أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منوّر نصري - سألوّن السحاب - مقاربة تعدّدية لأشعار فريدة صغروني















المزيد.....


سألوّن السحاب - مقاربة تعدّدية لأشعار فريدة صغروني


منوّر نصري
الحوار المتمدن-العدد: 6016 - 2018 / 10 / 7 - 18:25
المحور: الادب والفن
    


مجموعة فريدة صغروني الشعرية التي أرسلتها لي بكلّ عفوية لأقرأها وأكتب ما يتراءى لي بشأنها كتقديم لها تفتتح به إصدارها الأول الذي قدّمته للنشر أثارتْ لديّ عدة تساؤلات، بعضها يتصل بطبيعة الكتابة الشعرية عموما وبتلقي الشعر وبعضها متصل بخصوصيات أشعار صديقتي الملقّبة بخنساء سيدي بوزيد. التساؤلات عديدة، وكلّ قصيدة من المجموعة تثير تساؤلات إضافية. لكن ما دام الأمر يتعلق بمجرّد تقديم للمجموعة فسأكتفي بالتساؤلات التي أعتبرها جوهرية لقراءة أشعار فريدة صغروني بمتعة ودخول فضاءاتها الشعرية برغبة. ولكن لن أجيب عن كل سؤال بصفة منفصلة، بل سوف أقدّم أجوبة مترابطة أعود فيها باستمرار إلى أشعار صديقتي. وهذه تساؤلاتي:
- كيف يمكن التمييز بين الشعر والنثر خصوصا عندما تغيب المميزات الشكلية من وزن وقافية وإيقاع ؟
- هل نقرأ الشعر والنثر بنفس الطريقة أم أن لتلقّي الشعر خصوصيات لابدّ من توفّرها لتحصل المتعة ؟
- ما الذي يميّز بين من يحبّ الشعر ويستمتع بقراءته ومن لا تستهويه الأشعار وخاصة منها ما كان غامض المعنى ؟
- ما هي الخصائص الشعرية في قصائد فريدة صغروني ؟
- ما المضامين وما مختلف الأدوات الفنية التي تستعملها شاعرتنا ؟
- ما نوع المتعة التي تحصل عند قراءة قصائد فريدة صغروني ؟
- لمن تكتب فريدة صغروني وما هي رهانات الكتابة لديها ؟
- لماذا لُقّبتْ بخنساء سيدي بوزيد ؟
- هل توجد مؤشّرات لرغبة، قد تكون خفيّة، لدى الشاعرة، باعتبارها متفقدة في التربية، في أن تحتفيَ بالبيداغوجيا، باستعمال الأدوات الشعرية، لتحقيق رغبة ذاتية، من ناحية، ولتبرز العلاقة بين البيداغوجي والشعري في قصائدها وتتبين أوجه الاستفادة المتبادلة بينهما، من ناحية ثانية ؟
- ما هي الخصائص النفسية التي يمكن أن نستنتجها من أشعار فريدة صغروني وتعطي فكرة عن الدوافع الحقيقية لديها لكتابه الشعر ؟
يختلف الخطاب الشعري عن الخطاب النثري في كون لغة النثر تتميّز بالأداتية. فكاتب النثر يستعمل اللغة ليعبّر عن أفكاره ومشاعره ومعتقداته واتجاهاته وأهدافه. والمتلقي الذي يقرأ ذلك الخطاب النثري يكوّن فكرة عن المضمون تغنيه عن المفردات والجمل والمقاطع التي استعملها كاتب النص. فهو ليس في حاجة إلى المفردات المستعملة في الخطاب ولا إلى كيفية الربط بينها وبين مختلف الجمل والمقاطع التي يتكون منها النص، بل إلى الفكرة التي يكوّنها بنفسه وبطريقته الخاصة انطلاقا من ذلك النصّ. لذلك يقول Paul Valéry (1927) في كتابه « Propos sur la poésie » بان الشكل في الكتابة النثرية لا يُحتفَظ به ولا يواصل البقاء بعد الفهم. فهو يتحلّل ويذوب. ومادام قد ساعد على وضوح المعنى والفهم، فقد أدّى دوره. ولكن خلافا للخطاب النثري الذي يتلاشى بعد أن يقوم بدوره المتمثل في إبلاغ فكرة، فإنّ القصيدة الشعرية لا تموت بعد أداء دورها. فقد وُجدتْ لتُبْعَثَ في كلّ مرّة من رمادها. (أورده Jean Louis Joubert (1988) في كتابه « La poésie » p.53 الصادر عن دار Armand colin Editeur, Paris.
وفي هذا الإطار، فإنّ المضمون في الشعر لا ينبغي أن يطغى على الشكل الذي هو مصدر جمالية القصيدة. وهذه الجمالية لا يمكن توفّرها في تلخيص لمضمون قصيدة جميلة، لأنّ التلخيص يتغاضى عن مكوّنات شكلها التي بدونها تفقد سحرها وتتحوّل إلى نصّ فاقد للروح. وخلافا للنثر، فإن القصيدة لا تتحمّل سوى الشكل الذي كُتبتْ فيه. وكل بيت في القصيدة يأبى أن يُصاغ بشكل مختلف.
لذلك يرى Paul Valéry، أنّ الشعر لا ينقل للمتلقي أفكارا ومضامين، بل يجعله يعيش الحالة الشعرية الفريدة التي عاشها الشاعر عند إنتاج القصيدة. فوظيفة الشاعر الأساسية هي خلق الحالات الشعرية لدى المتلقي. وإذا كان الشعر من هذا المنظور آلة لخلق حاله شعرية عن طريق الكلمات، فإنّ المتلقي ينبغي أن يكون على نفس القدر من الإلهام الذي يتمتّع به الشاعر ليستطيع باستمرار تنشيط القوّة الشعرية الكامنة في الأبيات.
لهذه المعاني مكان في مجموعة أشعار فريدة صغروني. فالشاعرة’ بعفويتها في التعبير عن اختلاجاتها، وبحسّها الفنّي الصافي الذي ينأى بنفسه عن تعقيدات المدارس الشعرية، ومشاعرها المتدفقة بعيدا عن الصخب الذي يملأ أرجاء فضاءات التنظير للشعر، وحالاتها الشعرية التي تبدو مسكونة بحبّ الناس والبلاد وحياتها بين ذويها والأشياء التي تؤثث عالمها البسيط والفنّ والشعر والكلمات، وبالموسيقى النابعة من روحها الشعري المبدع، وبمفرداتها وتراكيبها التي تتآزر فيما بينها لترسم الظلال والأضواء في فضاءات القصيدة كيْ يظهر الحُسْنُ الذي تطرُبُ له نفس المتلقّي، وبتنوّع مواضيعها استجابة لهمس وجدانها الذي لا يقبل إخفاء نبضه الداخليّ، بكلّ هذه المعاني، وبمعاني أخرى كثيرة سوف يكتشفها قُرّاء قصائد فريدة صغروني، تضعنا الشاعرة أمام صورة مختلفة للقصيدة، صورة فريدة من نوعها، قوامها جمال بسيط، فيه أنفاس صافية وألوان غير معكّرة ومشاعر دافقة وصدق نادر وُجُودُهُ في الأشعار المتداولة. فالقصيدة عندها خالية من الافتعال، نابعة من نفسها مباشرة، دون تكلّف، ولا ترتيب، ولا شطب أو زيادة. تبدو القصيدة لديها تنساب متوهجة بمشاعرها ومنعِشة بصدقها وألق صورها وبساطة تراكيبها ووضوح معانيها وصفاء ألوانها ومستحبّ وقعها في النفس.
تكتب في الغزل فتصلك أنفاسها وهي تكتب كأنّما تشاهد نبضها وهي تبحث عن الصّور وتلوّن مساحات القصيدة بألوان حافظتْ على إشراقها الأوّل لأنّها لم تمزجها كثيرا وفضّلت أن تستعملها في صفائها الأصلي كما يفعل رسّامو المدرسة الوحشية Fauvisme ou école fauviste الذين يستعملون الألوان القويّة غير الممزوجة أحيانا للحصول على تعبيرات على قدر كبير من البساطة تشبه في جماليتها التعبيرات البدائية. قصائد فريدة صغروني في الغزل فيها شَبَهٌ بتلك الرسومات التي تميّزتْ ببساطة أشكالها وتغاضيها عن الدرجات الضوئية واعتمادها على الألوان الصارخة لأنّ شاعرتنا تتغاضى عن شكليات الكتابة الشعرية وتقدّم لنا كتابات في الغزل الجميل الصادق النابع مباشرة من الوجدان دون استعمال للمحسنات الشعرية المتداولة من وزن وموسيقى وصور معقّدة وألفاظ صعبة وشديدة التجريد ورموز يصعب فهمها وإدراك مقاصدها. ولئن اهتمّتْ الشاعرة بالقافية في كثير من الأحيان، فذلك معزول عن بقيّة المحسنات، وقد يدلّ على رغبة في توفّر شيء من الموسيقى في شعرها. تقول في قصيدة " معكِ سيدتي عبودية مخمليّة " (23/6/2018):
هذا نبضي يراقص نبضك
وهذا لساني انعقد على اسمك
وهذا بصري ارتسم برسمك
وهذه يدي تعاقدت مع لمسك
وتلك مسامعي لا تهتمّ بغير همسك
وتلك أنفاسي لا يريدها غير فيحك
وطيب ريحك
للشاعرة في هذه المجموعة الشعرية عدّة قصائد أخرى في الغزل أو الوجدانيات أو العلاقة العاطفية بين المرأة والرجل، وهي التالية: ولقد نزل على حين غرّة عليّ هواك / إن مللتني ولم تعد فيّ ترغب (في العاطفة السلبية بين المرأة والرجل) / لكلّ قيساها / كوني لي وطني / فنجان قهوة وسيجارة (حوار غزلي) / أراك نسمة / أِبْقَيْ / مولاتي ضاع العمر / اليوم ضباب ، فسأعلن عن انقلاب (حوار غزلي متأثّر بآراء الفيلسوف الألماني نيتشة Nietzsche 1844- 1900 حول إرادة القوّة Volonté de puissance)/ أنا أذكر ذات شتاء، فهل أنت تتذكّر؟ / صباحك ممطر / النّفس لمّا تهتاج ببحر من الأمواج (حوار غزلي فيه تأمّلات فلسفية وجودية متأثرة بالأفكار الوجودية للفيلسوف الدنماركي كيركيغارد Kierkegaard 1813 - 1855 / أمامك سيّدتي، أنا طفل متوحّد)/ الشّعب تحت رحمة الحكومة (مضمون غزلي بعنوار ساخر). لكلّ قصيدة وهجها الخاصّ وطقوسها المميّزة وألوانها الغالبة ولكنها تشترك جميعا في كونها تحمل تلك التعبيرات غير المفتعلة عن انفعالات النفس بلغة تميل إلى البساطة في مفرداتها وتراكيبها وصورها ممّا يترك أثرا جميلا لدى المتلقّي ويجعله يستحسن القراءة ويبحث فيها عن نفسه وعن مشاعره وأخْيِلَتِه وعن الرسومات والألوان التي تتفاعل في أعماقه. وهذا مقطع من قصيدة "مولاتي، ضاع العمر ":
مولاتي، ضاع العمر
وأنا في انتظارك
أخشى نزف العمر
رحّالاً بترحالك
جوّالاً بتجوالك
وفي قصيدة "اليوم ضباب، فسأعلن عن انقلاب " نجد هذا الجوّ النيتشي الذي أوجدته الشاعرة لتعبّر عن عدم رضاها عن الموجود ورغبتها الجامحة في تأسيس واقع آخر يستجيب لطموحاتها:
قالت:
ألا ترى أن اليوم ضباب
...
يغري بالانقلاب
ويهدي لي مختلف الأسباب
ويهديني إلى ما أمكن لأعلن عن
انقلاب
وسوف أؤسس مملكة في السحاب
قال:
ثوري على الكلّ، على العرف
على العرش
في قصيدة " النفس لمّا تهتاج ببحر من الأمواج " تُوحِي لنا المناخات التي تَرْسُمُ فيها الشاعرة هيجان النفس بفكرة "القلق " L’angoisse التي كتب عنها فيلسوف الوجودية المؤمنة الدنماركي كيركيغارد Kiekegaard. وتعزّز هذه الفكرة بعض المفردات مثل "ركود"، "ركون "، "يقتلني "، "ملل"، "مقيت "، "مملّ "، "لا يُطاق "، "النفس الثائرة "، "المهتاجة " التي تتردّد في بعض الأبيات. لكن، كما في كتابات كيركيغارد، يتلاشى هذا القلق الوجودي وتجِدُ النفْسُ سكينتها في العبادة.
المدُّ والجَزْرُ، سيّدي،
يتوالفان عندي، يتوازيان،
كذِراعَيْ متعبّد، متزهّد، يرتفعان،
بعد كلّ صلاة، نحو السماء،
معراجْ.
كتبتْ فريدة صغروني في الرّثاء. وفي هذه المجموعة نجد ثلاث قصائد رثائية كتبتها إلى روح الفقيد زوجها، وهي على التوالي: حالة عشق لما بعد الحياة / سألتُ ابنكَ عن آخر قصيدة / من روح الفؤاد إلى روح روح الفؤاد. يبدو أنّ شاعرتنا كتبتْ رثائيات أخرى كثيرة خارج إطار هذه المجموعة توجّهتْ بها إلى روح المغفور له زوجها الذي كان يملأ حياتها ويضفي عليها مسرّة افتقدتْها بَعْدَهُ. ولعلّ كثرة الرثائيات هي ما جعلها تُلَقَّبُ بـ "خنساء سيدي بوزيد"، إذْ لا أظنّ أنّ هذه التسمية تعتمد على ملامح الوجه كما هو الشأن بالنسبة إلى "الخنساء"، الصحابية والشاعرة التي أدركتْ الجاهلية والإسلام وأسلمتْ (575م – 645م)، ولكن ربّما كان ذلك يستند إلى العاطفة المتدفّقة في أشعار فريدة الصغروني والتي تذكّر بالمشاعر المتأجّجة في أشعار الخنساء. ومهما كانت أسباب تلقيب فريدة صغروني بخنساء سيدي بوزيد، فإنّ رثائياتها تختلف في جوهرها عن رثائيات الشاعرة "الخنساء" التي كان شعرها يتميّز بالبكائيات حزنا على فقْدان أخويْها "صخر" و"معاوية" اللذيْن قُتِلاَ في الجاهلية، قي حين تتميّز رثائيات فريدة صغروني بالغزل الرثائي. وقد انتبهتْ هي نفسُها إلى هذه الخاصّية، وعبّرتْ عنها في المقطع التالي من قصيدة "سألتُ ابنكَ عن آخر قصيدة ":
ففي الرثاء اختصصْتُ، وعلى الكتابة أدْمنْتُ،
وإلى الشعر، بعد الله، التجأتُ، ولبدعة الرثاء الغزليّ،
أو غزل الرثاء، لا أدري، ابتدعتُ.
ورغم الانطفاء المُصرّح به والسوداوية التي تتميّز بها مناخات القصائد الرثائية، فإنّ حُبّ الحياة، أو غريزة الحياة Pulsion de vie، حسب نظرية علم النفس التحليلي Psychanalyse لفرويد Freud، مازالت تغمر نفس الشاعرة. فهي تحبّ وتغار وتتحاور، كما في المقطع التالي من قصيدة "حالة عشق لما بعد الحياة ":
هل سمعتَ يوما بقصائد عشق الأمواتْ ؟
فاعلمْ إذن أنّها سيدي، حالة عشق لما بعد الحياة.
ما غِرْتُ عليك وأنتَ هنا، وغرْتُ عليكَ وأنتَ هناكْ.
كيف لا ؟ وأنتَ في جنان الفردوس مع الحوريات.
وما يعزّز أكثر فكرة حبّ الحياة أنّ الشاعرة لم تستسلم، بعد فراق الرفيق، إلى اليأس والعزلة والصّمت ورفض أنشطة الحياة، بل واصلتْ أداء أدوارها الاجتماعية حتّى وهي مكلومة النفْس. ولعلّ هذا الشرخ العميق في وجدانها هو ما دفعها إلى كتابة الشعر باعتباره نشاطا فنّيا يحوّل الوجع الباطنيّ العميق إلى متعة خلاّقة تروّح عن النّفس وتترك أثرا يستهوي النّاس وينفعهم. تقول في مقطع آخر من نفس القصيدة:
لكَ منّي اليوم، أغلى هديّة، أحسبها من أحلى هداياكْ.
جرّرْتُها بكلمات سخيّة، ظلّتْ حبيسة، كان تحريرها
من سابع المستحيلاتْ
ولو اتبعنا توجيهات التحليل النفسي للأثر الأدبي لَبَدَا لنا أنّ عنوانَ قصيدة "موْلاتي، ضاع العمر وأنا في انتظارك " ومضمونها يخفيان عددًا من المعاني غير المصرّح بها وأهمّها رغبة الشاعرة في الحياة وما يرافقها من معاني الاستجابة لرغبات النفس مقاوَمَةً لغريزة الموت Pulsion de mort وضمانا للتوازن في الحياة.
كتبتْ فريدة صغروني القصائد النفسية التي تخاطب فيها وجدانها، وتنأى فيها عن الناس لتحدّث نفسها بالحرقة التي تناسب أحزانها العميقة التي لا يطّلع عليها أحد. في قصيدة "عُتْبِي عليك يا عيد "، تستعمل الألوان الداكنة لترسم المناخات الحزينة في أعماقها يوم العيد. هو عيد غير سعيد، قد يكون الأوّل بعد مغادرة الرفيق. ولكن، خلف هذه الأحزان، هناك صراخ يندّد بالحرمان ويطلب الحياة. فالقصيدة، بهذه المعاني، تكمّل قصيدة "مولاتي، ضاع العمر وأنا في انتظارك " من حيث المضمون غير المصرّح به والذي يمكن استنتاجه بالاستناد إلى توجيهات مقاربة علم النفس التحليلي للإنتاج الأدبي.
أعِدُكَ يا عيدي،
أن أسقطك من كلّ مواعيدي،
وسأخْلِفُ لك كلّ ميعاد،
ولن تكون صحبتي في أيّام يومي،
ولا في أيّام الأعياد.
تبقى اللّوعة جاثمة على قصائد فريدة صغروني الرثائية والنفسية، وتبقى نداءات الحياة في الباب الخلفيّ من النفس، تنتظر أن يُؤْذَنَ لها لتخرج إلى النّور وتنعم بألوان الدّنيا، كما جاء في قول شاعر تونس الكبير أبي القاسم الشابي بعد مدّةٍ حَزِنَ فيها حزنا شديدا على وفاة والده:
ما كنتُ أحسب بعد موتك يا أبي ومشاعري عمياء بالأحزان
أنّي سأظْمَأُ للحياة وأحْتســــــــي من كأْسها المتوهّج النشوان
ولعلّ من أكثر القصائد تواترا في أشعار فريدة صغروني قصائدها في الشّأن الوطني الذي يختلط أحيانا بالمشاعر والاهتمامات العُرُوبية القومية والتي تصوّر فيها أوضاع البلاد والأوطان العربية أحيانا في جوانب عدّة وتفضح ما تراه يعكّر صفو النّاس ويهدّد حياتهم وأمْنَهُمْ وحرّياتهم ومعاشهم. وهذه القصائد هي: سألتُ إلى أين أنت ذاهب يا أبتي ؟/ صاحبة العجلة / أردناه ربيعا عربيّا (عن الوضع في تونس وفي كافّة الأوطان العربية التي عاشتْ ثورات الربيع العربي)/ ثمّ ماذا بعد السفارة (تصف فيها الوضع في تونس وفي سائر البُلدان العربية؟)/ موظّف تونسي به تعاسة / أرض بلادي سهل ومنبسط / كم نفتقدك، أولاد أحمد.
واستنادا إلى مقاربة النقد السوسيولوجي Sociocritique يمكننا القول أنّ الوضع المتردّي الذي أصبحتْ عليه البلاد بعد ما سُمِّيَ بثورة الكرامة سنة 2011، له انعكاس في قصائد فريدة صغروني. فأشعارها في الشأن الوطني تشترك في كونها تعطي نفس الشعور بالمرارة وتنتشر في مساحاتها ألوان الخيبة التي تشهدها البلاد بعد أن حسب الجميع أنّ 2011 سيكون منعطفا للكرامة والحرّيات والخير والرّفاه، فإذا به سقوط في سرداب لم تظهر نهايته بعْدُ. فُقِّرَ الشعب وازدادت البطالة وانعدم الشعور بالأمن وضَعُفَ الإنتاج بمفعول الفوضى العارمة والنضالات الكاذبة التي لا تزيد البلاد إلاّ دمارا وقلّتْ ذات اليد وصعدتْ طبقة جديدة جلّها من خرّيجي السجون والسماسرة والمضاربين ومتحيّني الفرص والمنافقين إلى مراكز النفوذ، وأصبحت منزلة الكفاءات في الحضيض وحلّ محلّهم خبراء مزعومون، وتدنّتْ مكانة العلم والمؤسسات التي تهتمّ به وتفاقمت المعتقدات التي تزعم أنها مرتبطة بالإسلام وهي لا تزيد البلاد إلاّ إغراقا في الجهل والتخلّف، وساءت أحوال الناس وتلاشتْ أفراحهم البسيطة وغاب الاطمئنان في النفوس.
في قصيدة "أردناه ربيعا عربيّا"، تُصوِّرُ الشاعرة الخيبة التي أفاق عليها المواطن التونسي والمواطن العربي في الدول العربية التي عاشت ثورات ما سُمِّيَ بـ "الربيع العربي" بعد الحلم بانفراج جميل يستجيب لانتظاراته. وهذا مقطع من القصيدة:
احترقتْ أحلامهم
غرقوا في أوهامهم، تعساء،
هو ربيع عربيّ،
حلّ ربيعا يتهادى ببهاء،
فأُريدَ له أن يكون شتاء.
وتصوّر الشاعرة في قصيدة "ثمّ ماذا بعد السفارة ؟" الوضع المتردّي الذي يعيشه المواطن التونسي والعربي عموما في أوطان يحكمها حكّام فاسدون مستبدّون:
ضيّق الله عليكم قبوركم،
كما ضيّقتم علينا دنيانا،
زيدونا ذلاّ وعذابا وطغيانا،
وتفنّنوا،
في عيْشنا مَرارًا وحرمانا،
يا من جعلْتمْ
مُواطنيكم رعْيانا، رعاعا
وقطعانا.
أمّا في قصيدة "سألت إلى أين أنت ذاهب يا أبتي؟" فنجد الشاعرة توظّف الحكاية الشعبية الموجّهة للأطفال لترسم لوحة شعرية مختلفة عن بقية القصائد معنًى ومبْنًى. فالمعنى فيها يتناول مسألة في غاية الخطورة، تقُضُّ مضاجع التونسيين، وخاصّة الأمنيين والعسكريين والسياسيين، وهذا الوحش الذي تحدّثنا عنه الشاعرة هو الإرهاب الذي لاينفكّ يزرع الخوف في البلاد. صوّرتْه ذئبا، كما في حكاية "ذات الطربوش الأحمر" Le petit chaperon rouge الفرنسية الأصل والتي دوّنها كلّ من شارل بيرو Charles Perrault (1628 - 1703) بفرنسا والأخَوَان غريم Les deux frères Grimm (يعقوب غريم Jacob Grimm 1785 – 1863 وويلهالم غريم Wilhelm Grimm 1786 – 1859) بألمانيا، وتداولها الكتّاب العرب للأطفال تحت عنوان "ليلى والذئب". والمبنى في هذه القصيدة يستعير من بنية الحكاية الشعبية، ويضعنا أمام شخصيات وفضاءات وأزمنة وكائنات، ومناخات شعرية وحكائية. ولكلّ مكوّن إيحاءات جمالية ومضامين دلالية. تقول في هذه القصيدة:
سألتْ:
ومن أين يا أبتي،
ستأتي بالليل الآمن ؟
قال:
لمّا أطارد الوحش الكامن،
سأفتكه من بين أنياب الذئب
الخائن.
في هذه القصيدة، يظهر أكثر ممّا في غيرها بُعْدٌ آخر هامّ في شعر فريدة صغروني، وهو البعد التربوي البيداغوجي الذي يفرض نفسه عليها، حتّى دون وعْيٍ منها، ليجعل إنتاجها ملتفتًا للطفولة والأطفال، مهتمّا بمشاغلهم، مُرَاعيًا لميولهم وقدراتهم الذهنيّة واللغوية. فهذه القصيدة، وكأنّها موجّهة للتلاميذ، في مستوى الخامسة والسادسة من التعليم الابتدائي، فهي توظّف حكاية كُتِبتْ في الأصل للأطفال، وبنيتها الشعرية مستوحاة من تلك الحكاية، فيها شخوص وزمان ومكان وكائنات مخيفة ومناخات، وكلّ هذه العناصر في متناول تلاميذ المستوييْن المذكوريْن.
ولئن كان البُعْدُ التربوي البيداغوجي ظاهرًا بأكثر وضوحًا في قصيدة "سألت إلى أين أنت ذاهب يا أبتي؟"، فإنّه حاضر في كلّ القصائد وكأنّ السيّدة فريدة صغروني، المتفقدة الأولى للمدارس الابتدائية، تكتب وفي قلبها أطفال يَسْعَدون بما تخطّ، ويفهمون ما تقول، ويتحاورون معها في مكوّنات الأشعار الدلالية والجمالية. إنّها مسكونة بالفعل التربوي وبالأطفال إلى درجة أنّها تكتب شعرا يصلح للمدارس دون أن تفكّر في ذلك. فهي تكتب بمعجم قليل التجريد، متداول في الوسط المدرسي، وتستعمل تراكيب قليلة التعقيد وتصوغ جملا واضحة البنية تترابط فيما بينها بسلاسة ووضوح وترسم صورا شعرية ذات ألوان تستهوي الأطفال وتُنشئ مناخات يسافر فيها وجدان تلاميذ المدارس برغبة في استكشاف أغوارها ليعودوا بنفوس ملأى بالمعاني والأسئلة والألوان والأخْيِلة.
لاشكّ انّ للشاعرة مشروعا بيداغوجيا، حتّى وإن كان ذلك ضمنيّا، تربط فيه بين البيداغوجيا والشّعر، لتتمكّن، لا فقط من إفادة المعلمين والتلاميذ في المدارس التي تُشرف عليها، ولكن لتوسيع هذه الفائدة، على أوسع نطاق، لكيْ تشمل أكبر عدد من المدرّسين والتلاميذ، ولتُشعّ على بقيّة دوائر التفقد. يحقّ لها أن تعمل على إعداد لقاءات تكوينية على مستوى جهويّ، في مرحلة أولى، ثمّ على مستوى وطنيّ، في مرحلة أخرى، للتعريف بمزايا الشعر والتدريب عليه، وتقديم أشعارها وعرضها للنقاش البيداغوجي. يُمْكِنُهَا التفكير أيضا في كتابة الشعر للأطفال صراحة. ولا أخال هذا اللّون من الشعر إلاّ جديرا باهتمام كلّ المشتغلين في المجال التربوي. كما أنّه أداة لتفتّح وجدان الأطفال وانفتاحهم على الإبداع الشعري وإطلاعهم على الأشعار التونسية التي نشأتْ تحت سماء بلادهم وتضمّنتْ مشاغل أهلهم وذويهم وتلوّنتْ بألوان ربوع أراضيهم.
لعلّ اهتمام الشاعرة بإبراز العلاقة بين شعرها وعملها البيداغوجي كمتفقدة في المجال التربوي هو ما جعلها، تطلب منّي، أنا تحديدا، أن أكتب مقدّمة لأول مجموعة شعريّة لها، وهي لا تعلم عنّي إلاّ صِفَتَيَّ العلمية والمهنيّة باعتباري دكتورا في علوم التربية ومتفقدا عاما للتربية، ولا تدري أنني أكتب الأدب في شتّى أغراضه من قصّة قصيرة ورواية وشعر ودراسة نقدية، وأنني نشرْت عديد القصص القصيرة في مجلّتيْ "قصص" و "الحياة الثقافية" التونسيتيْن ومجلّتيْ "القصّة" و "إبداع" المصريتيْن ونشرتُ في مجلّة "قصص" بعض الدراسات النقدية. كما نشرتُ عدّة قصص قصيرة ودراسات نقدية وقصائد في الصحف التونسية اليومية والأسبوعية وتحصّلتُ على عديد الجوائز في الملتقيات والمسابقات الأدبية ونشرْتُ سنة 1987 رواية عنوانها "باب الحزن، باب الفرح " في دار صامد للنشر بصفاقس.
كانت هذه قراءة أوّلية تَغْلُبُ عليها السرعة ، لذلك لا تدّعي الغوص في جماليات مجموعة فريدة صغروني الشعرية ولكن لها شرف المغامرة بقراءة هذه الباكورة ومحاولة استكشاف ثناياها والانتباه إلى مواقع الجمال فيها والتمييز بين مختلف إيقاعات الوجدان في مقاطعها، والإنصات إلى الأنغام التي تنبعث منها هنا وهناك ورصد ألوان مناخاتها وتحديد مواقع كلّ معنى من المعاني التي تمّتْ الإشارة إليها. لم تكن هذه القراءة الأوّلية يسيرة البتّة لأنّي قرأتُها وليس لديّ أيّ شيء أستعين به على الخوض في جماليات أشعار فريدة صغروني، غير المجموعة الشعرية التي أرسلتها لي الشاعرة في صيغة رقميّة وبعض المعلومات البسيطة التي مدّتني بها هاتفيّا. يمكن أن تكون هذه الدراسة الأوّلية نقطة انطلاق لمشارع أخرى تبسط مزيدا من الأضواء على قصائد هذه الشاعرة وتخوض في مواضيع شتّى من بينها البُعد الوجداني بتوظيف مفاربة النقد السيكولوجي Psychocritique، البُعد الاجتماعي بتوظيف مقاربة النقد السوسيولوجي Sociocritique، العلاقة بين البيداغوجيا والشعر في أشعار الصغروني، وغيرها من المواضيع.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,048,722,827
- دنيا جديدة
- امرأة افتراضية
- نتائج البكالوريا 2015 : الواقع والتأويل - المعاهد العمومية ب ...
- أزمة الهوية المهنية للمتفقدين البيداغوجيين وموقع المتفقدين ا ...


المزيد.....




- مقتل خاشقجي.. تفاصيل الرواية السعودية
- الثقافة القطرية وفنونها في معرض ضخم بروسيا
- -ستان لي- ظهر في جميع أفلام -مارفيل- دون أن نلاحظ ذلك! (فيدي ...
- مطالبات لفرقة "مارون 5" برفض الغناء في نهائي دوري ...
- مطالبات لفرقة "مارون 5" برفض الغناء في نهائي دوري ...
- أغاني المهرجانات بمصر.. عندما يصبح الضجيج فنا
- الكشف عن سر بناء قاعة ذهبية في قصر المنيل بمصر (فيديو)
- من هو المغني البريطاني زين مالك الذي -ترك الإسلام-؟
- التشكيلي الفلسطيني غريب.. لوحات بإيقاع وطن وهموم أمة
- التقدم والاشتراكية يدعو حلفاءه فتح حوار موسع حول مشكل الساعة ...


المزيد.....

- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منوّر نصري - سألوّن السحاب - مقاربة تعدّدية لأشعار فريدة صغروني