أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - محمد سمير عبد السلام - ما بعد الحداثة... و جماليات التناقض..قراءة في الأشياء الفريدة لبودريار






















المزيد.....

ما بعد الحداثة... و جماليات التناقض..قراءة في الأشياء الفريدة لبودريار



محمد سمير عبد السلام
الحوار المتمدن-العدد: 1511 - 2006 / 4 / 5 - 12:28
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


في حوارهما المعنون بـ " الأشياء الفريدة " ، ترجمة رواية صادق – دار شرقيات والمركز الفرنسي بالقاهرة سنة 2003م – يقاوم كل من " جان بودريار" و " جان نوفيل" المدلول الجمالي المركزي لفن العمارة ، والذي صاحبه في الماضي حتى اكتسابه خصوصية بنيوية في جماليات الحداثة . وتأتى إشكالية هذا الحوار في ارتباط (العمارة) بالسياق الاجتماعي والاقتصادي للحضارة ، أي في ارتباطها بما يمكن تسميته بالواقع الإنساني أو المؤسسي .و هو ما يمكن تأويله في سياق مضاد لخطاب الواقع الإنساني المنتج له ؛ فالطابع النظري لجماليات التشظي والتفتيت في توجهات ما بعد الحداثة ، على مستوي الممارسات الفكرية والنصية يستحيل هنا إلى واقع يستبدل المدلول المركزي للأصل سواء أكان تاريخاً أم واقعاً. إن كتابة بودريار الحلمية أو الاختلافية حول مفهوم الزمن أو الصورة تنحرف هنا إلى الاستعاضة بذاتها عن ثبات مدلول الواقع من خلال علامات ينتجها بالفعل الفنان (جان نوفيل) في الواقع كتأويل إبداعي ووجودي لهذه الكتابة كفعل مغرق في انعدام التحديد ، ولهذه العلاقة الارتباطية و التحويلية بين ممارسة بودريار وإبداع (نوفيل) – فيما أرى – ثلاثة أبعاد تحقق تكوينا ً تحمل فيه العمارة آثار النص - هي :
وجود ممارسات جمالية جديدة متجاوزة للحداثة:
تتمثل جماليات ما بعد الحداثة في وعي المتلقي بأعمال الحداثة أو تلك التي تسبقها ، وذلك من خلال منظور تحريفي للأصل الذي وضع لأجله المبني ، أي أن بداية تشكل الوعي بوجود ممارسات جديدة – ما بعد حداثية – تكمن في إنتاجية التلقي لما هو غائب أو هامشي ، ويمكن من خلاله قراءة الأصل كجزء من لعبة التلقي ذاتها ، وبهذا الصدد يشير (بودريار) إلى المضمون الخيالي الكامن في واقعية برجي مركز التجارة العالمي وبروزهما ، فهما يعبران عن الاستنساخ في خيال المجتمع ، كمقاومة للأصل ، وإقامة التداعيات الافتراضية – للاستنساخ كظاهرة – محل الواقع. وهاتان دلالتان تناهضان محاكاتهما لما هو موجود مسبقاً . إن استنساخ كلا البرجين للآخر يدخل الواقع منطقة الوهم على هامش الحقيقة في فن العمارة . وكأن (الفراغ) عند (بودريار) يستنسخ الحقيقة الحدية لموضوع العمارة ، أو وجودها ، فيصبح مزيجاً من الامتلاء والخواء في وعي المتلقي ولا وعيه . إن المدلول الهامشي الأسطوري يقاوم ما هو قصدي أو محدد ، بل إن القصدية ذاتها – عند بودريار – تتجه إلى شاعرية مفرطة في الأحلام ، وامتداد الفراغ من داخل الأصل ، كأنه ظاهرة لها حضور رغم انعدام القصدية . أما (جان نوفيل) فيري أن (العالم الافتراضي) يكمن في واقع المعماري وطريقة إدراكه لوجوده في العالم ، فليست التكنولوجيا المعاصرة وحدها التي تجسد هذا العالم الافتراضي ، إذ إننا نحيا في شاشة كاملة ، ولذلك فجماليات الفراغ والانحراف تلازم أي حدث سياسي واقعي في وعي المتلقي. أما العمارة فتجسد ما هو مبهم في خالقها ، وخارج عن إرادته وهو في هذا يوافق رأي (بودريار) في أن جماليات ما بعد الحداثة تتبلور في نقطة إنسانية لا واعية في التلقي وإدراك العالم وفق جمالياتها ، ويشمل هذا الإدراك فنون الحداثة كافة ، كما أنه يتجاوز الأصل التاريخي لمفهوم الواقع . وتصل هذه الحركة إلى استبدال الواقع لذاته في اتجاه الأسطورة غير المرئية عند (جان بودريار) إذ يري أن المبني في مدينة (نيويورك) يتخطى حدوده ويعود إلى الفراغ وكأنه يمثل سفر الرؤيا أي يمتزج فيه ما هو سام بالكارثي في وقت واحد ، ولأشكال تجاوز الحداثة مظهر آخر يعلن نهايتها في التصوير والعمارة ألا وهو وجود ممارسات تعلن نهاية أفكار التقدم وتاريخ الجمال ، فبودريار يوافق بارت في كمون ما هو ثقافي في قلب الصورة الضوئية ، واستغلال ما هو مألوف كالمبولة ( عند مارسيل دوشامب) كحدث جمالي . إن الارتداد الواعي علي الزمن عند بودريار قد جعل الواقع محملاً بدلالات ما هو بدائي و متجاوز لمركزية الحداثة ، ويعني به اختراق المركزية . وبهذا الصدد يري (جنكس) أن مبدأ اللعب باللغات والتقاليد المعمارية ، يكسر القراءات المغلقة للشكل والصورة ، ويعلق علي مبني الجاليري في مدينة (شتوتجارت) بأنه يجمع شظايا معمارية متناثرة كقلعة إغريقية في موقف للسيارات (راجع – نك كاي – مابعد الحداثية والفنون الأدائية – ت /د/ نهاد صليحه- هيئة الكتاب سنة99 صـ4) هناك إذن تجاوز مقصود للهوية ولأحادية المدلول في مثل هذه الممارسات الجديدة للعمارة ، فالدلالة الوظيفية لموقف السيارات مثلاً تأتي مناهضة لأحادية هذا المدلول. إنه أحد عناصر تشكيلها الجمالي العيني ، إن المبني هنا يجرد مدلوله من وظائفه ، لتصبح إحدي جماليات التلقي والوجود الواقعي للمبني في آن. ويضرب (بودريار) في حواره مثلاً آخر لمتحف صغير في (نيس) يقع علي مسطح مائي غير بعيد عن المطار ، وقد ظل خالياً منذ بنائه ، فلم يعثروا له علي مضمون ، وكأنه متحف للفراغ. لقد أتي هذا المبني في وعي ولا وعي بودريار كصورة تستعيض عن الواقع والوعي وتستبدل مفهوم الوظيفية إلى إنتاج جماليات فريدة للهامش أو الخواء ذي المعاني اللانهائية . وقد انعكس هذا التصور علي فكر وممارسة (جان نوفيل) إذ يرى أن هناك نوعاً من الدارونية المعمارية ، تجعل من الزجاج (الآن) مادة مناسبة للتعبير عن التحول والقدرة والصيرورة ، كما أنه يجمع بين القوة وجماليات الاختفاء . فهل كان الزجاج بديلاً عن حدس نوفيل المعماري ؟ ، أم انتشاراً لمدلول الاختفاء من داخل القوة ؟ .
ازدواجية النص والعمارة فيما بعد الحداثة:
يجمع (نك كاي) فى مصنفه الذي أشرت إليه آنفاً بين تحليل جنكس للانحراف المقصود لممارسات ما بعد الحداثة المعمارية ، والتحليلات الأدبية التى قدمتها (ليندا هاتشون) لجماليات التناقض في روايات يمتزج فيها الوعي الحاد بالتاريخ وسخرية السرد من هذا الملمح. مثل مائة عام من العزلة لماركيز والطبلة الصفيح لجونترجراس والدودة لجون فاولز. العمارة مابعد الحداثية إذن تحمل دلالات النص الساخر من التاريخ والحامل لسماته من جهة الوجود ، والحلم بالوجود في الوعي المدرك وقصدية تجاوز فنون الحداثة. وأرى أن العمارة أيضاً تعكس جماليات الكولاج النصي المفتوح ، فوصف جينكس لممارسات العمارة المعاصرة يعيد إلى الذاكرة النصوص التي تتحرك علاماتها دون سيطرة المؤلف مثل نصوص بروست وجويس وماركيز وغيرهم. يؤكد هذا حوار (جان نوفيل) إذ يؤكد أن مفهوم فقدان المادة عند (مارسيل بروست) ينبغي أن يوجد في فن العمارة ويري أن البرج الذي لا نهاية له أحد مظاهر هذا المفهوم . وأشير هنا إلى نصية المفهوم من داخل وجوده في شكل معماري. إذ يختلط الجزء العلوي بتفتيت لمادة الوجود الواقعي من داخله فيما يشبه حدث الكتابة الأولى المناهضة لسلطة الخطاب .
ومن جهة أخري يؤكد بودريار مفهوم المصادفة ، المأخوذ عن جماليات الكتابة وتطورها الاختلافي – في مجال العمارة ، ويمثل له بوجود مكان في لندن تجد فيه كل شئ تريده دون ما أتيت للبحث عنه وكأن متاهة العلاقات النصية القائمة علي استبدال وعي المتلقي والمبدع معاً كامنة في هذا النموذج. إنه تمثيل حي لتأجيل الخطاب المنتج في اتجاه تكاثر لا واع للأثر .
جماليات التناقض:
يكتب ر.ك ويلكيرسون عن (المماثلة الاستعاضية وبنية الحلم) عند جان بودريار ويري أن مايميز (ما بعد الحداثة) هو مبدأ إعادة الإنتاج للمماثلات الاستعاضية حيث يهتم الشخص بمماثلات الواقع أكثر من اهتمامه بالواقع فالنقاط المرجعية للصورة هي هذه النماذج المتخيلة (الفن المعاصر ع4 2002) و من هذه النقطة تسقط المحاكاة في نسختها الواقعية و العكس . لقد أصبح الوعي المدرك للتناقض هو النقطة التي يتبلور عندها الإحساس بوجود تغير ثقافي يشمل العمارة. أما الاستمرار في إعادة إنتاج هذا التناقض من خلال الممارسة الوجودية والفنية فهو السمة المميزة لنتاج ما بعد الحداثة الواقعي والثقافي – دون انفصال بينهما – في آن واحد. يري بودريار في حواره مع نوفيل أن خواء مفهوم (الراديكالية) يستبدل تاريخ فن العمارة وما يمكن نعته بأنه حقيقي فيها ، كما يذكر أن العمارة قد استنسخت نفسها في شي آخر يمثل نهايتها أو تجاوزها لحدودها الواقعية وكأنه يدرك الفراغ من داخل الانتصاب. لقد استحالت الحركة غير المحددة والخفية للفراغ إلى موقع للحقيقة دون امتلاك لها. وفي هذا تناقض تكويني واضح. أما (نوفيل) فيقرأ المبني وفق المساحة الفارغة التي ينتهي عندها المنظور ، وكأن صيرورة العمارة ولعبها يتجاوزان النزعة الإنسانية المركزية السابقة. هكذا يتجاوز فن العمارة عند نوفيل مقولة المنظور من الأساس ويضع المدرك كأحد علامات اللوحة.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,716,417,952
- مطاردة الفراغ... قراءة في ما بعد الحداثة و ما بعدها و الملام ...
- الفكر النسائي من قضايا الهوية إلى تجاوز الواقع
- تحولات المألوف .... قراءة في رقصات مرحة ل محمد حافظ رجب
- صدمات سياسية ...قراءة في عرض مجاني للجميع لأحمد الشيخ
- قضايا النشر و اليسار في الحوار المتمدن
- موسيقى السرد .... قراءة في البغدادية لسعيد الكفراوي
- تجليات التداخل و التجاور- قراءة في نثار المحو لجمال الغيطاني
- الذاكرة و استشراف الحياة قراءة في عصافير النيل لإبراهيم أصلا ...
- سيمفونية الروائح و الأمكنة - قراءة في مجموعة أوتار الماء لمح ...
- الإنتاجية الإبداعية أهم شروط الإصلاح
- من الذات إلى أنوثة النص
- اندماج الثقافات في كولاج إدوار الخراط
- أحلام نجيب محفوظ مضامين متجددة للتجربة الإنسانية
- جماليات الإبداع تواكب طفرات البيولوجيا
- فرجينيا وولف صوت إبداعي متفرد
- حضور ديريدا
- حول العالم في ثمانين يوما الوجه الجمالي للحقيقة الروائية
- فوكوياما بين تحديات و مخاطر الديمقراطية الجديدة


المزيد.....




- الاكراد يعلنون فك حصار جبل سنجار وإجلاء العالقين من الإيزيد ...
- أزهار الميلاد الحمراء: دائماً رابحة!
- الانقسام التونسي: بين رئيسين!
- -عم علي- في البرلمان
- معاناة عاملات المنازل في الإمارات: عمل متواصل وأجور محدودة و ...
- اليمن: طلاب جامعة صنعاء يُقيمون مهرجاناً حاشداً، ويحذرون من ...
- الجزائر: عمال ولايتي تيزي وزو بشار يضربون عن العمل
- قوة حماية شنكال المستقلة تتحصن في جبل شنكال وتحوله الى تورا ...
- التونسيون بالخارج يختارون رئيسهم
- عشرات القتلى والجرحى في معارك بنغازي


المزيد.....

- ألسباق للفوز بما تبقي من المصادر الطبيعيّة / محمد الأزرقي
- من مقدمة كتاب -نقد النساء- قراءة في عابدات باخوس- القسم 2 / نايف سلوم
- مسارات الصراع العربي - الإسرائيلي بين حربين (1967-1982) / داود تلحمي
- الصورة المرأة بين الواقع الجزائري وأفاق الكتابة النسائية لها / سمراء جبايلي
- النص الكامل لكتاب - مذكرات مستر همفر - / محمد البدري
- الرأسمالية الذهنية او المعرفية / طلال الربيعي
- لمحات من عراق القرن العشرين - فهارست أحد عشر مجلداً / كاظم حبيب
- صاحبة الحروف الأربعة: مجموعة قصصية مترجمة. / المترجم عمار الحامد
- عرض كتاب: السنة والشيعة لماذا يتقاتلون؟ / جواد بشارة
- (وصية) بليخانوف الأخيرة، أم آخر اختراعات -التكنولوجيا القذرة ... / ميثم الجنابي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - محمد سمير عبد السلام - ما بعد الحداثة... و جماليات التناقض..قراءة في الأشياء الفريدة لبودريار