أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - الواقع والفانتازيا في رواية -أوبرا القناديل- مشهور البطران















المزيد.....



الواقع والفانتازيا في رواية -أوبرا القناديل- مشهور البطران


رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 6020 - 2018 / 10 / 11 - 23:36
المحور: الادب والفن
    


الواقع والفانتازيا في رواية
"أوبرا القناديل"
مشهور البطران
ثمة أعمال روائية عديدة تناولت الواقع الرسمي والشعبي في المنطقة العربية، كما هو الحال في رواية "متاهات الأعراب في ناطحات السراب" "لمؤنس الرزاز"، وخماسية "مدن الملح" "لعبد الرحمن منيف". تناول الواقع الرسمي العربي يُحدث غصة وكآبة في نفس المتلقي، لأن القارئ يتأثر بما يقرأ، لهذا على من يريد أن يتناول هذا الواقع، خلق مهدئات تقلل من حدة السوداوية، سواء من خلال استخدام لغة وصور أدبية، أو من خلال تجاوز الواقع وأحداث فجوة فيه من خلال الرمز، أو من خلال نسف البنية الواقعية وخلق حالة من الفانتازيا تجعل القارئ يحلق في عالم من الخيال بعيدا عن الواقع، أو من خلال المزج بين الرمز والواقع، أو بين الواقع والفانتازيا، أو من خلال تناول الأحداث بأساليب متعددة، كل هذا العناصر استخدمها الراوي لإبعاد شبح السوداوية عن القارئ، بحيث يتوقف القارئ عند الشكل المستخدم متأملا فيه، فشكل تقديم العمل الأدبي عنصر يخفف من وطأة الأحداث.
في هذا الرواية نجد كل ما سبق، فهناك تداخل بين الواقع والرمز، وبين الواقع والفانتازيا، وهناك فانتازيا، وهناك رمز، وهناك واقع، بحيث يستمتع القارئ بهذا التنوع والتعدد في الأشكال المستخدمة، فالرواية تجعل القارئ يتوقف عند أحداثها، بحيث تكون مختلطة ومتعددة المداخل، وسنجد لغة شعرية شعبية محكية تقلل من حجم السواد المطروح، وهناك بعض الأمثال الشعبية التي نثرت بين ثنايا الفصول والتي تسهم في إخراجنا من قتامة الأحداث، وإذا ما أضفنا وجود بعض المقاطع الشعرية أو التي جاءت بلغة شعرية، نكون أمام رواية جاءت بكافة عناصر التهدئة والتخفيف، لهذا نقول نحن أمام رواية تتناول الواقع الرسمي العربي وأثره على الشعب الذي يدفع الثمن عن ومع القيادة الهوجاء، لكن هذا التناول جاء بأدوات وأشكال جديدة.
فكرة الرواية تدور حول شخص "الزعيم/الأب الكبير" الذي يخاف من الصراصير، يبدأ في محاربتها لكنه يفشل، تتطور حالة الصراع بينه وبين الصراصير بحيث تأخذه أوهامه إلى أنها تطارده في المنام، وهنا يتدخل "مشعل" ابن "الزعيم" محاولا توضيح حقيقة ما يجري في السرايا وفي خارجها، وعلى ضرورة أن يهتم "الزعيم بالخارج وما يجري للشعب من قمع وفقر من قبل رجال الزعيم، لكن "الزعيم" يعتبر "مشعل وما يصدر عنه من أقوال ما هو إلا نقلا عن فكر "الحكيم" الشخص المعارض والمشكوك في ولائه، يتطور صراع بين "الزعيم" والصراصير بحيث يقدم على إبادتها بمادة دي دي تي، وهنا تقوم عليه الدنيا، تبدأ عملية المفاوضات بين المفاوض وبين الزعيم بطريقة غير مباشرة، ويبدأ في تقديم التنازلات شيئا فشيئا، حتى أنه يوافق على وضع كمرات مراقبة في السرايا، إلى أن يصل إلى نتيجة بضرورة التحالف مع الصراصير لمحاربة الأعداء في الداخل، فيسجن "مشعل، وتتعرض "مريم" حبيبته إلى محاولة اغتيال فاشلة، وتختفي عن الأنظار، وتبدأ عملية القمع الممنهج ضد كل من يعترض على سلطة الزعيم، إلى أن يصل الشعب إلى الثورة، وهنا يدخل رجال الدين على الخط، ويسرقوا الثورة لصالحهم، وتبدأ عملية القتل والتدمير والتكفير لكل من لا يلتزم بالنهج السلفي، فيقتل "الحكيم" وتبدأ ملاحقة أصحاب الديانة المسيحية، وتهدم الكنائس والقبور، وتخرب معرض الرسم، وتحرق الآلات الموسيقية، إلى أن يتم تشكيل "أوبرا القناديل" بواسطة "المايسترو" وأعضائها الأطفال من جديد بتصليح والآلات التي حرقت وكسرت، وعندها يبدأ شبح السلفيين بالتراجع إلى أن تنجلي الظلمة ويعم الضياء.
الصراصير والزعيم/الأب
مشكلة الزعيم تكمن في الصراصير التي يهابها، وهذه الصراصير نجدها أحيانا صراصير حقيقية، وأحيانا صراصير رمزية، وأخرى صراصير فانتازية، فمشكلة الزعيم مع الصراصير التي تلاحقه حتى في نومه، فيحتاطا منها بهذا الإجراء:
"ـ هل يكون فمي مفتوحا أم مغلقا وأنا نائم؟ ... رأته في الليلة التالية يربط فكه السفلي بقماط ويشد حول الرأس وهو يبرطم:
ـ الآن أستطيع النوم دون خوف من ابتلاع صرصور" ص32و33، يبدو أن هذا الفعل يشير إلى حالة الزعيم النفسية، فهو يخاف/يرهب الصراصير، لهذا يحتاط بهذا الفعل، الذي يبدو فيه شيء من المنطق وشيء من المرض.
تتفاقم أزمة الصراصير بحيث تؤثر على الزعيم فيفقد القدرة على النوم: "لم ينم الزعيم تلك الليلة ليس خوفا من كلام مشعل، وإنما خشية أن تتسلق الصراصير جسده أثناء نومه، فما دام أنها وصلت إلى حليب الأطفال، فما الذي يمنعها أن تتسلل إلى فراشه؟" ص38، بهذا الشكل تتنامى الأحداث وتتصاعد، بحيث نجد الزعيم في كل مرحلة يفقد شيئا من سطوته وصورته أمام نسائه وأمام حاشيته وأمام القراء.
"الزعيم" ينفعل ويوهم نفسه بتحقيق الانتصارات على العدو، وكأنه خاض حربا ضروس ضد الأعداء فسحقهم!!: "أمر أحدهم أن يحضر علبة دي دي تي ... في الصباح راقب الزعيم الوضع فاكتشف أن مذبحة للصراصير حدثت في المطبخ جراء هذا السلاح غير التقليدي... شعر بنشوة الظفر، رفع رأسه عاليا، وقال مخاطبا نفسه: الآن صار لدي ما أفتخر به أمام الشكاكين" ص44 و45، هذا هو زعيمنا، رجل مجنون، يصاب بالنشوة لفعل تافه، وهذا يشير إلى حقيقة الزعيم" الهشة والتي تفتقد لأبسط عناصر القيادة والمتمثلة بالثقة بالنفس، والقدرة على تجاوز العقبات والأخطار وتحقيق الانتصارات.
لكنه يكتشف أن ما قتله من الصراصير لا يعد شيئا أمام أعدادها الكثيرة وأماكن انتشارها الكثيرة في السرايا، فيفقد شهوته الجنسية بحيث يكون همه فقط التخلص من الصراصير، هذا ما اكتشفته "المدللة": "قدرت أن فقدان فحولته تزامن مع هلوساته مع الصراصير، فهل يحتمل أن القضيتين مترابطتين؟" ص55. إذن تحولت الصراصير إلى مرض عند "الزعيم" بحيث لم يعد يرغب بالنساء، رغم شهوانيته.
نتوقف هنا قليلا عند أثر فقدان الرغبة الجنسية على سلوك "الزعيم" فبعدها نجده يأخذ في الانزلاق أكثر في (وهم) الصراصير، فهل فقدان المقدرة الجنسية أثر على هذا الانزلاق؟، وهل الجنس قادر على تخفيف حدة الأثر النفسي على "الزعيم"؟ أعتقد أن الإجابة ستكون بالتأكيد، لأن المرأة تمنح الرجل شيئا من الهدوء والسكينة، قبل وبعد الجنس، من هنا نقول أن الراوي قدم لنا انزلاق "الزعيم" نحو (وهم الصراصير) بشكل علمي ومنطقي، فهو فقد أحدى العناصر التي كان يمكنها أن تخفف من انزلاقه وتهوره.
وهذا ما كان، حتى أنه أخذ يسمعها: "سمع هسيس آتيا من بين مسام الخشب: سك سك سك سك..
إنه الهسيس نفسه الذي يسمعه في كوابيسه الدائمة" ص94، الحالة المرضية عند الزعيم تتفاقم وتتطور بحيث لم يعد يفصل بين الخيال والواقع، وبين الوهم والحقيقة.
وبعد أن يخضع الزعيم لمطالب الآخر المفاوض، وبعد أن يُقدم أعمال وافعال تشير إلى تماثله تماما وخضوعه لمطالب الصراصير، يصل إلى هذه النتيجة: "... لم تعد الصراصير المشكلة الرئيسة لا للزعيم ولا لمن حوله، في الواقع اكتشف الأب الكبير أن الإنسان يمكن أن يلد أعداءه، وأثبتت له الأيام أن الصراصير أكثر رأفة من كثير من الناس حوله ومن صلبه، وفي قمة هذا الصراع وجد نفسه مضطرا للتحالف مع الصراصير وشركائها ووسطائها، وهنا دشنت مرحلة حاسمة في تاريخ هذه البلاد، إذ صار الأخوة أعداء، وصار الأعداء أخوة" ص170، هل أراد الراوي أن يتحدث عن "كامب ديفيد" بين "السادات وبيغن؟" والتي تعتبر الضربة القاضية للمنطقة العربية، والتي تحول فيها الصراع العربي الإسرائيلي إلى صراع عربي عربي، وحدث بعدها ما حداث، بحيث لم يعد هناك رأس يوجه الجسد، وفقدت المنطقة أهم وأقوى جغرافيا وسكان وقائد!!.
وبعد الثورة، يسجن "الزعيم" وبعدها يقتل، وتأتي الصراصير لتقوم بعملها: "على مدار عدة أيام اجتاح الحجرة طوفان من الصراصير، تأتي من جحورها
والزواريب، تدخل خماصا وتعود بطانا، لم يتبق من جثته أي دليل عضوي" ص209، هذا الحدث يتنافى مع العلم والمنطق، فالديدان هي من يأتي على الجثة وليس الصراصير، فهل أراد الراوي أن نتعظ من "الزعيم" بحيث لا نكبر أو نعظم مخاوفنا، وأن لا نتحالف مع أعدائنا؟، أم أنه أراد تقديم صورة تجمع ما بين الفانتازيا والرمز؟ لكي تخفف من قسوة الحدث علينا؟، أم أنه أرادنا أن نأخذ الحالتين معا؟
واقع الزعيم/الأب
الواقع الذي قدمه الراوي لا يتعلق بدولة بعينها، فيمكن أن نسقطه على واقع فلسطين والعراق ودول الخليج والمغرب العربي، بمعنى أن كل مواطن في المنطقة العربية سيجد "الزعيم/الأب" هو زعيمه وأبوه، لكن حالة فلسطين والعراق تحديدا هي الأقرب لهذا الواقع، وهذه الشمولية تشير إلى تجاوز جغرافيا فلسطين إلى بقية الدول العربية،
يحدثنا الراوي عن شخصية "الزعيم/الأب": " رغم قوة الزعيم وبأسه فهو ودود وخاضع في حضرة النساء... دائما ثمة أربع نساء على ذمة الزعيم، أما المطلقات فهن كثيرات لدرجة يصعب حصرهن...وكلما دخل بامرأة جديدة انسحبت أخرى من دائرة نسائه الأربعة لتسكن مع رهطها الأفنية الخلفية للسرايا...وسط هذا الصخب النسوي لم يعد الزعيم يميز بينهن، وكذا لم يعد يميز بين الأولاد والأحفاد.
ـ صباح الخير يا أبي، صباح الخير يا جدي، صباح الخير يا عمي" ص20و21، هذا ما يجعلنا نقول إن الراوية تتجاوز جغرافية دولة بعينها، فهناك تطابق في صفات "الزعيم" عند العديد من الدول العربية.
ويقدم لنا الراوي النشيد الوطني لهذه الدولة والذي جاء فيه:
"عاش الزعيم عاش الزعيم شهم كريم وفارس عظيم
وجهه وضاء كالبدر في السماء عنوانه البهاء شيمته الإباء
عاش الزعيم عاش الزعيم" ص117.
الراوي يسقط الزعيم على العديد من الدول التي تتغنى بزعيمها وكأنه القائد المغوار والفارس الشجاع. ونجد الطريقة التي يتفاوض بها "الزعيم/الأب" مع الآخر:
"ـ الصراصير تطالب بضمانات مستقبلية
سأل الزعيم وهو يجاهد في إخفاء سخطه
ـ ماهي؟
ـإلا تدخل هذه الأسلحة إلى البلاد مستقبلا.
ـ وما طبيعة الضمانات؟
ـ الأمر بسيط لجنة مراقبة دائمة.
ـ هذا امر يصعب قبوله، كيف أسمح لأشخاص غرباء بدخول بيوتنا وهتك أسرار عائلاتنا؟
ـ يمكن الاستعاضة عن المراقبين بكاميرات تصوير" ص138و139، هذا الأمر ينطبق على ما جرى في مصر والعراق وفلسطين، وهذا ما يجعل القارئ يبحر أكثر في الرواية، بحيث يتساءل، من هو المقصود؟ هو العراق؟ أم فلسطين؟، ... لكن هذا الأمر لا ينطبق على صفات "الزعيمين فيهما" لأنهما لم يكونا "زيري نساء"، هذا التجاوز للجغرافيا يحسب للرواية وللراوي الذي جعلنا نتوقف ونتساءل عن جغرافية الحدث، جغرافية الزعيم.
يقربنا الراوي أكثر من الطريقة التي يتعامل بها الآخر المفاوض مع "الزعيم"، وكيف يتم إخضاعه خطوة خطوة إلى أن يمتثل تماما للمطالب بحيث يمسي عاريا تماما أمام هذا الآخر المفاوض:
"الصراصير غير مستعدة للتفاوض هذا اليوم.
ـ ولكن هذا اليوم موعدنا المتفق عليه مسبقا.
ـ لا مواعيد مقدسة عند الصراصير" ص160
لقد تم إضعاف "الزعيم" أمام أحقر المخلوقات "الصراصير" فكيف سيكون عليه الحال في حالة البشر؟
ولا يكتفي الزعيم بما كان، بل نجده يتقدم أكثر في تقديم التنازلات للصراصير لهذه نجده: "أعطى تعليمات واضحة بإطفاء الأنوار في تمام الساعة العاشرة مساء، لظنه أن الأضواء قد تزعج الصراصير" 149، فالزعيم لا يكتفي بتنفيذ التنازلات التي يطرحها الآخر المفاوض، بل نجده هو نفسه يقدم تنازلات إظهارا لحسن النية، وكأنه يريد أن يسبق الآخر المفاوض من خلال تقديم أفعال واعمل مسبقة ودون أن تطلب منه.
وبعد أن يطاح به من قبل الثورة نجده يتفوه بهذا الكلام:
"ـ لو تركتموني كنت سأستقيل من كل مناصبي ولكنكم استعجلتم، فأنا تعبت وآن الأوان لأستريح" ص196، هذا الكلام يتماثل مع ما قاله "حسني مبارك وزين العابدين بن علي وعلي عبد الله صالح" وهو أيضا ينطبق على كل مسؤول بعد أن يسقط في يد الشعب، فيبدي المسكنة علما بأنه كان أكبر المتجبرين على وجه الأرض.
الزعيم والجماعات الدينية
لا تقتصر علاقة الزعيم مع أهل بيته ومع الصراصير، بل هناك الطرف الأهم، وهو الشعب الذي يحكُمه، فهناك علاقة غير ودية بين الشعب وبين الزعيم ونظامه، لهذا يعمل دائما على تثبيت حكمه من خلال أثارة (الفوضى) والأفكار الرجعية والتمسك بعقلية القبيلة والعشيرة وإبقاء الفكر السلفي فاعلا بين العامة: "لجأ الزعيم إلى تسليح العشائر وإثارة النعرات القبلية في طول البلاد وعرضها في محاولة لتدعيم ركائز ملكه" ص165، فهذا النهج هو المتبع عند العديد من الزعماء في المنطقة العربية، فهم من خلال القبيلة والعشيرة يجعلون المجتمع أسيرا لهذا التنظيم البدائي، ويحارب به الأحزاب والأفكار التقدمية التي تطالب بالحرية والعادلة الاجتماعية.
ونتيجة فتح الأبواب إمام القبلية وتضييق الخناق على الأحزاب والأفكار الديمقراطية، نجد هذا الواقع: "صارت البلاد محكومة فعليا بالوسطاء
وشركائهم المحليين وشركاتهم، في الوقت نفسه قويت شوكة السلفيين وازداد نفوذهم" ص171، إذن المجتمع مقسوم بين الزعيم والقبلية ورجال الدين من جهة، والشعب والمثقفين من جهة أخرى.
رجال الدين لهم دورهم في تثبيت أركان النظام فهم احدى أدوات محاربة بها المعارضين، لقد وصفهم الراوي كالاتي: "تصاعد المد الديني وتراجعت الحريات المدنية، لا امرأة تظهر شعرها، الجلباب والحجاب مظهران عامان يلازمان المرأة في الشارع والمدرسة وفي كل مكان تقريبا، ما أن تصل البنت عشر سنوات حتى تلبس الحجاب، ...حتى غير المسلمات اضطررن أحيانا إلى لبس الحجاب" ص123، من يشاهد الفرق بين ما كانت عليه النساء في العقد السادس والسابع من القرن الماضي وحاليا يتأكد أن هناك خطوات إلى الوراء كثيرة خطيناها، فحرية المرأة هي احدى المعايير التي يمكن أن نحكم بها على رقي المجتمع وتطوره، إذن استخدم الدين من قبل النظام لإبقاء المجتمع أسيرا لمفهوم الشرف الشكلي، بينما هو في حقيقة الأمر يكون غارقا في الفحش والفساد والرشوة، وتدمير كل ما هو وجميل.
وبعد أن تنتهي سلطة الزعيم ويقتل، نجد سلطة الدين تعلب دورا أخطر وأشد وقعا مما كان عليه نظام الزعيم: "..سجلت العديد من الاعتداءات على النساء السافرات، كما هوجم صاحب مكتبة معروفة بتوجيهاته العلمانية... تحطيم تمثال ابن خلدون" ص207، فسلطة الدين أشد ظلامية من سلطة الزعيم، لهذا نجدهم لا يتورعون عن قتل أو تدمير كل من لا يتفق ونهجهم: "أعدموا بعض الناشطين شنقا على أعمدة الكهرباء أو أغرقوهم بالنفط وحرقوهم في أقفاص من الحديد وبعضهم قذفوا بهم أحياء في الآبار العميقة...
ـ اغتيال معلم أثناء خروجه من بيته.
ـ اكتشاف جثة ناشطة سياسية تعمل مديرة مدرسة.
ـ اختفاء آثار رئيس النادي الرياضي
إعدام عالم آثار" ص212و213، اعتقد أن كل هذه الحالات شاهدناها على الفضائيات، ورأينا ما هو اشد من هذا، فرجال الدين عندما يستلمون السلطة
يعتبرون أنفسهم ممثلين للسماء على الأرض، وعلى الخلق أن يخضع لحكمهم، لهذا نجدهم غارقين في ظلاميتهم، فيعتبرون كل ما يقومون به صادر ومؤيد من الله. لا يكتفي هؤلاء بقتل الناس وتشريدهم، بل خربوا وحرقوا كل ما هو إنتاج إنساني، من فنون وموسيقى وأدب:
"ـ لا تشغل بالك، هلوسات شباب موتورين يصدرون ضلالاتهم عبر خطوط وألوان لا معنى لها
ـ هذا ما يسمونه الفنون التشكيلة.
ـ بل خرابيش لا هدف منها إلا تقويض التقاليد.
أسقطوها عن الحائط وكوموها وأشعلوا بها النيران وتصاعدت الأدخنة من دار الموسيقى مرة ثانية" ص218.
فالخراب لا يقتصر على العنصر الإنساني فحسب، بل يطال الإنتاج الثقافي والحضاري أيضا، فهم أعداء لكل ما هو إنساني أو ينتج عن الإنسان.
التعامل مع الأديان الأخرى نجده في هذا المشهد: "من الواضح أنهم دمروا كل شيء حتى صارت الكنسية مثل هيكل عظمي... وتناوب بالمعول على تمثال للعذراء من المرمر القاسي، وهما يتضرعان إلى الله، ... انقضوا على شواهد القبور بشكل عصي على الوصف" ص220و221، اللون الواحد والنهج والواحد والفكر الواحد هو السائد عند هذه الجماعة، وما سواها هم من الكفرة الذين يجب قتلهم وسحقهم وتدمير كل معتقداتهم وأماكن عبادتهم، لأنها تخالف وتتناقض مع عبادة الله والواحد الأحد!
رجال الدين
رجال الدين كانوا على الدوام أداة في يد النظام، يستخدمها لضرب أية جماعة أو أفكار تدعوا إلى الحرية والتقدم إلى الأمام، فهم يتعاملون مع الدين كوسيلة للاحتفاظ بالمراكز والوظائف، وأيضا وسيلة لإبقاء المجتمع غارق في عصور
الظلام والجهل، من خلال بث الأفكار الخرافية وجعل الأفراد يتمسكون بالدين الشكلي، فتركيزهم على الصلاة والصوم، والأعمال الشكلية الأخرى، مثل دخول الحمام بالرجل اليسرى، الوضوء ومسح ربع الرأس، وغيرها من المسائل التي لا تقدم أية قيمة، وتجعل المجتمع يعيش في حالة اقرب إلى عصور الخرافة والوثنية منها إلى عصور التوحيد والأخلاق.
ما يحسب للرواية أنها قرعت جدار رجال الدين بهذا الوقت تحديدا، في الوقت الذي يتصاعد فيه المد الديني، ويمكن أن يتعرض كل من يتناولهم بغير ما يريدون إلى الملاحقة.
تعرضت بعض الأعمال الروائية في العقد السادس والسابع والثامن من القرن الماضي إلى المد الديني ورجال الدين، حتى أن "زكي الندواي" بطل رواية "حين تركنا الجسر"، "لعبد الرحمن منيف" قال فيهم:
"لقد كان أبي قاسيا كجدار المسجد يا وردن" كإشارة إلى رجال الدين ودورهم الضلالي في المجتمع، وها هو الراوي "ومشعل والحكيم" يعرونهم أمامنا، فبعد أن يحرق الزعيم طاولة الطعام التي تعشش فيها الصراصير نرى دور رجال الدين:
"شارك خطباء المساجد في هذا النصر المؤزر" ص 88، فرغم تفاهة الحدث، رجل يحرق طاولة، إلا أنهم اخذوا يعظمون هذا الفعل كأنه فعلم خارق، وهذه إشارة إلى سطحيتهم وخضوعهم كليا للحاكم وما يصدر عنه.
كما قلنا هم يهتمون بالشكل على حساب الجوهر: "حض الخطباء على التبرع لبيت الله" ص122، وكأن المساجد هي من سيخلص المجتمع من الفساد والفاسدين والواقع البائس، علما بأنها في حقيقة الأمر تسهم في إبقاء الحال على ما هو عليه، إن لم ينزلق أكثر إلى الهاوية، أليس ما نحن فيه الآن من خراب وقتل ناتج عن رجال الدين؟
ولهم أيضًا دور حيوي في نشر الفكري الغيبي وجعل المجتمع يعيش في حالة من الاستسلام والخنوع: "لا يريد رجال الدين من الناس غير الصبر على الرزايا والإيمان بالقدر الذي لا راد له، ولا تنفع معه الحيطة" ص125، فهم
يخدمون النظام وأعداء الشعب بهذه الأفكار التي ينشرونها، فهم لا يبحثون في الأسباب بل نجدهم مجرد أدوات لبث الخرافة والجهل.
رجال الدين مع "الكفة الراجحة"، فعندما كان الزعيم حاكما، كانوا يؤيدونه، لكنهم بعد الثورة: " تضاعف إحساسه بالخذلان حين سمع مباركة الشيوخ ورجال الدين للثورة، وهنا تذكر مقولة مشعل: الاقتناع بصدق رجال الدين هو الكذبة الكبرى التي يصدقها السذج ولا يجرؤون على المجاهرة بإعادة تكذيبها" ص200، هنا يكشف لنا "الزعيم" حقيقتهم، فهم لا يؤمن جانبهم، وسينقلبون عليك بعد أن كانوا معك، وهم يتقلبون ويتلونون كما تتلون الحرباء: "وحتى رجال الدين والشيوخ خفت سطوتهم من الحياة العامة، الكثير منهم قصروا لحاهم، وبعضهم حلقوها نهائيا وصاروا مردا" ص204، تكمن أهمية هذه التعرية لأنها جاءت في الوقت الذي تمتد فيه الحركات الدينية السياسية، وهذا الطرح يمثل جرأة الراوي على الخوض فيما هو محظور وممنوع، فهو يمارس دوره في كشف الحقيقة حتى لو تعرض للملاحقة.
الرمز
كما قلنا الراوية لا تخضع لشكل محدد، فأحيانا نجدها واقعية، وأخرى رمزية، هناك العديد من المشاهد جاءت لتتماثل مع الرمزية كما هو الحل في هذا الحديث عن مصدر الصراصير: "يرى أن موطنها الأصلي أوروبا وانتقلت منها إلى مع بضائع المهاجرين إلى القارة الجديدة، لكن الخبر يؤكد أن الصرصور الأحمر أمريكي النشأة، عاش فيها قبل كولومبوس وأمريكو فيسبوتشي، وحين اكتشف أسموه الصرصور الأمريكي تميزا له عن شبيهه الأوروبي" ص25، حتى لو كان هذا القول علمي تماما، إلا أننا نجد فيه الرمزية، دور أمريكيا التي تعيث فسادا وخرابا في المنطقة العربية.
أما كيفية وصول الصراصير إلى منطقتنا: "...أمر دبر بليل من قبل تجار أخشاب أوروبيين حقنوا بيوض الصراصير في صدوع الخشب وصدروها على متن السفن لتجار محليين متورطين في هذه الصفقات" ص26، علاقة
التجار المحليين بالغرب المعادي ودرورهم في نشر الفساد/الصراصير، جاء بطريقة رمزية تُؤكد الدور الطبقي التخريبي للتجار في المنطقة العربية.
وعندما تقتحم الصراصير السرايا، تقوم بقضم صورة الزعيم المعلقة فيبدو بهذا الشكل: "حيث قضمت الصراصير شاربيه، وحفرت عينه اليمنى فبدا أعور قبيحا" ص67، أيضا نجد في هذا المشهد الرمزية التي تتحدث عن التشويه الذي يحدثه الغرب في صورة الزعيم أمام الشعب، بحيث يبدو هزيلا مشوها خانعا متعاونا، أليس هذا حال حكامنا اليوم، خاصة بعد أن سمعنا ما قاله "ترامب" عن السعودية وملكها.
وعندما يتحدث الراوي عن محرقة الصراصير من خلال حرق الطاولة، والقيامة التي أحدثتها الصراصير والوسطاء:
"... وفحوى هذا المقال أن الطاولة المحروقة مهما كبرت مساحتها يستحيل أن تتسع شقوقها للملاين من الصراصير، أكد أن العدد الحقيقي لا يزيد عن عشرات الصراصير أو مئات في أحسن الأحوال" ص91، وكأن الراوي يحدثنا عن المحرقة النازية التي جرت لليهود، فهناك تضخيم لما جرى فيها، بحيث يتحدث اليهود عن ستة ملالين يهودي، لكن الواقع يقول أنه لم يكن عدد اليهود في ألمانيا ليصل إلى هذا الرقم، ومن تم حرقهم لا يتعدى بضعة آلاف.
وعندما يتم التفاوض بين الزعيم والوسيط نجد موقف الصراصير بهذا الشكل:
"ـ إنها ترفض أن تتحدث معك على طاولة واحدة إلا ضمن شروط مسبقة" ص98، أليس هذا ما حدث في مدريد بين الفلسطينيين ودولة الاحتلال؟
وبعد الثور نجد الثوار يتخذون شعارهم من: " شقائق النعمان... ترفرف على المباني والأعمدة" ص199، وهذه الشقائق لها مدلول في ملحمة "البعل" الكنعانية والتي ترمز إلى صراع البعل مع الموت وعلى بعثه من جديد.
وعندما يتحدث الراوي عن الثورة المضادة التي قام بها رجال الدين يستخدم هذا الرمز: "تحطيم تمثال ابن خلدون" ص207، فكلنا يعلم أن ابن خلدون واضع الأسس العلمية في نشوء وموت الدول/الأمم، وكأن رجال الدين بتحطيم
تمثاله يحطمون أفكاره أيضا ولا يريدونها، كإشارة إلى الهوة بينهم وبين التفكير العلمي وعدائهم لكل ما هو عقلي.
عندما حاول رجال الدين تحطيم تمثال العذراء لم يقدروا على ذلك: "ولكن يبدو أن هذا الآخر لم يستطع تجاوز قساوة الصخرة فتركاه ونزلا من عل الدكة خائبين... صمد واحد من شواهد القبور بشكل عصي على الوصف، توالى عليه كل المهاجمين مرة واحدة وبلا فائدة" ص221، أيضا لهذين الحدثين رمزية تشير إلى تجذر الوجود المسيحي في منطقتنا، ألم يكن المسيح ابن هذا البلاد؟
وعندما تبدأ الفرقة الموسيقية بالتشكيل نجد هذا التعليق: "هيا نرى ماذا سيحدث حين يلتقي العود والبيانو" ص224، اللقاء بين الثقافة الغربية والشرقية بالتأكد سيثريهما معا، وسيكون المولود الجديد أكثر كفاءة وقدرة على التكيف مع العصر.
الواقع والرمز
تعدد أشكال الحدث يثري العمل لأدبي، وهو إحدى الصور التي يستخدمها السارد لتأكيد أهمية التنوع والتعدد في المجتمع، لكن هذا التأكيد لا يأتي بصورة مباشرة، بل من خلال النظر إلى العمل الأدبي بشموليته، فيبدو وكأن تعدد أشكال التقديم للأحداث تنسجم مع طبيعة تعدد الأفكار والرؤى في المجتمع، فلا يجوز ولا يصح أن يكون هناك صوت واحد أو نهج واحد اجتماعيا.
يتداخل الواقع والرمز في الرواية عندما يتم الحديث عن محرقة الصراصير، حيث نجد الباحث الذي تحدث عن عدد الصراصير المحترقة لا يصل إلى الرقم الذي أشيع، فيتعرض للعقاب: "في الأشهر التالية تعرض إلى مضايقات عديدة في الجامعة والبيت والشارع، فأينما حل يتعقبه أفراد يثيرون حوله المتاعب، في الوقت نفسه وصلته رسائل على بريده أن يكف عن البحث في موضوع المحرقة، ... في غضون ذلك منحته الجامعة تقاعدا مبكرا، .... فوجئ أن مقالاته لم تعد تنشر بحجة نقص في معايير الدقة البحثية.
آخر الأفعال التي تعرض لها الباحث، أن مجموعة من المهاجمين متنكرين في زي صراصير هاجموا مكتبه بزجاجات حارقة فاشتعلت النار به وأتت على محتوياته، أما هو فنجا من النيران بأعجوبة" ص91و92، فهنا يتداخل الحدث بين حقيقة المحرقة النازية ورمزية محرقة الصراصير، لكن ما تعرض له الباحث هو حدث واقعي، فكل من شكك في حجم الأعداد أو في حجم المحرقة النازية تعرض لما تعرض له الباحث وأكثر.
السخرية
من أهم الأشكال الأدبية التي تخفف من حدة وقع الأحداث على القارئ، ليس من خلال التقدم إلى شكل أدبي جديد فحسب، بل من خلال إخراجه من حالة القتامة والمأساة إلى حالة أخرى مغايرة، فعندما يتم منع استخدام الصابون وأية مواد تنظيف أخرى من قبل لجنة المراقبة، يدب القمل في الناس فيفعل بهم العجائب، حتى أن الحك يكون حالة ملازمة لكن الأفراد، يحدثنا الراوي عن مشهد الحك:
"ـ كنت سأنتحر يأسا من هذه الحياة وحين رأيتك ترقص فرحا وأنت مقطوع اليدين تراجعت وقلت أسألك عن سبب رقصك.
ـ دخيل ربك، مين قلك أنا برقص؟ أنا بنط فوق وتحت لأني مش عارف أحك ولا راضي حدا يحكلي.
... وتوقع أن يلجأ الناس مستقبلا في تأريخ وقائع حياتهم اليومية اعتمادا على هذا الحدث، كأن يقال مثلا سنة الحكيكة، أو حقبة البراغيث والصئبان، أو مرحلة ما بعد الجرب" ص158و159، فهذا المشهد يشير إلى حجم المأساة التي يعاني منها الناس، لكن الطريقة التي قدم بها الحدث جاءت بطريقة ساخرة، تضحك القارئ وتخرجه من بؤس الحال.
الصراع بين الرمز والعلم
هناك بعض الأحداث كان يمكننا أن نأخذها بشكل رمزي وتخدم فكرة ما بطريقة جميلة، لكن يبدو أن الراوي لا يريدنا أن نتمسك بالوهم أو بالخيال،
فأصر على تبيان وتوضيح حقيقة ما جرى أنه يخضع للعلم والمنطق وليس لحالة خارقة، عندما يتم حرق الكنيسة وتحطيم شواهد القبور، يعجز المخربون عن إحداث أية أذيه لتمثال العذراء ولشاهد احدى القبور، فيحاول البعض تفسير ذلك إلى أن هناك قوة خفية مقدسة تحول دون تحطيم التمثال وشاهد القبر، لكن الراوي يوضح حقيقة هذا الصمود للتمثال وللشاهد من خلال:
"ـ لا بد أنه قبر قديس
ـ لو أن الأمر يتعلق بالقداسة لصمدت الكنيسة، لكن القصة تتعلق بمدى قساوة الصخر لا أكثر" ص221، من خلال هذا المشهد نستنتج أن الراوي لا يريدنا أن نتبع أو نتمسك أو نتعاطى مع أية أفكار غيبة، وكأنه بهذا الطرح يريد على رجال الدين وسلوكهم ونهجهم الغيبي، الذين أوصلونا إلى ما نحن فيه من خراب إنساني ومادي.
الحكم
بما أن الراوية تتناول حال النظام الرسمي العربي فكان لا بد من تقديم أفكار مختزلة ومكثفة تلخص ما نحن فيه، إن كان على المستوى الرسمي أم الشعبي، ولهذا الحكم أثر خاص على المتلقي، حيث يجد فيها ضالته، وكأنه يرى أن هناك من يتحدث عنه، عن رفضه للواقع، وعن ضرورة تغيير المسار الخاطئ.
يقول "مشعل" ملخصا واقعنا في المنطقة العربية:
"ـ العظماء يصنعون التاريخ، أما الصغار فيصنعهم التاريخ ويلقي بهم على قارته...
ـ الخسارة تتعاظم نتيجة الوعي بها.
ـ الحيوانات فقط لا تدرك خسارتها" ص12، وكأنه بهذا يستحث "الزعيم" على أن يتجاوز واقعه ليرتفع ويتقدم إلى الأمام، ليس كفرد بل كأمة، فهو رأس الدولة وهو من يمكنه أن يرفع شأن البلاد والعباد.
ولكي نكون أقوياء يوضح الطريق التي يجب أن نسلكها لنحافظ على هذه القوة:
"ـ الشعور بالقوة لا يكفي، نحتاج غالبا أن نختبر مصادر قوتنا في الواقع.
... القوة أيضا تتراخى تضعف وأخيرا تموت" ص19.
يوضح حقيقة الاهتمام بالشكل، بالصورة التي يريدها "الزعيم" من حاشيته، والتي تكون في حقيقة الأمر ليس أكثر من الفكرة/الرؤية التي يريدها الزعيم، لكنها تبقى صورة وهمية، ليس لها وجود حقيقي على أرض الواقع: " حقيقة المرء دائما أقل من صورته، فالصورة مضللة لأنها تقدم الإنسان ليس كما هو بل كما يشتهي" ص22.
يحاول مشعل جاهدا أن يغير من تفكير الزعيم وسلوكه، فهو يعلم أن الحاشية تقدم صورة مشوه عن الواقع، وتسعى لإخفاء حقيقة الشعب وهمومه، يحاول "مشعل" تحذير "الزعيم":
"ـ ولكن في النكسات يتعلم الإنسان أعظم الدروس" ص33.
سلوك "مشعل" تماثل مع "تولستوي" الذي رفض الإقطاع واتجه إلى الشعب، فكان واحدا من العامة يعلم ما تعانيه وما يفترض أن يكون، فالسعادة لا تكون بحجم الثروة التي نمتلكها، بل في شيء آخر: "...وسعادة المرء مع من يحب لا بما يملك" ص42.
بعد أن ينتصر "الزعيم" في معركته مع الصراصير ويشعر بنشوة الانتصار، يضعه "مشعل" أمام حقيقة مهمة وضرورية لكي يحافظ على هذا الانتصار وعلى ما حققه في المعركة، لأن هناك معارك أخرى، ف"الزعيم" يخوض حربا وليس معركة واحدة:
"ـ كسب معركة واحدة لا يعني كسب الحرب، والتكتيكات الناجحة لا تضمن بالضرورة استراتيجيات فعالة، والمهزوم لا يبقى مهزوما إلى الأبد، ولا المنتصر كذلك، والنصر ليس نصرا عسكريا حاسما، وإنما هو قبل كل شيء ضمان التفوق وحماية الذات من أي مخاطر مستقبلة محتملة" ص48.
وبعد أن يخضع "الزعيم" للمفاوض ويبدأ في تقديم التنازلات للصراصير يتذكر جملة مكتوبة على احدى الجدران تقول: "المهزوم لا يفاوض إلا على طريقة استسلامه، المهزوم يوقع فقط" ص163.
مثل هذه العبارات تمتع المتلقي حيث يجد فيها ما يلبي طموحه في تلخيص الواقع، كما أن الطريقة التي جاءت فيها، حيث كانت موجه "للزعيم" مباشرة، وهذا منح القارئ شعور أن صوته وفكرته وصلت إلى أصحاب الشأن، كل هذا يسهم في تخفيف من وقع الأحداث المأساوية على المتلقي، لهذا نقول أن الراوي كان يعي صعوبة أحداث الرواية على المتلقي، لهذا تعمد أن يخلق أجواء عديدة ومتنوعة ليخفف من هذا والوقع.
اللغة المحكية
يستخدم الراوي العديد من مقاطع الشعر الشعبي الفلسطيني، وهذا يشير إلى فلسطينيتها، وهذا ما يجعلنا نتوقف عند هذا الأمر، فهل أراد الراوي أن يشير إلى فلسطينية الرواية؟ وهنا ستفقد عنصر الشمولية، أم أنه أراد بهذا الأمر أن يجعل المتلقي يشعر بشعبيتها، يشعر باللغة التي يفهمها ويعشقها، الشعر الشعبي؟ تسعة عشر موضعا جاء فيه الشعر الشعبي، وهي منثورة على كافة فصول الرواية، ومثل هذا التوزيع ينم على اهتمام الراوي بمزاج القارئ، بحيث أراد به أن يقربه من الحدث وفي ذات الوقت يخرجه من قتامة الأحداث بهذه الأشعار.
نهاية الراوية
في "مدن الملح" النهاية مأساوية، لكن في رواية "أوبرا القناديل" النهاية سعيدة، فالراوي جعل العنوان هو النهاية، فهناك أوبرا وقناديل، وكلاهما يشيران إلى حالة من الفرح، فرح سمعي "أوبرا" وفرح بصري "قناديل"، وكأنه بهما أراد أن ينهي كل الكوابيس والخراب والموت الذي حصل في الرواية، فالموسيقى وسيلة مقاومة ووسيلة تثقيف ووسيلة حضارية إنسانية، لها دورها في إخراج الناس من الظلامات إلى النور، هذا ما قاله "المايسترو":
"ـ حتى الطبيعة تنتظم في سياق موسيقي بديع، الريح تغازل الشجرة، والأغصان ترقص امتنانا، والطيور تهدل غناء...الموسيقى فن خفيف يعاند الثقل والجاذبية، وربما لأن الموسيقى بحد ذاتها طاقة صوتية لا تتجسد في هيئة مادية، باعتبارها فن زماني قائم على التعاقب والتواتر والتلاشي" ص179، تكمن أهمية هذا الحديث في أنه يحررنا تماما من الواقع، كما أنه يمنحنا معرفة إنسانية قدمت بطريقة سلسة ومن شخص عالم ومتمكن من المعرفة الموسيقية وأثرها، أليس كل هذا يسهم في التخفيف على القارئ؟
يعمل المايسترو على التركيز على الموسيقى ودورها في تحرير الإنسان من واقعه: "أن الارتحال بأوبرا القناديل من الوتر إلى الإيقاع هو ارتحال من المنطوق إلى المحسوس ومن الفكرة إلى الشاعرية" ص242، نجد في مثل هذا الكلام حالة فريدة لا يمكننا أن نجدها إلا عند من هو متمكن من الموسيقى ومتماهيا معها، لهذا تجدنا نستمتع حتى بشكل الكلام المجرد، فما بالنا أن أخذنا بالفكرة التي يحملها!
وإذا ما أخذنا "فرقة الأوبرا" التي تتشكل أساسا من الأطفال يتأكد لنا أن هناك حالة جديدة تماما ليس لها أي علاقة بالماضي البائس، وآخر ما جاءت به الرواية ما هو إلا عالم مترع بالفرح والسعادة: "فرقة الأوركسترا ما زالت تعتلي المسرح كل واحد منهم يحتضن آلته، فتى الناي ينظر بحب وشغف نحو المنشدة الجالسة في الصف الأول.
ـ منها تعلمت سر الموسيقى.
مسك الناي بكلتا يديه، كأنه في أول اختبار لموسيقى الحب. لامست شفتاه فوهة الناي، أحس بحميمة خاصة، كما لو كان يقبل فتاة، نفخ من أعماق صدره، نفخة مختلطة بآهات الحب" ص253، أجزم أن مثل هذه اللغة لوحدها قادرة على إمتاعنا وجعلنا نشعر بالنشوة، فهذه اللغة تمثل الجدار العازل بيننا وبين "الزعيم" فلم يعد هناك إلا الموسيقى والعازفين وصوت الفرح.
الرواية من منشرات الرعاة للدراسات والنشر، رام الله، فلسطين، ودار جسور للنشر والتوزيع، عمان الأردن، الطبعة الأولى 2018.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,096,884,712
- محطات في -نقش على جدار الزمن- شريف سمحان
- نحن وترامب وسليمان
- حالة الكتابة في -تغريبة خالد أبو خالد-
- سلاسة اللغة في ديوان -حفيد الجن، سيرة شعرية- راشد عيسى
- مناقشة كتاب نقوش من الذاكرة
- الاشتراكية في -رباعية- إسماعيل فهد إسماعيل
- قوة الأفكار وتواضع الأسلوب في رواية -صوت- إبراهيم غرايبة
- الكلمة وأثرها في قصيدة -حقا قامت- سيلمان أحمد العوجي عندما ي ...
- الشاعر والمخزون الثقافي -مكابدات زليخة- ريكان إبراهيم
- -أوغاريت ذاكرة حقل- زهيرة زقطان
- فدوى طوقان -الرحلة الأبهى- محمود شقير
- إيللي كوهين من جديد -محمد جلال كشك-
- المعنى والكلمة والحرف في قصيدة -أحبتنا الأهل- أحمد بن عبد ال ...
- مناقشة كتاب في جريدة
- -يو توبيا الدولة الإسلامية- سعادة أبو عراق
- التتار الجدد في كتاب -الناجيات بأجنحة مكسرة- خالد تعلو القائ ...
- كتاب في جريدة -شعراء فلسطينيون من تشيلي-
- الفانتازيا في مجموعة -تقاسيم الفلسطيني- سناء شعلان
- المراحل في كتاب -نسوة في المدينة- للكاتب فراس حج محمد
- اليأس في قصيدة -لا جديد في عالمنا- خالد قاسم


المزيد.....




- ميد راديو.. عين المهرجان الدولي للفيلم بمراكش
- المجموعة القصصية الأولى للقاصة والشاعرة مريم كعبي، تحت عنوان ...
- صدور ترجمة «ذات الشعر الأحمر»، اهم روايات الأديب العالمي أور ...
- كم جنت -ديزني- من أفلامها في عام 2018؟
- الناقد السينمائي محمد عبيدو: السينما الملتزمة تغير الذهنيات ...
- تيفو الملاعب بتونس.. لوحات فنية ورسائل للسلطة
- المصادقة على مشروع إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار وإحداث ال ...
- ودادية القضاة تصعد ضد الرميد.. أخطاء بالجملة وموقف يخرق واجب ...
- تيفو الملاعب بتونس.. لوحات فنية ورسائل للسلطة
- قتلتني امرأة


المزيد.....

- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - الواقع والفانتازيا في رواية -أوبرا القناديل- مشهور البطران