأتها سياسات "الصفقة الجديدة" لروزفلت. إذا تم تنظيم هذه الخدمة الوطنية بشكل صحيح، فإنها ستجبر الشباب على العمل مع بوتقة من الأشخاص الآخرين من الطبقات الاجتماعية، والأقاليم، والأعراق المختلفة، تماما كما تفعل الخدمة العسكرية. ومثل جميع أشكال التضحية المشتركة، فإنها ستدمج الوافدين الجدد في الثقافة الوطنية أيضا. ستكون الخدمة الوطنية بمنزلة شكل معاصر من أشكال الأيديولوجية الجمهورية الكلاسيكية، وشكل من أشكال الديمقراطية الذي يشجع الفضيلة والحماسة العامة بدلا من مجرد ترك المواطنين وحدهم لمواصلة حياتهم الخاصة.



أمة الاندماج
في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، يجب معالجة مسألة مستويات الهجرة في إطار أي سياسة عامة تركز على الاندماج. إذ إن الاندماج في الثقافة السائدة يصبح أصعب بكثير عندما ترتفع أعداد المهاجرين نسبة إلى السكان الأصليين، وعندما يصل حجم المجتمعات المهاجرة إلى مستوى معين، فإنها سوف تميل إلى الاكتفاء الذاتي ولن تعود بحاجة إلى إقامة الصلات مع المجموعات الأخرى. كما يمكن للمهاجرين أن يشلّوا الخدمات العامة والمدارس والمؤسسات العامة الأخرى التي ترعاهم إذا ما كان عددهم يفوق قدرتها على الاستيعاب. من المرجح أن يكون للمهاجرين تأثير إيجابي إجمالي على المالية العامة على المدى الطويل، ولكن هذا يصح فقط إذا ما حصلوا على وظائف وأصبحوا مواطنين يدفعون الضرائب أو سكانا قانونيين. كما يمكن لأعداد كبيرة من الوافدين الجدد أن يضعفوا التأييد للتقديمات الاجتماعية السخية بين المواطنين المولودين في الولايات المتحدة، وهذا عنصر مهم في الجدل حول الهجرة في الغرب.





تستفيد الديمقراطيات الليبرالية بشكل كبير من الهجرة، اقتصاديا وثقافيا. لكن من حقها دون شك السيطرة على حدودها. كل الناس لديهم حق أساسي في المواطنة، لكنّ هذا لا يعني أن لهم الحق في الحصول على جنسية أي بلد آخر يريدون خارج البلد الذي ولدوا فيه هم أو أهلوهم. وعلاوة على ذلك، لا يحظر القانون الدولي على الدول السيطرة على حدودها أو وضع معاييرها الخاصة بالمواطنة.



يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يكون قادرا على التحكم في حدوده الخارجية بشكل أفضل، وهو ما يعني عمليا إعطاء دول مثل اليونان وإيطاليا مزيدا من التمويل وسلطة قانونية أقوى لتنظيم تدفق المهاجرين. إن وكالة الاتحاد الأوروبي المسؤولة عن القيام بذلك، فرونتكس، تعاني من نقص حاد في عدد الموظفين وتفتقر إلى التمويل، وتفتقر إلى الدعم السياسي القوي من الدول الأعضاء. إن نظام الحركة الداخلية الحرة داخل الاتحاد الأوروبي لن يكون مستداما من الناحية السياسية ما لم يتم حل مشكلة الحدود الخارجية لأوروبا.



في الولايات المتحدة، المشكلة الرئيسية هي التنفيذ غير المتناسق لقوانين الهجرة. فهي غير فعالة في منع ملايين الأشخاص من الدخول إلى البلاد والبقاء فيها بصورة غير قانونية، وسياسة الترحيل ليست سياسة مستدامة على المدى الطويل. مع ذلك، فإن تعهد ترامب "ببناء جدار" على الحدود المكسيكية ليس سوى موقف طنان لإرضاء المناهضين للهجرة من السكان المولودين في أميركا، لأن نسبة كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين يدخلون إلى الولايات المتحدة بشكل قانوني ويبقون في البلاد بعد انتهاء صلاحية تأشيراتهم. إن ما نحتاج إليه هو نظام أفضل من العقوبات ضد الشركات والأشخاص الذين يوظفون مهاجرين غير شرعيين، الأمر الذي يتطلب وجود نظام وطني لتحديد الهوية يمكن أن يساعد أرباب العمل على معرفة من الذي يستطيع العمل بشكل قانوني لديهم. لم يتم إنشاء مثل هذا النظام لأن الكثير من أصحاب العمل يستفيدون من العمالة الرخيصة التي يوفرها المهاجرون غير الشرعيين. علاوة على ذلك، يعارض الكثيرون من اليسار واليمين نظام تحديد الهوية الوطني بسبب شكوك تتعلق بتوسيع الرقابة الحكومية.



ونتيجة لكل ذلك، يسكن في الولايات المتحدة الآن ما يقرب من ١١ مليون مهاجر غير شرعي. في الحقيقة، إن الغالبية العظمى منهم عاشوا في البلاد لسنوات ويقومون بعمل منتج، ويربون أسرهم، وغير ذلك مما يمكن أن يعد تصرفا لائقا لمواطنين يحترمون القانون، في حين أن عددا صغيرا منهم يرتكبون أعمالا إجرامية، تماما كما يرتكب عدد صغير من الأميركيين المولودين في الولايات المتحدة أعمالا إجرامية. إن الزعم بأن جميع المهاجرين غير الشرعيين هم مجرمون لأنهم انتهكوا القانون الأميركي بمجرد دخولهم أو بمجرد بقائهم في البلاد سرّا هو زعم سخيف، تماما كما أنه أمر مثير للسخرية أن يعتقد أي إنسان أن الولايات المتحدة يمكن أن تجبرهم جميعا على مغادرة البلاد والعودة إلى بلدانهم الأصلية.




إن أنصار حقوق الأميركيين أولا (nativists) هم مدفوعون بالعنصرية والتعصب الأعمى ولا يمكن فعل الكثير لتغيير آرائهم

رويترز

إن الخطوط العريضة لأي صفقة أساسية حول إصلاح نظام الهجرة موجودة منذ وقت طويل. أولا، تقوم الحكومة الفدرالية باتخاذ تدابير إنفاذ جدية للسيطرة على حدود البلد، كما أنها تختلق طريقا للحصول على الجنسية للمهاجرين غير الشرعيين الذين ليس لديهم سجلات جنائية بموجب هذه الصفقة. قد تحصل مثل هذه الصفقة على دعم أغلبية الناخبين الأميركيين، لكنّ معارضي الهجرة المتشددين يعارضون بشكل قاطع أي شكل من أشكال "العفو"، فيما تعارض المجموعات المؤيدة للمهاجرين التطبيق الأكثر صرامة للقانون.



قد تساعد السياسات العامة التي تركز على الاندماج الناجح للأجانب على كسر الحائط المسدود هذا في إيقاف الزخم وراء المدّ الشعبوي الحالي في كل من الولايات المتحدة وأوروبا. في الحقيقة، إن المجموعات التي تعارض الهجرة بقوة تتكون من تحالفات من الأشخاص الذين لديهم هواجس مختلفة. مثلا، فإن أنصار حقوق الأميركيين أولا (nativists) هم مدفوعون بالعنصرية والتعصب الأعمى ولا يمكن فعل الكثير لتغيير آرائهم. لكن غيرهم قد يكون لديهم مخاوف معقولة أكثر حول سرعة التغيير الاجتماعي المدفوع بالهجرة الجماعية وحول قدرة المؤسسات الموجودة على استيعاب هذا التغيير. بالنسبة لهؤلاء، فإن أي سياسة تركّز على الاستيعاب قد تخفف من مخاوفهم وتبعدهم عن المتعصبين.



تزدهر سياسات الهوية كلما كان الفقراء والمهمشون غير مرئيين من قبل مواطنيهم الآخرين. ويبدأ الاستياء حول المكانة المفقودة عادة بسبب ضائقة اقتصادية حقيقية، وقد تكون إحدى الطرق لتهدئة هذا الاستياء هي معالجة المخاوف بشأن الوظائف والمداخيل والوضع الأمني. في الولايات المتحدة، توقف الكثير في معسكر اليسار عن التفكير منذ عدة عقود حول السياسات الاجتماعية الطموحة التي قد تساعد في علاج الظروف القاسية للفقراء. كان من الأسهل لليسار التحدث عن الاحترام والكرامة بدلا من التوصل إلى خطط مكلفة من شأنها أن تقلل بشكل ملموس من عدم المساواة. كان الاستثناء الرئيسي لهذا الاتجاه هو أوباما، الذي شكّل "قانون الرعاية الصحية غير المكلفة" الذي دفع به علامة فارقة في تاريخ سياسات التقديمات الاجتماعية للولايات المتحدة. حاول معارضو قانون الرعاية الصحية جعله قضية هوية، زاعمين أن هذه السياسة صممها رئيس أسود لمساعدة ناخبيه السود! إلا أن قانون الرعاية الصحية كان في الواقع سياسة وطنية تهدف إلى مساعدة الأميركيين الأقل ثراء بغض النظر عن عرقهم أو هويتهم وشمل عديد المستفيدين من هذا القانون، شمل البيض من سكان الريف في الجنوب، لكن على الرغم من ذلك، تم إقناعهم بالتصويت لصالح السياسيين الجمهوريين الذين تعهدوا بإلغاء قانون الرعاية الصحية نفسه!



لقد جعلت سياسات الهوية تمرير مثل هذه السياسات الطموحة مسألة أكثر صعوبة. على الرغم من أن المعارك حول السياسات الاقتصادية كانت تؤدي إلى انقسامات حادة في بداية القرن العشرين، فإن العديد من الدول الديمقراطية اكتشفت أن أولئك الذين لديهم رؤى اقتصادية متعارضة مستعدون في الكثير من الأحيان لتقديم التنازلات والتوافق على الحلول الوسط. على النقيض من ذلك، يصعب التوفيق بين قضايا الهوية: إما أنك تعترف بي وإما أنك لا تعترف بي. حتى عندما يكون الاستياء حول الكرامة المفقودة أو عدم الاعتراف له جذور اقتصادية، فإن النزاعات حول الهوية كثيرا ما تشتت الانتباه عن الأفكار السياسية التي يمكنها أن تساعد في حل هذه المشكلة، ونتيجة لذلك، أصبح من الصعب إنشاء ائتلافات واسعة للنضال من أجل إعادة توزيع الثروة، حيث يميل أعضاء الطبقة العاملة الذين ينتمون أيضا إلى مجموعات الهوية الأعلى (مثل البيض في الولايات المتحدة) إلى مقاومة الانخراط في القضايا المشتركة مع من هم دونهم، والعكس بالعكس.





هنا، يواجه الحزب الديمقراطي على وجه الخصوص مفترق طرق مصيريا. إما أن يستمر في محاولة الفوز في الانتخابات من خلال تعبئة مجموعات الهوية التي تشكل للحزب أكبر مصدر للنشطاء الملتزمين، مثل الأميركيين من أصل أفريقي ولاتيني، والنساء العاملات، ومجتمع المثليين، وما إلى ذلك، وإما أن يقوم الحزب باستعادة بعض ناخبي الطبقة العاملة البيض الذين كانوا يشكّلون جزءا حاسما من التحالفات الديمقراطية في الفترة ما بين "الصفقة الجديدة" (المترجم: أي بعد الكساد العظيم في الثلاثينيات) وحقبة "المجتمع العظيم" (الستينيات) قبل أن ينقلبوا إلى تأييد الحزب الجمهوري في الانتخابات الأخيرة. قد تسمح الإستراتيجية الأولى بالفوز بالانتخابات، لكنها تشكّل صيغة ضعيفة لحكم البلاد. أصبح الحزب الجمهوري حزب السكان البيض، وأصبح الحزب الديمقراطي حزب الأقليات. إذا استمرت هذه العملية لفترة طويلة، فستصبح الهوية لا الأيديولوجية الاقتصادية هي محور الانقسام المركزي للسياسة في الولايات المتحدة، وهذا سوف يكون له عواقب وخيمة للديمقراطية الأميركية.



نحو مستقبل موحد
غالبا ما يتم التعبير عن المخاوف حول المستقبل بشكل أفضل من خلال الخيال السردي، خاصة الخيال العلمي الذي يحاول تخيل عوالم مستقبلية تعتمد على أنواع جديدة من التكنولوجيا. في النصف الأول من القرن العشرين، تركزت العديد من تلك المخاوف المستقبلية على الاستبداد البيروقراطي الكبير والمركزي الذي يقضي على الفردانية والخصوصية، مثلا في كتاب جورج أورويل "١٩٨٤"، لكن طبيعة العوالم المستقبلية المخيفة المتخيلة بدأت تتغير في العقود الأخيرة. وقد ركّز نسق معين من كتب الخيال العلمي يعرف بـ "السايبر بانك" (cyberpunk) على المخاوف التي تثيرها سياسات الهوية، حيث إن مؤلفي هذا النسق مثل وليام جيبسون، ونيل ستيفنسون، وبروس ستيرلينج، لم يخافوا من مستقبل تسيطر عليه الديكتاتوريات المركزية، بل من مستقبل من التشرذم الاجتماعي الفالت من عقاله بتسهيل من الإنترنت.



في عام ١٩٩٢، كتب ستيفنسون رواية "تحطّم في الثلج" (Snow Crash)، التي افترضت وجود عالم افتراضي واسع حيث يمكن للأفراد خلق شخصيات افتراضية وتغيير هوياتهم كيفما أرادوا. في هذه الرواية، تنقسم الولايات المتحدة في المستقبل إلى أحياء موزعة بحسب الهوية، مثل "جنوب أفريقيا الجديدة" للعنصريين، و"هونغ كونغ الكبرى" للمهاجرين الصينيين. يجب الحصول على تأشيرة للسفر من حي إلى آخر. تمت خصخصة وكالة المخابرات المركزية، وأصبحت حاملة الطائرات يو إس إس إنتربرايز مخيّما عائما للاجئين. تقلصت سلطة الحكومة الفيدرالية لتشمل فقط الأرض التي تقع عليها المباني الفيدرالية!




رواية "تحطّم في الثلج" (مواقع التواصل)


إن عالمنا اليوم يتحرك في اتجاهين متناقضين في الوقت عينه، في اتجاه العالم المخيف للديكتاتورية المفرطة في المركزية، والعالم المخيف المتشرذم إلى ما لا نهاية. فالصين، على سبيل المثال، تقوم ببناء ديكتاتورية ضخمة تجمع فيها الحكومة بيانات شخصية مفصّلة للغاية حول التعاملات اليومية لكل مواطن. من ناحية أخرى، تشهد أجزاء أخرى من العالم انهيار المؤسسات المركزية، وظهور الدول الفاشلة، وزيادة الاستقطاب، ونقصا متزايدا في التوافق حول الأهداف المشتركة. سهلت وسائل الإعلام الاجتماعي والإنترنت ظهور مجتمعات قائمة بذاتها غير محصورة بحواجز مادية ولكن محصورة بالهويات المشتركة.



الشيء الجيد في الخيال العلمي المخيف هو أنه تقريبا لا يتحقق أبدا. لكن تخيل مستقبل الاتجاهات الحالية بشكل مبالغ فيه يشكّل تحذيرا مفيدا للمجتمع. مثلا أصبح كتاب "١٩٨٤" تجسيدا قويا لمستقبل شمولي يجب على الناس تجنب حصوله، بل إن الكتاب ساعد على تحصين المجتمعات ضد السلطوية. وبالمثل، يمكن للناس اليوم أن يتخيلوا أن تصبح بلدانهم أماكن أفضل تدعم المزيد من التنوع ومع ذلك تتبنى رؤية ثابتة للاستفادة من التنوع بشكل يخدم أهدافا مشتركة ويدعم الديمقراطية الليبرالية بدلا من تقويضها.



لن يتوقف الناس عن التفكير في أنفسهم ومجتمعاتهم باستعمال مقياس الهوية. لكن هويات الأشخاص ليست ثابتة وليست أمرا وراثيا. يمكن استخدام الهوية للتقسيم، ولكن يمكن استخدامها أيضا للتوحيد. في النهاية المطاف، هذا هو العلاج الأساسي للسياسات الشعبوية المهيمنة في الوقت الحاضر.

_________________________________________

ترجمة: كريم طرابلسي

هذا التقرير مترجم عن: Foreign Affairs





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,096,949,135
- هـل فـكـرة "الغـرب" الى انـهـيـار ؟
- دفاعا عن الطبيعة البشرية.. وغير البشرية!


المزيد.....




- روسيا تدعو أمريكا إلى -الإفراج السريع- عن بوتينا
- بعد اختبائه شهرين.. الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل الفلسطيني نعا ...
- حياة قاصرين مغاربة وأفارقة في برشلونة.. بين الملاجئ والتيه ف ...
- بريطانيو إسبانيا: عواقب "بريكسِت" مجهولة ونعيش في ...
- حياة قاصرين مغاربة وأفارقة في برشلونة.. بين الملاجئ والتيه ف ...
- بريطانيو إسبانيا: عواقب "بريكسِت" مجهولة ونعيش في ...
- عبد الحق نوري.. فاجعة أنهت موهبة مغربية واعدة
- عادات يومية بسيطة تمنحك حياة أكثر سعادة
- هيرست: تونس أمام خطر انقلاب مدعوم خليجيا
- البناء يرفض طلبا امريكيا بسحب ترشيح الفياض لوزارة الداخلية


المزيد.....

- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته
- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد
- نشوء الأمم / انطون سعادة
- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم
- النظرية الثورية عند كارل ماركس / عبد السلام أديب
- اللامركزية المالية / أحمد إبريهي علي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فرانسيس فوكوياما - كيف ساهم -اليسار الجديد- بصعود -اليمين-؟