أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - نقد تقاليد الاستبداد في الثقافة السياسية العربية(3) على مثال الحجاج الثقفي















المزيد.....


نقد تقاليد الاستبداد في الثقافة السياسية العربية(3) على مثال الحجاج الثقفي


ميثم الجنابي
الحوار المتمدن-العدد: 6020 - 2018 / 10 / 11 - 23:14
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الحجاج - مقبرة الحياة ومزرعة الممات!

لقد أمضى الحجاج في الحجاز عامين من الزمن، بعد القضاء على حركة ابن الزبير. وهي الفترة التي تمرس فيها بالقدر الذي جعل من الممكن ترشيحه إلى العراق بوصفه جوهرة الإمبراطورية الأموية ومعقل قلقها الرهيب. من هنا إرهاب السلطة المنظم ضده على امتداد تاريخ الأموية حتى زوالها. كما انه السبب الذي يفسر تحوله الى مركز الخلافة العباسية اللاحقة. فهي المنطقة التي أثارت قلق التاريخ العربي الإسلامي ووحدّت مكوناته على مستوى الوعي واللاوعي. وفيما بينهما ترعرعت ونمت وتصلّبت مختلف الحركات الفكرية والسياسية التي شكلت مصدر القلق الأعمق للأموية. فالأموية جسد بلا روح ولسان بلا قلب. وهو النقص الجوهري الذي ميز الأموية وجعلها في الوقت نفسه رهينة القوة والعنف والإرهاب. كما أنها المفارقة التي صنعت الحجاج وجعلته رهينة السلطة وزمن الرذيلة العابثة. من هنا غرابة الدخول الأول للحجاج الى العراق وتفاهة موته فيه واحتقار ذاكراه! فمنذ توليه حكم العراق عام 75 للهجرة حتى وفاته في واسط عام 95 للهجرة، أي لمدة عشرين سنة متتالية، لم تكن حياة الحجاج غير سلسلة من القلق العابث بقيمة الحياة والمعنى. بحيث يمكننا رسم ملامح شخصية بقت من حيث الجوهر خارج التاريخ والواقع رغم انهماكها العنيف بكل حيثياتهما! وليست القصص المروية عن كيفية دخوله إلى الكوفة سوى أكثرها إثارة وغرابة. وقد يكون أكثرها قربا الى الواقع وأكثرها تعبيرا عن نفسيته وذهنيته ودهاءه السياسي هي تلك التي تصور دخوله مسجد الكوفة وخطبته وقتل الناس مجانا.
وهي الرواية التي تؤكد على أن خطبته التي اختتمها بمجزرة علنية كانت مهمتها الرئيسية ترويع أهل العراق، بوصفه موطن المناهضة العلنية والمستترة للأموية. وهي رواية تقول، بأن الحجاج حالما جرى تعيينه واليا على العراق اخذ معه قوات قوامها ستة آلاف رجل، ألفان من أهل الشام وأربعة مختلطة. وتقدم بألفين منهم إلى البصرة أوان الصلاة. ولما دنا من البصرة أمرهم بالتفرق على أبواب المسجد، بحيث وضع على كل باب من أبوابه الثمانية عشر، مائة رجل بسيوفهم. وقال لهم، بأنهم حالما يسمعون جلجلة في المسجد فان مهمتهم ألا يخرج احد من المسجد حيا. وهي المهمة التي قامت بها قواته كما أمرهم بها. بمعنى توزعهم على الأبواب وانتظارهم إشارة الحجاج. وهي إشارة يمكن معرفتها حالما يضع عمامته بعد أن يحصبه القوم. بمعنى استدراجه للقوم من خلال استفزازهم. وحالما دخل مسجد البصرة (وليس الكوفة) وحان وقت الصلاة، فانه صعد المنبر وألقى خطبته التي قال فيها "أيها الناس! إن أمير المؤمنين عبد الملك، أمير استخلفه الله عز وجل في بلاده وارتضاه إماما على عباده، وقد ولاّني مصركم وقسمة فيئكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم وإمضاء الحكم على ظالمكم، وصرف الثواب إلى المحسن البريء، والعقاب إلى العاصي المسيء. وأنا متبع فيكم آمره ومنفذ عليكم عهده. وأرجو بذلك من الله عز وجل المجازاة ومن خليفته المكافأة. وأخبركم انه قلدني بسيفين حي توليته إياي عليكم، سيف رحمة وسيق عذاب ونقمة. فأما سيف الرحمة فسقط مني في الطريق، وإما سيف النقمة فهو هذا!". عندها حصبه الناس. فلما أكثروا خلع عمامته فوضعها على ركبته. حينذاك اخذ قواته بقطع الرقاب! وحالما أخذت الناس بالهرب من المسجد تلقاهم أولئك الذين أوكلت إليهم مهمة ألا يخرج من الأبواب غير الرؤوس المقطوعة! وقد بلغ عدد القتلى، كما تنقل بعض الروايات سبعين ألفا بحيث سالت الدماء إلى أبواب المسجد والسكك! وهو رقم يعكس هول الواقعة وطبيعتها أكثر ما يعكس عددها الفعلي .
وتعكس هذه الحالة النموذجية شخصية الحجاج ونموذج سلوكه السياسي في العراق على امتداد عشرين سنة. وهما عقدان قد يكونا الأكثر دموية وشراسة فيما يمكن دعوته بمساعي الأموية الدائبة لصنع الوحدة الميتة في العقل والضمير والوجدان، والظاهر والباطن، والتفكر والتوجس، أي في الروح والجسد الخاص والعام للأفراد والجماعات والأمة. وهو السلوك الذي تماهى مع شخصية الحجاج، بحيث أصبح مكافئ لمعنى الإبادة والقتل والجريمة والاضطهاد والعنف المفرط والخروج على ابسط مقومات العقل والذوق السليم والحس الإنساني والقيم الأخلاقية المتعارف عليها والعرف التاريخي والثقافي. من هنا تسجيل كتب التاريخ سيرته بإسهاب وإطناب وتدقيق لمختلف أساليب القتل والتعذيب بما في ذلك تجاه الشخصيات الإسلامية الكبرى التي شملها سلوك الحجاج. فقد قتل الحجاج محمد بن سعد ابن أبي وقاص، وأبو القاسم الزهري، وعبد الله بن زيد الأنصاري (قاتل مسيلمة الكذاب) وماهان الحنفي الذي قطع الحجاج رجليه ويديه وصلبه! كما قتل مصدع الأنصاري المعروف بالمعرقب، وذلك بسبب قطع عرقوبه، لأنه رفض سب الإمام علي بن أبي طالب . كما عذب وأهان عشرات الشخصيات الكبيرة بسبب رفضهم سبّ الإمام علي. فقد طلب من محمد بن القاسم أن يعرض عطية العوفي (الذي خرج مع ابن الأشعث) على سبّ الإمام علي، لكنه لم يفعل. لهذا أمر بحلق لحيته وضربه مائة سوط! ونفس الشيء عمله مع الكثيرين . وتفنن في ترويع الشخصيات الروحية والورعة لأهل العراق. مثل سجنه احد عباد وزهاد الكوفة المدعو عبد الرحمن بن أبي نعم. حيث حبسه في غرفة مظلمة لمدة خمسة عشر يوما على أمل قتله بالتجويع. وعندما فتحوا الباب وجدوه حيا! عندها قال له الحجاج: سر حيث شئت ! وعندما أرسل الى عبد الله بن عكيم (ممن أدرك الجاهلية)، فانه تحظر للموت قائلا "اللهم انك تعلم إني لم ازن قط، ولم اسرق قط، ولم آكل مال يتيم قط، واني كنت صادقا"! بينما أجاب نافع بن جبير بن مطعم على قول الحجاج له:
- قتلت ابن الزبير وعبد الله بن صفوان وابن مطيع، ووددت إني كنت قتلت ابن عمر!
- ما أراد الله بك خير مما أردت لنفسك
- صدقت!
وعندما خرج منه، قيل له "لا خير لك في المقام عند هذا"، عندها أجابهم، بأنه جاء للغزو!
إن كل هذه الصور مجرد نماذج وأمثلة لشخصية الحجاج وموقفه من شخصيات الأمة الكبرى. بمعنى قدرته واستعداده وتنفيذه للقتل والاستهانة والتخريب وكسر كل الحدود العقلية والأخلاقية والشرعية الضرورية لوجود الفرد والجماعة والأمة والدولة. بمعنى الخروج على الفكر والفكرة والقواعد والتاريخ، والإبقاء على الأنا المحكومة بغريزتها ونوازعها الشخصية وطبيعة الاستبداد. وهي المكونات التي عبر عنها الحجاج مرة بصورة دقيقة عندما خاطب أهل العراق في مجرى مواجهته لتمرد ابن الأشعث: "إني انذر ثم لا انظر! واحذر ثم لا اعذر! وأتوعد ثم لا أعفو!"، بمعنى انه لا يعرف غير حدود الإنذار والتحذير والتوعد. وما عداها هو مجرد انعدام النظر والعذر والعفو فيما يراه ويريده. وبما أن ما يراه ويريده هو العبودية للسلطة والعيش بمعاييرها، من هنا يمكن تحسس وفهم "منظومة" القهر الشامل للحجاج، التي وجد احد أقسى وأدق تعبير لها في موقفه من سعيد بن جبير.
وهو موقف له تاريخه الخاص في علاقة سعيد بن جبير بالسلطة الأموية، لكنه يعكس أولا وقبل كل شيء موقف الأموية في شخصية الحجاج من المعارضة المتمثلة في شخصيات الروح الإسلامي المتسامي. فقد كان البحث عن سعيد بن جبير إحدى المهمات الكبرى التي وضعها الحجاج أمام أتباعه وخدمه. وتصور كتب التاريخ، كيفية العثور عليه وتقديمه إلى الحجاج ونوعية الحوار الذي بينهما الذي انتهى بقتل الحجاج لسعيد بن جبير، مع ما ترتب عليه من إثارة لاحقة في العقل والخيال المناهض للأموية بشكل عام والحجاج بشكل خاص. إذ تروي كتب التاريخ كيفية قدوم خالد بن عبد الله القسري الى مكة واليا عليها ليحل محل مسلمة بن عبد الملك. وقد كان وقت خطبة مسلمة على المنبر، التي استكملها خالد بن عبد الله القسري بعد دخوله المسجد. وحالما انتهى مسلمة بن عبد الملك من خطبته صعد خالد المنبر. فلما ارتقى في الدرجة الثالثة تحت مسلمة أخرج كتابا مختوما ففضه ثم قرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم! من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى أهل مكة! أما بعد فإني وليت عليكم خالد بن عبد الله القسري فاسمعوا له وأطيعوا ولا يجعلن امرؤ على نفسه سبيلا فإنما هو القتل لا غير! وقد برئت الذمة من رجل آوى سعيد بن جبير والسلام". ثم التفت إليهم خالد وقال "والذي نحلف به ونحج إليه لا أجده في دار أحد إلا قتلته وهدمت داره ودار كل من جاوره واستبحت حرمته. وقد أجلت لكم فيه ثلاثة أيام!". ثم نزل ودعا مسلمة برواحله ولحق بالشام. فأتى رجل إلى خالد فقال له إن سعيد بن جبير بواد من أودية مكة مختفيا بمكان كذا. فأرسل خالد في طلبه فأتاه الرسول فلما نظر إليه الرسول قال:
- إنما أمرت بأخذك وأتيت لأذهب بك إليه وأعوذ بالله من ذلك! فالحق بأي بلد شئت وأنا معك!
- ألك هاهنا أهل وولد؟
- نعم!
- إنهم يؤخذون وينالهم من المكروه مثل الذي كان ينالني.
- فإني أكلهم إلى الله!
- لا يكون هذا!
فأتى به إلى خالد، فشده وثاقا وبعث به إلى الحجاج. وعندما قال له رجل من أهل الشام:
- إن الحجاج قد أنذر بك وأشعر قبلك، فما عرض له. فلو جعلته فيما بينك وبين الله لكان أزكى من كل عمل يتقرب به إلى الله. (فأجابه خالد بن عبد الله القسري، وقد كان ظهره إلى الكعبة قد استند إليها)
- والله! لو علمت أن عبد الملك لا يرضى عني إلا بنقض هذا البيت حجرا حجرا لنقضته في مرضاته!
وهي الصورة النموذجية التي تعكس طبيعة السلطة الأموية وولاتها. وقد كان الحجاج ذروتها. وهي الذروة التي تعادل هوة الانحطاط المعنوي والأخلاقي والروحي، الذي يمكن العثور عليه فيما احتفظت به كتب التاريخ عن الحوار الذي دار بينهما بعد أن اقتيد سعيد بن جبير إلى الحجاج. فقد ابتدره الحجاج قائلا:
- ما اسمك
- سعيد
- ابن من
- ابن جبير
- بل أنت شقي بن كسير
- أمي أعلم باسمي واسم أبي
- شقيت وشقيت أمك
- الغيب يعلمه غيرك
- لأوردنك حياض الموت
- أصابت إذا أمي اسمي
- لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى
- لو أني أعلم أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها
- فما قولك في محمد
- نبي الرحمة ورسول رب العالمين إلى الناس كافة بالموعظة الحسنة
- فما قولك في الخلفاء
- لست عليهم بوكيل كل أمرئ بما كسب رهين
- اشتمهم أم أمدحهم
- لا أقول مالا أعلم إنما استحفظت أمر نفسي
- أيهم أعجب إليك
- حالاتهم يفضل بعضهم على بعض
- صف لي قولك في علي أفي الجنة هو أم في النار
- لو دخلت الجنة فرأيت أهلها علمت ولو رأيت من في النار علمت فما سؤالك عن غيب قد حفظ بالحجاب
- فأي رجل أنا يوم القيامة
- أنا أهون على الله من أن يطلعني على الغيب
- أبيت أن تصدقني
- بل لم أرد أن أكذبك
- فدع عنك هذا كله. خبرني مالك لم تضحك قط
- لم أر شيئا يضحكني وكيف يضحك مخلوق من طين والطين تأكله النار ومنقلبه إلى الجزاء واليوم يصبح ويمسي في الإبتلاء
- فأنا أضحك
- كذلك خلقنا الله أطوارا
- هل رأيت شيئا من اللهو
- لا أعلمه (فدعا الحجاج بالعود والناي وقال بعدما ضرب بالعود ونفخ في الناي بكى سعيد. عندها قال الحجاج
- ما يبكيك
- يا حجاج ذكرتني أمرا عظيما والله لا شبعت ولا رويت ولا اكتسيت ولا زلت حزينا لما رأيت
- وما كنت رأيت هذا اللهو
- بل هذا والله الحزن يا حجاج أما هذه النفخة فذكرتني يوم النفخ في الصور وأما هذا المصران فمن نفس ستحشر معك إلى الحساب وأما هذا العود فنبت بحق وقطع لغير حق
- أنا قاتلك
- قد فرغ من تسبب في موتي
- أنا أحب إلى الله منك
- لا يقدم أحد على ربه حتى يعرف منزلته منه والله بالغيب أعلم
- كيف لا أقدم على ربي في مقامي هذا وأنا مع إمام الجماعة وأنت مع إمام الفرقة والفتنة
- ما أنا بخارج عن الجماعة ولا أنا براض عن الفتنة ولكن قضاء الرب نافذ لا مرد له
- كيف ترى ما نجمع لأمير المؤمنين
- لم أر (فدعا الحجاج بالذهب والفضة والكسوة والجوهر فوضع بين يديه. عندها قال سعيد
- هذا حسن إن قمت بشرطه
- وما شرطه
- أن تشتري له بما تجمع الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة وإلا فإن كل مرضعة تذهل عما أرضعت ويضع كل ذي حمل حمله ولا ينفعه إلا ما طاب منه
- فترى طيبا
- برأيك جمعته وأنت أعلم بطيبه
- أتحب أن لك شيئا منه
- لا أحب ما لا يحب الله
- ويلك
- الويل لمن زحزح عن الجنة فأدخل النار
- اذهبوا به فاقتلوه
- إني أشهدك يا حجاج أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أستحفظكهن يا حجاج حتى ألقاك (فلما أدبر ضحك. عندها قال الحجاج:
- ما يضحكك يا سعيد
- عجبت من جرأتك على الله وحلم الله عليك
- إنما أقتل من شق عصا الجماعة ومال إلى الفرقة التي نهى الله عنها. اضربوا عنقه
- حتى أصلي ركعتين. (فاستقبل القبلة وهو يقول وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين). عندها قال الحجاج
- اصرفوه عن القبلة إلى قبلة النصارى الذين تفرقوا واختلفوا بغيا بينهم فإنه من حزبهم. (فصرف عن القبلة. فقال سعيد
- فأينما تولوا فثم وجه الله الكافي بالسرائر. (عندها قال الحجاج)
- لم نوكل بالسرائر وإنما وكلنا بالظواهر
- اللهم لا تترك له ظلمي واطلبه بدمي واجعلني آخر قتيل يقتل من أمة محمد!
فضربت عنقه! ثم قال الحجاج "هاتوا من بقي من الخوارج" فقرب إليه جماعة فأمر بضرب أعناقهم وقال ما أخاف إلا دعاء من هو في ذمة الجماعة من المظلومين فأما أمثال هؤلاء فإنهم ظالمون حين خرجوا عن جمهور المسلمين وقائد سبيل المتوسمين!
وقال قائل إن الحجاج لم يفرغ من قتله حتى خولط في عقله وجعل يصيح "قيودنا، قيودنا"، ويعني بذلك القيود التي كانت في رجل سعيد بن جبير! الأمر الذي جعل ابن قتيبة يقول: "متى كان الحجاج يسأل عن القيود أو يعبأ بها!". وهي كلمة لها مذاقها الاخلاقي. اما في الواقع، فقد اخطأ ابن قتيبة بهذا الصدد، وذلك لأن الحجاج هو الأكثر من كان يسأل عن القيود ويعتني بها لكي يستعملها من جديد.


الحجاج- صنم السلطان والخصيان!

لقد سردت في نهاية الحلقة السابقة الى الحالة التي تصف فيها موقف الحجاج الثقفي بعد قتله لسعيد بن جبير الى ما يسمى بارتجاج عقل، او حسب وصف القدماء "إن الحجاج لم يفرغ من قتله حتى خولط في عقله"، وجعل يصيح "قيودنا، قيودنا"، ويعني بذلك القيود التي كانت في رجل سعيد بن جبير! الأمر الذي جعل ابن قتيبة يقول: "متى كان الحجاج يسأل عن القيود أو يعبأ بها!". وهي كلمة لها مذاقها الاخلاقي. اما في الواقع، فقد اخطأ ابن قتيبة بهذا الصدد، وذلك لأن الحجاج هو الأكثر من كان يسأل عن القيود ويعتني بها لكي يستعملها من جديد.
ومع ذلك استند التعليق الدقيق الذي بلوره ابن قتيبة إلى وقائع التاريخ الفعلي وشخصية الحجاج الخالية من أية مشاعر وأحاسيس وقيم ومفاهيم، باستثناء صنمية العبودية للسلطة، والتي نعثر عليها في كلمات خالد بن عبد الله القسري في استعداده لدك الكعبة حجرا حجرا مرضاة لمالكه عبد الملك بن مروان. وقد نفّذ الحجاج هذه الرغبة بحذافيرها قبل ذلك بسنوات. كما نعثر عليها في طبيعة الحوار ونتائجه التي أدت بحياة سعيد بن جبير إلى فناءه في تقاليد الروح وتاريخ الثقافة الحية، وبقاء الحجاج في شتيمة الذاكرة وإدانتها الأبدية. ونعثر على الوجه الآخر لهذه المفارقة في إحدى القصص والحوارات التي دارت بين الحجاج وبين الغضبان الشيباني (إحدى الشخصيات البهلوانية) الذي قبض عليه الحجاج بسبب قوله لابن الأشعث: "تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك"، رغم انه كان من أتباع الحجاج. وهي قصة وثيقة الارتباط بشخصية سعيد بن جبير الذي حاول في بادئ الأمر إقناع ابن الأشعث بالكف عن التمرد، لكنه مال إليه في نهاية الأمر. غير أن لكل منهما مصيره في حياة الحجاج السياسية. فإذا كان مصير سعيد بن جبير القتل، فان مصير الغضبان الشيباني الصفح والضحك! إذ تنقل لنا كتب التاريخ والسير والأدب الحوار التالي بينهما بعد أن رجع الغضبان الشيباني من كرمان (منطقة ابن الأشعث آنذاك). فقد بادره الحجاج قائلا:
- أنت شاعر؟
- لست بشاعر، ولكني خابر!
- أفعرّاف أنت؟
- بل وّصاف!
- كيف وجدت أرض كرمان؟
- ارض ماؤها وشل، وسهلها جبل، وثمرها دقل، ولصها بطل. إن كثر الجيش بها جاعوا، وان قلّ بها ضاعوا.
- صدقت! أعلمت من كان الإعرابي؟
- لا!
- كان ملكا خاصمك فلم تفقه عنه لبذخك.
عندها قال الحجاج لمن في إمرته:
- اذهبوا به إلى السجن! فانه صاحب المقالة "تغّد بالحجاج قبل أن يتعشى بك!"، وأنت يا غضبان قد أنذرك خصمك على نطق لسانك. فما الذي بك دهاك؟
- جعلني الله فداك أيها الأمير! أما أنها لا تنفع من قيلت له، ولا تضر من قيلت فيه!
- اجل! ولكن أتراك تنجو مني بهذا؟ والله لأقطعن يديك ورجليك ولأضرّبن بلسانك عينيك!
- أصلح الله الأمير! قد آذاني الحديد، واهون ساقي القيود، فما يخاف من عدلك البريء، ولا يقطع من رجائك المسيء.
- انك لسمين!
- القيد والرتعة! ومن يك ضيف الأمير يسمن.
- إنا حاملوك على الأدهم
- مثلا الأمير، أصلحه الله يحمل على الأدهم والأشقر؟
- انه لحديد
- لأن يكون حديد خيرا من أن يكون بليدا
- اذهبوا به الى السجن!
- "فلا تستطيعون توصية ولا إلى اهلهم يرجعون"
وقضى الغضبان الشيباني في السجن فترة طويلة إلى أن أنهى الحجاج بناء مدينة واسط. وعندما أتمها قال لندمائه:
- كيف ترون هذه القبة؟
- ما رأينا مثلها قط!
- أما أن لها عيبا، فما هو؟!
- ما نرى بها عيبا.
- سأبعث الى من يخبرني به!
وعندما بعث على الغضبان الشيباني، واقبلوا به وهو يرسف بقيوده، عند ذاك قال له الحجاج:
- يا غضبان! كيف قبتي هذه؟
- أصلح الله الأمير! نعم القبة، حسنة!
- اخبرني بعيبها
- بنيتها في غير بلدك! لا يسكنها ولدك. ومع ذلك فانه لا يبقى بناؤها ولا يدوم مرانها. وما لا يبقى ولا يدوم فكأنه لم يكن!
- صدقت! أرجعوه الى السجن!
- أصلح الله الأمير! قد أكلني الحديد، واوهن ساقي القيود، وما أطيق المشي.
- احملوه. (فلما حملوه على الأيدي قال الغضبان)
- "سبحان الذي سخر لنا هذا وما كانا له مقرنين" .
- انزلوه! (ولما انزلوه، قال:
- "رب! أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين" .
- جرّوه (ولما جروه قال):
- "بسم الله مجراها ومرساها، أن ربي لغفور رحيم".
- اضربوا به الأرض (ولما ضربوه بالأرض قال):
- "منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى" .
عندها اخذ الحجاج بالضحك بحيث استلقى على قفاه ثم قال:
- ويحكم! قد غلبني والله هذا الخبيث! أطلقوه! إلى صفحي عنه
- "فاصفح عنهم وقل سلم" .
وهي الحالة التي تصورها ما يرويه الأصمعي عن عمه القائل، بان الحجاج لما فرغ من ابن الزبير وقدم إلى المدينة، التقى بشيخ خارج منها، فسأله عن حال أهل المدينة، فأجاب:
- بشرّ حال! قتل ابن حواري رسول الله!
- ومن قتله؟
- الفاجر اللعين الحجاج عليه لعائن الله وتهلكته!
- أيها الشيخ! أتعرف الحجاج إذا رأيته؟
- نعم! فلا عرفه الله خيرا ولا وقاه ضرا!
وعندما كشف الحجاج عن لثامه وقال له:
- ستعلم أيها الشيخ الآن إذا سال دمك الساعة
- والله أن هذا لهو العجب يا حجاج! لو كنت تعرفني ما قلت هذه المقالة! أنا العباس بن أبي داوود، اصرع كل يوم خمس مرات!(بمعنى اصابته بالصرع).
- انطلق فلا شفى الله الأبعد من جنونه ولا عافا!
إننا نرى في هذه النماذج والأمثلة حقيقة الحجاج وشخصيته. بمعنى قسوته غير المتناهية في معارضة ومواجهة الحق والحقيقة، وليونته ولطفه أمام السخرية والتلهية العابثة بكل شيء مازال ذلك لا يمس السلطة بشيء ولا يعرقل عليها تلذذها السمج بخوائها الذاتي.
وقد كانت تلك الصفة التي ميزت عقيدته السياسية والعملية. بمعنى الخنوع المطلق أمام صنم السلطة الغاشمة، والتيمم بغرائب الاستبداد، والتلذذ برعشة الارتماء أمامها بوصفه رئيس سدنتها. ويمكن رؤية هذه الحالة على مثال محاورة الشعبي وما تبعها من نوادر وسلوك. إذ تنقل لنا كتب التاريخ كيف أن الحجاج بعد قتل ابن الأشعث أقام أياما لا يمر عليه يوم إلا ويأتون إليه بالأسرى. فلما رأى كثرتهم ازداد حنقا وغيظا. فاخذ يأمر بقتلهم. وبما أن اغلبهم كانوا من أتباع الخوارج، ورغبة منه باستئصالهم، فانه اخذ بامتحانهم بالسؤال التالي: أمؤمن أنت أم كافر؟ من اجل أن يعرف الخوارج من غيرهم. فمن قال عن نفسه بأنه كافر منافق أطلق سراحه، ومن قال انه مؤمن قتله! وذلك لمعرفته بصدق الخوارج! وهي الحالة التي جعلت من الرذيلة فضيلة وجرى رفعها الى مصاف النكتة والنوادر المضحكة المبكية بالنسبة للروح الثقافي وتاريخ العدل. فعندما وقع عامر بن سعيد الشعبي في الأسر، وقد كان مع ابن الأشعث في جميع حروبه وقريب المنزلة منه، ليس لأحد منه مثلها باستثناء حال سعيد بن جبير. وأتى الشعبي إلى الحجاج في سورة غضبه وهو يقتل الأسرى، إلا من اعترف وأقرّ على نفسه بالكفر والنفاق! فلما سار عامر بن سعيد الشعبي إلى الدخول عليه لقيه رجل من صحابة الحجاج يقال له بريد بن أبي مسلم وكان مولى الحجاج وحاجبه. فقال للشعبي: "يا شعبي لهفي بالعلم الذي بين دفتيك وليس هذا بيوم شفاعة! إذا دخلت على الأمير فأوله بالكفر والنفاق عسى أن تنجو!" فلما دخل الشعبي على الحجاج صادفه واضعا رأسه لم يشعر. فلما رفع رأسه رآه قال له:
- وأنت أيضا يا شعبي فيمن أعان علينا وألب!
- أصلح الله الأمير إني أمرت بأشياء أقولها لك أرضيك بها وأسخط الرب ولست أفعل! ولكني أقول أصلح الله الأمير وأصدقك القول فإن كان شيء ينفع لديك فهو في الصدق. إن شاء الله أحزن بنا المنزل وأجدب الجناب واكتحلنا السهر واستحلنا الخوف وضاق بنا البلد العريض فوقعنا في خزية لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء.
- كذلك!
- نعم! أصلح الله الأمير وأمتع به (فنظر الحجاج إلى أهل الشام وقال):
- صدق والله يا أهل الشام! ما كانوا بررة أتقياء فيتورعوا عن قتالنا ولا فجرة أقوياء فيقووا علينا! (ثم قال) انطلق يا شعبي فقد عفونا عنك فأنت أحق بالعفو ممن يأتينا وقد تلطخ بالدماء ثم يقول كان وكان.
وكان قد أحضر بالباب رجلان أحدهما من قبيلة بكر بن وائل والآخر من قبيلة تميم. وكانا قد سمعا ما قيل للشعبي بالباب. فلما أدخلوهما على الحجاج، فانه ابتدر البكري قائلا:
- أمنافق أنت؟
- نعم أصلح الله الأمير! لكن أخو بني تميم لا يبوء على نفسه بالنفاق!
عندها قال التميمي "أنا على دمي أخدع! بل أنا أصلح الله الأمير منافق مشرك!!". عندها ابتسم الحجاج وأمر بإخلاء سبيلهما!! تكشف هذه الحالة بصورة نموذجية لا مثيل لها في التاريخ الإسلامي قبل الحجاج عن طبيعة وحقيقة النزعة الأموية التي تمثل الحجاج رحيقها الفعلي.
لقد كانت هذه النماذج المتنوعة في الامتحان، والمتنوعة في كشفها عن طبيعة العقيدة السياسية للحجاج، أحد الأمثلة الواقعية عن طبيعة الأموية ومضمونها الفعلي، بوصفها همجية الزمن السلطوي. وليس مصادفة أن يقشعر جلد الحجاج حالما دل وسواسه يوما على إمكانية البحث عن "عفو" عند السلطة لبعض ممن اعتقد انهم لم يكونوا خطرين عليها. وعندما رد عليه عبد الملك بن مروان قائلا: "لم أبعثك مشفعا وإنما بعثتك منفذا مناجزا لأهل الخلاف والمعصية". وهو اليقين الجديد الذي حفز مكنونات الشخصية الأموية في نفسية الحجاج وذهنيته بحيث نرى ارتعاشها المتلذذ بقسم الإيمان الدموي حالما وقف أمامه ممن أراد الشفاعة بهم من وجوه قريش مثل عمرو بن موسى التميمي ومحمد بن سعد بن وقاص. حينذاك أخرجهم الحجاج (وكانوا اثني عشرا) وقال لعمرو بن موسى وكان شابا جميلا:
- يا عاتق قريش! مالك أنت وللخروج؟ إنما أنت عاتق صاحب ثياب ولعب!
- أيها الرجل امض لما تريد! فإنما نزلت بعهد الله وميثاقه فإن شئت فأرسل يدي وبرئت مني الذمة
- كلا! حتى أقدمك إلى النار!
فضربت رقبته ثم جيء بمحمد بن سعد وكان رجلا طويلا، فقال له:
- يا ظل الشيطان! ألست بصاحب كل موطن؟ أنت صاحب الحرة، وصاحب يوم الزاوية، وصاحب الجماجم!
- إنما نزلت بعهد الله وميثاقه! فإن شئت فأرسل يدي وبرئت مني الذمة.
- لا! حتى أقدمك إلى النار!
ثم قال لرجل من أهل الشام اضرب لي مفرق رأسه! فضرب ضربة فلقته فلقتين. ثم أخذ بقتل الباقين.(يتبع....)





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,096,960,882
- نقد تقاليد الاستبداد في الثقافة السياسية العربية(2) على مثال ...
- نقد تقاليد الاستبداد في الثقافة السياسية العربية(1)
- داوود الطائي- شخصية ومصير
- سفيان الثوري- شخصية ومصير(3-3)
- سفيان الثوري- شخصية ومصير (2-3)
- سفيان الثوري – شخصية ومصير (1-3)
- الحركة الصدرية والمستقبل: من الطائفة إلى الأمة، ومن المدينة ...
- أيديولوجيا الحركة الصدرية – اللاهوت الشيعي والناسوت العراقي
- الحركة الصدرية - الأنا والتاريخ أو اليوطوبيا والمستقبل
- الحركة الصدرية – تيار الداخل وصعود الباطن العراقي
- مقدمات المعترك السياسي والأيديولوجي للحركة الصدرية
- الحركة الصدرية- غنيمة الزمن العابر وتضحية الانتقام التاريخي
- مقتدى الصدر: ميتافيزيقيا -الثورة- الصدرية
- تقييم تجربة بناء الدولة العراقية (2003-2018)
- غاندي وعقدة -القادة العرب-
- إبراهيم بن ادهم - شخصية ومصير
- آفاق الصراع الديني في المشرق العربي المعاصر
- تصوف ومتصوفة
- إيران وسوريا في ميدان الصراع الروسي - الأمريكي (2-2)
- إيران وسوريا في ميدان الصراع الروسي - الأمريكي(2-1)


المزيد.....




- الخوف والحزن يخيمان على مدينة ستراسبورغ الفرنسية وسط استمرار ...
- تعميم صحفي رقم (2) من نداء السودان حول مجريات اجتماعات اديس ...
- غنيمات: ملك الأردن يدرك تماما ما يعاني منه الشعب
- السجن 3 سنوات لأحد أهم المقربين من الرئيس الأمريكي... من هو؟ ...
- فيديو: فضح حقيقة "الروبوت بوريس" روسي الصنع
- مصاعب في التغطية الميدانية وسجون لقول الحقيقة.. رقم كبير للص ...
- السجن 3 سنوات لأحد أهم المقربين من الرئيس الأمريكي... من هو؟ ...
- فيديو: فضح حقيقة "الروبوت بوريس" روسي الصنع
- مصاعب في التغطية الميدانية وسجون لقول الحقيقة.. رقم كبير للص ...
- رونالدو يُقر ويعتذر.. هل يتحمل مسؤولية خسارة اليوفي؟


المزيد.....

- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - نقد تقاليد الاستبداد في الثقافة السياسية العربية(3) على مثال الحجاج الثقفي